النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
الجُزءُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ /٣٥-٣٩
القرآن الكريم الذي أنزله الله على رسوله صلوات الله وسلامه عليه، أو يتركه
غير منسوخ.
أو يمحو من ذلك الكتاب ما يشاء أن يوقعه بأهله ويأتي به.
﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ﴾ أصل كل كتاب، وهو اللوح المحفوظ؛ لأن كل
كائن مكتوب فيه، أو عنده الذي لا يتغيّر منه شيء، أو علم الله وجميع ما يقع
في صحف الملائكة لا يكون إلا موافقاً لما يثبت فيه، فهو الأُمّ لذلك.
قال ابن عمر: سمعت النَّبِي وَلّ يقول: ((يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا
السَّعادة والشَّقاوة والموت)). وقال ابن عباس: يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا
أشياء: الْخَلْق والْخُلُق والأجل والرّزق والسَّعادة والشَّقاوة.
قال ابن كثير: ومعنى الآية أن الأقدار ينسخ الله ما يشاء منها، ويثبت منها
ما يشاء(١)، وقد يستأنس لهذا القول بما رواه الإمام أحمد والنّسائي وابن ماجه
عن ثوبان، قال: قال رسول الله وَل: ((إن الرّجل ليحرم الرِّزق بالذَّنب
يصيبه، ولا يردّ القضاء إلا الدُّعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر)» وفي رواية
الحاكم ((الدعاء يرد القضاء، وإن البر يزيد في الرزق، وإن العبد ليحرم الرزق
بالذنب يصيبه)). وثبت في الصَّحيح أن صلة الرّحم تزيد في العمر، وفي حديث
آخر: ((إنّ الدُّعاء والقضاء ليعتلجان بين السَّماء والأرض».
والخلاصة: إن الآية عامة في جميع الأشياء، والمحو والإثبات وارد فيها،
وأصل الكتاب لا يتغيّر، واستثناء السَّعادة والشَّقاء والْخَلْق والخُلُق والرّزق؛
لأنها أُمور لا تتغيَّر، وهي مما لا يدرك بالرّأي والاجتهاد، وإنما يؤخذ عن
النَّبِي وََّ، فإن صحّ فالقول به يجب(٢).
(١) تفسير ابن كثير: ٥١٩/٢
(٢) تفسير القرطبي: ٣٢٩/٩

٢٠٢
الُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ / ٣٥-٣٩
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
اً - الجنّة مخلوقة أعدّها الله للمتَّقين، وقال تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا
السَّمَوَاتُ وَاُلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣/٣].
اً - ثمر الجنّة لا ينقطع، وظلّها لا يزول، وهذا ردّ على الجهميّة في زعمهم
أن نعیم الجنّة یزول ويفنى.
◌َّ - النّار أيضاً مخلوقة أعدّها الله للكافرين المكذِّبين، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُواْ
النَّارَ الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِذَتْ لِلْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤/٢].
٤ - بعض اليهود والنّصارى كابن سَلام وسَلْمان الفارسي، والذين جاؤوا
من الحبشة يفرح بالقرآن الكريم، لتصديقه كتبهم. ويفرح بذكر الرّحمن لكثرة
ذكره في التّوراة.
قال أكثر العلماء: كان ذكر الرّحمن في القرآن قليلاً في أول ما نزل، فلما
أسلم عبد الله بن سَلام وأصحابه، ساءهم قلّة ذكر الرّحمن في القرآن، مع كثرة
ذكره في التّوراة؛ فسألوا النَّبِي وَلَّ عن ذلك؛ فأنزل الله تعالى: ﴿قُلِ أُدْعُواْ اللَّهَ
أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ فقالت قريش: ما بال محمد
يدعو إلى إله واحد، فأصبح اليوم يدعو إلهين، الله والرّحمن! والله ما نعرف
الرّحمن إلا رحمن اليمامة، يعنون مُسَيْلمة الكذَّاب؛ فنزلت: ﴿وَهُم بِذِكْرِ
الَّهَْنِ هُمْ كَفِرُونَ﴾، ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنَّ﴾ ففرح مؤمنو أهل الكتاب
بذكرِ الرّحمن، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ ءَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ
إِلَيْكَ﴾.
٥ - ومن الأحزاب يعني مشركي مكّة، ومن لم يؤمن من اليهود والنّصارى
والمجوس، أو هم العرب المتحزِّبون على النَّبِي وَّر، من ينكر بعض ما في القرآن

٢٠٣
لُعُ (١٣) - الرَّعْلِ: ١٣/ ٣٥-٣٩
الكريم؛ لأن فيهم من كان يعترف ببعض الأنبياء، وفيهم من كان يعترف بأن
الله خالق السماوات والأرض.
أَ - دعوة النَّبي ◌َِّ الناس مقصورة على الدَّعوة إلى عبادة الله وحده
لاشريك له، وإلى الإيمان بالبعث والحساب والجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ
أَدْعُواْ وَإِلَيْهِ مَثَابٍ﴾ أي إلى عبادته أدعو النّاس، وأرجع في أُموري كلها.
لاً - كما أنزل الله تعالى الكتب على الرُّسل بلغاتهم، كذلك أنزل القرآن
الكريم إلى النَّبِي وََّ عربيّاً، أي بلسان العرب. والمراد بالحكم: ما فيه من
الأحكام. وقيل: أراد بالحكم العربي: القرآن كله؛ لأنه يفصل بين الحقّ
والباطل ويحكم.
٨ - من اتَبع أهواء المشركين في عبادة ما دون الله تعالى، وفي الاتّجاه إلى
غير الكعبة، بعد أن قام الدّليل العلمي القاطع على صدق رسالة القرآن الكريم
والنَِّي وََّ، ليس له ناصر ينصره، ولا واقٍ يمنع من عذابه.
ـَّ - الأنبياء قاطبة بشر، يقضون ما أحلّ الله من شهوات الدُّنيا، ولهم
زوجات وأولاد، وإنما التّخصيص بالوحي.
٠ ١ - آية ﴿وَحَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَجًا وَذُرِّيَّةً﴾ تدلّ على التَّرغيب في النّكاح والحضّ
عليه، وتنهى عن التَّتُّل، وهو ترك النكاح، وهذه سنّة المرسلين، كما نصَّت
عليه هذه الآية، والسُّنّة واردة بمعناها، قال ◌َّ فيما رواه البيهقي وهو
ضعيف: ((تزوّجوا فإنِي مكاثر بكم الأُمم)) وقال فيما رواه الطبراني عن أنس،
وهو ضعيف: ((من تزوّج فقد استكمل نصف الإيمان، فليتَّقِ الله في النّصف
الباقي))،. ومعنى ذلك أنّ النّكاح يُعِفُّ عن الزِّنى، والعفاف أحد الخصلتين
اللتين ضمن رسول الله وَ ل﴿ عليهما الجنّة، فقال فيما رواه الموطأ وغيره: ((من
وقاه الله شرَّ اثنتين، وَلَ الجنّة: ما بين لَحييه، وما بين رجليه))، وتقدم حديث
الصَّحيحين عن أنس: ((إنِّي لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لکٹّي أصوم وأُفطر،
وأُصلِّي وأرقد، وأتزوّج النّساء، فمن رغب عن سنّتي فليس مِّ)).

٢٠٤
لُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ / ٣٥-٣٩
١١ - ليس للرّسول بإرادته أن يأتي بمعجزة خارقة للعادة، وإنّما ذلك بإذن
. الله ومشيئته.
١٢ - لكل أجل كتاب، أي لكل أمر قضاه الله كتاب عند الله تعالى. يمحو
الله من ذلك الكتاب ما يشاء أن يوقعه بأهله ويأتي به، ويثبت ما يشاء، أي
يؤخّره إلى وقته. وعنده أصل الكتاب الذي لا يتغيّر منه شيء، فنزول العذاب
على الكفار، ونصر المؤمنين لهما وقت معيَّن مخصوص.
والمحو يشمل الأقدار، والدُّعاء يفيد في ردّ القدر، وقد يحرم الإنسان الرّزق
بسبب ذنب يرتكبه، وقد يزداد عمره بصلة الرّحم وبرّ الأقارب. وقد تقدّم في
الصَّحيحين عن أبي هريرة حديث: ((من سرّه أن يُبْسط له في رزقه، ويُنْسأ له في
أثره، فليصل رحمه)).
وأُصول الأشياء لا تتغيَّر: وهي الْخَلْق والْخُلُق، والأجل والرّزق،
والسَّعادة والشَّقاوة. والذي في علم الله ثابت لا يتبدَّل، مثل قيام السَّاعة،
وأجل بقاء النّاس في القبور وكل ما كتب من الآجال وغيرها.
سئل ابن عباس عن أُمّ الكتاب، فقال: علم الله ما هو خالق، وما خَلْقه
عاملون، فقال لعلمه: كن كتاباً، ولا تبديل في علم الله تعالى.
وقال عكرمة: يمحو ما يشاء بالتّوبة جميع الذُّنوب، ويثبت الذُّنوب
حسنات، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَبِكَ
يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٣َ﴾ [الفرقان: ٧٠/٢٥].
والخلاصة: عقيدتنا هي أنه لا تبديل لقضاء الله تعالى، وهذا المحو
والإثبات مما سبق به القضاء. والقضاء منه ما يكون واقعاً محتوماً، وهو
الثّابت، ومنه ما يكون مصروفاً بأسباب، وهو الممحو. ويكون المحوُ إما
بالدُّعاء أو بصلة الرّحم وبرّ الأقارب، أو بالذّنب المقترف. ويشمل المحو نسخ

٢٠٥
الُ (١٣) - الرَّعْلِ: ١٣ /٤٠-٤٣
الشَّرائع، فقد تنسخ شريعة بأخرى، كالنّسخ بالقرآن لما عداه، لمصلحة
وحكمة تقتضيها، ونسخ التّوجّه إلى بيت المقدس وتحويل القبلة إلى الكعبة،
ونحو ذلك.
والكل بقضاء الله وقدره، والأمور مرهونة بأوقاتها.
مهمة الرسول تبليغ الشّريعة
والله شاهد له ومحاسب وحاكم بين
العباد ومحبط مكر الكفار
﴿وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَغُ وَعَلَيْنَا
، أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا نَأْتِى اُلْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ
اُلِسَابُ
٤٠
لِحُكْمِهِ، وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿ وَقَدّ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًاً
يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسَ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَرُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ﴿﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ
اُلْكِنَبِ
القراءات:
﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَرُ﴾: قرئ:
١- (وسيعلم الكافر) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو.
٢- (وسيعلم الكفّار) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ اُلْكِنَبِ﴾ ﴿وَمَنْ﴾: إما اسم موصول، و﴿عِندَهُ﴾:
صلته، وإما نكرة موصوفة، و﴿عِندَهُ﴾ الصفة. ومحله: إما الجرّ عطفاً على

٢٠٦
الُعُ (١٣) - الرَّعَلِ: ١٣ / ٤٠-٤٣
لفظ المجرور في قوله تعالى: ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾، وإما الرَّفع عطفاً على موضعه؛
لأن موضعه الرَّفع؛ لأن تقديره: كفى الله. وذلك مثل: ﴿هَلْ مِنْ خَلِقِ غَيْرُ
اللّهِ﴾ [فاطر: ٣/٣٥] إما بالجرّ حملاً على اللفظ، أو بالرَّفع حملاً على الموضع.
﴿عِلَّمُ الْكِتَبِ﴾ مرفوع بالظّرف ﴿عِنْدَهُ﴾ لأن الّرف إذا وقع صلة أو صفة
فإنه يرفع كما يرفع الفعل.﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ محل ذلك النّصب على
الحال، أي يحكم نافذاً حكمه.
البلاغة:
﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ اُلْبَلَغُ﴾ قصر إضافي من قصر الموصوف على الصفة، أي ليس
لك إلا صفة التَّبليغ.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِن مَّا﴾ فيه إدغام نون. ((إن)) الشَّرطية في ((ما)) المزيدة. ﴿نُرِيَنَّكَ بَعْضَ
الَّذِى نَعِدُهُمْ﴾ به من العذاب في حياتك، وهو فعل الشَّرط، وجوابه محذوف،
أي فذاك.﴿أَوْ نَتَوَفَيَنَّكَ﴾ قبل تعذيبهم. ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ اٌلْبَلَغُ﴾ ما عليك إلا
البلاغ. ﴿ وَعَلَيْنَا اُلْحِسَابُ﴾ إذا صاروا إلينا، فنجازيهم.
﴿أَوَّلَمْ يَرَوّأْ﴾ أي أهل مكة. ﴿أَنَّا نَأْتِى الْأَرْضَ﴾ أي أرض الحياة التي
ج
يعيشون فيها.﴿أَطْرَافِهَا﴾ جوانبها، والنقص منها بما نفتحه على المسلمين
منها .﴿ وَاللَّهُ يَحْكُمُ﴾ في خلقه بما يشاء. ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ لا رادٌ ولا
مبطل له، والمعقّب: الذي يتعقّب الشيء فيبطله بالنّقد، ويقال لصاحب
الحقّ: معقّب؟ لأنه يتابع غريمه المدين بالطّلب، والمعنى: أنه حكم للإسلام
بالإقبال وعلى الكفر بالإدبار، وذلك كائن لا يمكن تغييره . ﴿وَهُوَ سَرِيعُ
اَلْحِسَابِ﴾ يحاسبهم عما قريب في الآخرة بعدما عذّبهم بالقتل والإجلاء في
الدنيا.

٢٠٧
الجُزْءُ (١٣) - الرّعَلِ: ١٣ /٤٠-٤٣
﴿ وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ من الأُمم بأنبيائهم، كما مكروا بك. والمكر:
إرادة الشيء في خفية . ﴿فَلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًاً﴾ أي لا يؤبه بتدبير دون تدبيره،
فإنه القادر على ما هو المقصود منه دون غيره . ﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ فيعدّ
جزاءها، وهذا هو المكر ((التّدبير)) كله؛ لأنه يأتيهم به من حيث لا يشعرون.
﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَرُ﴾ المراد به كل كافر. ﴿لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ أي العاقبة المحمودة
في الدّار الآخرة، ألهم، أم للنّبي ◌َّ وأصحابه.
﴿ شَهِيدًا بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ﴾ على صدقي. ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِنَبِ﴾ أي
المطّلع على حقيقة الكتاب الإلهي من مؤمني اليهود والنّصارى. ومن هاهنا:
لابتداء الغاية.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى اقتراح المشركين إنزال آيات واستعجال العذاب، ذكر
هنا احتمال وقوع ما تُوعِّدوا به، وبيان أن وظيفة الرّسول وَّهِ التَّبليغ، وأن
آثار حصول تلك المواعيد وعلاماتها قد ظهرت وقويت، بفتح المسلمين
جوانب الأرض، وأن الله یحکم في خلقه ما یرید.
ثم أبان أنّ مكر هؤلاء المشركين ومن تقدَّمهم لا يضرّ المسلمين شيئاً،
فالنّصر سيكون لهم، والهزيمة والعذاب لغيرهم.
ثم ردّ الله على اليهود الذين أنكروا رسالة النّبي ◌َ ◌ّ بأنه شاهد له بالصّدق،
وحسبه شهادة الله ومن آمن من أهل الكتاب.
التفسير والبيان:
إن أريناك يا محمد في حياتك بعض الذي نعد أعداءك المشركين وغيرهم من
الخزي والنكال في الدُّنيا، أو نتوفينّك قبل أن نريك ذلك، فما عليك إلا تبليغ
رسالة ربِّك، وإنما أرسلناك لتبلِّغهم رسالة الله، وقد فعلت ما أمرت به،

٢٠٨
لُحُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ / ٤٠-٤٣
وليس عليك التّوصل إلى صلاحهم، فإنما علينا حسابهم وجزاؤهم على الخير
والشّرّ، كقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ﴾َ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطٍ
﴿ إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ
فَيُعَذِّبُهُ اُللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ
٢٣
إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ
٢٢
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم
٢٥
[الغاشية: ٢١/٨٨-٢٦].
﴿أَوْلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِ اُلْأَرْضَ﴾ أي أَنَسِيَ هؤلاء المشركون في مكة أو شكّوا أَنَا
نأتي الأرض، فنفتحها لك أرضاً بعَد أرض، وتنتصر عليهم، وتمتد رفعة
الإسلام، وتتقلَّص رقعة الكفر، ويدخل النّاس في دين الله أفواجاً، كقوله
تعالى: ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَاً أَفَهُمُ
اُلْغَلِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤/٢١].
وتدلّ الآية في نطاق العلم الحديث على كون الأرض مفلطحة بيضاوية،
ليست كرة تامّة التّدوير، بل هي ناقصة الأطراف.
وأما في الماضي فيراد بالآية كما أوضحت ظهور الإسلام على الشّرك قرية
بعد قرية، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ اُلْقُرَى﴾ [الأحقاف: ٤٦/
٢٧] . وقال ابن عباس: المراد موت أشرافها وكبرائها وعلمائها وذهاب
الصُّلحاء والأخيار. ولكن اللائق الرّأي الأول، كما قال الواحدي.
﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ أي والله يقضى القضاء المبرم، ولا يرد
حكمه النّافذ، فلا راد لقضائه، ولا يستطيع أحد أن يطعن فيه أو يبطله أو
ينقضه، ومن حكم الله تعالى أن الأرض يرثها عباده الصّالحون بالعدل
والإصلاح والعمران.
﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي والله محاسب عباده قريباً في الآخرة، وعقابه
آتٍ لا محالة، فلا تستعجل عقابهم، فإن الله معذِّبهم في الآخرة بعد أن عذَّبهم
في الدُّنيا بالقتل والأسر والخزي والذّل والنكال.

٢٠٩
الجُزُ (١٣) - الرِّعْلِ: ١٣ / ٤٠-٤٣
﴿ وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ هذا تسلية للنّبي ◌َّ على مكائد قومه، وتصبير
له على أذاهم، فإن النّصر له في النّهاية حتماً، أي لقد مكر الكفار السابقون
برسلهم، وأرادوا إخراجهم من بلادهم،. وعذّبوهم، كما فعل النّمروذ
بإبراهيم، وفرعون بموسى، واليهود بعيسى، وكما فعلت عاد وثمود وإخوان
لوط، فمكر الله بهم، وجعل العاقبة للمتَّقين، أي دَبَّر لهم ما أوقعهم في الهلاك
بسبب ظلمهم وفسادهم.
﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ أي لا يؤبه بتدبير دون تدبيره، ولا يضرّ مكر
الماكرين إلا بإذنه تعالى، ولا يؤثر إلا بمشيئته وتقديره، فلا خوف إلا منه.
وهذا كقوله تعالى في مكر المشركين بالنَّبِي بَلّ قبيل الهجرة: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوَكَ أَوْ يَقْتُلُوَكَ أَوْ يُخْرِجُوكٌ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ
اَلْمَكِرِينَ
[الأنفال: ٣٠/٨]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا وَمَكَرْنَا
مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا
دَمَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿﴿ فَتِلْكَ بُوتُهُمْ خَاوِيَةًُ بِمَا ظَلَمُواْ﴾ [النمل:
٢٧ /٥٠-٥٢].
﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلَّ نَفْسٍ﴾ أي إنه تعالى عالم بجميع الشَرائر والضَّمائر،
وسيجزي كل عامل بعمله، فينصر أولياءه، ويعاقب الماكرين.
وهذا وعيد شديد وتهديد لكل كافر ماكر، وتسلية للَّبِي وَّ وأمان له من
مکرهم.
﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَرُ﴾ أي وسيتحقق الكفار يوم القيامة لمن العاقبة المحمودة من
الفريقين: المؤمنين والكافرين، حيث تكون العاقبة لأتباع الرُّسل في الدُّنيا
والآخرة، ففي الدُّنيا النّصر، وفي الآخرة الجنّة.
ثم ردّ الله على منكري نبوّة الّي وَله، فقال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ

٢١٠
لُ (١٣) - الرَّعْلِ: ١٣ / ٤٠-٤٣
كَفَرُواْ﴾ أي يقول الكافرون الجاحدون نبوّتك: لست رسولاً مرسلاً من عند
الله، تدعو النّاس إلى عبادة الله وحده لاشريك له، وتنقذهم من الظلمات إلى
النّور، ومن عبادة الأصنام والأوثان، إلى عبادة الله الواحد الأحد، ومن
الظلم والفساد إلى العدل والصَّلاح.
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قدم على رسول الله
وَ ليِّ أُسقُفٌ من اليمن، فقال له عليه الصّلاة والسّلام: ((هل تجدون في الإنجيل
رسولاً؟))، قال: لا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ
مُرْسَلًا﴾ الآية.
﴿قُلْ كَفَى بِاللّهِ﴾ قل يا محمد لهم: حسبي وكفايتي أن الله شاهد لي
بصدق رسالتي، ومؤيِّد دعوتي، بما أنزله علي من القرآن المعجز، ومن الآيات
البَيِّنات الدّالّة على صدقي، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى
[الفتح: ٤٨/
وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلّهِ، وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا
٢٨].
وكفاني أيضاً بعد شهادة الله شهادة علماء أهل الكتاب الذين آمنوا من
اليهود والنّصارى، بما وجدوه لديهم في التّوراة والإنجيل من بشارة برسالتي،
وعلامات لا تنطبق على من سواي، وهم عبد الله بن سَلام - اليهودي الأصل
- وأصحابه.
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: كان من أهل الكتاب قوم
يشهدون بالحقّ ويعرفونه، منهم عبد الله بن سَلام، والجارود، وتميم الدّاري،
وسلمان الفارسي رضي الله عنهم.
وذلك كما دلّت آية أخرى: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَعْرِفُونَهُ، كَمَا يَعْرِفُونَ
[البقرة: ١٤٦/٢] .
أَبْنَاءَ هُمِّ وَإِنَ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْنُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

٢١١
الُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ /٤٠-٤٣
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - إنّ مهمّة الرّسول مقصورة على إبلاغ الرِّسالة للأمّة، وليس عليه
هداهم وصلاحهم.
أَ - الله تعالى هو الذي يحقّق الأحداث والوقائع، فينجز الوعد والوعيد،
وينزل العقاب الشَّديد متى شاء، وقد يكون ذلك في حال حياة النَّبِي وَّ أو
بعد وفاته.
◌َّ - الله تعالى هو المتكفِّل القائم بحساب العباد على ما قدَّموا من خير أو
شرّ.
٤ - إن امتداد رقعة الإسلام واتِّساع الفتوحات الإسلامية، وانحسار الكفر
وتضييق رقعة بلاد الكافرين بيد الله تعالى وحده.
. 6 - إن الأرض ليست تامّة الكروية، وإنما هي مفلطحة بيضاوية ناقصة
الأطراف والتّكوير.
أَ - لا راد لقضاء الله تعالى ولا معقِّب لحكمه، ولا يستطيع أحد تعقيب
حكمه بنقص أو نقض أو إبطال أو تغيير.
لاً - الله تعالى سريع الحساب من العباد، أي الانتقام من الكافرين، سريع
الثَّواب للمؤمن.
٨ - تخيب أو تفشل كل مخططات الأعداء الكافرين ومكائدهم أمام تدبير
الله تعالى، ولا يضرّ مكرهم إلا بإذنه تعالى، وفي هذا تسلية للنّي وَلّ، وشدّ
من عزيمته، وبيان أن النّصر في النّهاية له، وأنّ الدّائرة ستدور على الكفار.
ـة - يعلم الله ما تعمل به كل نفس من خير وشرّ، فيجازي عليه.

٢١٢
الُ (١٣) - الرَّعْلِ: ١٣ / ٤٠-٤٣
. ١ - سيتحقق الكفار لمن العاقبة المحمودة، أي عاقبة دار الدُّنيا ثواباً
وعقاباً، أو لمن الثَّواب والعقاب في الدّار الآخرة، وهذا تهديد ووعيد.
١اَ - إن إنكار مشركي العرب واليهود رسالة النَّبي ◌َّل وقولهم له: لست
بنبي ولا رسول، وإنما أنت متقوّل، لما لم يأتهم بما اقترحوا من الآيات، إن
إنكارهم لا يغض من الحقيقة شيئاً، ولا يغيِّر من الواقع، وكفى بالله شهيداً
على صدقه، وحسبه شهادة مؤمني أهل الكتاب كعبد الله بن سَلام، وسلمان
الفارسي، وتميم الدّاري، والنّجاشي وأصحابه.
لكن قال ابن جبير: السّورة مكيّة، وابن سَلام أسلم بالمدينة بعد هذه
السُّورة، فلا يجوز أن تحمل الآية على ابن سلام، فمن عنده علم الكتاب
جبريل، وهو قول ابن عباس. وقال الحسن ومجاهد والضَّحّاك: هو الله تعالى.
وأما من قال: إنهم جميع المؤمنين فصدق؛ لأن كل مؤمن يعلم الكتاب،
ويُدرك وجه إعجازه، ويشهد للنّبي ◌َّ بصدقه. والكتاب على هذا هو القرآن
الكريم(١).
ويجوز أن يكون المراد به: الذي حصل عنده علم التّوراة والإنجيل، يعني:
أن كل من كان عالماً بهذين الكتابين، علم اشتمالهما على البشارة بمقدم محمد
وَلَه، فإذا أنصف ذلك العالم ولم يكذب، كان شاهداً على أنّ محمداً وَلّه رسول
حقّ من عند الله تعالى(٢).
(١) تفسير القرطبي: ٣٣٦/٩ - ٣٣٧
(٢) تفسير الرازي: ٧٠/١٩

٢١٣
الُ (١٣) السورة (١٤) أُبرَاهِيمٌ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
سُؤَدَةُ ابْرَاهِيمٌ
مكية وهي اثنتان وخمسون آية
تسميتها:
سميت سورة إبراهيم لاشتمالها على جزء من قصّة إبراهيم أبي الأنبياء عليه
السّلام، يتعلَّق بحياته في مكّة، وصلته بالعرب وإسماعيل، وأنّ إبراهيم
وإسماعيل بنيا البيت الحرام، وأنهما كانا يدعوان الله تعالى بالهداية، وأن
إبراهيم دعا أن يجنّبه وبنيه عبادة الأصنام، وأن يرزق زوجته وابنه إسماعيل
اللذين أسكنهما في مكّة من الثَّمرات، وأن يجعله هو وذريّته مقيمي الصّلاة،
وذلك في الآيات [٣٥ - ٤١].
مناسبتها لما قبلها:
هذه السُّورة امتداد لما ذكر في سورة الرّعد، وتوضيح لما أجمل فيها، فكل
منهما تحدّث عن القرآن، ففي سورة الرّعد ذكر تعالى أنه أنزل القرآن حكماً
عربياً [الآية ٣٧]، وهنا ذكر حكمة ذلك والغاية من تنزيل القرآن، وهي
إخراج الناس من الظلمات إلى النّور بإذن الله [الآية: ١].
وكل منهما ذكر فيه تفويض إنزال الآيات الكونية إلى الله وبإذنه، فقال
تعالى في سورة الرّعد: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِئَايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اَللَّهِ﴾ [الرعد:

٢١٤
الجُ (١٣) السورة (١٤) إبْرَاهِيمٌ
٣٨/١٣]، وهنا ذكر ذلك على لسان الرسل: ﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم
بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ١١/١٤].
وفي كليهما ذكرت الآيات الكونية من رفع السّماء بغير عمد ومدّ الأرض
وتسخير الشَّمس والقمر، وجعل الرّواسي في الأرض، وخلق الثَّمرات
المختلفة الظُّعوم والألوان.
وتعرّضت السُّورتان لإثبات البعث، وضرب الأمثال للحقّ والباطل،
والكلام على مكر الكفار وكيدهم وعاقبته، والأمر بالتّوكُّل على الله تعالى.
ما اشتملت عليه هذه السُّورة:
اشتملت سورة إبراهيم على ما يأتي:
أَ - إثبات أُصول العقيدة من الإيمان بالله وبالرُّسل وبالبعث والجزاء،
وإقرار التّوحيد، والتّعريف بالإله الحقّ خالق السماوات والأرض، وبيان
الهدف من إنزال القرآن الكريم، وهو إخراج النّاس من الظّلمات إلى النُّور،
واتِّحاد مهمّة الرُّسل ودعوتهم في أصول الاعتقاد والفضائل وعبادة الله
والإنقاذ من الضَّلال.
أَ - الوعد والوعيد: ذمّ الكافرين ووعيدهم على كفرهم وتهديدهم
بالعذاب الشَّديد، ووعد المؤمنين على أعمالهم الطَّيِّة بالجنان [الآية ٢، والآية
٢٣، والآيات ٢٨ - ٣١].
◌َّ - الحديث عن إرسال الرُّسل بلغات أقوامهم، لتسهيل البيان والتّفاهم
[الآية ٤].
٤ - تسلية الرّسول وَ﴾ ببيان ما حدث للرُّسل السَّابقين مع أقوامهم: قوم
نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم، والتّذكير بعقابهم، كما في الآيات [٩ -
١٢]، والآيات [١٣ - ١٨].

٢١٥
الْجُ (١٣) السورة (١٤) أبْرَاهِيمٌ
5 - ابتدأ من بين قصص بعض الأنبياء المتقدّمين عليهم السّلام بمحاورة
موسى لقومه ودعوته إيَّاهم لعبادة الله تعالى [الآيات ٥ - ٨].
٩ - دعوات إبراهيم عليه السّلام بعد بناء البيت الحرام لأهل مكة بالأمان
والرّزق وتعلّق القلوب بالبيت الحرام، وتجنيبه وذريَّته عبادة الأصنام، وشكره
ربّه على ما وهبه من الأولاد بعد الكبر، وتوفيقه وذريَّته لإقامة الصّلاة، وطلبه
المغفرة له ولوالديه وللمؤمنين [الآيات ٣٥ - ٤١].
لاً - بيان مشهد من مشاهد الحوار بين أهل النّار في عالم الآخرة [الآيات
١٩ - ٢٣].
٨ - ضرب الأمثال لكلمة الحقّ والإيمان وكلمة الباطل والضَّلال بالشَّجرة
الطَّيِّبة والشَّجرة الخبيثة [الآيات ٢٤ - ٢٧].
ـة - التّذكير بأهوال القيامة وتهديد الظالمين وبيان ألوان عذابهم [الآيات:
٤٢ - ٥٢].
· أَ - بيان الحكمة من تأخير العذاب ليوم القيامة، وهو ما ختمت به
السُّورة [الآيتان: ٥١ - ٥٢].
:

٢١٦
لُعُ (١٣) - إبْرَاهِيمٌ: ١٤ / ١-٤
الغاية من إنزال القرآن وذم الكافرين
وكون الرسول بلسان قومه
﴿الّرَّ كِتَبُّ أَنزَلْنَهُ إِلَيْكَ لِنُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ اُلُلُّمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ
رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴿﴿ اللَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ
) اُلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا
اُلْأَرْضُِّ وَوَيْلٌ لِلْكَفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ
عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجَا أُوْلَئِكَ فِىِ ضَلَالٍ بَعِيدٍ
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ فَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَهُمَّ فَيُضِلُ اللَّهُ مَن
٤
يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
القراءات:
(صِرَاطِ»:
وقرأ قنبل (سراط).
﴿اَلْحَمِيدِ، اللَّهِ﴾:
وقرأ نافع، وابن عامر (الحميدِ، اللهُ).
الإعراب:
﴿الَرَّ﴾ إما خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذه الر، وإما في موضع نصب على
تقدير: الزم أو اقرأ الر، وتكون جملة: ﴿كِتَبُّ أَنزَلْنَهُ﴾ مفسِّرة.
كِتَبُّ أَنزَلْنَهُ﴾ ﴿كِتَبُ﴾: خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هذا
كتاب. و﴿أَنَزَلْنَهُ﴾: جملة فعلية في موضع رفع صفة (كِتَبُّ﴾. ﴿إِلَى
صِرَطِ﴾ بدل من قوله ﴿إِلَى النُّورِ﴾.

٢١٧
الُ (١٣) - إبْرَاهِيمٌ: ١٤ / ١-٤
﴿اللَّهِ الَّذِى﴾ بالجر بدل من قوله ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ويقرأ بالرفع، فيكون
مبتدأ، وما بعده خبره، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو الله
الذي له ما في السماوات . ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ﴾ نعت للكافرين.
[عِوَجًا﴾ منصوب على المصدر في موضع الحال. وقيل: إنه مفعول (يبغون)
واللام محذوفة من المفعول الأول، تقديره: ويبغون لها عوجاً.
﴿فَيُضِلُّ اَللَّهُ﴾ مرفوع على الاستئناف والاقتطاع من الأول.
البلاغة:
﴿مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ استعارة، استعار الظلمات للكفر والضلال،
والنور للهدى والإيمان. ﴿أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ﴾ جناس اشتقاق.
﴿فَيُضِلُ﴾ ﴿وَيَهْدِى﴾ بينهما طباق.
(الحَمِيد) و(شَدِيد) و(بَعِيْد) فيها سجع.
المفردات اللغوية:
﴿الَرَ﴾ الابتداء بالحروف الهجائية في بعض السور لبيان طبيعة تكوين
القرآن وأنه من جنس الحروف التي ينطق بها العرب، فهي للتحدي وبيان
إعجاز القرآن، وأنه من كلام الله، بدليل العجز عن الإتيان بأقصر سورة من
مثله، بالرغم من تكوينه من حروف اللغة العربية . ﴿كِتَبُ﴾ أي هو
كتاب. ﴿لِنُخْرِجَ النَّاسَ﴾ بدعائك إياهم إلى ما تضمنه . ﴿مِنَ الظُّلُمَتِ﴾ من
أنواع الضلال والكفر. ﴿إِلَى النُّورِ﴾ إلى الهدى والإيمان. ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾
بأمره وتيسيره وتسهيله وتوفيقه . ﴿إِلَى صِرَطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ إلى طريق
الغالب، المحمود المثنى عليه من نفسه ومن عباده. وإضافة الصراط إلى الله
تعالى إما لأنه مقصده أو المظهر له. والتخصيص بالوصفين المذكورين للتنبيه
على أنه لا يذل سالكه، ولا يخيب سابله.

٢١٨
لُ (١٣) - إبْرَاهِيمٌَ: ١٤ / ١-٤
﴿لَهُ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِ اُلْأَرْضُِ﴾ ملكاً وخلقاً وعبيداً. ﴿وَوَيْلٌ﴾
هلاك وعذاب. ﴿يَسْتَحِبُّونَ﴾ يختارون. ﴿ وَيَصُدُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بتعويق
الناس عن الإيمان، واعتناق دين الإسلام. ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ يطلبون السبيل
معوجة، أو يطلبون لها زيغاً واعوجاجاً وانحرافاً عن الحق ليقدحوا فيه.
﴿ أُوْلَئِكَ فِ ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ أي الكافرون ضلوا عن الحق وانحرفوا عنه.
{بِلِسَانِ﴾ بلغة. ﴿لِيُبَيِّنَ لَّمْ﴾ ليفهمهم ما أتى به، ويوضح لهم ما أمروا
به، فيفقهوه عنه بيسر وسرعة، ثم ينقلوه لغيرهم، فإنهم أولى الناس بالدعوة،
وأحق بالإنذار.
﴿فَيُضِلُّ اَللَّهُ مَن يَشَآءُ﴾ فيخذله عن الإيمان. ﴿وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾
بالتوفيق له . ﴿وَهُوَ اُلْعَزِيزُ﴾ في ملكه، فلا يغلب على مشيئته. ﴿اٌلْحَكِيمُ﴾
في صنعه، فلا يهدي ولا يضل إلا لحكمة.
التفسير والبيان:
هذا كتاب أنزلناه إليك يا محمد، وهو القرآن العظيم، لتخرج الناس به مما
هم فيه من ظلمات الكفر والضلال والغي والجهل، إلى نور الإيمان والهدى
والرشد، بما اشتمل عليه من أصول الحكم السديد، والدعوة إلى الحياة
الكريمة والمدنية والحضارة السامقة، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ
يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧/٢] وقال عز وجل: ﴿هُوَ
الَّذِى يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ ءَايَتٍ بَيِّنَتِ لِيُخْرِحَكُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الحديد:
٩/٥٧] .
وقد دلت الآية على أن القرآن موصوف بكونه منزلاً من عند الله تعالى.
﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي بتوفيقه وتيسيره، فهو الهادي بإرسال نور الهداية إلى
قلوبهم. لكن أسند الفعل ﴿لِنُخْرِجَ﴾ إلى النبي ◌َّر لأنه الداعي والمبلِّغ.

٣١٩
الُ (١٣) - أبرَاهِيمٌ: ١/١٤-٤
﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ إلى الطريق المستقيم، طريق الله العزيز الذي
لا يغالب، بل هو القاهر لكل ما سواه، الحميد أي المحمود في جميع أفعاله
وأقواله، وشرعه، وأمره ونهيه، والصادق في خبره.
﴿اللَّهِ الَّذِى﴾ أي الإله الذي له كل ما في السماوات والأرض خلقاً وملكاً
وعبيداً وتصريفاً وتدبيراً. وتكرار هذه الصفة كثيراً في القرآن للتنبيه على عظمة
الخالق، ولإعمال النظر في المخلوقات، والإفادة منها.
﴿وَوَيْلٌ لِّلْكَفِرِينَ﴾ أي هلاك وعذاب شديد يوم القيامة لمن كفر برسالتك
وجحد بوحدانية الله. وهذا وعيد شديد لهم.
ثم وصفهم الله تعالى بصفات ثلاث بقوله:
أَ - ﴿اَلَّذِينَ يَسْتَحِبُونَ﴾ أي الذين يختارون الحياة الدنيا على الآخرة،
ويقدمونها ويؤثرونها عليها، ويعملون للدنيا، ونسوا الآخرة وتركوها.
أَ - ﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي ويمنعون من اتباع الرسل، ويعوقون
عن الإيمان بالله، ويصرفون عن الإسلام كل من أراده.
: ◌َّ - ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي ويحبون أن تكون سبيل الله عوجاء مائلة،
منحرفة عن الحق، لتوافق أهواءهم وأغراضهم، وهي في واقعها مستقيمة في .
نفسها لا تقبل الانحراف عن الحق. والسبيل: تذكر وتؤنث.
قال في الكشاف: الأصل في الكلام أن يقال: ويبغون لها عوجاً، فحذف
الجار وأوصل الفعل.
ومن أمثلة ذلك في العصر الحديث الانصراف عن تطبيق الحدود الشرعية
والقصاص، بحجة قسوتها، وعدم ملاءمتها لروح العصر، ومنافاتها
للإنسانية: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَهِهِمَّ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾

٢٢٠
الُ (١٣) - إبْرَاهِيمٌ: ١٤ /١-٤
[الكهف: ٥/١٨]. وقد أدى هذا الاتجاه إلى كثرة الجرائم، حتى إنه في كل ثانية
يقع في بريطانية مثلاً خمسة عشر ألف جريمة، وأما في أمريكة فأكثر من ذلك.
﴿أُوْلَئِكَ فِ ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ أولئك الكفار الموصوفون بتلك الصفات
السابقة في ضلال بعيد كل البعد عن الحق، وفي جهل سحيق، لا يرجى لهم -
والحالة هذه - صلاح ولا فلاح.
وبعد أن بين تعالى مقاصد القرآن وأثره في الهداية، بيَّن أنه سبيل ميسر
للاهتداء به، لكونه بلغة قوم الرسول، فقال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ﴾ هذا
من لطفه تعالى أنه يرسل إليهم رسلاً منهم بلغاتهم، ليفهموا عنهم ما يريدون،
وما أرسلوا به إليهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُواْ لَوْلَا
فُصِّلَتْ ءَانُهُ﴾ [فصلت: ٤٤/٤١] وأخرج الإمام أحمد عن أبي ذر قال: قال
رسول الله ◌َّه: (لم يبعث الله عز وجل نبياً إلا بلغة قومه)).
﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَآءُ﴾ أي إنه بعد البيان وإقامة الحجة على الناس يكون
الناس فريقين: فريق يضله الله عن وجه الهدى، لإيغاله في الكفر واجتراحه
السيئات والآثام، وعناده، وفريق يهديه الله إلى الحق، ويشرح صدره
للإسلام، فيتبع سبيل الرشاد. وهذا كلام مستأنف وليس بمعطوف على
﴿لِيُبَيِّنَ﴾ لأن الإرسال إنما وقع للتبيين، لا للإضلال.
﴿وَهُوَ اُلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ والله سبحانه القوي الذي لا يغلب، فما شاء
كان، وما لم يشأ لم يكن، والحكيم في صنعه وأفعاله، فيضل من يستحق
الإضلال، ويهدي من هو أهل لذلك، فلا يفعل شيئاً إلا على وفق الحكمة
والعلم.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي: