النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
الُ (١٣) - إبْرَاهِيمٌ: ١٤ / ٤٢-٥٢
النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسََّ سَقَرَ
[القمر: ٤٨/٥٤] .
٤٨
ثم بين الله تعالى سبب الجزاء فقال: ﴿لِيَجْزِىَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسِ مَا كَسَبَتْ﴾
أي إنه تعالى فعل كل ذلك ليجزي يوم القيامة كل شخص بما يليق بعمله
وكسبه، من خير أو شر، فيعاقب المجرمين أو الكفار على كفرهم ومعصيتهم،
ويثيب المؤمنين على إيمانهم وطاعتهم، كما قال تعالى: ﴿لِيَجْرِىَ الَّذِينَ أَسْئُواْ بِمَا
عَمِلُواْ وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١/٥٣].
ثم قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي إنه تعالى يحاسب جميع
العباد بسرعة وهي في قدر نصف نهار من أيام الدنيا، كما جاء في الحديث،
ولا يظلم الناس ولا يزيد في عقابهم الذي يستحقونه، وهو سريع الإنجاز؛
لأنه يعلم كل شيء ولا تخفى عليه خافية، وإن جميع الخلق بالنسبة إلى قدرته
كالواحد منهم، كقوله تعالى: ﴿مَّا خَلْفُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسِ وَاحِدَةٍ﴾
[لقمان: ٢٨/٣١]، وهو سريع الإحصاء.
ثم قال تعالى: ﴿هَذَا بَلَغُ لِلنَّاسِ﴾ أي هذا القرآن بلاغ للناس أي تبليغ
وكفاية في الموعظة، كما قال تعالى: ﴿لِأَنْذِرَكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩/٦] أي
هو بلاغ لجميع الخلق من إنس وجن.
﴿ وَلِيُنْذَرُواْ بِهِ﴾ أي ليكون منذراً لهم بالعقاب ومحذراً من العذاب، وهو
معطوف على محذوف أي لينتصحوا ولينذروا بهذا البلاغ.
﴿ وَلِيَعْلَمُوْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ أي وليستدلوا بما فيه من الحجج والدلالات
على أنه لا إله إلا هو.
﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ أي وليتذكر ويتعظ به ذوو العقول أي إن لهذا
البلاغ ثلاث فوائد: وهي التخويف من عذاب الله، والاستدلال به على
وجود الخالق ووحدانيته، والاتعاظ به وإصلاح شؤون الإنسان.

٣٠٢
الجُزءُ (١٣) - إبْرَاهِيمٌ: ١٤ / ٤٢-٥٢
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - وجود يوم القيامة بنحو مؤكد مقطوع به، أما تأخير العذاب الشديد
ليوم القيامة فلحكمة إلهية يعود نفعها إلى مصلحة العباد، كيلا يعجل بعقابهم
وتترك الفرصة لهم لإصلاح أحوالهم، فليس تأخير العذاب للرضا بأفعالهم،
بل سنة الله إمهال العصاة مدة. وفي هذا تسلية للنبي وُّل عما ساءه من إعراض
المشركين عن الإيمان بدعوته، قال ميمون بن مِهْران: هذا وعيد للظالمين،
وتعزية للمظلوم.
لاً - يسيطر على يوم الحساب الحيرة والدهشة، والخوف والفزع،
والاضطراب والقلق، فترى المجرمين حيارى لا تغمض أعينهم من هول ما
يرونه في ذلك اليوم، ويسرعون في الخروج من القبور إلى مكان دعاء الداعي
لهم بالتجمع في موقف الحساب، ناظرين من غير أن يَظْرفوا، ورافعي
رؤوسهم ينظرون في ذل واستكانة، لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة النظر،
فهي شاخصة النظر، وأفئدتهم خاوية خربة ليس فيها خير ولا عقل، ولا
وعي ولا فهم من شدة الخوف.
مَا - لا مناص من العذاب يوم القيامة ولا مفر منه، ولا أمل ولا رجاء في
العودة إلى الدنيا لإصلاح الاعتقاد والأقوال والأفعال.
◌َ - ما أكثر المواعظ والعبر وأقل الاتعاظ والاعتبار !! فقد سكن الناس في
مساكن الظالمين، في بلاد ثمود ونحوها، ولم يعتبروا بمساكنهم، بعد ما تبين ما
فعل الله بهم، وبعد أن ضرب الله لهم الأمثال في القرآن للعظة والعبرة.
٥ - لا جدوى من مكر الكافرين الشديد بالشرك بالله وتكذيب الرسل
والمعاندة، فعند الله العلم التام بمكرهم، وهو مجازيهم عليه. ومكرهم حقير

٣٠٣
لُ (١٣) - إبرَاهِيمَ: ١٤ / ٤٢-٥٢
مهين لا يؤدي إلى شيء، من إزالة جبال الأرض، وإزاحة الإسلام والقرآن
الثابتين ثبوت الجبال الراسيات، وقد حفظ الله رسوله وَ له من ألوان مكرهم.
أَ - الله تعالى منجز وعده لرسله وأوليائه لا محالة، ولن يخلف الله وعده
بنصر أهل الحق وعقاب المبطلين، والله تعالى قوي غالب منتقم من أعدائه،
ومن أسمائه: المنتقم الجبار.
لاً - تتبدل الأرض والسماوات يوم القيامة، وتبدل الأرض في رأي
الأكثرين: عبارة عن تغير صفاتها، وتسوية آكامها، ونسف جبالها، ومدّ
أرضها. وتبدل السماوات: انتثار كواكبها وتصدعها وانشقاقها وتكوير
شمسها وخسوف قمرها.
٨ - للمجرمين في النار صفات كئيبة، فهم مقيدون بالأغلال والقيود،
وتطلى جلودهم بالقَطِران، وتضرب النار وجوههم فتغشِّيها وتحيط بها وبجميع
أجسادهم.
- إن حشر الناس يوم المعاد لإنصاف الخلائق وإقامة صرح العدل المطلق
بينهم، ومجازاة كل امرئ بما عمل، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
٠ ١ - القرآن وما فيه من عظات تبليغ للناس وعظة، وإنذار وتخويف من
عقاب الله عز وجل، ومصدر للعلم بوحدانية الله بما تضمنه من الحجج
والبراهين، وموعظة يتعظ به أصحاب العقول. روى يمان بن رِئاب أن هذه
الآية ﴿هَذَا بَغُ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُواْ بِهِ﴾ نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
وسئل بعضهم، هل لكتاب الله عنوان؟ فقال: نعم؛ قيل: وأين هو؟ قال:
قوله تعالى: ﴿هَذَا بَلَغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُواْ بِهِ،﴾ إلى آخرها.

٣٠٤
الُُ (١٣) - إبرَاهِيمٌ: ١٤ / ٤٢-٥٢
راً - هذه الآية الأخيرة من السورة دالة على أنه لا فضيلة للإنسان ولا
منقبة له إلا بسبب عقله؛ لأنه تعالى بيَّن أنه إنما أنزل هذه الكتب، وإنما بعث
الرسل لتذكير أولي الألباب.
١٢ - أول هذه السورة مقرون بآخرها ومطابق له في المعنى، فأولها:
﴿ لِنُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ اُلْظُلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ يدل على أن المقصود من إنزال
الكتاب إرشاد الخلق كلهم إلى الدين والتقوى ومنعهم عن الكفر والمعصية،
وآخر السورة: ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ يدل على أنه تعالى ذكر هذه المواعظ
والنصائح لينتفع الخلق بها، فيصيروا مؤمنين مطيعين، ويتركوا الكفر
والمعصية.
انتهى الجزء الثالث عشر ولله الحمد

٠۶
◌ُ المُ
النَّفْيَةِ
في العقيدة والشريعة والمنهج
الجُُّ الْرَائِعْ عَشَيْ

٣٠٧
لِلُ (١٤) السورة (١٥) الِهْر
بِسْمِ اللهِ الرَّمَنِ الرَّحِيَةِ
سُورَةُ الِحْرُ
مڪية، وهي تسع وتسعون آية
تسميتها:
سميت سورة الحجْر لذكر قصة أصحاب الحجر فيها، وهم ثمود، والحجر:
وادٍ بين المدينة والشام.
مناسبتها لما قبلها:
هناك تناسب بين هذه السورة وسورة إبراهيم في البدء والختام والمضمون،
أما البداية: فكلتا السورتين افتتحتا بوصف الكتاب المبين، وأما المضمون:
ففي كليهما وصف السماوات والأرض، وإيراد جزء من قصة إبراهيم عليه
السلام وبعض قصص الرسل السابقين، تسلية لرسول الله صل عما تعرض له
من أذى قومه بتذكيره بما تعرض له الأنبياء من قبله، ونصرة الله لهم، مع
نقاش الكفار والمشركين.
وأما الخاتمة: ففي سورة إبراهيم وصف تعالى أحوال الكفار يوم القيامة
وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِ
٤٨
بقوله: ﴿وَبَرَزُواْ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ
الأصْفَادِ
٤٩
سَرَاسِلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْثَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ
.@ @ [إبراهيم:

٣٠٨
الجُزُ (١٤) السورة (١٥) الِحْر
٤٨/١٤-٥٠] ثم قال هنا في هذه السورة: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ
مُسْلِمِينَ (٣) فأخبر أن المجرمين المذكورين إذا طال مكثهم في النار، ورأوا
عصاة المؤمنين والموحدين قد أخرجوا منها، تمنوا أن لو كانوا في الدنيا
مسلمين. هذا مع اختتام آخر سورة إبراهيم بوصف الكتاب: ﴿هَذَا بَغٌ﴾
[إبراهيم: ٥٢/١٤] وافتتاح هذه به ﴿الَرَّ تِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ وَقُرْءَانِ شُبِينٍ
) وهذا تشابه في الأطراف بداية ونهاية(١).
ما اشتملت عليه السورة:
تتفق هذه السورة مع بيان أهداف التنزيل المكي وهي إثبات الوحدانية
والنبوة والبعث والجزاء، والتذكير بمصارع الطغاة ومكذبي رسل الله الكرام،
لذا ابتدأت السورة بالإنذار والتهديد، والتهويل والتوبيخ: ﴿رُبَمَا يَوَدُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
وتضمنت السورة ما يأتي:
اً - مناقشة الكفار والمشركين الذين كذبوا بالرسل وبما أتوا به من آيات،
بدءاً من أبي البشر الثاني: نوح عليه السلام إلى خاتم النبيين: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا
وَمَا يَأْتِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ
٣٠
مِن قَبْلِكَ فِى شِيَعِ الْأَوَّلِينَ
[الحجر: ١٠/١٥- ١١].
أَ - إيراد الأدلة والبراهين على وجود الله تعالى من خلق السماوات
والأرض وخلق الإنسان، ومشاهد الرياح اللواقح، والحياة والموت، والحشر
[الحجر: ١٦/١٥]
والنشر: ﴿ وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِ السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّتَهَا لِلنَّظِرِينَ
(١) تناسق الدرر في تناسق السور للسيوطي، طبع دمشق: ٦٢

٣٠٩
اِلُ (١٤) السورة (١٥) الِحُ
﴿وَأَلْأَرْضَ مَدَدْنَهَا﴾ [الحجر: ١٩/١٥] ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنسَانَ مِن صَلْصَلٍ مِّنْ حَمَاٍ
(شَ﴾ [الحجر: ٢٦/١٥] ﴿وَأَرْسَلْنَا الْرِّيَحَ لَوَقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢/١٥] ﴿وَإِنّا
مَسْنُودٍ
ج
﴾ [الحجر: ٢٣/١٥] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ
لَنَحْنُ نُحِ، وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَرِثُونَ
إِنَّهُ حَكِيُمْ عَلِيمٌ ﴾﴾ [الحجر: ٢٥/١٥] وبيان حكمة خلق الموجودات: وهي
عبادة الله وإقامة العدل وإرساء دعائم النظام في الحياة.
◌َّ - إثبات صدق الوحي على النبي وَله: ﴿مَا نُفَزِّلُ الْمَئِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا
﴾ [الحجر: ١٥/
كَانُّواْ إِذَا مُّنَظَرِينَ ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَّْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ
٨-٩] .
◌َ - الإشارة لنظرية ظلمة السماء: ﴿وَلَوْ فَنَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَآءِ
فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونٌ ﴿ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِرَتْ أَبْصَرُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ
١٥
[الحجر: ١٤/١٥-١٥] .
ه - قصة آدم وإبليس المعبِّرة عن الطاعة والرفض، بامتثال الملائكة أمر الله
بالسجود لآدم وتعظيمه، وأمر إبليس بالسجود له وعصيانه الأمر: ﴿فَقَعُواْ لَهُ
٤) إِلَّ ◌ِيْلِسَ أَفَ أَن يَكُونَ مَعَ
٣٠
سَجِدِينَ ، فَسَجَدَ الْمَلَتِكَةُ كُلُهُمْ أَجْمَعُونَ
﴾ [الحجر: ٢٩/١٥-٣١].
السَّجِدِينَ
٩ - وصف حال أهل الشقاوة والنار، وأهل السعادة والتقوى والجنة [٤٢
- ٤٨].
لاً - تسلية الرسول وقليل منعاً اليأس والقنوط بتذكيره بقصة لوط وشعيب
وصالح عليهم السلام مع أقوامهم الذين دمرهم الله [قصة آل لوط: ٥٨ -
٧٧] [أصحاب الأيكة: قوم شعيب: ٧٨ - ٧٩] [أصحاب الحجر: ثمود:
٨٠ - ٨٤].
٨ - بيان ما أنعم الله به على نبيه من إنزال القرآن [٨٧] وإهلاك أعدائه

٣١٠
الُعُ (١٤) - الِحْرّ: ١/١٥-٥
المستهزئين [٩٥] وأمره بعدم الافتتان بتمتيع الآخرين بالدنيا، وأمره بالتواضع
للمؤمنين [٨٨] والجهر بالدعوة [٩٤] والصبر والتسبيح والعبادة حتى الموت
عند مضايقته باستهزاء المشركين [٩٧ - ٩٩].
والخلاصة: تضمنت السورة دلائل التوحيد، وأحوال القيامة، وصفة
الأشقياء والسعداء، وبعض قصص الأنبياء، وأفضال الله على نبيه المصطفى
وسليم•
وصف القرآن وتهديد الكافرين والعصاة
◌ُّبَمَا يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ
﴿الَرَّ تِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ وَقُرْءَانِ شُبِينٍ
كَانُواْ مُسْلِمِينَ
ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُذْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
٣
وَمَّآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَمَا كِتَابٌ مَّعْلُومُ جَ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَةٍ أَجَلَهَا وَمَا
يَسْتَشْخِرُونَ
القراءات:
﴿ وَقُرْءَانٍ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً (قَرَان).
﴿ُرُّبَمَا﴾:
قرئ:
١- (رُبَمَا) وهي قراءة نافع، وعاصم.
٢- (رُبَّما) وهي قراءة الباقين.
﴿ وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ :

٣١١
◌ِلُُّ (١٤) - ◌ِالِحْر: ١/١٥-٥
قرئ:
١- (ويلهِهِم) وهي قراءة أبي عمرو.
٢- (ويلهِهُمُ) وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف.
٣- (ويلهِهِمُ) وهي قراءة الباقين.
﴿ يَسْتَفْخِرُونَ﴾ :
وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً (يستاخرون).
الإعراب:
﴿رُّبَمَا﴾ قرئ بالتخفيف والتشديد، فالتشديد على الأصل، والتخفيف
لكثرة الاستعمال. و(ما) فيها كافة عن العمل، وخرجت بها عن مذهب
الحرف؛ لأن (رُبَّ) حرف جر، وحرف الجر يلزم للأسماء، فلما دخلت (ما)
عليها، جاز أن يقع بعدها الفعل، وصارت بمنزلة ((طالما وقلّما)). ولا يدخل
بعد ﴿رُّبَمَا﴾ إلا الماضي، وإنما جاء ههنا المضارع بعدها، على سبيل الحكاية،
ولما كان إخبار الحق تعالى متحققاً، لا شك في وجوده لتحققه، نزّل المستقبل
منزلة الماضي الذي وقع ووُجد.
و ﴿رُّبَمَا﴾ معناها التقليل كُرُب، وقد يراد بها الكثرة، على خلاف
الأصل.
﴿لَوْ كَانُوْ مُسْلِمِينَ﴾ مفعول في موضع نصب؛ لأنه مفعول ﴿يَوَدُّ﴾.
﴿ يَأْكُلُواْ﴾ جواب الأمر أو الطلب.
﴿وَلَهَا كِتَابٌ﴾ ﴿كِتَابٌ﴾ مبتدأ مرفوع ﴿وَلَا﴾ خبره، والجملة: في
موضع جرّ؛ لأنها صفة .﴿قَرْيَةٍ﴾ ويجوز حذف واو ﴿وَلَهَا﴾ نحوياً لمكان

٣١٢
لِلُ (١٤) - الِحْرُ: ١/١٥-٥
الضمير، والأصل ألا تدخلها الواو مثل ﴿إِلَّا لَمَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨/٢٦]
ولكن لما شابهت صورتها صورة الحال، أدخلت عليها، تأكيداً للصوقها
بالموصوف.
البلاغة:
﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ﴾ المراد أهلها، من قبيل إطلاق المحل وإرادة الحالّ.
المفردات اللغوية:
﴿الَرَّ﴾ إشارة لتحدي العرب بإعجاز القرآن البياني، أي هذا الكتاب كلام
الله المنظوم من حروف لغتكم العربية الهجائية: ألف، ولام، وراء . ﴿ِلْكَ﴾
إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات ﴿الْكِتَبِ﴾ هو السورة، وكذا
القرآن، أي هذه آيات الكتاب العظيم المتميز بالفصاحة الكاملة والبيان التام
﴿ وَقُرْءَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي وقرآن واضح تام البيان، لا خلل فيه، مظهر للحق من
الباطل. والكتاب والقرآن المبين: الكتاب الذي وعد الله تعالى به محمداً والت . .
وتنكير ﴿وَقُرْءَانٍ﴾ للتفخيم، والمعنى: تلك آيات الكتاب الجامع لكونه كتاباً
وقرآناً، فهو كامل في كونه كتاباً، وفي كونه قرآناً مفيداً للبيان.
﴿رُبَمَا﴾ تدل على أن ما بعدها قليل الحصول، وقد تستعمل في الكثير،
كما هنا، فإنه يكثر منهم تمني الإسلام، وقيل: للتقليل، فإن الأهوال
تدهشهم، فلا يفيقون حتى يتمنوا ذلك إلا في أحيان قليلة. وما: كفَّت دخول
(ب)) عن الجر، فجاز دخوله على الفعل، و((ما)): نكرة موصوفة، أي رب
شيء ﴿يَوَذُ﴾ يتمنى ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يوم القيامة إذا عاينوا حالهم وحال
المسلمين ﴿ذَرْهُمْ﴾ دعهم واتركهم يا محمد ﴿وَيَتَمَتَّعُواْ﴾ بدنياهم ﴿وَيُلْهِهِمُ﴾
يشغلهم ﴿اَلْأَمَلُ﴾ بطول العمر وغيره عن الإيمان ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة
أمرهم، وسوء صنيعهم إذا عاينوا جزاءه. والغرض إقناط الرسول وَلل من

٣١٣
الجُرُ (١٤) - الجِخْرّ: ١/١٥-٥
ارعوائهم وإيذانه بأنهم من أهل الخذلان، وأن نصحهم يعدّ اشتغالاً بما لا
طائل تحته. وفيه إلزام للحجة، وتحذير عن إيثار التنعم، وما يؤدي إليه طول
الأمل.
﴿مِن قَرْيَةٍ﴾ ﴿مِن﴾ زائدة للتمكين ﴿قَرْيَةٍ﴾ المراد أهلها ﴿كِتَابٌ﴾ أجل
﴿مَعْلُومٌ﴾ محدود لإهلاكها، أي لها أجل مقدر كتب في اللوح المحفوظ ﴿مَّا
تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ﴾ أي ما يتقدم زمان أجلها، و﴿مِنْ﴾ زائدة. ﴿وَمَا
يَسْتَشْخِرُونَ﴾ يتأخرون عنه، وتذكير هذا الفعل العائد على ﴿أَمَّةٍ﴾ للحمل على
المعنى.
التفسير والبيان:
﴿الَرَ﴾ هذه الحروف المقطعة قصد بها التنبيه وإشعار العرب بإعجاز القرآن
البياني، وتحديهم بالإتيان بمثل أقصر سورة منه، لأنه نزل بلغتهم، وتكوّن من
حروفها التي تتركب منها الكلمات ﴿تِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ وَقُرْءَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي
تلك الآيات من هذه السورة هي آيات الكتاب الكامل في كل شيء، وآيات
القرآن المبين التام الوضوح والبيان لهذه السورة وغيرها. وتنكير كلمة
﴿ وَقُرْءَانٍ﴾ للتفخيم، وقد جمع بين الوصفين: ﴿اَلْكِتَبِ وَقُزْءَانٍ مُّبِينٍ﴾
للدلالة على أنه الكتاب الجامع للكمال، والغرابة في البيان، كما ذكر
الزمخشري.
﴿رُبَمَا يَوَدُّ﴾ أي ولكن الكفار سيندمون يوم القيامة على ماكانوا فيه من
الكفر، ويتمنون لو كانوا في الدنيا مسلمين. وكلمة ﴿رُّبَمَا﴾ وإن كانت
للتقليل، فهي أبلغ في التهديد. ذكر ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من
الصحابة: أن كفار قريش لما عرضوا على النار، تمنوا أن لو كانوا مسلمين.
قال الزجاج: الكافر كلما رأى حالاً من أحوال العذاب، ورأى حالاً من
أحوال المسلم، ودّ لو كان مسلماً.

٣١٤
الُ (١٤) - الجِّخْرِّ: ١/١٥-٥
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَيْنَا نُرَّةُ وَلَا
[الأنعام: ٢٧/٦] .
تُكَذِّبَ بِثَايَتِ رَبَِّا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِينَ (٣)
روى الطبراني عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((إذا
اجتمع أهل النار في النار، ومعهم من شاء الله من أهل القبلة، قال الكفار
للمسلمين: ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا: بلى، قالوا: فما أغنى عنكم الإسلام،
وقد صرتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب، فأُخِذْنا بها، فسمع الله ما
قالوا، فأمر بمن كان في النار من أهل القبلة، فأخرجوا. فلما رأى ذلك من
بقي من الكفار، قالوا: ياليتنا كنا مسلمين، فنخرج كما خرجوا)) قال: ثم قرأ
رسول الله وَّ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿الَّرَّ تِلْكَ ءَايَتُ اَلْكِتَبِ
وَقُرْءَانٍ مُبِينٍ ﴿﴿ رُبَمَا يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ
ثم هددهم الله وأوعدهم بتهديد شديد ووعيد أكيد، فقال:
﴿ذَرْهُمْ﴾ أي دع يا محمد الكفار في ملاهيھم وتمتعهم بلذات دنياهم،
يأكلون كما تأكل الأنعام، وتلهيهم الآمال عن التوبة والإنابة أو عن الآخرة
والأجل، فسوف يعلمون عاقبة أعمالهم وأمرهم. كقوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُواْ
فَإِنَّ مَصِيَرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠/١٤] وقوله: ﴿كُلُواْ وَتَمَنَّعُواْ قَلِيلًا إِنَّكُمْ
[المرسلات: ٤٦/٧٧] ويلاحظ أن الآيات الثلاث عللت سبب
◌ُِمُونَ .
إهمالهم في الدنيا، إذ لا حظّ لهم في الآخرة.
ثم ذكر تعالى سبب تأخير عذاب الكفار إلى يوم القيامة فقال: ﴿وَمَآ
أَهْلَكْنَا﴾ أي إن سنة الله تعالى في الأمم واحدة، وهي أنه لا يهلك أهل قرية إلا
بعد قيام الحجة عليهم، وإبلاغهم طريق الرشد والحق، وانتهاء أجلهم المقرر
والمقدر لهم في اللوح المحفوظ، وأنه لا يؤخر عذاب أمة حان هلاكهم عن وقته
المحدد، ولا يتقدمون عن مدتهم: ﴿لِكُلِّ أَجَلِ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨/١٣]
﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَّةَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ
(٣٤)
[الأعراف: ٧ / ٣٤].

٣١٥
لُحُ (١٤) - الِغْر: ١/١٥-٥
والمقصود بالآيات: أنه لو شاء الله لعجل العذاب للكفار، ولكن اقتضت
حكمته إمهالهم لعلهم يتوبوا، فإن لكل أمة أجلاً معيناً، لا تأخير فيه ولا
تقديم، والله تعالى يمهل ولا يهمل.
وهذا تنبيه لأهل مكة وأمثالهم وإرشاد لهم إلى الإقلاع عما هم عليه من
الشرك والعناد والإلحاد الذي يستحقون به الهلاك، كما قال ابن كثير.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى مايأتي:
اً - القرآن الكريم جامع بين صفة الكمال في كل شيء، والوضوح
والبيان، فلا نقص فيه ولا خلل، ولا غموض ولا لبس، وإنما يُظهر الحق من
الباطل لكل إنسان.
أَ - سيندم الكفار يوم القيامة على كفرهم، ويتمنون أن لو كانوا مسلمين
في أوقات كثيرة؛ لأن ﴿رُبَمَا﴾ وإن كانت تستعمل في الأصل للقليل، إلا أنها
قد تستعمل في الكثير، ومن عادة العرب أنهم إذا ذكروا التكثير، ذكروا لفظاً
وضع للتقليل، ثم إن هذا التقليل أبلغ في التهدید.
◌َّ - يهتم الكفار عادة بالماديات، فتراهم منغمسين في الشهوات والأهواء
واللذات، معتمدين على الآمال المعسولة، مغترين بالأماني الزائفة، منشغلين
بالدنيا عن الطاعة والعمل للآخرة. وقد هددهم الله بتركهم في مآكلهم
ومُتَعهم، وحذرهم من عاقبة صنيعهم.
والآية تدل على أن إيثار التلذذ والتنعم وما يؤدي إليه طول الأمل ليس من
شأن أخلاق المؤمنين.
وورد في السنة النبوية أحاديث كثيرة في ذم الأمل مطلقاً، منها ما رواه أحمد

٣١٦
الجُزءُ (١٤) - الجِّْرّ: ٦/١٥-١٥
والشيخان والنسائي عن أنس رضي الله عنه عن النبي وَ ل قال: ((يهرم ابن آدم،
ويبقى معه اثنتان: الحرص والأمل)) وفي مسند البزار عن أنس قال: قال
رسول الله ◌َ: ((أربعة من الشقاء: جمود العين، وقساوة القلب، وطول
الأمل، والحرص على الدنيا)).
وروى أحمد والطبراني والبيهقي عن عمرو بن شعيب مرفوعاً قال: ((صلاح
أول هذه الأمة بالزهد واليقين، ويهلك آخرها بالبخل والأمل)).
٤ - لا ظلم في إهلاك الأمم الكافرة المكذِّبة للرسل، وإنما هلاكها بسبب
جحودها وكفرها وتكذيبها بآيات الله ورسله.
٥ - إن هلاك الأمم ليس عشوائياً ولا كيفياً حسب رغبات الناس، وإنما
هو مقدر بتاريخ معين، ومقرر في أجل محدد، لا تأخير فيه ولا تقديم.
كيا الله
عَببها
وَسلم
بعض مقالات المشركين في النبي
والرد القاطع عليها
﴿ وَقَالُواْ يَتَأَيُّهَا الَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴿ لَّوْ مَا تَأْثِيِنَا
مَا نُنَزِّلُ الْمَلَتِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُواْ
٧
بِلْمَلَئِكَةِ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ
ـَ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن
إِذَّا مُنَظَرِينَ
قَبْلِكَ فِى شِيَعِ الْأَوَّلِينَ ﴿ وَمَا يَأْتِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْنَهْزِءُونَ
كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ اٌلْمُجْرِمِينَ ﴿ لَا يُؤْمِنُونَ بِّ، وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ
وَلَوَّ فَنَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونٌ ﴿ لَقَالُواْ إِنَّمَا
١٥
سُكِّرَتْ أَبْصَرُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ
القراءات: ﴿مَا نُنَزِّلُ﴾:
قرئ:

٣١٧
◌ِلُ (١٤) - الحِجْر: ٦/١٥-١٥
١- ( ما نُنزِّل الملائكةَ) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (وما تَنَزَّل الملائكةُ) وهي قراءة الباقين.
﴿ سُكِّرَتْ﴾ :
وقرأ ابن كثير (سُكِرَتْ).
الإعراب:
﴿لَّوْمَا﴾ بمعنى هلا، وهي مركبة من (لو)) التي معناها امتناع الشيء لامتناع
غيره، و((ما)) التي تسمى المغيِّرة؛ لأنها غيرت معنى ((لو)) من معنى امتناع الشيء
لامتناع غيره، إلى معنى ((هلا)). مثل تركيب ((لولا)) صارت بمعنى ((هلا)) في
أحد وجهيها، وبمعنى امتناع الشيء لوجود غيره.
﴿إِذَا﴾ أصلها: إذ أن ومعناه: حينئذ، فضم إليها أن، واستثقلوا الهمزة،
فحذفوها.
﴿إِنَّا نَحْنُ﴾ ﴿نَحْنُ﴾ في موضع نصب؛ لأنه تأكيد للضمير الذي هو اسم
((إن)) في ﴿إِنَّا﴾. ويجوز أن يكون في موضع رفع مبتدأ، و﴿ نَزَلْنَا﴾ خبره،
والجملة من المبتدأ والخبر في موضع رفع خبر ((إن)).
﴿لَا يُؤْمِنُونَ بٌِّ﴾ محله النصب على الحال.
ولا يجوز أن يكون ﴿نَحْنُ﴾ هنا ضمير فصل لا موضع له من الإعراب؛
لأنه ليس بعده معرفة، ولا ما يقارب المعرفة؛ لأن ما بعده جملة، وهي نكرة،
فتكون صفة للنكرة، وشرط الفصل أن يكون بين معرفتين أو بين معرفة وما
يقارب المعرفة. ﴿وَمَا يَأْتِهِم﴾ ﴿وَمَا﴾ للحال، وهذا على حكاية الحال الماضية.
البلاغة:
﴿اَلْمُجْرِمِينَ﴾ ﴿اَلْأَوَِّينَ﴾ ﴿مَُّظَرِينَ﴾ بينها سجع، وكذلك بين ﴿يَعْرُجُونَ﴾
و﴿مَسْخُورُونَ﴾.

٣١٨
الجُرُ (١٤) - الجَّعْرُ: ٦/١٥-١٥
المفردات اللغوية:
﴿ وَقَالُواْ يَّأَيُّهَا الَّذِى نُزِّلَ﴾ نادوا به النبي ◌ََّ على التهكم ﴿الذِّكْرُ﴾ القرآن
﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ أي إنك لتقول قول المجانين، حتى تدّعي أن الله تعالى نزل
عليك الذكر أي القرآن ﴿لَوْ مَا﴾ أي هلا، للتحضيض على فعل ما يقع بعدها
﴿مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ في دعواك أو قولك: إنك نبي، وإن هذا القرآن من عند الله
﴿إِلَّا بِالْحَقّ﴾ إلا تنزيلاً ملتبساً بالحق وملازماً له، أي بالوجه الذي قدره
واقتضته حكمته، ولا حکمة في أن تأتیکم بصورة تشاهدونها، فإنه لا يزيدكم
إلا لبساً وخلطاً، ولا في معاجلتكم بالعقوبة، فإن بعضكم وبعض ذريتكم
سيؤمن، وقيل: ﴿بِالْحَقّ﴾ أي الوحي أو العذاب ﴿إِذَا﴾ أي حين نزول
الملائكة بالعذاب ﴿قُظَرِينَ﴾ مؤخرين.
﴿إِنَّا نَحْنُ نَّْنَا الذِّكْرَ﴾ القرآن، وهو رد لإنكارهم واستهزائهم ﴿وَإِنَّا لَهُ
لَفِظُونَ﴾ من التبديل والتحريف، والزيادة والنقص، بأن جعلناه معجزاً
مبايناً لكلام البشر، بحيث لا يخفى تغيير نظمه على أهل العربية، أو المراد نفي
تطرق الخلل إليه أثناء بقائه بضمان الحفظ له . ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ أي أرسلنا رسلاً
﴿فِىِ شِيَعٍ﴾ فِرَق، وهي جمع شيعة: وهي الفرقة أو الجماعة المتفقة على رأي
واحد، في العقيدة أو في المذهب، أو في الرأي. ﴿إِلَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْنَهْزِءُونَ﴾
كاستهزاء قومك بك، وهذا تسلية له وَلّ. ﴿نَسْلُكُهُ﴾ نُدْخلْه، أي مثل
إدخالنا التكذيب في قلوب أولئك ندخله ﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي كفار مكة
﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِ،﴾ بالنبي ◌َِّ ﴿ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي مضت سنة الله فيهم
من تعذيبهم بتكذيبهم أنبياءهم، وهؤلاء مثلهم.
﴿وَلَوْ فَنَحْنَا عَلَيْهِمِ﴾ على هؤلاء المقترحين ﴿فَظَلُّواْ فِيهِ﴾ في الباب
﴿يَعْرُجُونَ﴾ يصعدون ﴿سُكِرَتْ أَبْصَرُنَا﴾ سُدَّت ومنعت عن الإبصار
﴿مَسْخُورُونَ﴾ قد سحرنا محمد بذلك، يخيل إلينا أننا مسحورون، والإضراب
بيل دلالة على البت بأن ما يرونه لا حقيقة له، بل هو باطل خيل إليهم بنوع
من السحر.
٠

٣١٩
الُعُ (١٤) - الِ حْر: ٦/١٥-١٥
سبب النزول:
قال قتادة: القائلون هذه المقالة هم عبد الله بن أبي أمية، والنضر بن
الحارث، ونوفل بن خويلد، والوليد بن المغيرة من صناديد قريش.
المناسبة:
بعد أن بالغ تعالى في تهديد الكفار، ذكر شبهتهم في إنكار نبوة محمد والقر،
وإساءتهم الأدب بوصفه بالسفاهة والجنون، ثم ذكر أن عادة هؤلاء الجهال مع
جميع الأنبياء على هذا النحو، فلك يا محمد أسوة بالأنبياء في الصبر على
سفاهتهم وجهالتهم.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى في هذه الآيات عن بعض مقالات المشركين وشبهاتهم
الصادرة عن كفرهم وعنادهم، فقالوا استهزاء وتهكماً: يا أيها الذي تدعي
نزول القرآن عليك، إنك متصف بالجنون، حينما تدعونا إلى اتباعك، وترك
ما وجدنا عليه آباءنا، فلا نقبل دعوتك.
﴿لَّوَ مَا تَأْتِيِنَا بِالْمَلَئِكَةِ﴾ لو كنت ما تدعيه حقاً وصدقاً، فهلا تأتينا
بالملائكة يشهدون لك بصدقك وصحة ما جئت به، ويؤيدونك في إنذارك،
كما قال تعالى: ﴿لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧/٢٥]
وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَتِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَّأَ
وقال:
﴾ [الفرقان: ٢١/٢٥] وحكى
لَقَدِ اسْتَكْبَرُواْ فِىّ أَنْفُسِهِمْ وَعَنَوْ عُنُوَّا كَبِيرًا ﴾
تعالى قول فرعون في شأن موسى: ﴿فَلَوْلَا أَلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَّةَ
﴾ [الزخرف: ٤٣ /٥٣].
٥٣)
مَعَهُ الْمَلَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ
فأجابهم تعالى عن المقالة الثانية بقوله: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَتَمِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أي
لا ننزل الملائكة إلا بحق وحكمة ومصلحة نعلمها، ولا حكمة في أن تأتيكم

٣٢٠
◌ِلُرُ (١٤) - الِحْر: ٦/١٥-١٥
عياناً تشاهدونهم ويشهدون لكم بصدق النبي ◌َّر؛ لأنكم حينئذ مصدقون عن
اضطرار، وهم من غير جنسكم ولا على صورتكم فيلتبس الأمر عليكم، إذ
لكل جنس هادٍ من جنسه، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكَّا لَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا
[الأنعام: ٩/٦] .
وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم ◌َا يَلْبِسُونَ
﴿ وَمَا كَانُواْ إِذَا مُنْظَرِينَ﴾ أي ولو نزلنا الملائكة لكان ذلك إنزالاً للهلاك
والعذاب، وما أخر عنهم العذاب ساعة؛ لأن سنتنا أننا إذا أنزلنا آية كما
يقترح الناس ولم يؤمنوا بها، أتبعنا ذلك بعذاب الاستئصال، فكان في إنزال
الملائكة ضرراً محققاً لهم، لا نفعاً.
ثم أجابهم الله تعالى عن المقالة الأولى بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَلْنَا الذِّكْرَ﴾ أي
إنه تعالى هو الذي أنزل عليه الذِّكْر وهو القرآن، وهو الحافظ له من التغيير
والتبديل، فقولوا: إنه مجنون، ونقول: نحن منزلو القرآن وحافظوه. وتلك
خصوصية للقرآن، فإنه تعالى تكفل وحده بحفظه وصونه، على مدى الدهر،
بخلاف الكتب السابقة التي أمر بحفظها الأحبار والرهبان، فعبثوا بها وغيروها
وبدلوها، بل إن أصلها قد فقد وضاع، فلم يعرف لها أثر؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ
أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيهَا هُدَى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ
وَالرَّبَّنِيُّونَ وَأَلْأَحْبَارُ بِمَا أُسْتُحْفِظُواْ مِن كِنَبِ الَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ﴾
[المائدة: ٥ /٤٤] .
ثم قال الله تعالى مسلياً لرسوله و # في تكذيب بعض كفار قريش: ﴿وَلَقَدْ
أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِىِ شِيَعِ الْأَوَّلِينَ ﴾﴾ أي إنا أرسلنا قبلك رسلاً للأمم
الماضية وشِيَعها وطوائفها وفِرَقها، ولكن ما أتاهم من رسول إلا كذبوه
واستهزؤوا به وكفروا برسالته، فقوله: ﴿وَمَا يَأْتِيهِم﴾ حكاية حال ماضية؛
لأن (ما) لا تدخل على مضارع إلا وهو في معنى الحال، ولا على ماضٍ إلا
وهو قريب من الحال.