النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
لِلُعُ (١٤) - الِحْر: ٦/١٥-١٥
ثم أخبر أنه سلك التكذيب في قلوب المجرمين الذين عاندوا، واستكبروا
عن اتباع الهدى، فإن مثل ذلك التكذيب والكفر الذي أُدخل في قلوب
المجرمين السابقين، ندخله في قلوب المجرمين الجدد، فضمير (نَسْلُكُهُ﴾ عائد
إلى الشرك. ويصح عوده إلى الذكر (القرآن) أي مثل ذلك الإدخال ندخل
القرآن ونلقيه في قلوبهم مكذباً مستهزأً به غير مقبول، حالة كونهم غير مؤمنين
به أبداً.
﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي مضت السنة المتبعة في الماضين، وهو أنه تعالى
يهلك ويدمر كل من كذّب رسله، ويعلم بهم، وينجي الله الأنبياء وأتباعهم في
الدنيا والآخرة، فلك يا محمد أسوة بالرسل قبلك مع أممهم المكذبة. وبعبارة
أخرى: سنفعل بالمجرمين اللاحقين كما فعلنا بالسابقين، وسننصر الرسل
والمؤمنین.
ثم يخبر الله تعالى عن شدة عنادهم وتمكن كفرهم في نفوسهم ومكابرتهم
للحق، فقال: ﴿وَلَوْ فَنَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا﴾ أي لو فتحنا على هؤلاء المعاندين باباً
من السماء، فجعلوا يصعدون فيه أو تصعد فيه الملائكة، لما صدقوا بذلك،
بل قالوا: إنما منعت وسدت أبصارنا من الإبصار، وقد شبّه علينا، واختلطت
الأمور في أذهاننا، وأصبحنا لا نرى إلا أخيلة، كالقوم المسحورين سحرنا
محمد بآياته، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِنَبًا فِى فِرْطَاسِ فَلَسُوهُ بِأَيِّدِهِمْ
لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٣)﴾ [الأنعام: ٧/٦].
والمعنى: بلغ من عناد المشركين أنهم لو صعدوا في السماء حقيقة، ورأوا
من العيان ما رأوا، لقالوا: هذه أوهام وأخيلة، وقد سحرنا محمد، كما يفعل
عالم السيمياء، أو المنوم المغناطيسي. وفي الآية دليل على وجود الظلام في
الفضاء الخارجي.

٣٢٢
لِلُُ (١٤) - الِحْر: ٦/١٥-١٥
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات الشريفة على مايلي :
اً - لقد تكفل الله تعالى بحفظ القرآن الكريم من التغيير والتبديل، والزيادة
والنقص، إلى يوم القيامة، وهو رد على اتهام المشركين زوراً وبهتاناً بأن محمداً
الذي أنزل عليه هذا القرآن مجنون.
◌َ - لا فائدة من إنزال الملائكة تشهد للنبي وَل بصدقه في دعواه النبوة، لما
فيه من اللبس عليهم، بل إلحاق الضرر بهم، وهو الهلاك أو العذاب إذا كفروا
بعدئذ، ولم يمهلوا بنزوله.
٣ - إن تكذيب الأنبياء والاستهزاء بهم عادة قديمة وظاهرة شائعة في
الأمم، فكما يفعل المشركون بالنبي وَلّر، فكذلك فعل من قبلهم بالرسل.
٤ - كما أدخل أو سلك الله الضلال والكفر والاستهزاء والشرك في قلوب
المجرمين من طوائف الأقدمين، كذلك يسلكه في قلوب مشركي العرب، حتى
لا يؤمنوا بمحمد ثر، كما لم يؤمن من قبلهم برسلهم.
وقيل: نسلك القرآن في قلوبهم، فيكذبون به، ذكر جماعة أنه قول أكثر
المفسرين.
٥ - مضت سنة الله بإهلاك الكفار، فما أقرب هؤلاء المشركين من الهلاك.
أَ - المشركون معاندون، فلو كشف لهم أن يعاينوا أبواباً من السماء تصعد
فيها الملائكة وتنزل، لقالوا: رأينا بأبصارنا مالا حقيقة له.

الجُزُ (١٤) - الِحْر: ١٦/١٥-٢٥
٣٢٣
بعض مظاهر قدرة الله تعالى
من خلق السماوات والأرض وإرسال الرياح لواقح
والإحياء والإماتة والعلم الشامل والحشر
وَحَفِظْنَهَا مِن كُلِّ
﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى السَّمَاءِ بُرُوجَا وَزَيَّنَهَا لِلنَّظِرِينَ (١)
وَالْأَرْضَ مَدَدْنَهَا
١٨
شَيْطَانِ رَحِيمٍ ﴿ إِلَّا مَنِ أُسْتَرَقَ السَّمْعَ فَبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ
وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِهَا مَعِشَ
١٩
وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَسِىَ وَأَنْبَتْنَا فِيَهَا مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْزُونٍ
) وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُ، وَمَا نُنَزِّلُهُ، إِلَّا بِقَدَرٍ
وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِزَزِقِينَ
وَأَرْسَلْنَا اُلِيَنَحَ لَوَقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ فَلَقَيْنَكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ
مَعْلُومٍ ◌ّـ
وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ
٢٣
وَإِنَّا لَنَحْنُ نُّحِ، وَثُمِيتُ وَحْنُ الْوَرِثُونَ
لَهُ بِخَزِنِينَ
مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلْنَا الْمُسْتَتْحِينَ ﴿﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْثُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ
٢٥
القراءات:
﴿ اَلْرِّيَحَ﴾ :
وقرأ حمزة، وخلف (الرِّيح).
الإعراب:
﴿إِلَّا مَنِ أُسْتَقَ﴾ ﴿مَنِ﴾ مستثنى منصوب، ولا يجوز أن يكون بدلاً من
كُلِّ شَيْطَنِ﴾ لأنه استثناء من موجب.
﴿وَمَن ◌َّسْتُمْ﴾ ﴿وَمَنْ﴾ إما منصوب عطفاً على قوله ﴿مَعَِشَ﴾ أي جعلنا
لكم فيها المعايش والعبيد، أو بتقدير فعل، أي وأعشنا من لستم له برازقين،
أو عطفاً على موضع ﴿لَكُمْ﴾ المنصوب بجعلنا، وإما موضعه الرفع مبتدأ،
وخبره محذوف. ولا يجوز في رأي البصريين خلافاً للكوفيين عطفه على الكاف
واللام في ﴿لَكُمْ﴾ لأنه لا يجوز العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار.

٣٢٤
اِلُرُ (١٤) - الِحْر: ١٦/١٥-٢٥
﴿وَإِنِ مِّن شَىْءٍ﴾ إن بمعنى ((ما)) و﴿مِّن﴾ زائدة، و﴿شَىْءٍ﴾ في موضع رفع
مبتدأ، و﴿عِندَنَا﴾ خبر المبتدأ، و﴿خَزَآئِنُهُ﴾ مرفوع بالظرف وهو ﴿عِندَنَا﴾
لوقوعه خبراً للمبتدأ، وتقديره: وماشيء إلا عندنا خزائنه. ودخول ﴿إِلّ﴾
أبطل عمل ﴿وَإِنِ﴾ على لغة من يعملها.
﴿لَوَقِحَ﴾ إما جمع لاقحة، أي حوامل بالسحاب؛ لأنها تسوقه، وإما أصله
ملاقح، لکن أتى به على حذف الزوائد.
البلاغة:
﴿عِندَنَا خَزَآئِنُهُ﴾ استعارة تخييلية وتمثيل لكمال قدرته، شبه قدرته تعالى
على كل شيء بالخزائن المودع فيها الأشياء، ويخرج منها كل شيء على وفق
حکمته.
﴿نُحِّىِ، وَنُمِيتُ﴾ ﴿الْمُسْتَقْدِمِينَ﴾ و﴿ المُسْتَفْخِرِينَ﴾ بين كلٍ طباق.
﴿خَزَآئِنُهُ﴾ و﴿بِخَزِنِينَ﴾ بينهما جناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿بُرُوجًا﴾ البروج: القصور والمنازل، وأصل البروج: الظهور، يقال:
تبرجت المرأة: إذا أظهرت زينتها، والمراد هنا النجوم العظام ونجوم البروج
الاثني عشر المعروفة أي منازل الشمس والقمر والكواكب السيَّارة الأخرى،
وهي اثنا عشر برجاً مختلفة الهيئات والخواص، على ما دل عليه الرصد
والتجربة، مع بساطة السماء، وأسماء هذه البروج: الحمَل، الثور، الجوزاء،
والسَّرطَان، والأسَد، والسُّنبلة، والميزان، والعَقْرب، والقَوْس، والجدْي،
والدَّلوْ، والحوت. والعرب تَعُدُّ معرفة مواقع النجوم وأبوابها من أجلّ
العلوم، ويستدلون بها على الطرقات والأوقات والخصب والجذب. وبرج
المريخ: الحَمَل والعَقْرب، والزُّهرَة: لها الثور والميزان، وعُطارد: له الجوزاء

٣٢٥
الجُزُ (١٤) - ◌ِالحِجْر: ١٦/١٥-٢٥
والسُّنبلة، والقمر: له السرطان، والشمس لها: الأسد، والمشتري له:
القوس والحوت، وزُحَل له: الجدي والدلو.
﴿ وَزَيَّنَهَا﴾ أي السماء بالكواكب ﴿لِلنَّظِرِينَ﴾ المفكرين المعتبرين،
المستدلين بها على قدرة مبدعها وتوحيد صانعها ﴿ وَحَفِظْنَهَا﴾ منعناها بالشهب
﴿رَجِيمٍ﴾ مرجوم بالحجارة ﴿إِلَّا مَنِ أُسْتَقَ﴾ لكن من أخذ الشيء خفية أو
خطفة، شبه خطفتهم اليسيرة من الملأ الأعلى بالسرقة. واسترق السمع:
تسمّعه بخفة وحذر ﴿فَأَنْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ﴾ كوكب يضيء ويحرقه، أو شعلة
ساطعة من النار. وأتبعه: لحقه. ﴿مَدَدْنَهَا﴾ بسطناها بحسب مستوى الناظر
وبالنسبة إلى الناس القاطنين فيها ﴿رَوَسِىَ﴾ جبالاً ثوابت لئلا تتحرك بأهلها
﴿قَوْزُونِ﴾ أي مقدّر بمقدار معين على وفق الحكمة والمصلحة.
﴿مَعَيِشَ﴾ تعيشون بها من المطاعم والملابس، جمع معيشة ﴿وَمَن ◌َّسْتُمْ لَهُ
بِزَزِقِينَ﴾ عطف على معايش أو على محل ﴿لَكُمْ﴾ والمراد به العيال والخدم
والمماليك. والقصد من الآية الاستدلال بجعل الأرض ممدودة بمقدار وشكل
معينين، مختلفة الأجزاء في الوضع، مشتملة على أنواع النبات والحيوان المختلفة
خلقة وطبيعة، على كمال قدرته، وتناهي حكمته، وتفرده بالألوهية،
والامتنان على العباد بما أنعم عليهم في ذلك ليوحدوه ويعبدوه ﴿ وَإِن مِّنْ شَىْءٍ
إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُ﴾ أي وما من شيء إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه
أضعاف ما وجد منه، فضرب الخزائن مثلاً لاقتداره، أو شبه مقدوراته
بالأشياء المخزونة التي لا يحتاج إخراجها إلى كلفة واجتهاد. والخزائن جمع
خزانة، وهي ما تحفظ فيه الأشياء النفيسة أو المهمة.
﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ، إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أي وما نسمح بإنزاله إلا بقدر معلوم
حدّه، لحكمة وعلى حسب المصالح ﴿لَوَقِحَ﴾ حوامل للسحاب، أو التراب،
أو للقاح الشجر، كما في قوله: ﴿حََّ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾ [الأعراف:

٣٢٦
لُ (١٤) - الجِخْرُّ: ١٦/١٥-٢٥
٧/ ٥٧] وفي قولهم: ناقة لاقح أي حامل، شبه الريح التي جاءت بخير تحمل
السحاب الماطر بالحامل، كما شبّه مالا يكون كذلك بالعقيم . ﴿ مِنَ السَّمَاءِ﴾
السحاب ﴿مَآءَ﴾ مطراً ﴿فَأَسْقَيْنَكُمُوهُ﴾ أي جعلناه لكم سقيا لمزارعكم
ومواشيكم، يقال للماء المعد لشرب الأرض أو الماشية وسقايتها به: أسقيته،
وإذا سقاه ماء أو لبناً: سقيته ﴿وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَزِنِينَ﴾ أي ليست خزائنه
بأيديكم ﴿اُلْوَرِثُونَ﴾ الباقون، نرث جميع الخلق ﴿الْمُسْتَقْدِمِينَ﴾ من ماتوا من
ذرية آدم ﴿ المُسْتَشْخِرِينَ﴾ الأحياء الذين تأخروا إلى يوم القيامة، أي بقوا أحياء
﴿يَحْشُرُهُمْ﴾ يجمعهم لا محالة للجزاء وتوسيط الضمير ﴿هُوَ﴾ للدلالة على أنه
القادر المتولي لحشرهم لا غير، وتصدير الجملة بإن لتحقيق الوعد والتنبيه على
صحة الحكم ﴿حَكِيمُ﴾ باهر الحكمة في صنعه متقن الأفعال ﴿عَلِيمٌ﴾ وسع علمه
كل شيء.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى كفر الكافرين وعجز أصنامهم، ذكر كمال قدرته،
وأدلة وحدانيته السماوية والأرضية، ففي السماء: البروج، والكواكب
الساطعة، وفي الأرض الممدودة: الجبال الراسيات، والنباتات المقدرة
بمقادير معلومة موزونة بميزان الحكمة والعلم، المشتملة على معايش الإنسان
الأرْضِ
وَفِيّ أَنْفُسِكُمْ أَفَلَاَ
ءَايَتُ لِلْمُوقِنِينَ
وفي
والحيوان، كما قال تعالى:
تُبْصِرُونَ ﴿ وَفِيِ السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴿ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ مِثْلَ
◌َ﴾ [الذاريات: ٢٠/٥١-٢٣].
مَآ أَنَّكُمْ نَنطِقُونَ
والدلائل الأرضية سبعة: بسط الأرض، الجبال الثوابت، إنبات
النباتات، الإمداد بالأرزاق من الخزائن، إرسال الرياح لواقح، الإحياء
والإماتة للحيوانات، خلق الإنسان.

٣٢٧
لُرُ (١٤) - الِحْر: ١٦/١٥-٢٥
التفسير والبيان:
ووالله لقد أوجدنا في السماء نجوماً عظاماً من الكواكب الثوابت
والسيارات، وزيناها لمن تأمل النظر فيها وكرره، فيما يرى من العجائب
الظاهرة، والآيات الباهرة، التي يجار الناظر فيها، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا زَبَّنَا
﴾ [الصافات: ٦/٣٧] وقوله تعالى: ﴿ثَبَارَكَ الَّذِى
السّمَاءَ الدُّنْيَا بِنَةِ الْكَوَِّبِ
جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١/٢٥].
وقال جماعة: البروج: هي منازل الشمس والقمر.
﴿ وَحَفِظُنَهَا﴾ أي ومنعنا الاقتراب من السماء كل شيطان رجيم، كما قال
﴾ [الصافات: ٧/٣٧] والرجيم:
٧
في آية أخرى: ﴿وَحِفْظًّا مِن كُلِّ شَيْطَنِ مَّارِدٍ
المرجوم، أي المقذوف بالشهب، أو المرمي بالقول القبيح، أو الملعون المطرود.
﴿إِلَّا مَنِ أَسْتَرَقَ﴾ استثناء منقطع، أي لكن من استرق السمع، أو أراد
استراق شيء من علم الغيب الذي يتحدث به الملائكة، لحقه وأتبعه بشهاب
مبين، أي بجزء منفصل من الكوكب، وهو نار مشتعلة، فأحرقه. والشهاب:
شعلة نار ساطع، ويسمى الكوكب شهاباً، كما قال في آية أخرى ﴿وَأَنَّا كُنَّا
نَفَّعُدُ مِنْهَا مَقَعِدَ لِلسَّمْعِّ فَمَن يَسْتَمِعِ الَْنَ يَجِدْ لَهُ شِهَبَا رَّصَدًا (®َ﴾ [الجن:
٩/٧٢] وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّمَ الذُّنْيَا بِمَصَبِيحَ وَجَعَلْنَهَا رُجُومًا لِلشَّيَطِيْنِّ﴾
[الملك: ٦٧ /٥] .
قال ابن عباس رضي الله عنهما: كانت الشياطين لا تحجب عن
السماوات، فكانوا يدخلونها، ويسمعون أخبار الغيوب من الملائكة،
فيلقونها إلى الكهنة، فلما ولد عيسى عليه السلام، منعوا من ثلاث سماوات،
فلما ولد رسول الله و لر منعوا من السماوات كلها، فكل واحد منهم إذا أراد
استراق السمع، رمي بشهاب(١).
(١) تفسير الرازي: ١٦٩/١٩، الكشاف: ١٨٨/٢

٣٢٨
الجُزُ (١٤) - الِغْر: ١٦/١٥-٢٥
والصحيح أن الشهاب يقتل الشياطين قبل إلقائهم الخبر، فلا تصل أخبار
السماء إلى الأرض أبداً إلا بوساطة الأنبياء وملائكة الوحي. ولذلك انقطعت
الكهانة ببعثة النبي
ثم أردف الله تعالى بيان الدلائل الأرضية بعد الدلائل السماوية على
وحدانيته فقال: ﴿وَاَلْأَرْضَ مَدَدْنَهَا﴾ أي وجعلنا الأرض ممدودة الطول
والعرض، ممهدة للانتفاع بها، في مرأى العين، وبالنسبة إلى الإنسان الذي
٤٨
يعيش على سطحها، كما قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْتَهَا فَنِعْمَ الْمَهِدُونَ
[الذاريات: ٤٨/٥١] فلا يعني ذلك نفي كروية الأرض؛ لأن أجزاء الكرة
العظيمة تظهر كالسطح المستوي لمن يقف على جزء منها. وهذا دليل واضح
على كمال قدرة الله تعالى وعظمته؛ لأن الإنسان المنتفع بها يراها منبسطة رغم
تكويرها، ثابتة رغم تحركها.
﴿ وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَسِىَ﴾ أي وجعلنا فيها جبالاً ثوابت كيلا تضطرب
بالإنسان، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَأَلْفَى فِ اْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ
بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥/١٦] فدلت الآيات على خلق الله الأرض وبسطها
وتوسيعها وجعل الجبال الراسيات والأودية والرمال فيها.
﴿ وَأَنْبَتْنَا فِيَهَا﴾ أي وأنبتنا في الأرض من الزرع والثمار المتناسبة، المقدرة
بميزان معلوم، وحكمة ومصلحة، ومقدار معين، فكل نبات وزنت عناصره،
وقدرت بما يحتاجه. فقوله تعالى: ﴿مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْزُونٍ﴾ أي مقدر بقدر
معلوم، موزون بميزان الحكمة أي على وفق الحكمة والمصلحة، كما قال
سبحانه: ﴿وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨/١٣].
﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِهَا مَعَِيِشَ﴾ أي وأعددنا لكم في الأرض أسباب المعيشة
والحياة الملائمة من غذاء ودواء، ولباس وماء، ونحوها .﴿وَمَن ◌َّسْتُمْ لَهُ
بِزَزِقِينَ﴾ أي وجعلنا لكم فيها أيضاً الخدم والمماليك والدواب والأنعام التي
لستم أنتم لها رازقين، وهذا يعني أن الله يرزقكم وإياهم.

٣٢٩
لُعُ (١٤) - الِحْر: ١٦/١٥-٢٥
والمقصود من الآيات أنه تعالى يمتن على الناس بما يشَر لهم في الأرض من
أسباب المكاسب والمعيشة، وبما سخر لهم من الدواب التي يركبونها،
والأنعام التي يأكلونها، والخدم الذين يستخدمونهم، وقد تكفل الله الخالق
برزقهم، فرزقهم على خالقهم، لا عليهم، فلهم المنفعة، وعلى الله التسخير
والرزق.
ثم أخبر الله تعالى أنه مالك كل شيء، وأن كل شيء سهل يسير عليه، وأن
عنده خزائن الأشياء من جميع الأصناف، من نبات ومعادن ومخلوقات لا
حصر لها، فقال: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُ﴾ أي وما من شيء في هذا
الكون ينتفع به الناس إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه والإنعام به، وما
نعطيه إلا بمقدار معلوم، نعلم أنه مصلحة له، فذكر الخزائن أراد به التمثيل
لا الحقيقة وهو اقتداره على كل مقدور.
ثم أوضح تعالى أسباب حصول النعم، فقال: ﴿وَأَرْسَلْنَا الْرِّيَحَ لَوَقِحَ﴾ أي
وأرسلنا الرياح الخيرة تحمل السحب المشبعة بالرطوبة لإنزال الأمطار، كما
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَيِّةٍ، حَّةٍ إِذَا
أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، مِن كُلِّ
الثَّمَزَتِ﴾ [الأعراف: ٥٧/٧].
وكذلك جعلنا الرياح وسيطة لتلقيح الأشجار، بنقل طلع الذكور ولقاحها
إلى الإناث، ليتكون الثمر.
كما أننا جعلنا الرياح وسائل إزالة الغبار عن الأشجار، لينفذ الغذاء إلى
مسامّها. قال ابن عباس: الرياح لواقح للشجر وللسحاب.
﴿فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ﴾ أي فأنزلنا من السحاب مطراً، فأسقيناكموه أي
يمكنكم أن تشربوا منه، وأسقينا به زرعكم ومواشيكم، كما قال تعالى:
﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيِّ﴾ [الأنبياء: ٣٠/٢١] وقال سبحانه: ﴿أَفَرَّغَيْتُمُ

٣٣٠
الجُزُ (١٤) - الخضر: ١٦/١٥ -٢٥
٦٨
(® لَوْ نَشَآءُ
ءَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ
اَلْمَآءَ الَّذِى تَشْرَيُونَ
جَعَلْنَهُ أُجَاجًا فَلَوَّلَا تَشْكُرُونَ
[الواقعة: ٦٨/٥٦-٧٠] وقال: ﴿هُوَ الَّذِىّ
أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ لَّكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ
[النحل: ١٠/١٦] .
﴿وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَزِنِينَ﴾ أي لستم له بحافظين، بل نحن ننزله ونحفظه
عليكم ونجعله ينابيع في الأرض، ولو شاء تعالى لأغاره وذهب به، ولكن من
رحمته أبقاه لكم في طول السنة، لشرب الناس والزروع والثمار والحيوان،
فالتخزين يكون في السحاب وفي جوف الأرض.
ثم أخبر الله تعالى عن قدرته على بدء الخلق وإعادته فقال: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُِىء
وَثُمِيتُ﴾ أي ونحن نحيي الخلق من العدم، ثم نميتهم، ثم نبعثهم كلهم ليوم
الجمع، ونحن نرث الأرض ومن عليها، وإلينا يرجعون: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا
٢٠/٠٠
وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨/٢٨].
ثم أنبأنا الله تعالى عن تمام علمه بالمخلوقات أولهم وآخرهم، فقال: ﴿وَلَقَدْ
عَلِّمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ﴾ أي والله لقد علمنا كل من تقدم وهلك من لدن آدم
عليه السلام، ومن هو حي، ومن سيأتي إلى يوم القيامة.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾ أي وإن ربك هو الذي يجمعهم جميعاً، الأولين
والآخرين، من أطاع ومن عصى، ويجازي كل نفس بما كسبت، إنه تعالى
حكيم باهر الحكمة في صنعه، متقن الأفعال، واسع العلم، وسع علمه كل
شيء، فهو يفعل بمقتضى الحكمة والعلم الشامل.
فقه الحياة أو الأحكام:
ذكرت الآيات دلائل التوحيد السماوية منها والأرضية، وبدأ بذكر الأدلة
السماوية، وأردفها بالأدلة الأرضية، وهي ما يأتي:

٣٣١
الجُزُ (١٤) - الِحْرٌ: ١٦/١٥-٢٥
اً - خَلْق النجوم العظام والكواكب الثابتة والسيارة، وخَلْق بروج ومنازل
لها، وهي اثنا عشر برجاً، معروفة في علم الفلك، قدمت ذكرها في بيان
المفردات.
اً - حفظ السماء من مقاربة الشيطان الرجيم أي المرجوم، والرجم:
الرمي بالحجارة أو باللسان سباً وشتماً، وهو أيضاً: اللعن والطرد. قال
الكسائي: كل رجيم في القرآن فهو بمعنى الشتم.
ومن حاول اختطاف شيء من علم الغيب، قذف بجزء منفصل من
الكوكب، مشتعل النار، فأحرقه وقتله، قبل إلقاء ما استرقه من السمع إلى
غيره.
◌َّ - الأرض مخلوقة ممهدة منبسطة تتناسب مع إمكان الحياة البشرية
عليها، وهي مثبّتة بالجبال الرواسي لئلا تتحرك بأهلها، وفيها من النباتات
المختلفة ذات المقادير المعلومة، على وفق الحكمة والمصلحة، وفيها أيضاً
أصناف المعايش من مطاعم ومشارب يعيش الناس وغيرهم بها، وفيها كذلك
الدواب والأنعام ذات المنافع المتعددة، والله هو الذي يرزقها.
٤ - الله مالك كل شيء، يوجده ويكوِّنه وينعم به على حسب مشيئته
بمقدار معلوم بحسب حاجة الخلق إليه، فما من شيء من أرزاق الخلق
ومنافعهم إلا وعند الله خزائنه، كالمطر المنزل من السماء، والذي به نبات كل
شيء، ولكن لا ينزله إلا بمقتضى مشيئته وعلى قدر الحاجة، كما قال تعالى:
﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الْرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِىِ اُلْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ﴾
[الشورى: ٤٢ /٢٧] .
٥ - هيأ الله في الكون أسباباً للرزق والإيجاد، منها أنه جعل الرياح لواقح
للسحاب والأشجار، فأنزل بها الأمطار لشرب الناس وسقاية الزروع والثمار
والأشجار والدواب، وهو تعالى يخزنها في السحاب وجوف الأرض، وهو
سبحانه المحيي والمميت ووارث الكون، فلا يبقى فيه أحد.

٣٣٢
اِلُ (١٤) - الجِّْرّ: ١٦/١٥-٢٥
أَ - الله تعالى عالم بجميع المخلوقات المتقدمة والمتأخرة إلى يوم القيامة، وإنه
تعالى سيحشر الناس جميعاً للحساب والجزاء.
واستنبط الفقهاء من آية ﴿ وَلَقَدْ عَلِيْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَشْخِينَ
حکمین فقهیین:
(٢٤)
الأول - فضل أول الوقت في الصلاة، وفضل الصف الأول في صلاة
الجماعة، قال النبي ◌َّ﴿ فيما رواه أحمد والشيخان والنسائي عن أبي هريرة:
((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا
عليه، لاستهموا)). وفي الصف الأول مجاورة الإمام، لكن مجاورة الإمام لا
تكون لكل أحد، وإنما هي لكبار العقول، كما قال ◌َله فيما رواه مسلم
وأصحاب السنن الأربع عن أبي مسعود: ((لِيَلِيني منكم أولو الأحلام والنُّهى))
وهذا حق ثابت لهم بأمر صاحب الشرع.
الثاني - فضل الصف الأول في القتال، لأن المتقدم باع نفسه لله تعالى، ولم
يكن أحد يتقدم الحرب بين يدي رسول الله وَلير؛ لأنه كان أشجع الناس. قال
البراء: كنا والله إذا احمرَّ البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذِي به،
يعني النبي ◌َلآ.

اِلُحُ (١٤) - الِحْر: ٢٦/١٥-٤٤
٣٣٣
بدء خلق الإنسان وأمر الملائكة بالسجود له
وإباء إبليس وعداؤه البشر
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنْسَنَ مِن صَلْصَلٍ مِّنْ حٍَ تَسْنُونٍ
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَئِكَةِ إِنِّ خَلِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَلٍ مِّنْ حَمَلٍ
٢٧
ثَارِ السَّمُومِ
وَالْجَانَ خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ مِن
٢٦
فَإِذَا سَوَّيْتُهُ, وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ
٢٨
مَّسْنُونٍ
فَسَجَدَ
٢٩
الْمَلَئِكَةُ كُلُهُمْ أَجْمَعُونَ ﴿ إِلَّ إِيْلِسَ أَبَ أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّجِدِينَ
قَالَ
٣١
يَإِبْلِسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّجِدِينَ
قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن
٣٢
قَالَ فَأَخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَحِيمٌ
٣٣
صَلْصَلٍ مِّنْ حٍَ مَّسْنُونٍ
وَإِنَّ عَلَيْكَ
٣٤
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ
اُلَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ﴿ قَالَ رَبٍّ فَأَنْظِرْنِيِّ إِلَى يَوْمِ يُبْعَنُونَ
الْمُنَظَرِينَ ﴿ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ اَلْمَعْلُومِ ﴿﴾ قَالَ رَبِّ بِمَّ أَغْوَيْنَنِى لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى
قَالَ هَذَا صِرَطُ
إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
اُلْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَهُمْ أَجْمَعِينَ (®
عَلَى مُسْتَقِيءُ
٤١
إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ أَتَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ
٤٢
، وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ لَا سَبْعَةُ أَبْوَبٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ
33
مَقْشُ؟
القراءات:
اٌلْمُخْلَصِينَ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: (المُخْلِصين).
(صِرَطٌ﴾:
وقرأ قنبل (سراط).
الإعراب:
﴿وَالْجَانَ﴾ منصوب بفعل مقدر، تقديره: وخلقنا الجانَّ خلقناه، وقدّر

٣٣٤
الُ (١٤) - الجُهْر: ٢٦/١٥-٤٤
الفعل الناصب ليعطف جملة فعلية على جملة فعلية، هي قوله: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا
الإِنسَنَ
﴿كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ توكيد للمعرفة بعد توكيد، وذهب بعض النحويين إلى
أن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ أفاد معنى الاجتماع، أي سجدوا كلهم مجتمعين، لا متفرقين،
إلا أنه يلزمه على هذا أن ينصبه على الحال.
﴿مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ﴾ ﴿مَا﴾ مبتدأ، و﴿ لَكَ﴾ خبره، وتقديره: أي شيء كائن
لك ألا تكون، أي في ألا تكون، فحذفت (في) وهي متعلقة بالخبر، فانتصب
موضع (أنْ).
﴿لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ﴾ ﴿مِّنْهُمْ﴾ متعلق بالظرف الذي هو ﴿لِّكُلِّ﴾،
مثل قولهم: كل يوم لك درهم، فإن كل يوم منصوب بـ (لك). و(جُزْءٌ
مَفْسُوهُ﴾ مرفوع بالظرف الذي هو ﴿لِكُلِّ بَابٍ﴾؛ لأن قوله ﴿لِكُلِّ بَابٍ﴾
وصف لقوله: ﴿أَبْوَبٍ﴾ أي لها سبعة أبواب، كائن لكل باب منها جزء
مقسوم منهم، أي من الداخلين، فحذف منها العائد إلى ﴿أَبْوَبٍ﴾ التي هي
الموصوف، وحذف العائد من الصفة إلى الموصوف جائز في كلامهم، كما في
قوله تعالى: ﴿ وَأَتَّقُواْ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ﴾ [البقرة: ٤٨/٢] [١٢٣] أي ما تجزي
فیه.
المفردات اللغوية:
﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنسَانَ﴾ آدم أو الجنس ﴿مِن صَلْصَلٍ﴾ طين يابس، يسمع له
صلصلة، أي صوت، إذا نُقر. فإذا طبخ فهو فَخَّار ﴿حَمَلٍ﴾ طين أسود، أي
تغيَّر واسود من مجاورة الماء له ﴿مَسْنُونٍ﴾ متغير الرائحة، والتقدير: أي كائن
من حما مسنون ﴿وَالْجَانَ﴾ أبا الجن وهو إبليس، أو هذا الجنس ﴿مِن قَبْلُ﴾ من
قبل خلق آدم ﴿مِن نَّارِ السَّمُومِ﴾ هي نار شديدة الحرارة، لا دخان لها، تنفذ
من المسام وتقتل.

٣٣٥
الجُزءُ (١٤) - الِحْر): ٢٦/١٥-٤٤
{وَإِذْ قَالَ﴾ واذكر حين قال ﴿بَشَرًا﴾ إنساناً، وسمي بذلك لظهور بشرته
أي ظاهر جلده ﴿سَوَيْتُهُ﴾ أتممت خلقه وهيأته لنفخ الروح فيه ﴿وَنَفَخْتُ﴾
أجريت من الفم أو غيره، والمراد: إضافة عنصر الحياة في المادة القابلة لها.
﴿مِن رُّوحِى﴾ أي فصار حياً، وإضافة الروح إلى الله تشريف لآدم ﴿فَفَعُواْ لَهُ
سَجِدِينَ﴾ أي فاسقطوا له ساجدين سجود تحية بالانحناء. ﴿كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾
فيه تأكيدان للمبالغة في التعميم ﴿إِلَّ إِبْلِسَ﴾ هو أبو الجن، الذي كان بين
الملائكة ﴿أَنَ﴾ امتنع من أن يسجد له، والاستثناء إما منقطع متصل بقوله:
﴿أَبَ﴾ أي لكن إبليس أبى، وإما متصل على أنه استئناف، على أنه جواب
سائل قال: هلا سجد.
﴿قَالَ﴾ تعالى ﴿يَاِبْلِسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ﴾ أي ما منعك، أو أي غرض لك
في ألا تكون مع الساجدين ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ﴾ لا ينبغي لي أن أسجد، واللام
لتأكيد النفي، أي لا يصح مني، وينافي حالي ﴿لِبَشَرٍ﴾ جسماني كثيف، وأنا
ملك روحاني ﴿خَلَقْتَهُ مِن صَلَّصَلٍ مِّنْ حَمٍَ مَّسْنُونٍ﴾ أي وهو أخسُّ العناصر،
وأنا خلقتني من نار، وهي أشرف العناصر.
﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ أي من الجنة أو من السماوات أو من زمرة الملائكة
﴿رَحِيمٌ﴾ مطرود من الخير والكرامة، وهو وعيد يتضمن الجواب عن شبهته
﴿ الَّعْنَةَ﴾ الطرد والإبعاد ﴿إِلَى يَوْمِ أَلِينِ﴾ يوم الجزاء ﴿فَأَنْظِرُنِّ﴾ أمهلني
وأخرني ولا تمتني ﴿إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ﴾ أي يوم بعث الناس ﴿يَوْمِ الْوَقْتِ
اُلْمَعْلُومِ﴾ المسمى فيه أجلك عند الله، أو وقت انقراض الناس كلهم، وهو
وقت النفخة الأولى حين تموت الخلائق، كما روي عن ابن عباس. ويجوز أن
يراد بالأيام الثلاثة: يوم القيامة، واختلاف العبارات لاختلاف الاعتبارات
كما قال البيضاوي، فهو يوم الجزاء، ويوم البعث، واليوم المعلوم وقوعه عند
الله، والمؤكد حدوثه في علم الناس.

٣٣٦
الجُزُ (١٤) - الِحْر: ٢٦/١٥-٤٤
﴿ِمَّآ أَغْوَيْنَنِى﴾ أي بإغوائك لي، والإغواء: الإضلال، والباء للقسم،
وما: مصدرية، وجواب القسم: ﴿لَأَزَيِّنَنَّ﴾ والمعنى: أقسم بإغوائك إياي
لأزينن لهم المعاصي في الدنيا التي هي دار الغرور ﴿اٌلْمُخْلَصِينَ﴾ أي المؤمنين
الذين استخلصهم الله لطاعته وطهرهم من الشوائب، وقرئ بكسر اللام، أي
الذين أخلصوا لك العبادة من الرياء أو الفساد.
﴿هَذَا صِرَّطُ عَلَىَّ﴾ أي هذا حق على أن أراعيه ﴿مُسْتَقِيمُ﴾ أي لا انحراف
فيه، ولا عدول عنه إلى غيره. والإشارة إلى ما تضمنه الاستثناء: وهو تخلص
المخلصين من إغوائه، أو الإخلاص.
﴿إِنَّ عِبَادِى﴾ المؤمنين ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾ تصديق لإبليس فيما
استثناه، والمراد بيان نجاتهم من تأثير الشيطان عليهم. والسلطان: التسلط
بالإغواء ﴿اَلْغَاوِينَ﴾ الكافرين ﴿لَمَّوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي لموعد الغاوين أو
المتبعين، و﴿أَجْمَعِينَ﴾ تأكيد للضمير، أو حال، والعامل فيها: الموعد إن جعل
مصدراً على تقدير مضاف، أما إن جعل اسم مكان فإنه لا يعمل ﴿سَبْعَةُ
أَبَّوَبٍ﴾ يدخلون منها لكثرتهم، أو سبع طبقات ينزلونها بحسب مراتبهم في
المتابعة، وهي جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم،
ثم الهاوية. ولعل تخصيص العدد ليشمل جميع المهلكات، أو لأن أهلها سبع
فرق ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ﴾ من الأتباع ﴿جُزْءٌ مَّقْسُومُ﴾ نصيب أو فريق معين
مفرز له.
المناسبة:
هذا هو النوع السابع من دلائل وجود الله وقدرته وتوحيده، فإنه تعالی لما
استدل بتخليق الحيوانات على صحة التوحيد في الآية المتقدمة، أردفه
بالاستدلال بتخليق الإنسان على هذا المطلوب نفسه.
والدليل هو أنه لما ثبت بالدلائل القاطعة أنه يمتنع وجود حوادث لا أول

٣٣٧
الُهُ (١٤) - الِحْر: ٢٦/١٥-٤٤
لها، فيجب انتهاء الحوادث إلى حادث أول، فلا بد من انتهاء الناس إلى إنسان
هو أول الناس، وذلك الإنسان الأول غير مخلوق من الأبوين، فيكون مخلوقاً
لا محالة بقدرة الله تعالى.
وبعد أن ذكر الله تعالى خلق الإنسان الأول، ذكر مقاله للملائكة والجن
بشأنه.
التفسير والبيان:
ولقد خلق الله الإنسان الأول آدم أبا البشر من طين أو تراب يابس،
فالحمأ: هو الطين، والمسنون: الأملس، والصلصال: التراب اليابس،
وقيل: إنه المنتن المتغير الرائحة في الأصل. وقد بدأ الخلق أولاً من تراب، ثم
من طين، ثم من صلصال، ليكون أدل على القدرة الإلهية.
وخلقنا جنس الجن من نار السموم، أي نار الريح الحارة التي لها لَفْح
وتقتل من أصابته. قال ابن مسعود: هذه السموم جزء من سبعين جزءاً من
السموم التي خلق منها الجانّ، ثم قرأ: ﴿وَالْجَنَّ خَلَقْنَهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ
﴾ وورد عن عائشة في صحيح مسلم، وأحمد: ((خلقتُ الملائكة من نور،
وخَلَقتُ الجان من مارج من نار، وخُلِق آدم مما وُصِف لكم)).
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ مِن صَلْصَلٍ كَالْفَخَّارِ
١٤
١١٥ ﴾ [الرحمن: ١٤/٥٥-١٥].
وَخَلَقَ الْجَانَ مِن مَّارِجِ مِّن نَّارٍ
وفي هذا إشارة إلى برودة طبع الإنسان، وحرارة طبيعة الجن. وفي الآية تنبيه
على شرف آدم عليه السلام، وطيب عنصره، وطهارة محتده، وذلك کله دلیل
على قدرة الله تعالى.
ثم أبان الله تعالى تشريفه لآدم عليه السلام بأمر الملائكة بالسجود له،
وتخلُف إبليس عدوه عن السجود له من بين سائر الملائكة، حسداً وكفراً،
وعناداً واستكباراً، وافتخاراً بالباطل، فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَئِكَةِ﴾ .

٣٣٨
لُعُ (١٤) - الحِجرّ: ١٥ /٢٦-٤٤
أي واذكر أيها الرسول لقومك حين أمرت الملائكة قبل خلق أبيكم آدم
بالسجود له بعد اكتمال خلقه، وإباء إبليس عدوه من بين سائر الملائكة
السجود له، قائلاً: ﴿قَالَ لَمْ أَكُن لَّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَلٍ مِّنْ حَمَاٍ
(١٢)﴾ [الحجر: ٣٣/١٥] متذرعاً بقوله: ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِنْةٌ خَلَقْنَنِ مِن نَّارِ
مّسْنَونٍ
وَخَلَقْنَهُ مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧٦/٣٨] وقوله: ﴿قَالَ أَرَءَيْنَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ
عَلَىَّ﴾ [الإسراء: ٦٢/١٧].
وقد تضمن دفاع إبليس وسبب امتناعه عن السجود لآدم: بأنه خير منه،
فإنه خلق من النار، وآدم من الطين، وفي النار عنصر الارتفاع والسمو، وفي
التراب عنصر الخمود والركود، فهي أشرف من الطين، والأعلى لا يعظم
الأدنی.
وذلك قياس فاسد؛ لأن خيرية المادة لا تعني خيرية العنصر، بدليل أن
الملائكة من نور، والنور خير من النار. ثم إنه عصيان أمر الخالق، وجهل بأن
آدم امتاز باستعداد علمي وعملي لتلقي التكاليف وتقدم الكون.
لذا عاقبه الله بقوله: ﴿قَالَ فَأَخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَحِيمٌ ﴾ أي فاخرج من
المنزلة التي كنت فيها من الملأ الأعلى، فإنك مرجوم، أي لعين مطرود، لعنة
دائمة ملازمة له إلى يوم القيامة.
وإمعاناً في الكيد لآدم وحسداً له ولذريته طلب الإمهال إلى يوم البعث من
القبور، وحشر الخلق لموقف الحساب، فأرجأه الله إلى يوم الوقت المعلوم،
وهو وقت النفخة الأولى حين تموت الخلائق.
فلما تحقق إبليس الانتظار لذلك اليوم ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْثَنِ﴾ أي قال
إبليس عاتياً متمرداً: رب بسبب إغوائك وإضلالك إياي، لأزيين في الأرض
أي الدنيا لذرية آدم عليه السلام الأهواء، وأُحبِّب إليهم المعاصي، وأُرغّبهم
فيها، إلا المخلصين الذين أخلصوا لك في الطاعة والعبادة. واستثنى المخلصين؛
لأنه علم أن كيده لا يعمل فيهم، ولا يقبلون منه.

٣٣٩
لُعُ (١٤) - الحرّ: ٢٦/١٥-٤٤
(@) أي هذا
فهدده تعالى وتوعده بقوله: ﴿قَالَ هَذَا صِرَّطُ عَلَىَّ مُسْتَقِيمُ
الطريق في العبودية أو الإخلاص طريق مستقيم، مرجعه إلي، فأجازي كل
واحد بعمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ
٤ [الفجر: ١٤/٨٩]. فقوله: ﴿هَذَا صِرَطُ عَلَىَّ مُسْتَقِيرٌ﴾ أي
١٤
لَِاُلْمِرْصَادِ
هذا الإخلاص طريق علي وإلي، يؤدي إلى كرامتي وثوابي، أو هذا الطريق في
العبودية طريق علي مستقيم، أو هذا طريق علي تقريره وتأكيده، وهو مستقيم:
حق وصدق. ومؤدى الكلام: ألا مهرب لأحد مني، كما يقال لمن يتوعده
ويتهدده: طريقك علي. وقوله: مستقيم أي لا عوج فيه ولا انحراف. وهو رد
لما جاء في كلام إبليس: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيمَ، ثُمَّ لَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ
وَمِنْ خَلِّفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ وَعَن شَيِلِهِمِّ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَكِينَ ﴿٢﴾ [الأعراف: ٧/
١٦-١٧ ] .
﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾ أي إن عبادي المؤمنين المخلِصين أو غير
المُخْلِصِين، أو الذين قدرت لهم الهداية، لا سلطان لك على أحد منهم، ولا
سبيل لك عليهم، ولا وصول لك إليهم ﴿إِلَّا مَنِ أَتَّعَكَ﴾ استثناء منقطع، أي
لكن الذين اتبعوك من الضالين المشركين باختيارهم، فلك عليهم سلطان،
بسبب كونهم منقادين لك في الأمر والنهي، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا
[النحل: ١٦/
١٠٠
سُلْطَانُمُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ، مُشْرِكُونَ
١٠٠].
ونظير الآية: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانُّ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَنَوَكَّلُونَ
إِنَّمَا سُلْطَانُ عَلَى الَّذِينَ يَنَّوَلَوْنَهُ وَاَلَّذِينَ هُم بِهِ، مُشْرِكُونَ
٩٩٦
١٠٠٪
[النحل: ٩٩/١٦ - ١٠٠] .
· أي إن جهنم موعد جميعٍ من اتبع
(٤٣)
﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ
إبليس، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود:
١٧/١١] .

٣٤٠
الُهُ (١٤) - الجِجْر: ٢٦/١٥-٤٤
ثم أخبر أن لجهنم سبعة أبواب ﴿لَمَا سَبْعَةُ أَبْوَبٍ﴾ أي لجهنم سبعة أبواب،
قد خُصص لكل باب منها جزء مقسوم وعدد معلوم من أتباع إبليس،
يدخلونه، لا محيد لهم عنه، وكلٌّ يدخل من باب بحسب عمله، ويستقر في دَرَكٍ
بقدر عمله.
وفي تفسير الأبواب السبعة قولان:
قول: إنها سبع طبقات: بعضها فوق بعض، وتسمى تلك الطبقات
بالدركات، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الُْفِقِينَ فِ الذَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾
[النساء: ١٤٥/٤] والسبب: أن مراتب الكفر مختلفة بالشدة والخفة، فاختلفت
مراتب العذاب.
وقول آخر: إنها سبعة أقسام، ولكل قسم باب، أولها كما ذكر ابن
جريج: جهنم، ثم لظى، ثم الحطّمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم
الهاوية. الأولى كما ذكر الضحاك: للعصاة الموحدين، والثانية: لليهود،
والثالثة: للنصارى، والرابعة: للصابئين، والخامسة: للمجوس، والسادسة:
للمشركين، والسابعة: للمنافقين.
فقه الحياة أو الأحكام:
أفادت الآيات ما يأتي:
اً - خلق الله آدم عليه السلام الإنسان الأول من طين يابس، مما يدل على
القدرة الإلهية.
وخلق الجانَّ من قبل خلق آدم من نار جهنم أو من الريح الحارة التي تقتل،
أو من نار لا دخان لها. ورد في صحيح مسلم عن أنس أن رسول الله وَالله قال: