النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١
لُحُ (١٣) - إبرَاهِيمٌ: ١٤ / ٢٤-٢٧
السَّمَاءِ﴾ أي أعلاها في جهة العلو ﴿تُؤْتِ﴾ تعطي ﴿أُكُلَهَا﴾ ثمرها ﴿كُلَّ
حِينٍ﴾ كل وقت أقّته الله تعالى الإثمارها، أي إن كلمة الإيمان ثابتة في قلب
المؤمن، وعمله يصعد إلى السماء، ويناله ثوابه كل وقت.
( بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ بإرادته ﴿وَيَضْرِبُ﴾ ويبين لأن في هذا التشبيه زيادة إفهام
وتذكير ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ لعلهم يتعظون فيؤمنوا ﴿كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هي كلمة
الكفر ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هي الحنظل ﴿اجْتُنَّتْ﴾ استئوصلت ﴿مَا لَهَا مِن
قَرَارٍ﴾ استقرار ﴿بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ الذي ثبت بالحجة عندهم وتمكن في قلوبهم
﴿فِي الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾ فلا يزلّون إذا افتتنوا في دينهم، كزكريا ويحيى عليهما
السلام ﴿وَفِ اُلْآَخِرَةِ﴾ فلا يتلعثمون إذا سئلوا عن معتقدهم في موقف
الحساب وعند رؤيتهم أهوال الحشر، وقيل: معناه الثبات عند سؤال القبر،
فحينما يسألهم الملكان عن ربهم ودينهم ونبيهم، يجيبون بالصواب، كما في
حديث الشيخين. ﴿ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ الكفار الذين ظلموا أنفسهم، فلا
يهتدون للحق والجواب الصواب، بل يقولون: لا ندري، كما جاء في
الحديث. ﴿ وَيَفْعَلُ اَللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾ من تثبيت بعض وإضلال آخرين من غير
اعتراض عليه.
المناسبة:
بعد أن بيَّن الله تعالى أحوال الأشقياء وما آل إليهم أمرهم من العذاب في
نار جهنم، وأحوال السعداء وإدراکھم الفوز عند ربهم، ذکر مثلاً یبین حال
الفريقين، وسبب التفرقة بينهما، بتشبيه المعنويات بالحسيات، لترسيخ المعاني
في الأذهان، كما هو الشأن في القرآن.
التفسير والبيان:
ألم تعلم أيها المخاطب كيف اعتمد الله مثلاً ووضعه في موضعه المناسب له
٢٦٢
الُزُ (١٣) - ابراهيم: ١٤ / ٢٤-٢٧
وهو تشبيه الكلمة الطيبة وهي كلمة التوحيد والإسلام ودعوة القرآن،
بالشجرة الطيبة وهي النخلة الموصوفة بصفات أربع هي:
اً - كون تلك الشجرة طيبة المنظر والشكل، وطيبة الرائحة، وطيبة
الثمرة، وطيبة المنفعة أي يستلذ بأكلها ويعظم الانتفاع بها.
اَ - أصلها ثابت، أي راسخ باقٍ متمكّن في الأرض لا ينقلع.
◌َّ - وفرعها في السماء، أي كاملة الحال لارتفاع أغصانها إلى الأعلى،
وبعدها عن عفونات الأرض، فكانت ثمراتها نقية طيبة خالية من جميع
الشوائب.
٤ - تؤتي أُكُلَها كل حين بإذن ربها، أي تثمر كل وقت وقَّته الله لإثمارها
بإرادة ربها وإيجاده وتيسيره. ولما كانت الأشجار تؤتي أكلها كل سنة مرة، كان
ذلك في حكم الحين.
روي عن ابن عباس أن الكلمة الطيبة هي قول: ((لا إله إلا الله)) وأن
الشجرة الطيبة هي النخلة، وكذلك روي عن ابن مسعود أنها النخلة، وهو .
مروي عن أنس وابن عمر عن النبي ◌َّيِّ.
وحديث ابن عمر رواه البخاري، قال: ((كنا عند رسول الله وَله، فقال:
أخبروني عن شجرة تشبه الرجل المسلم - أو كالرجل المسلم - لا يتحات
ورقها صيفاً ولا شتاء، وتؤتي أُكُلها كل حين بإذن ربها، قال ابن عمر: فوقع
في نفسي أنها النخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكرِهْتُ أن أتكلم،
فلما لم يقولوا شيئاً، قال رسول الله وَله: هي النخلة)).
﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ أي وهكذا يضرب الله الأمثال للناس؛ فإن في
ضرب الأمثال زيادة إفهام وتذكير وعظة وتصوير للمعاني؛ لأن تشبيه المعاني
المعقولة بالأمور المحسوسة يرسّخ المعاني، ويزيل الخفاء والشك فيها، ويجعلها
٢٦٣
الُجُزْعُ (١٣) - إبْرَاهِيمٌ: ١٤ / ٢٤-٢٧
كالأشياء الملموسة. وفي هذا لفت نظر يدعو الإنسان إلى التأمل في عظم هذا
المثل، والتدبر فيه، وفهم المقصود منه.
ثم ذكر الله تعالى مثال حال كلمة الكفر، فقال: ﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ أي
وصفة الكلمة الخبيثة وهي كلمة الكفر أو الشرك كصفة الشجرة الخبيثة وهي
شجرة الحنظل ونحوه، كما قال أنس موقوفاً فيما روى أبو بكر البزار،
ومرفوعاً فيما روى ابن أبي حاتم: أن النبيِ وَّ قال: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ
كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾: هي الحنظلة، ووصفت الشجرة الخبيثة بصفات ثلاث
هي:
اً - إنها خبيثة الطعم أو لما فيها من المضار، أو الرائحة وهي الحنظلة،
وقيل: الثوم، وقيل: الشوك.
٢ - اجتئت من فوق الأرض، أي اقتلعت واستؤصلت، وليس لها أصل
ولا عرق، فكذلك الشرك بالله تعالى ليس له حجة ولا ثبات ولا قوة.
٣ - مالها من قرار، أي ليس لها استقرار، وهذه الصفة كالمتممة للصفة
الثانية.
وهذه صفات في غاية الكمال، فالخبث وصف للمضار، والاجتثاث وعدم
القرار وصف للخلو عن المنافع.
وبالموازنة يتبين الفرق بين كلمتي الحق والباطل، فكلمة الحق وهي كلمة
التوحيد والإيمان قوية ثابتة نافعة للناس، وكلمة الباطل وهي كلمة الشرك أو
الكفر ضعيفة ضارة ليس فيها استقرار ولا ثبات.
وأصحاب الكلمة الأولى هم المؤمنون، وأولو الكلمة الثانية هم الكافرون
والعصاة.
٢٦٤
الجُ (١٣) - إبْرَاهِيمَةٌ: ١٤ / ٢٤-٢٧
ثم أخبر الله تعالى عن فوز أهل الكلمة الأولى بمرادهم في الدنيا والآخرة،
فقال: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ﴾ أي إن كرامة الله وثوابه ثابتان للمؤمنين في الآخرة
بالقول الذي كان يصدر عنهم في الدنيا، وهو الإيمان المستقر بالحجة والبرهان
في قلوبهم، والمقصود: بيان أن الثبات في المعرفة والطاعة يوجب الثبات في
الثواب والكرامة من الله تعالى.
أو إن المراد أن الله يثبت المؤمنين في الدنيا بعدم تعرضهم للفتنة في دينهم
بالرغم من التعذيب كبلال وغيره من الصحابة، فتثبيتهم به في الدنيا: أنهم إذا
فتنوا في دينهم، لم يزلّوا، كما ثبّت الذين فتنهم أصحاب الأخدود، والذين
نشروا بالمناشير، ومشطت لحومهم بأمشاط الحديد.
وتثبيتهم في الآخرة: أنهم إذا سئلوا عن معتقدهم ودينهم في موقف
الحساب، لم يتلعثموا، ولم تحيرهم أهوال الحشر.
وقيل وهو القول المشهور: معناه الثبات عند سؤال القبر، والمراد بالحياة
الدنيا: مدة الحياة، والآخرة: يوم القيامة والحساب، روى البخاري ومسلم
وأحمد وبقية الجماعة كلهم عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله
وَ لّه قال: ((المسلم إذا سئل في القبر، شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول
الله، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا
وَفِىِ الْآَخِرَةِ﴾. وهذا مروي أيضاً عن أبي هريرة.
وروى ابن أبي شيبة الحديث المتقدم نفسه عن البراء أنه قال في الآية:
التثبيت في الدنيا: إذا جاء الملكان إلى الرجل في القبر، فقالا له: مَنْ ربك؟
قال: ربي الله، وقالا: وما دينك؟ قال: ديني الإسلام، وقالا: وما نبيك؟
قال: نبي محمد ێ.
وروى أبو داود عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله
وَيّ إذا فرغ من دفن الميت، وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم، واسألوا له
التثبيت، فإنه الآن يسأل)).
٢٦٥
الزُرُ (١٣) - ابراهيم: ١٤ / ٢٤-٢٧
قال الرازي: القول المشهور: إن هذه الآية وردت في سؤال الملكين في
القبر، وتلقين الله المؤمن كلمة الحق في القبر عند السؤال وتثبيته إياه على
الحق(١).
ثم ذكر الله تعالى مصير الكافرين بقوله: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ أي ويمنع
الله الكافرين عن الفوز بثوابه، أو يتركهم وضلالهم لعدم توافر استعدادهم
للإيمان، وانزلاقهم في الأهواء والشهوات.
أو يجعلهم يترددون في الجواب ويتلعثمون إذا سئلوا في قبورهم عن دينهم
ومعتقدهم؛ روى ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس رضي الله
عنهما: ((إن الكافر إذا حضره الموت، تنزل عليه الملائكة عليهم السلام
يضربون وجهه ودبره، فإذا دخل قبره، أُقْعِدَ، فقيل له: من ربك؟ لم يُرجع
إليهم شيئاً، وأنساه الله تعالى ذكر ربه، وإذا قيل له: من الرسول الذي بعث
إليك؟ لم يهتد له ولم يُرجع إليهم شيئاً، فذلك قوله تعالى: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ
الظَّالِمِينَّ﴾.
ثم أبان الله تعالى مشيئته المطلقة في الفريقين فقال: ﴿وَيَفْعَلُ اُللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾
أي إن شاء هدى، وإن شاء أضل. وإضلالهم في الدنيا: أنهم لا يثبتون في
مواقف الفتن، وتزلُّ أقدامهم أول شيء، وهم في الآخرة أضل وأزلّ.
والضلال لسوء الاستعداد، والميل مع أهواء النفس.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى مايأتي :
اً - الكلمة الطيبة وهي الإيمان أو لا إله إلا الله، محمد رسول الله، أو
(١) تفسير الرازي: ١٢٢/١٩
٢٦٦
الُ (١٣) - إبراهيم: ١٤ / ٢٤-٢٧
المؤمن نفسه: هي الثابتة الخالدة، الطيبة النافعة. روى أنس عن النبي وَلّ أنه
قال: ((إن مَثَل الإيمان كمثل شجرة ثابتة: الإيمان عروقُها، والصلاة أصلها،
والزكاة فروعها، والصيام أغصانُها، والتأذي في الله نباتُها، وحسنُ الخلُق
ورقُها، والكفُّ عن محارم الله ثمرتُها)). والشجرة الطيبة في الأصح: هي
النخلة، ذكر الغزنوي والطبراني فيما رواه ابن عمر عنه وَّيلر: (مَثَل المؤمن
کالنخلة، كل شيء منها ينتفع به)).
أَ - الأمثال والتشبيهات، وبخاصة تشبيه المعقول بالمحسوس، فيها ذكرى
وعظة وعبرة، وإفهام وإيقاظ للمشاعر والضمائر، ولفت الأنظار، وشد
الانتباه إليها.
٣ - الكلمة الخبيثة وهي كلمة الكفر لا قرار لها ولا ثبات، ولا جدوى
ولا نفع، ولا تعتمد على حجة مقبولة أو برهان صحيح. والشجرة الخبيثة في
الأصح: شجرة الحنظل، كما في حديث أنس، وهو قول ابن عباس ومجاهد
وغيرهما.
وكذلك الکافر لا حجة له، ولا ثبات، ولا خیر فیه، وليس له أصل يعمل
علیه.
٤ - المقصود من الآية الدعوة إلى الإيمان، ورفض الشرك.
٥ - يثبّت الله المؤمنين على الحق والإيمان في الدنيا، فلا يتراجعون عنه،
ويثبّت نفوسهم، فيلهمها الصواب والنطق بالإيمان في القبر؛ لأن الموتى ما
يزالون في الدنيا إلى أن يبعثوا، وكذلك يلهمها الصواب في الآخرة عند
الحساب.
٩ - يضلُّ الله الظالمين عن حجتهم في قبورهم، كما ضَلَّوا في الدنيا
بكفرهم، فلا يُلقّنهم كلمة الحق، فإذا سئلوا في قبورهم قالوا: لا ندري؛
٢٦٧
الجُرُ (١٣) - إبرَاهِيمٌ: ٢٨/١٤-٣١
فيقول الملَك: لا دَرَيْتَ ولا تليت، وعند ذلك يضرب بالمقامع (سياط من
حديد، رؤوسها معوجة) على ما ثبت في الأخبار.
لا - يفعل الله ما يشاء من عذاب قوم وإضلال قوم، وقيل: إن سبب نزول
هذه الآية ما روي عن النبي وَله لما وصف مُسَاءلة مُنْكَر ونَكِير وما يكون من
جواب الميت، قال عمر: يارسول الله، أيكون معي عقلي؟ قال: نعم، قال:
كُفيتُ إذن؛ فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾.
كفران النعمة واتخاذ الأنداد
وتهديد الكافرين بالتمتع بنعيم الدنيا
وأمر المؤمنين بإقامة الصلاة والإنفاق
أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرَا وَأَحَلُواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ
٢٨
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ
وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُواْ عَن سَبِيلِهِ، قُلْ
٢٩
تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ
قُل لِعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ
وَيُنفِقُواْ مِمَا رَزَقْنَهُمْ سِرًّا وَعَلَنِيَّةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَلُ
(٣١)
القراءات:
﴿ نِعْمَتَ﴾:
رسمت بالتاء، ووقف عليها بالهاء: ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي.
ووقف الباقون بالتاء.
﴿ وَبِئْسَ﴾:
وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً (وبيس).
٢٦٨
الجُرُ (١٣) - إبْرَاهِيمٌ: ١٤ /٢٨-٣١
لِيُضِلُواْ﴾:
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (ليَضِلُّوا).
﴿قُل لِّعِبَادِىَ الَّذِينَ﴾ :
وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي (قل لعباديَ الذين).
إِلَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَلُ﴾:
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (لا بيعَ فيه ولا خلالَ).
الإعراب:
﴿ وَأَحَلُواْ قَوْمَهُمْ دَارَ اُلْبَوَارِ﴾ ﴿قَوْمَهُمْ﴾: مفعول أول، و﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾:
مفعول ثانٍ.
جَهَنَّمَ﴾: بدل من ﴿دَارَ اُلْبَوَارِ﴾ وهو ممنوع من الصرف للعلمية
(التعريف) والتأنيث.
يَصْلَوْنَهَا﴾: جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ﴿قَوْمَهُمْ﴾ أو
من ﴿جَهَنَّمَ﴾ أو منهما.
﴿ يُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾ جواب الأمر وهو (أقيموا) وتقديره: قل لهم: أقيموا
يقيموا. ويجوز جزمه بلام مقدرة، تقديره: ليقيموا، ثم حذف الأمر؛ لتقدم
لفظ الأمر. ويجوز كونه مجزوماً على أنه جواب ﴿قُل﴾ وهذا ضعيف؛ لأن
الأمر للنبي بالقول ليس فيه أمر لهم بإقامة الصلاة.
﴿ِسِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ منصوبان على المصدر، أي إنفاق سر وعلانية، أو على
الحال، أي ذوي سر وعلانية، أو على الظرف، أي وقتي سر وعلانية.
٢٦٩
اِلُرُ (١٣) - إبْرَاهِيمٌ: ١٤ /٢٨-٣١
البلاغة:
﴿ِسِرًّا وَعَلَائِيَةٌ﴾ بينهما طباق.
(البَوَار) و(القَرَار) و(النَّار) سجع مرضَّع.
﴿قُلْ تَمَتَّعُواْ﴾ تهديد ووعيد.
المفردات اللغوية:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تنظر ﴿الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ أي بدلوا شكر نعمته كفراً،
بأن وضعوه مكانه، وهم كفار قريش ﴿وَأَحَلُّواْ﴾ أنزلوا ﴿قَوْمَهُمْ﴾ الذين
شايعوهم في الكفر، بإضلالهم إياهم ﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾ دار الهلاك بحملهم على
الكفر، والقوم البور: هم الهالكون كقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾
[الفتح: ١٢/٤٨] ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ يدخلونها ويقاسون حرها ﴿ وَبِئْسَ اُلْقَرَارُ﴾ أي
وبئس المقر جهنم ﴿أَنْدَادًا﴾ شركاء، جمع ندّ: وهو المثل والشريك والشبيه
﴿لَيُضِلُواْ عَن سَبِيلِهِ﴾ وهو التوحيد أو دين الإسلام، وليس الضلال
والإضلال غرضهم في اتخاذ الأنداد، لكن لما كان نتيجته جعل كالغرض
﴿تَمَتَّعُواْ﴾ بدنياكم قليلاً. ﴿مَصِيرَكُمْ﴾ مرجعكم.
﴿قُل لِّعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ خصهم بالإضافة تنويهاً لهم وتنبيهاً على أنهم
المقيمون لحقوق العبودية. ومقول ﴿قُل﴾ محذوف، دل عليه جوابه، أي قل
لعبادي الذي آمنوا: أقيموا يقيموا الصلاة ﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ أي وقت السر
والعلانية أو ذوي سر وعلانية، أو إنفاق سر وعلانية ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾ لا
فداء، بأن يبيع ما يفدي به نفسه ﴿ وَلَا خِلَلُ﴾ محالة، أي صداقة تنفع، وذلك
اليوم هو يوم القيامة.
٢٧٠
لُرُ (١٣) - إبْرَاهِيمٌ: ١٤ /٢٨-٣١
سبب النزول:
نزول الآية (٢٨):
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ﴾ قال ابن عباس: هؤلاء هم كفار مكة. وأخرج
الحاكم وابن جرير والطبراني وغيرهم عن عمر وعلي رضي الله عنهما أنهما
قالا في المبدّلين: هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة، وبنو أمية، فأما بنو
المغيرة فقطع الله تعالى دابرهم يوم بدر - أو فكفيتموهم - وأما بنو أمية فمتعوا
إلى حين.
المناسبة:
بعد أن بيَّن الله تعالى أحوال السعداء وأحوال الأشقياء، عاد إلى وصف
أحوال الكفار في هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ﴾ وهم أهل مكة، حيث
أسكنهم الله تعالى حرمه الآمن، وجعل عيشهم في السعة، وبعث فيهم محمداً
رَّير، فلم يعرفوا قدر هذه النعمة، وأبان أسباب وقوعهم في سوء المصير في
جهنم، ثم أمرهم على سبيل الوعيد والتهديد بالتمتع في نعيم الدنيا، ثم أمر
المؤمنين بمجاهدة النفس والهوى بالصلاة والإنفاق.
التفسير والبيان:
يدعو الله تعالى إلى التعجب من أمر كفار مكة وأمثالهم الذين وصفهم الله
بصفتين هما السبب الأول في دخولهم نار جهنم وهي :
اً - ﴿بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ أي بدلوا شكر نعمة الله كفراً، فإن شكر
النعمة واجب عقلاً وشرعاً، لكنهم خرجوا على هذا الواجب، وجعلوا بدل
الشكر كفراً وجحوداً. وهم كفار أهل مكة، وهو المشهور الصحيح عن ابن
عباس في هذه الآية، قال ابن كثير: وإن كان المعنى يعم جميع الكفار، فإن الله
تعالى بعث محمداً و له رحمة للعالمين، ونعمة للناس، فمن قبلها وقام بشكرها،
دخل الجنة، ومن ردّها وكفرها دخل النار.
٢٧١
لُعُ (١٣) - إبْرَاهِيمَةٌ: ١٤ / ٢٨-٣١
أَ - ﴿ وَأَحَلُواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ أي وأنزلوا قومهم الذين شايعوهم في
الكفر، واتبعوهم في الضلال، دار الهلاك الذي لا هلاك بعده.
ودار البوار هي جهنم مقر العذاب التي يدخلونها ويقاسون حرها، وبئس
المقر جهنم.
والسبب الثاني: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ أي واتخذوا لله شركاء عبدوهم
معه، ودعوا الناس إلى ذلك، فقالوا في الحج مثلاً: لبيك لاشريك لك، إلا
شريكاً هو لك، تملكه وما ملك.
والسبب الثالث: ﴿لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِ﴾ أي اتخذوا الأنداد أو الشركاء
لتكون عاقبة أمرهم إضلال من شايعهم واتبعهم، وصرفهم عن دين الله،
وإبقاءهم في مرتع الكفر. فاللام في ﴿لِيُضِلُواْ﴾ لام العاقبة؛ لأن عبادة .
الأوثان سبب يؤدي إلى الضلال؛ ولأنهم لم يريدوا ضلال أنفسهم، أي إن
المقصود لا يحصل إلا في آخر المراتب.
ثم قال تعالى مهدداً ومتوعداً لهم على لسان نبيه وَعليهِ: ﴿قُلّ تَمَتَّعُواْ﴾ أي
تمتعوا بما قدرتم عليه من نعيم الدنيا، فإن جزاءكم ومرجعكم وموئلكم إلى
النار، كما قال تعالى: ﴿نُمِنِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَادٍ- غَلِظٍ
٢٤
[لقمان: ٢٤/٣١] وقال سبحانه: ﴿مَتَعُ فِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ
﴾ [يونس: ٧٠/١٠]. وسمى ذلك
٧٠
الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ
تمتعاً؛ لأنهم تلذذوا به، ولأنه بالنسبة إلى عقاب الآخرة تمتع ونعيم.
ونظير الآية في أمر التهديد: ﴿أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠/٤١] وقوله:
﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ﴾ [الزمر: ٨/٣٩].
وبعد تهديد الكفار على تمتعهم في الدنيا، أمر الله نبيه بأن يبلّغ الناس
ويأمرهم بإقامة الصلاة التي هي عبادة بدنية، والإنفاق في سبيله وهو عبادة
٢٧٢
الجزءُ (١٣) - أَبْرَاهِيمٌ: ١٤ /٢٨-٣١
مالية، فقال: ﴿قُل لِّعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي يأمر الله تعالى عباده بطاعته
والقيام بحقه والإحسان إلى خلقه، بأن يقيموا الصلاة، وهي عبادة الله وحده
لا شريك له، وأن ينفقوا مما رزقهم الله، بأداء الزكوات، والنفقة على
القرابات، والإحسان إلى الأباعد.
وإقامة الصلاة: أداؤها مستكملة أركانها وشروطها، مع المحافظة على
وقتها، والخشوع لله في جميع أجزائها.
ويكون الإنفاق مما رزق في السرّ (أي في الخفية) والعلانية وهي الجهر،
قال البيضاوي: والأحب إعلان الواجب (أي في النفقة) وإخفاء المتطوع به
(أي المتبرع أو المتصدق به).
﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ﴾ أي وليبادروا إلى ذلك لخلاص أنفسهم، من قبل
أن يأتي يوم القيامة، الذي لا بيع فيه، أي لا يقبل من أحد فيه فدية، بأن تباع
نفسه، ولا تفيد فيه صداقة، للصفح والعفو والتخلص من العقاب، بل هناك
العدل والقسط، كما قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ﴾ [الحديد: ١٥/٥٧] وقال سبحانه: ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسِ
[البقرة: ١٢٣/٢]
شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا نَنفَعُهَا شَفَعَةٌ وَلَ هُمْ يُصَرُونَ
وقال عز وجل: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَا رَزَقْنَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا
بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ وَاُلْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ
{وَقَ﴾ [البقرة: ٢٥٤/٢].
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآية بيان الفرق بين فريقي الكفار والمؤمنين، أما الكافرون
فاستحقوا دخول دار البوار: جهنم لأسباب ثلاثة: هي تبديلهم شكر نعمة
الله عليهم كفراناً وجحوداً، واتخاذ الأنداد أي الشركاء وهي الأصنام التي
عبدوها، وإضلالهم الناس عن دين الله القويم، بمعنى أن عاقبتهم إلى
الإضلال والضلال، ومردهم ومرجعهم إلى عذاب جهنم.
٢٧٣
اِلُحُ (١٣) - أَبْرَاهِيمٌ: ٣٢/١٤-٣٤
وأما المؤمنون فلهم الجنة بسبب إقامة الصلوات الخمس المفروضة،
والإنفاق في سبيل الله، بأداء الزكاة الواجبة، والتطوع بالصدقات المستحبة،
بإعلان الواجب، وإخفاء التطوع، كما قال تعالى ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ
فَنِعِمَا هِىِّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْثُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمّْ وَيُكَفِرُ عَنكُم
مِّن سَبِئَاتِكُمُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (َ﴾ [البقرة: ٢٧١/٢].
ودلت الآية على أنه لا ينفع يوم القيامة فداء ولاصداقة، وأن الطاعات
الأساسية ثلاث: الإيمان بالله تعالى، وشغل النفس بخدمة المعبود في الصلاة،
وصرف المال وبذله في طاعة الله تعالى، ليجد الإنسان ثواب ذلك الإنفاق في
يوم لا مبايعة فيه ولا مخالَّة، إلا المخالة التي يشترك فيها الأخلاء في عبودية الله
تعالى ومحبة الله تعالى كما قال تعالى: ﴿اَلْأَخِلَّءُ يَوْمَيِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
إِلَّا الْمُتَّقِينَ
[الزخرف: ٤٣ /٦٧] .
أدلة وجود اللّه والتوحيد في الكون والأنفس
﴿اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ
الثَّعَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِى الْبَحْرِ بِأَمْرِهٍ، وَسَخَّرَ لَكُمُ
اُلْأَنْهَرَ
ـ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَابِبَيْنِّ وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّلَ وَالنَّهَارَ
٣٢
٣٣
وَءَاتَئِكُمْ مِّنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُذُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَاْ إِنَّ
٣٤٦
اُلْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ
الإعراب:
﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ﴾ مبتدأ وخبر. ﴿رِزْقًا﴾ منصوب على المصدرية أو مفعول:
﴿فَأَخْرَجَ﴾ و﴿مِنَ الثَّمَرَتِ﴾ بيان له، وحال منه.
﴿دَابِبَيْنِ﴾ حال من الشمس والقمر، وذُكِّر تغليباً للقمر على الشمس؛ لأن
٢٧٤
لُحُ (١٣) - ابراهيم: ١٤ / ٣٢-٣٤
القمر مذكر والشمس مؤنث، وإذا اجتمع المذكر والمؤنث، غلِّب جانب المذكر
على جانب المؤنث؛ لأن التذكير هو الأصل. ﴿مِّنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُوُهُ﴾
بالإضافة، على تقدير مفعول محذوف، أي وآتاكم سُؤلكم من كل ما
سألتموه، مثل قوله تعالى: ﴿وَأُوْتِنَا مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ [النمل: ١٦/٢٧] أي أوتينا
من كل شيء شيئاً. ومن قرأ بالتنوين (كُلِّ) كان المفعول ملفوظاً به، أي وآتاكم
ما سألتموه من كل شيء. و﴿مَا﴾ ههنا: نكرة موصوفة، و﴿سَأَلْتُمُوهُ﴾: جملة
فعلية صفة لها.
البلاغة:
﴿لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ صيغة مبالغة على وزن فعول وفعّال.
المفردات اللغوية:
﴿ السَّمَوَتِ﴾ جمع سماء، ولا نعرف حقيقتها، ولكن كل ما علا الإنسان
وأظله فهو سماء، ﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾ الرزق: كل ما ينتفع به، ويشمل المطعوم
والملبوس. ﴿وَسَخَّرَ﴾ ذلل أو أعد ويشَر. ﴿الْفُلْكَ﴾ السفن. ﴿ بِأَمَّرِهِ﴾ بإذنه
أو بمشيئته إلى حيث توجهتم. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اٌلْأَنْهَرَ﴾ جعلها معدة
الانتفاعكم وتصرفكم . ﴿دَابِبَيْنِ﴾ دائمين في الحركة أو السير، والإنارة
والإصلاح، لا يفتران. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّلَ وَالنَّهَارَ﴾ يتعاقبان، فالليل للنوم
والسكن فيه والنهار للمعاش وابتغاء الفضل. ﴿ وَءَاتَنْكُمْ﴾ أعطاكم. ﴿مَا
سَأَلْتُوُهُ﴾ بلسان الحال، على حسب مصالحكم. ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾. إنعامه، وفيه
دليل على أن المفرد يفيد الاستغراق بالإضافة. ﴿لَا تُخُصُوهَا﴾ لا تطيقوا
حصرها. ﴿إِنَّ الْإِنسَنَ﴾ الكافر. ﴿لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ أي كثير الظلم
لنفسه بالمعصية وإغفال شكرها، وكثير الكفر أو الجحود لنعمة ربه.
المناسبة:
بعد أن أوضح الله تعالى أوصاف أحوال السعداء والأشقياء، أتبعه بالأدلة
٢٧٥
الجُزءُ (١٣) - أبرَاهِيمٌ: ١٤ / ٣٢-٣٤
الدالة على وجود الصانع وكمال علمه وقدرته ووحدانيته، ليدل على وجوب
شكر الصانع الموجد لها، ويقرّع الكافرين الذين أعرضوا عن التفكر في تلك
النعم.
التفسير والبيان:
يعدد الله في هذه الآيات نعمه على خلقه، ویشیر إلی دلائل وجوده وقدرته،
وهي عشرة أدلة.
أَ - ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ﴾: الله هو الذي خلق السماوات سقفاً محفوظاً،
وزيَّنها بزينة الكواكب.
٢ - وخلق الأرض فراشاً وما فيها من المنافع الكثيرة لكم أيها الناس.
◌َ- ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾: أي السحاب مطراً أحيا به الأرض بعد
موتها، وأنبت به الشجر والزرع، وأخرج به ما يحتاجه الإنسان من الأرزاق
للأكل والعيش، بواسطة الثمار والزروع المختلفة الألوان والأشكال والطعوم
والروائح والمنافع، كقوله تعالى: ﴿ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ- أَزْوَجًا مِّن
نَّبَاتٍ شَتَّى﴾ [طه: ٥٣/٢٠
٤- ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ﴾: أي وذلل لكم السفن، بأن ألهمكم
صنعها، وجعلها طافية على وجه الماء، تجري في البحر من بلد لآخر للركوب
والحمل، بإذن الله ومشيئته.
٥- ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَرَ﴾: أي فجر لكم ينابيع الأنهار، وشقَّ الأرض
من مسافة إلى مسافة، للشرب وسقي الزروع والأشجار والبهائم وغيرها من
المنافع.
هـ
٩-٧- ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَابِبَيْنِّ﴾: أي ذللهما وجعلهما
٢٠
٢٧٦
الجُزْءُ (١٣) - إبْرَاهِيمَةٌ: ١٤ / ٣٢-٣٤
يسيران في حركة دائمة، لا يفتران ليلاً ولا نهاراً لإصلاح حياة الإنسان
والنبات وغيرهما كما قال تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَلْبَغِى لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا
اُلَّيْلُ سَابِقُ التَّهَارِ وَكُلُّ فِى فَكٍ يَسْبَحُونَ (®
[يس: ٣٦ /٤٠] .
٨- ٩- ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾: أي جعلهما يتعاقبان ويتعارضان،
فمرة يطول الليل كما في الشتاء، ومرة يطول النهار كما في الصيف، ويقصر
الآخر، وبالعكس، والنهار للسعي والكسب والمعاش وشؤون الدنيا، والليل
للنوم والسبات والسكن فيه كما قال تعالى: ﴿يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُ حَثِيثًا
وَالشَمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَتٍ بِأَمْرِهُةِ أَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ
اٌلْعَلَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤/٧] وقال تعالى: ﴿يُولِجُ الَِّلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِعُ النَّهَارَ
فِي الَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلُّ يَجْرِىّ إِلَى أَجَلِ مُسَنَّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا
تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٩/٣١]. وقال سبحانه: ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُ
الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُاْ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ،﴾ [القصص: ٧٣/٢٨].
١٠ - ﴿وَءَاتَنْكُمْ مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ أي أعطاكم أيها البشر سؤلكم
من كل ما شأنه أن يسأل، ويحتاج إليه، وينتفع به، سواء سألتموه أم لم
تسألوه، أو أعطاكم من كل مسؤول سألتموه شيئاً، والخطاب لجنس البشر؛
لأن الله خلق لكم ما في الأرض جميعاً، وترك استخراجها واختراع ما
يكتشف منها لعقولكم بمقتضى تطور العقل البشري، وتقدم الحياة المدنية،
وبالتدريج، وقد وصل الإنسان في القرن العشرين إلى قمة الاكتشاف
والابتكار في مختلف المجالات، معتمداً على طاقات البخار والهواء والنفط
والكهرباء والذرّة وغيرها.
﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُخُصُوهَاً﴾ أي إن أردتم تعداد نعم الله المنعم
بها عليكم لا تطيقوا حصرها لكثرتها. والنعمة هنا قائمة مقام المصدر، بمعنى
الإنعام، كالنفقة والإنفاق، ويدل ذلك على العموم؛ لأن المفرد يفيد
الاستغراق بالإضافة.
٢٧٧
لُ (١٣) - إبرَاهِيمٌ: ١٤/ ٣٢-٣٤
والمقصود من الجملتين الأخيرتين: ﴿وَءَاتَنْكُمْ﴾ ﴿وَإِن تَعُدُّواْ﴾ الإخبار
عن عجز العباد عن تعداد النعم، فضلاً عن القيام بشكرها.
فبعد أن ذكر الله تعالى تلك النعم العظيمة، أبان أنه لم يقتصر عليها، بل
أعطى عباده من المنافع ما لا يتأتى معه الإحصاء، بقوله: ﴿وَءَاتَنْكُمْ﴾ ثم ختم
الكلام بقوله: ﴿وَإِن تَعُدُواْ﴾ ليبين أنه آتى العباد من كل ما احتاجوا إليه،
مما لا تصلح الأحوال والعيشة إلا به. قال طلق بن حبيب رحمه الله تعالى: إن
حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر من أن يحصيها العباد،
ولكن أصبحوا تائبين، وأمسوا تائبين. وفي صحيح البخاري أن رسول الله ولايه
كان يقول: ((اللهم لك الحمد غير مكفيّ، ولا مودَّع، ولا مستغنَّى عنه ربنا»
وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: ((الحمد لله الذي لا يُودَّى شكر نعمة من
نعمه إلا بنعمة حادثة توجب على مؤديها شكره بها)).
﴿إِنَ الْإِنسَنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ أي إن الإنسان يظلم النعمة بإغفال
شكرها، شديد الكفران لها، والمراد بالإنسان هنا الجنس، فلا يراد به
الواحد، بل يراد به الجمع، أي توجد فيه هذه الخلال، وهي الظلم والكفر،
يظلم النعمة بإغفال شكرها، ويكفرها بجحدها.
ويلاحظ أنه تعالى قال هنا: ﴿إِنَّ الْإِنسَنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ وقال في
سورة النحل: ﴿وَإِن تَعُذُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَاْ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٨
[النحل: ١٨/١٦]. والفرق بين الخاتمتين: أن الكلام هنا مناسب لتعداد
قبائح الإنسان من كفران النعمة والظلم الذي هو الشرك، وأما في سورة
النحل فيناسب ما ذكر في الآية من تعداد فضائل الله على الإنسان، ومنها
اتصافه بالمغفرة والرحمة، تحريضاً على الرجوع إليه (١).
(١) البحر المحيط: ٤٢٨/٥-٤٢٩
٢٧٨
لِلُرءُ (١٣) - ابراهيم: ١٤/ ٣٢-٣٤
وقال الرازي عن الفرق بين الآيتين: كأنه تعالى يقول: إذا حصلت النعم
الكثيرة، فأنت الذي أخذتَها، وأنا الذي أعطيتُها، فحصل لك عن أخذها
وصفان: وهما كونك ظلوماً كفاراً، ولي وصفان عند إعطائها، وهما كوني
غفوراً رحيماً، والمقصود كأنه يقول: إن كنت ظلوماً فأنا غفور، وإن كنت
كفاراً فأنا رحيم، أعلم عجزك وقصورك، فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير،
ولا أجازي جفاء إلا بالوفاء(١).
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدتنا الآيات إلى ما يأتي:
اً - لقد أقام الله تعالى أدلة كثيرة على وجوده وقدرته وعلمه ووحدانيته،
منها هذه الأدلة العشرة التي ذكرها في الآية من خلق السماوات والأرض،
وإنزال المطر من السحاب ... إلخ.
أَ- إن نعم الله تعالى على البشر لا تُعد ولا تحصى لكثرتها، ولدقة إدراكها
وخفائها أحياناً، كخزائن السماوات والأرض، وعجائب تكوين الإنسان،
وبخاصة دماغه وحواسه من سمع وبصر وملاحظة الصور، وغير ذلك من نعمة
العافية، والإمداد بالرزق منذ كونه جنيناً في بطن أمه، إلى حين ولادته
وطفولته، إلى شبابه وكهولته وشيخوخته، وتقلّبه في أنحاء الأرض، إلى موته
فلقاء ربه.
٣ - إن النعم على الإنسان من الله، فلِمَ يبدل نعمة الله بالكفر؟ وهلا
استعان بها على الطاعة؟ إن من شأن الإنسان ظلم النعمة بإغفال شكرها،
وكفرانها وجحودها. والإنسان: جنس، أراد به العموم، وقال بعض
المفسرين: وأراد به الخصوص كأبي جهل وجميع الكفار.
(١) تفسير الرازي: ١٣٠/١٩-١٣١
٢٧٩
الجُرُ (١٣) - اِبْرَاهِيمٌ: ١٤ / ٣٥-٤١
دعاء إبراهيم عليه السلام مستقبل البيت الحرام
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ءَامِنًا وَأَجْتُبْنِى وَبَنِىَّ أَنْ نَّعْبُدَ
اُلْأَصْنَامَ ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِِ فَمَن تَبِّعَنِىِ فَإِنَّهُ مِنِّ وَمَنْ عَصَانِىِ
فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ زَبَّنَآ إٍِّ أَسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ
بَيْنِكَ الْمُحَزَّمَ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ
ـ رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ وَمَا
وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَهَبَ لِ
٨
يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَىْءٍ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ
رَبِّ اجْعَلْنِ مُقِيمَ
٣٩
عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّ لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ
الصَّلَوَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِىّ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ﴿ رَبََّا أَغْفِرْ لِ وَلَوَلِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
٤١
يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ
القراءات : ..
﴿ إِنِّ أَسْكُنتُ﴾ :
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (إني أسكنت).
الإعراب:
﴿أَسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِى﴾ المفعول محذوف، تقديره: أسكنت ناساً من ذريتي
بواد.
﴿ لِيُقِيمُواْ الصَّلَوةَ﴾ متعلق بأسكنت، وفصل بينهما بقوله: ﴿رَبَّنَا﴾ لأن
الفصل بالنداءِ كثير في كلامهم.
﴿وَمِن ذُرِّيَّتِىَّ﴾ أي واجعل من ذريتي مقيمي الصلاة، فحذف الفعل
لدلالة ما قبله عليه.
٢٨٠
الجُزءُ (١٣) - إبْرَاهِيمٌ: ١٤ / ٣٥-٤١
البلاغة:
﴿ تَبَعَنِى﴾ و﴿عَصَانِىِ﴾ و﴿نُخْفِى﴾ و﴿ثُعْلِنٌ﴾ و﴿الْأَرْضِ﴾ و﴿السَّمَاءِ﴾
بین کلِّ طباق.
﴿فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ﴾ تهوي: فيه استعارة؛ لأن
حقيقة الُْويِّ النزول من علو إلى انخفاض، كالهبوط، والمراد: تسرع إليهم
شوقاً وحباً من مكان بعيد، بعكس ((تحنّ)) فهو قد يكون من المقيم بالمكان.
﴿أَجْعَلْ هَذَا اُلْبَلَدَ﴾ عُرِّف البلد هنا، ونكّر في سورة البقرة ﴿أَجْعَلْ هَذَا
بَدًا ءَامِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦/٢] لأنه في البقرة كان دعاؤه قبل بنائها، فطلب أن
تجعل بلداً آمناً، وهنا كان بعد بنائها، فطلب أن تكون بلد أمن واستقرار.
المفردات اللغوية:
﴿هَذَا اُلْبَلَدَ﴾ بلد مكة ﴿ءَمِنًا﴾ ذا أمن لمن فيها ﴿وَأَجْتُبْنِ﴾ أبعدني.
﴿أَنْ تَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ عن أن نعبد. ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ﴾ أي الأصنام ﴿أَضْلَلْنَ كَثِيرًا
مِّنَ النَّاسٌِ﴾ بعبادتهم لها، فلذلك سألت منك العصمة، واستعذت بكم من
إضلالهن، وإسناد الإضلال إليهن باعتبار السببية. ﴿فَمَنْ تَّبِّعَنِىِ﴾ على التوحيد
﴿فَإِنَّهُ مِنِىٌ﴾ من أهل ديني. ﴿وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي ومن
عصاني دون الشرك، فإنك تقدر أن تغفر له وترحمه ابتداء، أو بعد التوفيق
للتوبة. وقوله: ﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ معناه حين يؤمنوا؛ لأنه أراد أن يغفر
لكل كافر بعد إيمانه ما كان منه سابقاً، لكنه عليه السلام استعمل هذه العبارة
التي ظاهرها أن كل ذنب فلله أن يغفره حتى الشرك، بسبب ما كان يأخذ به
نفسه من القول الجميل، والنطق الحسن، وجميل الأدب.
﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِىّ﴾ أي بعضها، وهو إسماعيل مع أمه هاجر . ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِى
زَرْعٍ﴾ أي مكة، فإنها حجرية لا تنبت. ﴿عِندَ بَيْنِكَ الْمُحَرَّمْ﴾ الذي حرمت