النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ لُعُ (١٣) - أَبْرَاهِيمٌَ: ١٤ /١-٤ اً - قوله تعالى: ﴿كِتَبُّ أَنَزَلْنَهُ﴾ دليل على أن القرآن منزل من عند الله تعالى، وأن مهمته إخراج الناس من ظلمات الكفر والضلالة والجهل إلى نور الإيمان والهدى والعلم، وذلك بتوفيق الله إياهم ولطفه بهم. وفيه إنعام على الرسول بتفويضه هذا المنصب العظيم، وعلى الناس لإرساله لهم من خلصهم من ظلمات الكفر، وأرشدهم إلى نور الإيمان. اً - قال المعتزلة: في هذه الآية دلالة على إبطال القول بالجبر من جهات ثلاث : أحدها - إخراج الكفر من الكافر بالكتاب. وثانيها - أنه أضاف الإخراج من الظلمات إلى النور إلى الرسول وله. وثالثها - الإخراج من الكفر بالكتاب بتلاوته عليهم ليتدبروه وينظروا فيه، فيتوصلوا إلى كونه تعالى عالماً قادراً حكيماً، وإلى أن القرآن معجزة صدق الرسول وَّة، فيقبلوا منه كل ما أداه إليهم من الشرائع، باختيارهم. قال أهل السنة: إن المؤثر الأول في صدور الفعل من العبد وترجيح جانب الوجود على جانب العدم هو الله تعالى. وفعل العبد مخلوق لله تعالى؛ لقوله سبحانه: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي بمشيئته وتخليقه. ◌َّ - طرق الكفر والجهل والبدعة كثيرة، وطريق الخير واحد؛ لأنه تعالى قال: ﴿لِنُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ فعبر عن الجهل والكفر بالظلمات وهو جمع، وعبر عن الإيمان والهداية بالنور، وهو لفظ مفرد. ٤ - قدم ذكر العزيز على الحميد؛ لأن الواجب أولاً في العلم بالله: العلم بكونه تعالى قادراً، ثم العلم بكونه عالماً، ثم العلم بكونه غنياً عن الحاجات، والعزيز: هو القادر، والحميد: هو العالم الغني. ٢٢٢ لِلُهُ (١٣) - اِبْرَاهِيمٌ: ١٤ / ١-٤ هَ - لله ما في السماوات وما في الأرض ملكاً وعبيداً واختراعاً وخلقاً، وهذا يدل على أنه تعالى غير مختص بجهة العلو ألبتة؛ لأن كل ما سماك وعلاك فهو سماء، وبما أن كل ما في السماوات فهو ملكه، فهو منزه عن الحصول في جهة فوقية. وأما قوله تعالى: ﴿َأَمِنْهُم مَّن فِىِ السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦/٦٧] فالمراد به سلطانه وقدرته. وتدل الآية أيضاً على الحصر، أي كل ما في السماوات والأرض له، لا لغيره، وهو يدل على أنه لا مالك إلا الله، ولا حاكم إلا الله عز وجل. ولهذا عطف عليه وعيد الكفار بقوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْكَفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ لأنهم تركوا عبادة الله تعالى الذي هو مالك السماوات والأرض وما فيهما، إلى عبادة ما لا يملك ضراً ولا نفعاً، ويُخْلَق ولا يَخْلُق، ولا إدراك لها ولا فعل. ٩ - استحقاق الكافرين الهلاك والعذاب في نار جهنم لصفات ثلاث: هي تفضيلهم أو إيثارهم الدنيا على الآخرة، ومنعهم الناس من الوصول إلى سبيل الله ودينه، وهو المنهج القويم والطريق المستقيم، وطلبهم لسبيل الله زيغاً وميلاً واعوجاجاً، لموافقة أهوائهم، وقضاء حاجاتهم وأغراضهم، فهم في ضلال بعيد عن الحق. ٧ - من فضل الله وتيسيره الاهتداء بهدايته إرسال كل رسول إلى قومه بلغتهم، ليبين لهم أمر دينهم، وليفهموا منه شرائع الله، ويفقهوها عنه بيسر وسرعة، ثم ينقلوها لغيرهم .. وإرسال جميع الرسل بلغة قومهم يقتضي تقدم حصول اللغات على إرسال الرسل، وهو يدل على أن اللغات حاصلة بالاصطلاح، وليست توقيفية، كما ذكر الرازي. ٢٢٣ الُزُ (١٣) - إبْرَاهِيمٌ: ١٤/ ١-٤ ٨ - قوله: ﴿فَيُضِلُ اللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ رد على القَدَرية في نفوذ المشيئة، وإخبار بأن الضلال والهداية من الله تعالى، فهو تعالى يضل من يشاء إضلاله، ويهدي من يشاء هدايته حسبما يعلم من استعداد العبد واختياره، وليس على ذلك الرسول غير التبليغ والتبيين، ولم يكلف أن يهدي، بل الهدى بيد الله على ما سبق قضاؤه. وقال الزمخشري على طريقة الاعتزال: والمراد بالإضلال: التخلية ومنع الألطاف، وبالهداية: التوفيق واللطف، وكان ذلك كناية عن الكفر والإيمان(١). ويؤكد الرأي الأول لأهل السنة ما روي: أن أبا بكر وعمر أقبلا في جماعة من الناس، وقد ارتفعت أصواتهما، فقال ◌َله: ((ما هذا؟)) فقال بعضهم: يا رسول الله، يقول أبو بكر: الحسنات من الله، والسيئات من أنفسنا، ويقول عمر: كلاهما من الله، وتبع بعضهم أبا بكر، وبعضهم عمر، فتعرف الرسول وَلّ ما قاله أبو بكر، وأعرض عنه حتى عرف ذلك في وجهه، ثم أقبل على عمر، فتعرف ما قاله، وعُرف البِشْر في وجهه. ثم قال: ((أقضي بينكما كما قضى به إسرافيل بين جبريل وميكائيل، قال جبريل مثل مقالتك يا عمر، وقال ميكائيل مثل مقالتك يا أبا بكر، فقضاء إسرافيل: أن القدر كله خيره وشره من الله تعالى، وهذا قضائي بينكما))(٢). ثم ذكر الرازي تأويلات ثلاثة للآية، بعد أن قال: لا يمكن حمل الآية على أنه تعالى يخلق الكفر في العبد(٣): (١) الكشاف: ٢/ ١٧١ (٢) تفسير الرازي: ٨٠/١٩ (٣) المرجع السابق ٨١ ٢٢٤ لُ (١٣) - إبْرَاهِيمٌ: ١٤ /٥-٨ الأول - أن المراد بالإضلال: هو الحكم بكونه كافراً ضالاً، كما يقال: فلان يكفّر فلاناً ويضلله، أي يحكم بكونه كافراً ضالاً. والثاني - أن يكون الإضلال: عبارة عن الذهاب بهم عن طريق الجنة إلى النار، والهداية: عبارة عن إرشادهم إلى طريق الجنة. والثالث - أنه تعالى لما ترك الضال على إضلاله، ولم يتعرض له، صار كأنه أضله، والمهتدي لما أعانه بالألطاف، صار كأنه هو الذي هداه. والخلاصة: إنه لا إجبار على الإيمان والكفر، ولا يخلق العبد كافراً أو لا يخلق الكفر في العبد، وإنما المراد بالإضلال والهداية بيان طريقي الشر والخير، [البلد: ٩٠ /١٠] . ٣٠ كما قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ مهمة الرسول موسى عليه السلام ونصائحه لقومه ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِئَايَتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الُظُلُمَتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرُهُم بِأَتَّنِمِ اللَّهَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ أَنِجَنَكُمْ مِّنْ عَلٍ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ وَيُدَتِحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِى وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَبِن شَڪَرْتُمْ ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ للَّ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَبِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِ لَشَدِيدٌ ﴿ وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنْثُمْ وَمَنْ فِى اُلْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِىُّ حَمِيدٌ ٨ الإعراب: ﴿أَنْ أَخْرِجْ﴾ ﴿أَنْ﴾: إما أن يكون لها موضع من الإعراب، وهو النصب، وتقديره: بأن أخرج قومك، فحذف حرف الجر، فاتصل الفعل به، وإما ألا يكون لها موضع من الإعراب، وتكون مفسّرة بمعنى أي، مثل ﴿أَنِ أُمْشُواْ وَأَصْبِرُواْ﴾ [ص: ٦/٣٨]. ٢٢٥ لُزُ (١٣) - إبْرَاهِيمَ: ١٤ /٥-٨ ﴿ وَيُدَتِحُونَ أَبْنَاءَ كُمْ﴾ أتى بالواو هنا، ليدل على أن الثاني غير الأول، وحذفت في غير هذا الموضع في سورة البقرة، ليدل على البدل، وأن الثاني بعضُ الأول، أي أنه في سورة البقرة تفسير لما سبق، وهنا غير تفسير، وإنما التذبيح نوع آخر من العذاب غير الأول. ﴿إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ﴾ الجملة واقعة في جواب القسم لتقدمه على الشرط. البلاغة: ﴿شَكَرْتُمْ﴾ ﴿كَفَرْتُمْ﴾. بينهما طباق. ﴿صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ صيغة مبالغة فيهما. ﴿لَشَدِيدٌ﴾ ﴿حَيْدٌ﴾ فيهما سجع. المفردات اللغوية: بِشَايَاتِنَآ﴾ الجمهور على أنها الآيات التسع التي أجراها الله على يد موسى عليه السلام، يعني اليد والعصا وسائر معجزاته. وقيل: هي الجراد والقمل والضفادع ونحوها . ﴿أَنْ أَخْرِجْ﴾ أي بأن أخرج، أو بمعنى أي كأن في الإرسال معنى القول. ﴿قَوْمَكَ﴾ بني إسرائيل. ﴿مِنَ الظَّلُمَتِ﴾ الكفر والجهالات. ﴿إِلَ النُّورِ﴾ الإيمان بالله وتوحيده وجميع ما أُمروا به ﴿وَذَكِّرُهُمْ﴾ عظهم. ﴿بِأَّنِمِ اللَّهِ﴾ وقائعه التي وقعت على الأمم السابقة، وأيام العرب: حروبها. وقيل: بنعمائه وبلائه . ﴿صَبَّارٍ﴾ كثير الصبر على البلاء والطاعة. ﴿ شَكُورٍ﴾ أي كثير الشكر للنعم. ٢٢٦ الجزءُ (١٣) - إبْرَاهِيمٌ: ١٤ /٥-٨ ﴿ وَإِذْ قَالَ﴾ واذكر حين قال موسى. ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يذيقونكم العذاب السِّئ الشديد. ﴿ وَيُذَتِحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ المولودين. ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾ يبقونهم أحياء للذل والعار؛ لقول بعض الكهنة: إن مولوداً يولد في بني إسرائيل يكون سبب ذهاب ملك فرعون . ﴿ وَفِ ذَلِكُمْ﴾ الإنجاء أو العذاب. ﴿بَلَاءٌ﴾ إنعام أو ابتلاء واختبار. ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ﴾ واذكر حين أعلم وآذن . ﴿لَيِن شَكَرْتُمْ﴾ نعمتي بالتوحيد والطاعة. ﴿وَلَيِنِ كَفَرْتُمْ﴾ جحدتم النعمة بالكفر والمعصية، لأعذبنكم، دل عليه ﴿إِنَّ عَذَابِ لَشَدِيدٌ﴾. ﴿لَغَنِىُّ﴾ عن خلقه .﴿ حَمِيدٌ﴾ مستحق للحمد في ذاته، محمود في صنعه بهم، تحمده الملائكة وتنطق بنعمه المخلوقات، فما ضررتم بالكفران إلا أنفسكم، حيث حرمتموها مزيد الإنعام، وعرضتموها للعذاب الشديد. المناسبة: بعد أن بيَّن الله تعالى أنه أرسل محمداً وَّله إلى الناس ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وأن إرساله نعمة له ولقومه، أتبع ذلك بذكر قصة موسى عليه السلام، ثم بقصص أنبياء آخرين مع أقوامهم، تنبيهاً على أن المقصود من بعثة الرسل واحد: وهو إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وتصبيراً للرسول على أذى قومه، وإرشاداً له إلى كيفية معاملتهم ومكالمتهم. التفسير والبيان: كما أرسلناك يا محمد وأنزلنا عليك الكتاب لتخرج الناس كلهم من الظلمات إلى النور، كذلك أرسلنا موسى إلى بني إسرائيل بالآيات التسع، ٢٢٧ الجُ (١٣) - إبْرَاهِيمٌ: ١٤ / ٥-٨ وأمرناه قائلين له: أخرج قومك من الظلمات إلى النور، أي ادعهم إلى الخير، ليخرجوا من ظلمات ما كانوا فيه من الجهل والضلال، إلى نور الهدى وبصيرة الإيمان. وعظهم بأيام الله، أي بوقائعه التي مرت على أمم الأنبياء السابقين، وكيف نجا المؤمنون، وهلك الكافرون !! أو ذكّرهم بنعم الله عليهم في إخراجهم من أسر فرعون وقهره، وظلمه وغشمه، وإنجائه إياهم من عدوهم، وفلقه لهم البحر، وتظليله إياهم الغمام، وإنزاله عليهم المن والسلوى، وغير ذلك من النعم. روى الإمام أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم حديثاً مرفوعاً عن ابن عباس عن النبي ◌َّ في قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرُهُم بِأَتَّنِمِ اللَّهِ﴾ قال: بنعم الله تعالى. وأيام الله في عهد موسى: إما محنة وبلاء: وهي الأيام التي كان فيها بنو إسرائيل تحت قهر فرعون واستعباده، وإما نعمة كانجائهم من عدوهم، وفلق البحر لهم، وإنزال المن والسلوى عليهم. ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ﴾ أي إن في ذلك التذكير لدلائل على وحدانية الله وقدرته، وإن فيما صنعنا ببني إسرائيل حين أنقذناهم من بطش فرعون، وأنجيناهم مما كانوا فيه من العذاب المهين لعبرة، لكل كثير الصبر على الطاعة والبلاء أو الضراء، شكور في حال النعمة والرفاه والسرور. قال قتادة: نعم العبد عبد إذا ابتُلي صبر، وإذا أعطي شكر. وجاء في صحيح البخاري عن رسول الله وسلم أنه قال: ((إن أمر المؤمن كله عجب، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيراً له، إن أصابته ضرّاء صبر، فكان خيراً له، وإن أصابته سرّاء، شکر، فكان خيراً له)). فعلى المسلم أن يكون صابراً شكوراً، يصبر عند البلاء والمحنة، ويشكر عند الرخاء والنعمة. ٢٢٨ الجُزءُ (١٣) - أبرَاهِيمَةٌ: ١٤ / ٥-٨ ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾ واذكر حين قال موسى لقومه: يا قوم، تذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون، وما كانوا يذيقونكم من العذاب والإذلال، ويكلفونكم من الأعمال ما لا تطيقون، وكانوا يذبحون أبناءكم المولودين الصغار، خوفاً من ظهور ولد يكون سبباً في تدمير ملك فرعون، كما فسرت الرؤيا لفرعون مصر، وكانوا يتركون الإناث أحياء ذليلات مستضعفات، وذلك من أعظم البلاء، فأنقذكم الله من عذابهم، وهذه نعمة عظيمة. ﴿وَفِ ذَلِكُمْ بَلَآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ أي وفيما ذكرت لكم اختبار عظيم من ربكم، سواء في حال النقمة، أو في حال النعمة، ليعرف الإنسان أيشكر أم يكفر؟! كما قال تعالى: ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِلشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥/٢١] وقال سبحانه: ﴿وَبَلَوْنَهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨/٧]. ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ واذكروا يا بني إسرائيل حين آذنكم ربكم وأعلمكم بوعده لكم، وهو قوله: ﴿لَيِنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ أي لئن شكرتم نعمتي علیکم لأزيدنکم منها. أخرج البخاري عن أنس حديثاً فيه: ((ومن أُلهم الشكر لم يحرم الزيادة)). ويحتمل أن يكون المعنى: وإذ أقسم ربكم وآلی بعزته وجلاله و کبریائه، كُقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَنَ رَبُّكَ لَيَتَعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ﴾ [الأعراف: ٧/ ١٦٧] . ﴿ وَلَيِنِ كَفَرْتُ﴾ أي ولئن جحدتم النعم وسترتموها، فلم تؤدوا حقها من الشكر. ﴿إِنَّ عَذَابِ لَشَدِيدٌ﴾ أي إن عقابي أليم وقعه، شديد تأثيره وألمه، في الدنيا بزوال تلك النعم، وسلبها عنهم، وفي الآخرة بالعقاب على كفرانهم والمراد بالكفر هنا: الكفران. جاء في الحديث الثابت الذي رواه الحاكم عن ثوبان: ((إن العبد ليُحرم الرزقَ بالذنب يصيبه)). ٢٢٩ الزُ (١٣) - أبْرَاهِيمٌ: ١٤ / ٥-٨ ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ أي وأعلن موسى مبدأ أساسياً في الدين، حينما لاحظ منهم أمارات الكفر والعناد، وهو أن منافع الشكر ومضار الكفران لا تعود إلا إلى الإنسان، أما الله فهو غني عن عباده، فقال: إن تجحدوا نعمة الله عليكم أنتم وجميع من في الأرض من الثقلين: الإنس والجن، فإن الله غني عن شكر عباده. وهو المحمود، وإن كفر به من كفر، كما قال تعالى: ﴿إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنَكُمْ﴾ [الزمر: ٧/٣٩] وقال تعالى: ﴿فَكَفَرُواْ وَتَوَلََّأْ وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاَللَّهُ غَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦/٦٤] وقال سبحانه: ﴿وَإِن تَشْكُرُواْ يَرَضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: قے ٣٩/ ٧] . جاء في صحيح مسلم عن أبي ذر عن رسول الله وَله - فيما يرويه عن ربه عز وجل - أنه قال: ((يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في مُلْكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولَكم وآخركم وإنسَكم وجِنَّكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك في مُلْكي شيئاً، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، إلا كما ينقص المخيط إذا دخل البحر)). فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يلي: اً - إن المقصود من بعثة الأنبياء واحد، وهو أن يسعوا في إخراج الناس من ظلمات الكفر والضلالات إلى أنوار الإيمان والهدايات. أَ - على الناس الاعتبار والاتعاظ بأيام الله تعالى، أي الوقائع العظيمة التي وقعت فيها، وتذكر نعم الله عليهم. وذلك جمع بين الترغيب والترهيب والوعد والوعيد، فالترغيب والوعد: ٢٣٠ الجُرُ (١٣) - أَبْرَاهِيمَةٌ: ١٤ /٥-٨ أن يذكرهم النبي موسى أو غيره ما أنعم الله عليهم وعلى من قبلهم ممن آمن بالرسل، في سائر ما سلف من الأيام. والترهيب والوعيد: أن يذكرهم بأس الله وعذابه وانتقامه ممن كذب الرسل، ممن سلف من الأمم فيما سلف من الأيام، مثل ما نزل بعاد وثمود وغيرهم من العذاب، ليرغبوا في الوعد فيصدقوا، ويحذروا من الوعيد فيتركوا التكذيب. ٣ - إن في ذلك التذكير والتنبيه دلائل لمن كان صباراً شكوراً. ففي حال المحنة والبلية يصبر، وفي حال المنحة والعطية يشكر، وهذا تنبيه على أن المؤمن يجب ألا يخلو زمانه عن أحد هذين الأمرين: الصبر أو الشكر. روي عن النبي وسلم أنه قال فيما رواه البيهقي عن أنس، وهو ضعيف: ((الإيمان نصفان: فنصف في الصبر، ونصف في الشكر)))) ثم تلا هذه الآية: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾. ٤ - لقد تعرض بنو إسرائيل في زمن فرعون للحالتين: المحنة والنعمة، ولكنهم لم يقدروا النعمة ولم يشكروها، ولم يصبروا عند المحنة، وذلك ملحوظ من نصح موسى عليه السلام لهم حينما رأى أمارات الكفر والعناد فيهم. ٥ - إن شكر النعمة سبب لزيادتها، وكفرانها سبب لزوالها، فالآية نص واضح في أن الشكر سبب المزيد، وأن جحود النعمة سبب النقص والزوال، فمن اشتغل بشكر نعم الله، زاده الله من نعمه، ومن كفر بنعمة الله فهو جاهل، والجهل بالله سبب لأعظم أنواع العقاب والعذاب، فالمراد بقوله: ﴿ وَلَيِن كَفَرْتُمْ﴾ الكفران، لا الكفر. والشكر: هو عبارة عن الاعتراف بنعمة المنعم، مع تعظيمه وتوطين النفس على هذه الطريقة. والخلاصة: الاشتغال بكفران النعم يوجب العذاب الشديد، وحصول الآفات في الدنيا والآخرة، والاشتغال بشكر النعمة يستوجب زيادتها. ٢٣١ الُ (١٣) - إبْرَاهِيمٌ: ١٤ /٩-١٢ أَ - إن منافع الشكر ومضار الكفران لا تعود إلا إلى صاحب الشكر وصاحب الكفران. أما المعبود المشكور فإنه متعال عن أن ينتفع بالشكر أو يستضر بالكفران. والمراد من قول موسى: ﴿إِن تَكْفُرُوَاْ أَنْثُمْ﴾ بيان أنه تعالى إنما أمر بهذه الطاعات، لمنافع عائدة إلى العابد، لا لمنافع عائدة إلى المعبود، بدليل قوله: ﴿فَإِنَ اللَّهَ لَغَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ أي لا يلحقه بذلك نقص، بل هو الغني، وهو المحمود في جميع الأحوال. بعض أخبار الرسل السابقين مع أممهم ﴿أَمَّ بَأْتِكُمْ نَبَؤْ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودٌّ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَرَدُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فِىّ أَفْوَهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، وَإِنَّا لَفِى شَكِّ ◌ِّمَا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ : قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِ اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ ٩ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَتَّىَّ قَالُواْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَ تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴾ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن تَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَمَا كَانَ لَنَا أَن تَأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اُلْمُؤْمِنُونَ ﴿ وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَنَنَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى ١٢ مَآ ءَاذَيْتُمُونًا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكُِّونَ القراءات: ﴿رُسُلُهُم﴾: وقرأ أبو عمرو: (رُسْلهم). ٢٣٢ لُ (١٣) - إبْرَاهِيمٌ: ١٤ / ٩-١٢ ﴿ وَيُؤَخِّرَكُمْ﴾ : وقرأ ورش، وحمزة وقفاً (ويوخركم). ﴿سُبُلَنَا﴾: وقرأ أبو عمرو (سُبْلنا). الإعراب: ﴿وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ﴾ ﴿وَمَا﴾: استفهامية في موضع رفع مبتدأ، وخبره ﴿لَنَآ﴾ وأن في ﴿أَلَّا﴾ في موضع نصب على تقدير حذف حرف الجر، تقديره: وما لنا في ألا نتوكل على الله، وهو في موضع نصب على الحال، والتقدير: أيّ شيء ثبت لنا غير متوكلين. البلاغة: ﴿فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُتَوَكِلُونَ﴾ جناس اشتقاق. المفردات اللغوية: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُأ﴾ استفهام تقرير، وهذا من كلام موسى عليه السلام، أو كلام مستأنف أو مبتدأ من الله. ﴿نَبَؤُأْ﴾ خبر. ﴿وَثَمُودٌ﴾ قوم صالح. ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللّهُ﴾ جملة اعتراضية، والمعنى: أنهم لكثرتهم لا يعلم عددهم إلا الله، لذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: كذب النسابون. ﴿بِالْبَِّنَتِ﴾ الحجج الواضحة على صدقهم . ﴿فَرَدُّواْ﴾ أي الأمم . ﴿أَيْدِيَهُمْ فِيَّ أَفْوَهِهِمْ﴾ أي فعضوها غيظاً مما جاءت به الرسل عليهم السلام، كقوله تعالى: ﴿عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيَظِ﴾ [آل عمران: ١١٩/٣]. ﴿بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ﴾ أي في زعمكم. ﴿مُرِيبٍ﴾ موقع في الريبة، أي الاضطراب والقلق. ﴿أَفِ اللَّهِ شَكٌّ﴾ استفهام إنكاري، أي لا شك في توحيده، للدلائل الظاهرة عليه . ﴿فَاطِرِ﴾ ٢٣٣ اِلُ (١٣) - أَبْرَاهِيمٌ: ١٤ / ٩-١٢ خالق ومبدع على أكمل نظام. ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ إلى طاعته. ﴿مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ ﴿مِّنْ﴾: صلة زائدة، أو تبعيضية، والمراد على الأول: أن الإيمان أو الإسلام يغفر به ما قبله، وعلى الثاني يكون القصد هو إخراج حقوق العباد. ( وَيُؤَخِّرَكُمْ﴾ بلا عذاب ﴿إِلَىَ أَجَلٍ مُسَمَّىَّ﴾ أجل الموت. ﴿قَالُواْ إِنْ﴾ أي ما . ﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا﴾ من الأصنام. ﴿ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي برهان أو حجة ظاهرة قوية على صدقكم. ﴿إِن تَّحْنُ﴾ أي ما نحن. ﴿يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ﴾ بالنبوة. ﴿وَمَا كَانَ لَنَا﴾ وما ينبغي. ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي بأمره؛ لأنا عبيد مربوبون لله تعالى، فليس في قدرتنا الإتيان بالآيات. وفيه دليل على أن النبوة عطائية، وأن ترجيح بعض الجائزات على بعض بمشيئة الله تعالى. ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ يثقوا به، في الصبر على معاندتكم ومعاداتكم، عمموا الأمر للإشعار بما يوجب التوكل، وقصدوا به أنفسهم أولاً. ﴿وَمَا لَنَآ أَلََّ نَتَوَكَّلَ﴾ أي لا مانع لنا من ذلك، ولا عذر لنا في ألا نتوكل عليه. ﴿وَقَدْ هَدَننَا سُبُلَنَا﴾ التي نعرفه بها ونعلم أن الأمور كلها بيده. ﴿ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَآ ءَاذَيْتُمُونًا﴾ على أذاكم، وهو جواب قسم محذوف، أكدوا به توكلهم وعدم مبالاتهم بما يجري من الكفار عليهم . ﴿فَلْيَنَوَكَّلِ الْمُتَوَكِلُونَ﴾ فليثبت المتوكلون على ما استحدثوه من توكلهم الناشئ عن إيمانهم. المناسبة: هذا تذكير بأيام الله بانتقامه من الأمم المكذبة بالرسل، بعد تذكير موسى لقومه بما أنعم الله عليهم من نعم، ودفع عنهم من نقم، وبما وعد به تعالى الشاكرين بالزيادة، والجاحدين بالعذاب، وبأن الكفران لا يضرّ إلا أهله. ويحتمل أن يكون المذكور هنا من تتمة كلام موسى وخطاباً منه لقومه، ليخوفهم بمثل هلاك من تقدم، وهذا رأي ابن جرير، ويحتمل أن يكون ذلك خطاباً جديداً مستأنفاً من الله لقوم موسى وغيرهم، لتذكيرهم أمر القرون ٢٣٤ المُءُ (١٣) - أَبْرَاهِيمٌ: ١٤ /٩-١٢ الأولى. والمقصود إنما هو العبرة بأحوال المتقدمين، وهذا حاصل على التقدیرین. إلا أن الأكثرين ذهبوا إلى أنه ابتداء مخاطبة لقوم الرسول وَ لغيره، وهذا قول الرازي، وقال ابن كثير: والظاهر أنه خبر مستأنف من الله تعالى لهذه الأمة، فإنه قد قيل: إن قصة عاد وثمود ليست في التوراة، فلو كان هذا من كلام موسى لقومه، وقصصه عليهم، لا شك أن تكون هاتان القصتان في التوراة(١). التفسير والبيان: ألم يأتكم خبر أقوام من قبلكم: وهم قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الأمم المكذبة للرسل، مما لا يحصي عددهم إلا الله عز وجل. وضمير الخطاب في ﴿يَأْتِكُمْ﴾ لأمة النبي ◌ََّ، وضمائر: جاءتهم رسلهم، فردوا أيديهم في أفواههم للكفار. جاءت هؤلاء رسلهم بالمعجزات والحجج والدلائل الواضحة الباهرة القاطعة، التي تثبت صدقهم ودعواهم الرسالة عن الله، لإخراجهم من ظلمات الكفر والجهالة إلى نور الإيمان والهداية. ﴿فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِيِّ أَفْوَهِهِمْ﴾ أي إلا أن هؤلاء القوم عضوا أناملهم من شدة الغيظ، لما جاءهم به الرسل، أي اغتاظوا منهم وعادوهم ونفروا منهم، كما فعل العرب مع النبي وَّ بدليل قوله سبحانه: ﴿عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيَظْ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١١٩/٣]. والمراد أنهم كذبوا واستهزؤوا ولم يؤمنوا. فهو - كما قال أبو عبيدة والأخفش - مَثَل. (١) تفسير الرازي: ٨٨/١٩، تفسير ابن كثير: ٥٢٤/٢ ٢٣٥ الُ (١٣) - إبْرَاهِيمٌ: ١٤ / ٩-١٢ ﴿ وَقَالُوَاْ إِنَّا كَفَرْنَا﴾ أي وقالوا للرسل: إنا كفرنا بما أرسلتم به من الآيات، أي كفرنا بدلالتها على صدق رسالتكم. وإنا لفي شك موقع في الريبة والقلق والاضطراب مما تدعوننا إليه من الإيمان بالله وحده، وترك ما سواه. وتساءل الرازي بقوله: فإن قيل: كيف تنازلوا إلى الشك في صحة قولهم بعد تصريحهم بالكفر برسالتهم؟ ثم أجاب بأنهم أرادوا أنهم كافرون في الواقع وبنحو جازم متيقن بدعوتهم، فإن لم نكن جازمين فلا أقل من أن نكون شاكين مرتابين في صحة نبوتكم، وعلى التقديرين فلا سبيل إلى الاعتراف بنبوتكم. ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِ اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾: أفي وجود الله شك؟! فإن الفطرة تقرّ بوجوده، ومجبولة على الإقرار به. وهل في تفرده بالألوهية ووجوب عبادته شك وهو الخالق لجميع الموجودات، ولا يستحق العبادة إلا هو وحده لاشريك له؟! فإن غالب الأمم كانت مقرة بالصانع، ولكن تعبد معه غيره من الوسائط التي يظنون أنها تقربهم من الله زلفى. وأما دليل الفطرة فثابت كما أخبر النبي ◌َّ بقوله فيما رواه ابن عدي والطبراني والبيهقي عن الأسود بن سريع: ((كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجِّسانه)). وأما دليل الخلق فهو أمر حسي مشاهد، وهو ما نبّه إليه بقوله مباشرة: ﴿ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ﴾ أي كيف تشكون في الله، وهو خالق السماوات والأرض ومبدعهما على غير مثال سبق، وعلى هذا النظام المحكم البديع؟! وهو تعالى عدا كونه خالقاً وهو دليل وجوده، هو كامل الرحمة لقوله: ﴿ يَدْعُوكُمْ لِغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ أي يدعوكم إلى الإيمان الكامل به، من أجل أن يغفر لكم في الدار الآخرة ذنوبكم - على أن مِنْ صلة زائدة - أو ٢٣٦ الجُزْءُ (١٣) - أَبْرَاهِيمٌ: ١٤/ ٩-١٢ بعض ذنوبكم - على أن من تبعيضية - فهو يغفر الذنوب المتعلقة به، لا الذنوب التي لها صلة بحقوق العباد. وهذا هو الغرض الأول من الدعوة إلى الإيمان. ويلاحظ أنه تعالى في كل موضع ذكر فيه مغفرة ذنوب الكفار، جاء بلفظ (من) وفي كل موضع ذكر فيه مغفرة ذنوب المؤمنين، جاء بغير لفظ (من). مثال الحالة الأولى: قوله تعالى: ﴿ وَأَتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ، يَغْفِرْ لَكُ مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٣/٧١-٤] وقوله سبحانه: ﴿يَقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِىَ اَللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٣١/٤٦] لأنه يدعوهم إلى الإيمان الذي هو أصل الدين. ومثال الحالة الثانية: قوله عز وجل: ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبَّكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١/٣] وقوله عزت أسماؤه: ﴿ذَلِكُمْ غَيِرٌ لَّكُمْ إِن كُ نَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف: ١١/٦١-١٢] لأنه بعد توافر الإيمان لا تكون المغفرة إلا إلى المعاصي. ﴿ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىَ أَجَلِ مُسَمَِّّ﴾ هذا هو الغرض الثاني من الدعوة إلى الإيمان، وهو الإمهال والتأخير إلى وقت محدد معين في علم الله تعالى، وهو منتهى العمر، إن حدث الإيمان، وإلا عاجلكم الهلاك والعذاب بسبب الكفر. فالإيمان يتحقق به رحمتان أو نعمتان وهما مغفرة الذنوب والإمهال إلى نهاية الأعمار. ثم ذكر الله تعالى ردّ تلك الأمم على رسلها من نواح ثلاث هي: اَ - ﴿قَالُواْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ أي كيف نتبعكم بمجرد قولكم، ولما نرَ منكم معجزة، فما أنتم إلا مثلنا في البشرية، ولا فضل لكم علينا، فلِمَ تخصصون بالنبوة دوننا، ولو شاء الله أن يبعث إلى البشر رسلاً، لبعث من جنس أفضل. ٠ ٢٣٧ الجُزُ (١٣) - أبْرَاهِيمٌَ: ١٤ /٩-١٢ أَ - ﴿تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا﴾ أي وأنتم تريدون أن نترك ما وجدنا عليه آباءنا، بهذه الدعوى التي لا دليل على صحتها. سَ - ﴿فَأَتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي فأتونا بأمر خارق نقترحه عليكم، أو بحجة ظاهرة تدلّ على صحة ادعائكم النبوة، فنحن لا نؤمن إلا بالحسِّيات، أما خلق السماوات والأرض وما فيهما من عجائب، فلا نعقلهما، ولا يصلح دليلاً على صحة ما تقولون. ثم ذكر الله ما ردّ به الأنبياء على شبهاتهم الثلاث، وهو المصادقة والتسليم للشبهتين الأولى والثانية، وإسناد الأمر إلى الله في الثالثة، فقال: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ﴾ أي قالت الرسل للأمم: ما نحن إلا بشر مثلكم كما ذكرتم، نأكل ونشرب وننام ونمشي في الأسواق ونبحث عن الرزق، ولكن الله سبحانه يتفضل على من يشاء من عباده بالرسالة والنبوة: ﴿اَللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤/٦] وقد منَّ الله علينا بالرسالة. وأما تقليدكم الآباء لمجرد كونهم آباء فهذا شيء لا يقبله العقل. وأما طلبكم الحجة والبرهان على صدق رسالتنا، والإتيان بسلطان على وَفْق ما سألتم، بالرغم من المعجزات التي ظهرت لنا، فأمره إلى الله، ولا نتمكن من الإتيان بسلطان إلا بمشيئة الله وإرادته، ولا نقدر عليه. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي على جميع المؤمنين أن يتكلوا على الله في جميع أمورهم، لدفع شرّ عدوهم، والصبر على معاداتهم. ثم أكدوا اعتمادهم على الله فقالوا: ﴿وَمَا لَنَآ أَلَّا نَوَكَّلَ﴾ أي وكيف لا نتوكل على الله الذي هدانا إلى سبيل المعرفة، وأرشدنا إلى طريق النجاة؟! وما يمنعنا من التوكل عليه، وقد هدانا لأقوم الطرق وأوضحها وأبينها. ﴿وَلَصْبِرَنَّ﴾ أي ولنصبرن على إيذائكم لنا بالكلام السَّيِّئ والأفعال السخيفة. ٢٣٨ الُرُ (١٣) - ابْرَاهِيمٌ: ١٤ /٩-١٢ ثم مدحوا التوكل فقالوا: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَّكِلُونَ﴾ أي فليستمر وليثبت المتوكلون من المؤمنين على توكلهم على الله، وليثقوا به، وليتحملوا كل أذى في سبيله، ولا يبالوا بشيء صعب مهما كان. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: اً - على الناس الاعتبار بأحوال المتقدمين الذين كذبوا رسلهم، وسخروا منهم، واستهزؤوا بهم، فكان عاقبتهم الدمار والهلاك. اً - كانت مواقف الكفار من أنبيائهم على مراتب ثلاث: المرتبة الأولى - أنهم سكتوا عن قبول قول الأنبياء عليهم السلام، وحاولوا إسكات الأنبياء عن تلك الدعوى. والمرتبة الثانية - أنهم صرحوا بكونهم كافرين بتلك البعثة. والمرتبة الثالثة - أنهم أخيراً وعلى الأقل صاروا شاكين مرتابين في صحة النبوة. وكل ذلك دليل منهم على عدم الاعتراف بالنبوة. ٣ - أقام الأنبياء الأدلة على وجود الله ووحدانيته بأن الفطرة السليمة شاهدة على ذلك، وبأن خلق السماوات والأرض على غير مثال سبق الدال على معنى الحدوث والإبداع والتسخير للمخلوقات دليل قاطع على وجود الخالق وألوهيته وتفرده بوجوب العبادة له، فلا يبقى شك لدى عاقل بوحدانية الله تعالى، بعد أن تبين وأقرت الأمم بأنه الخالق لجميع الموجودات، وبأنه يستحيل وجود شيء كدار مثلاً يتميز بالإبداع والترتيب والنظام والنقش الجميل من دون موجد عالم حكيم، وإذا كان الله هو الخالق، فلا يستحق العبادة إلا هو وحده لا شريك له. ٢٣٩ الُ (١٣) - إبْرَاهِيمٌ: ١٤ /٩-١٢ ٤ - الله تعالى فاطر السماوات والأرض متصف أيضاً بكمال الرحمة والكرم والجود، بدليل أن الغرض من دعوة الناس إلى الإيمان به وبتوحيده أمران: الأول - مغفرة الذنوب والخطايا والآثام، وفيها تطهير للنفس يبوئها لدخول الجنان التي لا يستحقها إلا الأطهار. والثاني - تأخير الناس إلى نهاية أعمارهم وهو الموت، فلا يعذبهم في الدنيا. ٥ - كانت أجوبة الكفار واهية مشتملة على شبهات ثلاث: الأولى - التساوي في الإنسانية يمنع وجود التفاضل بينهم، بأن يكون الواحد منهم رسولاً من عند الله، مطلعاً على الغيب، مخالطاً لزمرة الملائكة، والباقون غافلون عن كل هذه الأحوال، وهذا معنى قولهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾. والثانية - التمسك بطريق التقليد: وهي أنهم وجدوا آباءهم وعلماءهم وكبراءهم متفقين على عبادة الأوثان، ويبعد أنهم لم يعرفوا بطلان هذا الدين، وهذا معنى قولهم: ﴿تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا﴾. والثالثة - المعجز لا يدل على الصدق أصلاً، وإن سلِّم أنه يدل على الصدق، فإن ما جاء به الرسل أمور معتادة، وليست من باب المعجزات الخارجة عن قدرة البشر، وهذا معنى قولهم: ﴿فَأَتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾. أ - كان ردّ الأنبياء على تلك الشبهات الثلاث ما يأتي: أما الشبهة الأولى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ فجوابها أن التماثل في البشرية والإنسانية لا يمنع من اختصاص بعض البشر بمنصب النبوة؛ لأنه منصب يمنُّ الله به على من يشاء من عباده. وأما الشبهة الثانية: وهي توافق السلف على ذلك الدين، مما يدل على كونه حقاً، فجوابها: أن التمييز بين الحق والباطل، والصدق والكذب عطية ٢٤٠ لُرءُ (١٣) - اِبْرَاهِيمٌ: ١٤ / ١٣-١٨ من الله تعالى وفضل منه، ولا يبعد أن يخص بعض عبيده بهذه العطية، وأن يحرم الجمع العظيم منها. وأما الشبهة الثالثة: وهي أنا لا نرضى بهذه المعجزات التي أتيتم بها، وإنما نريد معجزات قاهرة قوية، فالجواب عنها أن الأشياء التي طلبتموها أمور زائدة، والحكم فيها لله تعالى، فإن أظهرها فله الفضل، وإن لم يخلقها فله العدل، ولا يطلب منه شيء بعد توافر قدر الكفاية. لاً - لا سبيل أمام الأنبياء إلا الصبر على الأذى والاعتصام بالله وتفويض الأمر إليه والتوكل التام عليه، فإن الصبر مفتاح الفرج، ومطلع الخيرات، والتوكل على الله والاعتماد على فضله محقق للنصر والفتوح. وفائدة تكرار الأمر بالتوكل: أمر أنفسهم به أولاً ثم أمر أتباعهم به، فبعد أن أمروا أنفسهم بالتوكل على الله في قوله: ﴿وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾. أمروا أتباعهم بذلك وقالوا: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُتَوَّكَُّونَ﴾ وهو يدل على أن الآمر بالخير لا يؤثر قوله إلا إذا أتى بذلك الخير أولاً. تهديد الكفار لرسلهم بالطرد أو الردة والوحي بأن العاقبة للأنبياء ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَ فِى مِلَتِنَّاً وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمَّ ذَلِكَ ١٣ فَأَوْحَىَ إِلَيْهِمْ رَبُهُمْ لَتُهُلِكَنَّ الَّلِمِينَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ ﴿ وَأَسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ مِّنْ وَرَآبِهِ، جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن ◌َّآءِ صَدِيدٍ ١٥ يُسِيغُهُ, وَيَأْتِيهِ الْمَوْثُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِحَيِّتٍّ وَمِن وَرَآَبِهِ، عَذَابٌ مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمٌ أَعْمَلُهُمْ كَرَمَادٍ أُشْتَذَتْ بِهِ الْرِيحُ فِ غَلِطٌ ® يَوْمٍ عَاصِفٍ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَا كَسَبُواْ عَلَى شَىْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَلُ الْبَعِيدُ