النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ الُعُ (١٣) - الرّعَلِ: ١٣ / ٥-٧ ﴿ أَءِذَا﴾ عامل (إذا): فعل مقدر دل عليه معنى الكلام، أي: أنبعث إذا كنا تراباً؛ لأن في قوله: ﴿لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ دليلاً عليه، ولا يجوز أن يعمل فيه: ﴿كُنَّا﴾؛ لأن ((إذا) مضافة إليها، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف، ولأنهم لم ينكروا كونهم تراباً، وإنما أنكروا البعث بعد كونهم تراباً. وقوله ﴿أَءِذَا كُنَّا﴾ إلى آخر قولهم: إما بدل مرفوع من ﴿قَوْهُمْ﴾ وإما منصوب بالقول. والاستفهامان: ﴿أَءِذَا﴾ و﴿أَعِنَّا﴾ للتأكيد وشدة الحرص على البيان. ﴿عَلَى ظُلْمِهِمٌ﴾ محله النصب على الحال. ﴿إِنَّمَآ أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْرٍ هَادٍ﴾ ﴿أَنْتَ﴾: مبتدأ، وخبره: ﴿مُنذِرٌ﴾. و﴿هَادٍ﴾: معطوف على ﴿مُنذِرٌ﴾، فتكون اللام في ﴿وَلِكُلِّ﴾ متعلقة بمنذر أو بهاد، وقد فصل بين الواو والمعطوف بالجار والمجرور، وتقديره: إنما أنت منذر وهادٍ لكل قوم. ويجوز أن يكون ﴿هَادٍ﴾ مبتدأ، و﴿وَلِكُلِّ﴾: الخبر، واللام متعلقة باستقر. البلاغة: بين ﴿بِالسَّبِّئَةِ﴾ و﴿اُلْحَسَنَةِ﴾ وبين ﴿مُنذِرٌ﴾ و﴿هَادٍ﴾ طباق. ملے المفردات اللغوية: ﴿وَ إِن تَعْجَبْ﴾ يا محمد من تكذيب الكفار لك وعبادتهم ما لا يضر ولا ينفع من الأصنام والأوثان . ﴿فَعَجَبُ قَوْلُمْ﴾ أي فأعجب منه، أو فعجب غريب أو فحقيق بالعجب تكذيبهم بالبعث وإنكارهم له. والعجب: تغير النفس واندهاشها حين رؤية ما يُستبعد في العادة. ﴿أَءِذَا كُنَّا تُرَبًا أَمِنَّا لَفِى خَلْقِ جَدِيدٍ﴾ هذا استفهام إنكاري، ينكرون فيه إمكان إعادة الخلق بالبعث، وفاتهم أن القادر على إنشاء الخلق وما تقدم على غير مثال قادر على إعادتهم. ٠ ١٢٢ الزُُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ / ٥-٧ اُلْأَغْلَلُ﴾ جمع غُلّ: وهو طوق حديدي تشد به اليدان إلى العنق. (بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اُلْحَسَنَةِ﴾ بالعذاب قبل السلامة. ﴿اَلْمَثُلَثُ﴾ جمع مَثْلة بوزن سمرة: وهي العقوبة، أي مضت عقوبات أمثالهم من المكذبين، فما لهم لم يعتبروا بها، فلا يستهزئوا. وسميت مَثْلَة لما بين العقاب والجريمة من المماثلة، كما قال تعالى: ﴿وَجَزَّوْاْ سِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠/٤٢] ومنه سمي عقاب القاتل قصاصاً، لما فيه من المماثلة. ﴿مَغْفِرَةٍ﴾ الغفر والمغفرة: الستر، بالإمهال وتأخير العقاب إلى الآخرة. ﴿عَلَى ظُلِهِمْ﴾ أي مع ظلمهم، وإلا لم يترك على ظهرها دابة. ﴿لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لمن عصاه. ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ﴾ هلا أنزل على محمد. ﴿ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ آية حسية كقلب عصا موسى حية، وجعل يده بيضاء مشعة كالشمس، وناقة صالح. ﴿مُنذِرٌ﴾ محوف الكافرين، وليس عليك إتيان الآيات، والإنذار: التخويف. ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ الهادي: الذي يرشد الناس إلى الخير والحق والصواب كالأنبياء والحكماء والعلماء، أي لكل قوم نبي يدعوهم إلى ربهم بما يعطيه إياهم من الآيات، لا بما يقترحون، وهو مدعم عادة بمعجزة من جنس ما هو الغالب عليهم. المناسبة: أقام الله تعالى في الآيات السابقة الأدلة السماوية والأرضية على قدرته، ليثبت للناس أن من كانت قدرته وافية بهذه الأشياء العظيمة، كيف لا تكون وافية بإعادة الإنسان بعد موته؛ لأن القادر على الأقوى الأكمل، فإنه قادر بالأولى على الأقل الأضعف: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلِّقِهِنَّ بِقَدِرٍ عَلَىَّ أَنْ يُحْنِىَ الْمَوْنَى﴾ [الأحقاف: ٣٣/٤٦]. ثم حكى هنا إنكار المشركين للبعث والقيامة، وأتبعه بحكاية حماقة أخرى وهي استعجالهم العذاب، وأردفه بطلباتهم إنزال آيات حسية للتعجيز. ١٢٣ ◌ِلُحُ (١٣) - الرَّعْلِ: ١٣ /٥-٧ التفسير والبيان: وإن تعجب أيها الرسول من تكذيب هؤلاء المشركين لك، وعبادتهم ما لا يضر وما لا ينفع من الأصنام، مع ما يشاهدونه من آيات الله تعالى ودلائله في خلقه على أنه القادر على ما يشاء، ومع اعترافهم من أنه ابتدأ خلق الأشياء، فكونها بعد أن لم تكن شيئاً مذكوراً، إن تعجب من ذلك، فالأعجب منه والأغرب تكذيبهم بالبعث والقيامة، وقولهم: هل تمكن الإعادة بعد الفناء والبلى والصيرورة تراباً؟ وقد تكرر منهم هذا الاستفهام الإنكاري في أحد عشر موضعاً، في تسع سور من القرآن: في الرعد، والإسراء، والمؤمنون، والنحل، والعنكبوت، والسجدة، والصافات، والواقعة، والنازعات. مع أن كل عالم وعاقل يعلم أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، وأن من بدأ الخلق فالإعادة عليه أسهل، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوَأ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلِّقِهِنَ بِقَدِرٍ عَلَىَ أَن يُحِىَ اَلْمَوْقَى﴾ [الأحقاف: ٣٣/٤٦]. ج ثم حكم الله تعالى حكمه عليهم بأحكام ثلاثة بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِهِمْ﴾ أي أولئك الكافرون الذين جحدوا بربهم، وكذبوا رسوله، وتمادوا في عنادهم وضلالهم؛ لأن إنكار قدرة الله تعالى إنكار له. وهذا يدل على أن كل من أنكر البعث والقيامة، فهو كافر. وأولئك المقيدون بالسلاسل والأغلال يسحبون بها، قال أبو حيان: والظاهر أن الأغلال تكون حقيقية في أعناقهم كالأغلال(١)، كما قال: ﴿إِذِ ﴾ [غافر: ٧١/٤٠] وهذا حقيقة، ٧/١ اَلْأَغْذَلُ فِىّ أَعْنَقِهِمْ وَالسَّلَسِلُ يُسْحَبُونَ وحمل الكلام على الحقيقة أولى. (١) البحر المحيط: ٣٦٦/٥ ١٢٤ الُءُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ / ٥-٧ وهم أصحاب النار الخالدون فيها في الآخرة بقوله: ﴿وَأَوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ﴾ أي وأولئك أهل النار الملازمون لها، المستحقون دخولها، الماكثون فيها أبداً لا يحولون عنها ولا يزولون بسبب كفرهم وإنكارهم البعث وتكذيبهم ﴾ [المطففين: ١٤/٨٣] ١٤ الرسول: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ والمراد بذلك التهديد بالعذاب المخلد المؤبد. وهذا يدل على أن العذاب المخلد ليس إلا للكفار بهذه الآية. ولم يقتصر تكذيبهم الرسول على إنكار عذاب الآخرة، وإنما أنكروا أيضاً عذاب الدنيا، فقال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ أي ويستعجلك هؤلاء المكذبون بالعقوبة قبل السلامة منها والعافية من بلائها، كما قال تعالى: [المعارج: ١/٧٠] قال: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢/٨] وقال: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لََّ قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ اُلْحِسَابِ ١٦ [ص: ١٦/٣٨] أي عجِّل لنا عقابنا وحسابنا. ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَثُ﴾ أي قد أوقعنا نقمنا بالأمم الخالية وجعلناهم عبرة وعظة لمن اتعظ بهم، وبعبارة أخرى: ويستعجلونك بالعقاب مستهزئين بإنذارك، والحال أنه قد مضت العقوبات النازلة على أمثالهم من المكذبين، كالرجفة والخسف والطوفان ونحوها. ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ أي إنه تعالى ذو عفو وصفح وستر للناس على ذنوبهم، مع أنهم يظلمون، ويخطئون بالليل والنهار، ولولا حلمه وعفوه لعجل لهم العذاب فور ارتكاب الذنب، كما قال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَةٍ﴾ [فاطر: ٤٥/٣٥] وقال: ﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوْ لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَّ بَل ﴾ [الكهف: ٥٨/١٨]. ٥٨ لَهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ، مَوْبِلاً ١٢٥ لُ (١٣) - الرَّعْلِ: ١٣ / ٥-٧ والخلاصة: إن الله يغفر للناس مع ظلمهم أنفسهم باكتساب الذنوب، أي ظالمين أنفسهم، قال ابن عباس: ليس في القرآن آية أرجى من هذه. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي وإنه تعالى شديد العقاب للعصاة. ويلاحظ أنه تعالى قرن حكم المغفرة والرحمة بأنه شديد العقاب، كما هو شأن القرآن كثيراً، ليعتدل الرجاء والخوف، وليكون الإنسان بين الأمل والحذر، كما قال تعالى: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَسِعَةٍ وَلَا ٥٠ نَّى [الأنعام: ٦ /١٤٧] وقال: يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِنَ ٥٠ وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِمُ ٤٩ عِبَادِىّ أَنِّ أَنَا اُلْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الحجر: ٤٩/١٥-٥٠] وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِّ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٦٧/٧] ونحو ذلك من الآيات التي تجمع بين الرجاء والخوف. روى ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيِّب قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ الآية، قال رسول الله وَّ: ((لولا عفو الله ورحمته وتجاوزه، ما هَنَّأَ أحداً العيشُ، ولولا وعيده وعقابه لاتَّكَل كل أحد)). ثم ذكر الله تعالى ماطالب به المشركون النبي وَله من معجزة حسية كالأنبياء السابقين بقصد التعجيز والإصرار على الكفر والطعن في النبوة والتشكيك في صحتها فقال: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي يقول المشركون كفراً وعناداً: لولا يأتينا بآية من ربه كما أرسل الأولون، مثل عصا موسى، وناقة صالح، ومائدة عيسى، فيجعل لنا الصفا ذهباً، وأن يزيح عنا الجبال، ويجعل مكانها مروجاً وأنهاراً. فرد الله عليهم الشبهة بآية أخرى: ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَنْ تُرْسِلَ بِلَيَتِ إِلَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩/١٧]. أي نخشى تطبيق العقاب على المكذبين، فإن سنتنا أن من لم يؤمن بالآيات المنزلة بعد طلبها، أهلكناهم ودمرناهم بذنوبهم. ١٢٦ الُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ / ٥-٧ وهنا أعرض البيان عن الجواب عن قول المشركين، إلى توضيح مهمة الرسول التي أرسل بها وهي الهداية والإنذار، لا تلبية الطلبات، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ﴾ أي إنما أنت رسول عليك أن تبلغ رسالة الله التي أمرك بها، وأما الآيات فأمرها إلى الله، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢/٢]. ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ أي ولكل أمة أو قوم داع من الأنبياء، يدعوهم إلى الله عز وجل وإلى الدين الحق، وسبيل الخير والرشاد، كما في آية أخرى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَ فِيَهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤/٣٥]. ويصح أن يكون ﴿هَادٍ﴾ معطوفاً على ﴿مُنذِرٌ﴾ وفصل بينهما بقوله ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ﴾ أي أنت منذر وهادٍ لكل قوم، وبه قال عكرمة وأبو الضحى. والخلاصة: إن الآية نزلت في المشركين والكفار الذين لم يعتدوا بالآيات الخارقة المنزلة كانشقاق القمر، وانقياد الشجر، وانقلاب العصا سيفاً، ونبع الماء من بين الأصابع، وأمثال هذه، فاقترحوا عناداً آيات، كالمذكورة في الإسراء والفرقان كتفجير الينبوع والرقي في السماء والملك والكنز، فقال الله لنبيه وَله: إنما أنت منذر تخوفهم من سوء العاقبة، وناصح کغيرك من الرسل، ليس لك الإتيان بما اقترحوا، فالاقتراح إنما هو عناد، ولم ينزل الآيات إلا إذا تحتم العذاب والاستئصال(١). فقه الحياة أو الأحكام: يفهم من الآيات ما يأتي: اً - إنكار البعث والقيامة مدعاة للعجب الشديد، والله تعالى لا يتعجب، (١) البحر المحيط: ٣٦٧/٥ ٠ ١٢٧ الُعُ (١٣) - الرَّعْلِ: ١٣ /٥-٧ ولا يجوز عليه التعجب؛ لأنه تغير في النفس بما تخفى أسبابه، وإنما ذكر تعالى ذلك ليتعجب منه نبيه والمؤمنون. أَ - من أنكر البعث والقيامة، فهو كافر، لإنكاره القدرة الإلهية والعلم والصدق في الخبر، ويساق إلى جهنم بالأغلال والسلاسل، وهو خالد في النار. فهذه أوصاف ثلاثة لمنكري البعث: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَتِهِمَّ وَأُوْلَئِكَ الْأَغَْلُ فِىِّ أَعْنَاقِهِمٌّ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيَهَا خَالِدُونَ﴾. ◌َّ - العذاب المخلد ليس إلا للكفار بهذه الآية: ﴿هُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ﴾ أي هم الموصوفون بالخلود لا غيرهم، أما أهل الكبائر من المسلمين الذين يرتكبون الجرائم العظام، كالقتل وشهادة الزور وعقوق الوالدين، فلا يخلدون في النار. ٤ - طلب المشركين إنزال العقوبة لفرط إنكارهم وتكذيبهم نوع من الطيش والحماقة، وكفاهم الاعتبار بعقوبات أمثالهم المكذبين، فالمثُلات أي العقوبات كثيرة. وقد تبين من هذه الآية: أن عذاب الاستئصال لا ينزل بهم إلا بالإصرار على الكفر والمعاصي. ة - حكم سبحانه بتأخير العقوبة عن هذه الأمة إلى يوم القيامة. ٩ - إن الله تعالى لذو تجاوز عن المشركين إذا آمنوا، وعن المذنبين إذا تابوا، وقد يعفو تعالى عن صاحب الكبيرة قبل التوبة في رأي أهل السنة؛ لأن قوله تعالى ﴿عَلَى ظُلْمِهِمٌ﴾ أي حال اشتغالهم بالظلم، وحال الاشتغال بالظلم لا يكون المرء فيها تائباً. قال ابن عباس: أرجى آية في كتاب الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلِهِمٌ﴾. اً - وإن الله أيضاً شديد العقاب للكافرين إذا أصروا على الكفر. ١٢٨ الجُزْءُ (١٣) - الرَّحْلِ: ١٣ / ٥-٧ ٨ - ليست مهمة النبي ◌َّله تلبية طلبات المشركين واقتراحاتهم، إنما مهمته الإنذار، أي التعليم، فهو منذر لقومه مبين لهم، ولكل قوم من قبله هادٍ ومنذر وداع. وَ - لكل قوم هادٍ، أي نبي يدعوهم إلى الله. وقيل: الهادي الله؛ أي عليك الإنذار، والله هادي كل قوم إن أراد هدايتهم. ٠ ١َ - اجتمع من المشركين كما تحكي هذه الآية ثلاثة طعون: وهي أنهم طعنوا في نبوته بسبب طعنهم في الحشر والنشر، ثم طعنوا في نبوته بسبب طعنهم في صحة ما ينذرهم به من نزول عذاب الاستئصال، ثم طعنوا في نبوته بأن طلبوا منه المعجزة والبينة. وسبب كل هذه الطعون: أنهم أنكروا كون القرآن من جنس المعجزات، وقالوا: هذا كتاب مثل سائر الكتب. والإتيان بكتاب معين، لا يكون معجزاً ألبتة، وإنما المعجز ما يكون مثل معجزات موسى وعيسى عليهما السلام، كفلق البحر بالعصا، وقلب العصا ثعباناً. ولا تعني هذه الآية أنه لم تظهر معجزة تصدق النبي عليه الصلاة والسلام سوى القرآن، ولعل الكفار ذكروا هذا الكلام قبل مشاهدة سائر المعجزات، أو إنهم طلبوا منه معجزات سوى المعجزات التي شاهدوها منه وَ لّ كحنين الجذع، وانشقاق القمر، ونبوع الماء من بين أصابعه، وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل. ويظل القرآن هو المعجزة الكبرى للنبي وَلّ، فهو المناسب لزمنه، فلما كان الغالب في زمان موسى عليه السلام هو السحر، جعل معجزته ما هو أقرب إلى طريقتهم، ولما كان الغالب في أيام عيسى عليه السلام الطب، جعل معجزته ما كان من جنس تلك الطريقة، وهو إحياء الموتى، وإبراء الأكمه (الأعمى الذي ولد فاقد البصر) والأبرص، ولما كان الغالب في أيام الرسول وَله ١٢٩ الُهُ (١٣) - الرَّعْلِ: ١٣ /٨-١١ الفصاحة والبلاغة، جعل معجزته ما كان لائقاً بذلك الزمان، وهو فصاحة القرآن. فإذا لم يؤمن العرب بهذه المعجزة، مع كونها أليق بطباعهم، فبأن لا يؤمنوا عند إظهار سائر المعجزات أولى. بعض مظاهر علم اللَّه المحيط بكل شيء ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادٌ وَكُلُ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ ﴿ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ﴿جَ سَوَاءٌ مِّنَكُم مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِالَّيْلِ وَسَارِبٌ بِلنََّارِ ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَطُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِّ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَزَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ القراءات: ﴿ اَلْمُتَعَالِ﴾ : وقرأ ابن كثير: (المتعالي). الإعراب: ﴿اَللَّهُ يَعْلَمُ مَا﴾ ﴿مَا﴾ هنا وفي بقية الآية: اسم موصول، مفعول ﴿يَعْلَمُ﴾ والجمل الفعلية التي بعدها هي الصلات، والعائد منها كلها محذوف. ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ استفهامية منصوبة بيعلم. ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ مصدرية. ﴿مِّنْكُم مَنْ أَسَرَّ﴾ ﴿مَنْ﴾: مبتدأ مرفوع، و﴿سَوَآءٌ﴾: خبر مقدم، وهو مصدر بمعنى اسم الفاعل، فهو مستوٍ. ١٣٠ لُهُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ / ٨-١١ ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ﴾ العامل في ﴿وَإِذَا﴾ ما دل عليه الجواب. البلاغة: يوجد طباق في ﴿تَغِيضُ﴾ و﴿تَزْدَادٌ﴾ وفي ﴿الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ وفي ﴿أَسَرَّ﴾ و﴿َجَهَرَ﴾ وفي ﴿بِالَّيْلِ﴾ و﴿بِلنََّارِ﴾ وفي ﴿مُسْتَخْفٍ﴾ و﴿وَسَارِبٌ﴾ أي ظاهر. المفردات اللغوية: ﴿مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى﴾ أي حملها أو ما تحمله من كون الجنين ذكراً أو أنثى، واحداً أو متعدداً، وصفات كل، وغير ذلك ﴿تَغِيضُ﴾ تنقص من زمن أو جسم . ﴿وَمَا تَفِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادٌ﴾ أي وما تنقصه وما تزداده من الجثة والمدة والعدد . ﴿بِمِقْدَارٍ﴾ بقدر واحد لا يتجاوزه ولا ينقص عنه، ﴾ [القمر: ٤٩/٥٤] فإنه تعالى خص ٤٩ كقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَهُ بِقَدَرٍ كل حادث بوقت وحال معينين، وهيأ له أسباباً مسوقة إليه، تقتضي ذلك. ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ ما غاب، وما حضر أو شوهد. والغائب: ما غاب عن الحس، والشاهد: الحاضر المشاهد. ﴿اَلْكَبِيرُ﴾ العظيم الشأن. ﴿ اَلْمُتَعَالِ﴾ المستعلي على كل شيء بالقهر أو بقدرته. ﴿سَوَآءٌ مِّنْكُمْ﴾ أي في علمه تعالى. ﴿مُسْتَخْفٍ﴾ مستتر. ﴿بِاَلَيْلِ﴾ بظلامه. ﴿وَسَارِبٌ﴾ ظاهر بارز بالنهار، بذهابه في سربه أي طريقه. ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ له ملائكة تعتقب في حفظه ورعايته، أو تتعاقب على كتابة أقواله وأفعاله، جمع معقّبة، من عقَّبه: جاء عقبه، والتاء للمبالغة، لا للتأنيث، والمراد: ملائكة يتعاقبون على الإنسان بالليل والنهار . ﴿مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ قدامه. ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ ورائه أي من جوانبه. ﴿مِنْ أَمْرِ اٌللَّهِ﴾ أي بأمره وإعانته، أو يحفظونه من بأس الله متى أذنب بالاستمهال أو الاستغفار له، أو ١٣١ الُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ /٨-١١ يحفظونه من المضار . ﴿لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ﴾ من العافية والنعمة أي لا يسلبهم نعمته . ﴿حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ من الأحوال الجميلة بالأحوال القبيحة والمعاصي. ﴿سُوَّءًا﴾ عذاباً. ﴿فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ من المعقبات ولا غيرها. ﴿وَمَا لَهُم﴾ لمن أراد الله بهم سوءاً. ﴿مِّن دُونِهِ﴾ أي غير الله. ﴿مِن وَالٍ﴾ ناصر يمنعه عنهم، و﴿مِن﴾: زائدة، وهذا دليل على أن خلاف مراده محال. المناسبة: بعد أن حكى الله سبحانه إنكار المشركين للبعث واستبعادهم له، أورد الأدلة على قدرته على ذلك بعلمه المحيط بكل شيء، فهو يعلم ما في الأجنَّة التي في البطون، ويعلم الغائب عنا والمشاهد لنا، ويعلم السر وأخفى، ويعلم جميع أجزاء الإنسان المتناثرة ومواضعها في البر والبحر وأجواف الحيوان، فيعيدها مرة أخرى. وبعد أن حكى عن المشركين أنهم طلبوا آيات أخرى غير ما أتى به الرسول وَ له، بَيَّن أنه تعالى عالم بجميع المعلومات، فيعلم من حالهم أنهم: هل طلبوا الآية الأخرى للاسترشاد، أو لأجل التعنت والعناد؟ وهل ينتفعون بظهور تلك الآيات، أو يزداد إصرارهم على الكفر واستكبارهم؟. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن تمام علمه الذي لا يخفى عليه شيء، فهو يعلم بما تحمله الحوامل من كل إناث الحيوانات، أهو ذكر أو أنثى، واحد أو متعدد، حسن أو قبيح، ذو خصائص وأوصاف، طويل العمر أو قصيره، كما قال تعالى: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِىِ الْأَرْحَاِ﴾ [لقمان: ٣٤/٣١] وقال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُ مِّنَ اُلْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِىِ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢/٥٣] وقال: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقِ فِ ظُلُمَاتٍ ثَثٍ﴾ [الزمر: ٦/٣٩]. ١٣٢ الجُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ / ٨-١١ وإذا أمكن معرفة نوع الجنين علمياً بالتحليل مثلاً من كونه ذكراً أو أنثى، فلا يكون ذلك معارضاً الآية؛ لأن علم الله لا ينحصر به، وإنما علمه واسع محيط بكل شيء من الخواص والصفات الأخرى. ﴿ وَمَا تَغِيِضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادٌ﴾ أي والله يعلم ما تنقصه الأرحام وما تزداده من الجثة (سِقْطاً أو تماماً) والمدة (أقل من تسعة أشهر أو تسعة أو أكثر إلى عشرة) والعدد (واحداً أو متعدداً) والدم (إراقة حتى يخسّ الولد، وعدم إراقة حتى يتم الولد ويعظم). والإحصاء العلمي دل على أن الجنين لا يزيد بقاؤه في بطن أمه عن ٣٠٥ أو ٣٠٨ أيام، وهناك رأي في المذهب المالكي أن عدة المطلقة سنة قمرية (٣٥٤ يوماً). وأما ما يذكر في المذاهب لأقصى مدة الحمل (أربع سنين عند الشافعية والحنابلة، وخمس سنين عند المالكية، وسنتان عند أبي حنيفة) فمستنده الاستقراء وأخبار الناس، والناس قد يخطئون أو يتوهمون وجود الحمل في فترة زمنية ما، وليس في ذلك أي نص شرعي ثابت. ﴿وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ أي وكل شيء عنده تعالى بأجل معين، أو بقدر واحد، لا يزيد عنه ولا ينقص، كقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَهُ بِقَدَرٍ ﴾ [القمر: ٤٩/٥٤] . وجاء في الحديث الصحيح الذي رواه الجماعة عن أسامة بن زيد: أن إحدى بنات النبي ◌ّله بعثت إليه أن ابناً لها في الموت، وأنها تحب أن يحضره، فبعث إليها يقول: ((إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمروها فلتصبر ولتحتسب)). ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ أي يعلم كل شيء غائب عن العباد لا تدركه أبصارهم، ومشاهد لهم مرئي، ولا يخفى عليه منه شيء، الكبير الذي هو أكبر من كل شيء، المتعال على كل شيء، قد أحاط بكل شيء علماً، أي شمل علمه كل شيء، وقهر كل شيء، فخضعت له الرقاب، ودان له العباد طوعاً وكرهاً. م" ١٣٣ الُ (١٣) - الرّعْدِ: ١٣ /٨-١١ ويلاحظ أن هذه الآية استوفت بيان كمال علم الله تعالى، ففي مطلع الآية الذي هو كلام مستأنف أوضح تعالى أنه عالم بالجزئيات والمفردات، ثم ذكر أنه عالم بمقادير الأشياء وحدودها لا تتجاوزها ولا تقتصر عليها، وخصص كل حادث بوقته بعينه وبحالة معينة بمشيئته الأزلية وإرادته السرمدية، ثم أضاف أنه عالم بأشياء خفية لا يعلمها إلا هو، وهي أشياء جزئية من خفايا علمه، فهو يعلم الباطن والظاهر، والغائب: وهو ما غاب عن الحس، والشاهد: وهو ما حضر للحس، ثم ذكر أن علمه محيط بجميع الأشياء، لا فرق فيه بين الخفي السرّ أو الظاهر المعلن فقال: ﴿سَوَاءٌ مِّنْكُمْ﴾ أي إنه تعالى محيط علمه بجميع خلقه، وإنه سواء منهم من أسرّ قوله وأخفاه أو جهر به وأعلنه، فإنه يسمعه لا يخفى عليه شيء، كما قال: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوَلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ اَلْسِرَّ وَأَخْفَى ﴾ [طه: ٧/٢٠] وقال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥/٢٧]. ٧ وقالت عائشة رضي الله عنها: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات، والله لقد جاءت المجادلة، تشتكي زوجها إلى رسول الله وَلّ، وأنا في جنب البيت، وإنه ليخفى علي بعض كلامها، فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُحَدِلُكَ فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِنَّ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَّكُمَاْ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرُ ﴾ [المجادلة: ٥٨ /١] . ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِلَّيْلِ﴾ أي يعلم أيضاً ما هو مختف في قعر بيته في ظلام الليل، والتنصيص على هذه الحالة تنبيه على رقابة الله في كل مكان قد يظن صاحبه أنه بتواريه عن أنظار الناس، لا يطلع عليه أحد. ﴿ وَسَارِبٌ بِلنََّارِ﴾ أي ظاهر ماش في ضوء النهار، فإن كلاهما في علم الله على السواء، كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِ شَأْنٍ وَمَا نَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيَةٍ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ زَّيِّكَ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَّ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِ كِنَبٍ قُبِينٍ [يونس: ٦١/١٠] . ٦١ ١٣٤ لُرُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ / ٨-١١ ثم ذكر الله تعالى وسيلة إثبات المعلومات وخزائن المعارف والوقائع لمواجهة أصحابها بها مع علمه تعالى بكل شيء، وهي: ﴿لَهُ مُعَقِّبَتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ،﴾ أي للإنسان ملائكة حفَظَة، ملائكة في الليل تعقب ملائكة النهار، وبالعكس فهم يتعاقبون على حراسته وحفظه من المضار ومراقبة أحواله، ويتعقبون أعمال العباد ويتبعونها بالحفظ والتدوين أو الكتابة، سواء خيراً أو شراً. فالضمير عائد إلى ﴿مِّنْ﴾ في قوله: ﴿مِنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ،﴾ وقيل: الضمير يعود على اسم الله في عالم الغيب والشهادة. فلهؤلاء الملائكة الحفظة وظائف، منها : حفظ الإنسان في الليل والنهار من المضارّ والحوادث بإذن الله وأمره ورعايته، ويقوم به ملائكة معينون وعددهم اثنان يحرسه أحدهما من ورائه والآخر من قدامه، ومنها حفظ الأعمال من خير أو شر، ويقوم به ملائكة آخرون، وهما اثنان عن اليمين والشمال، يكتبان الأعمال، صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، كما قال تعالى: ﴿عَنِ الْيَعِينِ وَعَنِ الشَِّالِ قِعِيدُ، مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلِ إِلَّا لَدَيْهِ (٨) [ق: ١٧/٥٠-١٨] فصار مجموع ملائكة كل إنسان أربعة أملاك رَقِبُ عِيدٌ بالنهار، وأربعة آخرين بالليل، وهم حافظان وكاتبان، كما جاء في الحديث الصحيح عند البخاري: ((يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيصعد إليه الذين باتوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بكم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون)) وفي الحديث الآخر: ((إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء، وعند الجماع، فاستحيوهم وأكرموهم)». قال ابن عباس: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾: ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه. ومن علم أن الملائكة الحفظة ترصد عليه أعماله وتحصي أقواله وأفعاله، ١٣٥ الجُ (١٣) - الرَّعَلِ: ١٣ /٨-١١ تهيَّب من مخالفة أوامر ربه، وكان حذراً من المعاصي، حتى لا تسجل عليه، ويفاجأ بها يوم القيامة، كأنه شريط مسجل من وقت التكليف (البلوغ والعقل) إلى الوفاة. وقوله ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي يحفظونه بأمر الله وبإذنه، فحفظهم إياه متسبب عن أمر الله لهم بذلك. أو يحفظونه من بأس الله ونقمته إذا أذنب بدعائهم له، وسؤالهم ربه أن يمهله، رجاء أن يتوب وينيب، كقوله: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكُمْ بِلَِّلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنَّ﴾ [الأنبياء: ثم بَيَّن الله تعالى مزيد فضله وعدله بأنه لا عقاب بدون جريمة، فقال: ﴿إِنَ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ﴾ أي إن الله لا يغير ما بقوم من نعمة وعافية فيزيلها عنهم وينتقم منهم إلا بتغيير ما بأنفسهم بأن يكون منهم الظلم والمعاصي والفساد وارتكاب الشرور والآثام التي تهدم بنية المجتمع وتدمر كيان الأمم. أخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((إن الناس إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه، يوشك أن يعمهم الله بعقاب)). وهذا مؤكد للآية: ﴿ وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَضَةً﴾ [الأنفال: ٨ /٢٥] . وواقع التاريخ الإسلامي في القرون الماضية يدل دلالة واضحة على أن الله تعالى لم يغيّر ما كان عليه حال الأمة الإسلامية من عزة ومنعة، ورفاه واستقلال، وعلم وتفوق في السياسة والاقتصاد والاجتماع، إلا بعد أن غيروا ما بأنفسهم، فحكموا بغير القرآن، وأهملوا دينهم، وتركوا سنة نبيهم، وقلدوا غيرهم، وضعفت روابط التعاون بينهم، وساءت أخلاقهم، وانتشرت الموبقات بينهم، وقد وعد الله الأرض من يصلحها بقوله: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّلِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥/٢١] أي الصالحون لعمارتها، ١٣٦ الجُرُ (١٣) - الرَّعْلِ: ١٣ / ٨-١١ وقوله: ﴿إِنَّ اُلْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨/٧]. ثم وصف تعالى قدرته المطلقة على العذاب فقال: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُؤَءًا﴾ أي وإذا أراد الله بقوم سوءاً من فقرأو مرض أو احتلال ونحوها من أنواع البلاء، فلا يستطيع أحد أن يدفع ذلك عنهم، ومالهم من غير الله تعالى ناصر يلي أمورهم، ويدفع عنهم، أي يجلب لهم النفع ويدفع عنهم الضر، فتلك الآلهة المزعومة لا تستحق الألوهية لعجزها عن فعل شيء نافع أو دفع أذی ضار. وهذا يدل على أن الله قادر في أي وقت على إيقاع العذاب بالناس، فليس من العقل والحكمة في شيء استعجالهم ذلك. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على مايأتي : أَ - إن الله تعالى عالم بالجزئيات وبالكليات، وبالماضي والحاضر والمستقبل، وبالباطن والظاهر أو السر المخفي والمعلن المجاهر به، وبالغائب عن مسامعنا وأبصارنا والشاهد الحاضر. ◌َ - استدل مالك والشافعي بآية: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادٌ﴾ على أن الحامل تحيض، قال ابن عباس في تأويلها: إنه حيض الحبالى، وهو قول عائشة، وأنها كانت تفتي النساء الحوامل إذا حِضْن أن يتركن الصلاة. وقال عطاء والشعبي وغيرهما، وأبو حنيفة: لا تحيض؛ لأنه لو كانت الحامل تحيض، وكان ما تراه من الدم حيضاً، لما صح استبراء الأمة بحيض، وهو إجماع، فتماسك الحيض علامة على شغل الرحم، واسترساله علامة على براءة الرحم، فمحال أن يجتمع مع الشغل؛ لأنه لا يكون دليلاً على البراءة لو اجتمعا. ١٣٧ الُعُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ /٨-١١ ٣ - وفي هذه الآية دليل أيضاً على أن الحامل قد تضع حملها لأقل من تسعة أشهر وأكثر، وأجمع العلماء على أن أقل الحمل ستة أشهر، وأن عبد الملك بن مروان ولد لستة أشهر، وله أمثال كثيرون. وهذه الستة الأشهر هي بالأهلة كسائر أشهر الشريعة. واختلف العلماء في أكثر الحمل، فقال مالك في المشهور عنه: خمس سنين، وقال الشافعي وأحمد: أربع سنين، وقال أبو حنيفة: سنتان. ولا أصل لهذه المسألة إلا الاجتهاد والرد إلى ما عُرف من أحوال النساء. قال ابن العربي: نقل بعض المتساهلين من المالكيين أن أكثر مدة الحمل (١) تسعة أشهر (١). ٤ - تخصيص الممكنات بخواص وأوصاف معينة دليل على كمال القدرة الإلهية، والدليل: ﴿وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ أي بقدر واحد لا يجاوزه ولا ينقص عنه، فكلمة بمقدار تعني عدم النقصان والزيادة، وقال قتادة: في الرزق والأجل، والمقدار: القَدْر، ويقال: ﴿بِمِقْدَارٍ﴾: قدر خروج الولد من بطن أمه، وقَدْر مكثه في بطنها إلى خروجه. قال القرطبي: وعموم الآية يتناول کل ذلك. ٥ - الله عالم الغيب والشهادة، أي هو عالم بما غاب عن الخلق وبما شاهدوه، فالغيب: مصدر بمعنى الغائب، والشهادة: مصدر بمعنى الشاهد. وهذا تنبيه على انفراده تعالى بعلم الغيب، والإحاطة بالباطن الذي يخفى على الخلق، فلا يجوز أن يشاركه في ذلك أحد. والله سبحانه الكبير أي الذي كل شيء دونه، المتعال عما يقول المشركون، المستعلي على كل شيء بقدرته وقَهْره. (١) أحكام القرآن: ١٠٩٧/٣ ١٣٨ لُهُ (١٣) - الرَّعْلِ: ١٣ / ٨-١١ والله تعالى يعلم ما أسرّه الإنسان من خير وشر، كما يعلم ما جهر به من خير وشر، ويستوي في علم الله المستخفي بالليل والسارب بالنهار، أي يستوي في علم الله السرّ والجهر، والظاهر في الطرقات، والمستخفي في الظلمات. أَ - للإنسان بتخصيص الله ملائكة أربعة في الليل، وأربعة في النهار، حافظان وكاتبان، وهي تتعاقب عليه ليلاً ونهاراً، وتتعقب أعماله وتتبعها بالحفظ والكتابة. قال الحسن البصري: المعقبات أربعة أملاك يجتمعون عند صلاة الفجر. والمراد من قوله ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي بأمر الله وبإذنه، وتكون ﴿مِنْ﴾ بمعنى الباء، وحروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض. وقال الفرَّاء: في الكلام تقديم وتأخير، تقديره: له معقبات من أمر الله، من بين يديه ومن خلفه يحفظونه. وفائدة جعل الملائكة موكلين علينا بالحفظ: أنها تدعونا إلى الخيرات والطاعات، وليكون الإنسان حذراً من المعاصي. وفائدة كتابة أعمال العباد: قال المتكلمون: الفائدة في تلك الصحف وزنها ليعرف رجحان إحدى الكفتين على الأخرى، فإنه إذا رجحت كفة الطاعات ظهر للخلائق أنه من أهل الجنة، وإن كان بالضد فبالضد. لاً - لا يغير الله ما بقوم حتى يقع منهم تغيير، إما منهم أو من الناظر لهم، أو ممن هو منهم بسبب، كما غيَّر الله بالمنهزمين يوم أحد بسبب تغيير الرماة بأنفسهم. والمراد بالآية عند المفسرين: أنه تعالى لا يغير ما بالناس من النعم بإنزال الانتقال إلا بأن يكون منهم المعاصي والفساد(١). (١) تفسير الرازي: ٢٢/١٩ ١٣٩ لُ (١٣) - الرَّعْلِ: ١٣ / ١٢-١٥ وهذا المعنى موجَّه للجماعة، أما الفرد فقد يتعرض للمصائب بذنوب غيره، ولا يشترط أن يتقدم منه ذنب، كما قال پے، وقد سئل: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال فيما رواه البخاري في المناقب: ((نعم إذا كَثُر الخَبَثُ)) أي الفسق والفجور. وقال تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَةً﴾ [الأنفال: ٢٥/٨]. ٨ - إذا أراد الله بالناس بلاء من أمراض وأسقام، فلا مردّ لبلائه وقيل: إن معنى الآية: إذا أراد الله بقوم سوءاً، أعمى أبصارهم حتى يختاروا ما فيه البلاء ويعملوه، فيمشون إلى هلاكهم بأقدامهم، حتى يبحث أحدهم عن حتفه بكفه، ويسعى بقدمه إلى إراقة دمه. ولا ملجأ ولا ناصر لأحد من مراد الله . وعذابه. والأولى تفسير الآية بأنه ليس للبشرية من يلي أمورها غير الله، الذي يجلب لهم النفع ويدفع عنهم الضر، أما الآلهة المزعومة من أصنام وأوثان ونحوها فلا تستطيع أن تفعل شيئاً، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوْ لَهِّ وَإِن يَسْلُبُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنِقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣/٢٢]. مظاهر ألوهية الله وربوبيته وقدرته ﴿هُوَ اُلَّذِى يُرِيكُمُ الْبَّقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ السَّحَابَ الْثِقَالَ ١٣ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وَالْمَلَئِكَةُ مِنْ خِفَتِهِ، وَيُرْسِلُ الصَّوَعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَدِلُونَ فِ اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْحَالِ ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ إِلَّ كَبَسِطِ كَغَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِبَلُغَ فَهُ وَمَا هُوَ بَِلِفِهِ، وَمَا دُعَّهُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلِ ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهَا ١٥ وَظِلَلُهُمْ بِلْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ؟ ١٤٠ لُ (١٣) - الرَّعَلِ: ١٣ / ١٢-١٥ الإعراب: ﴿خَوْنَا وَطَمَعًا﴾ مفعولان لأجله بتقدير حذف المضاف أي إرادة خوف وطمع، أو حال من البرق أو من المخاطبين أي خائفين وطامعين. ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ ﴿ وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول، و﴿يَدْعُونَ﴾: صلته، وعائده محذوف أي يدعونهم، كما حذف من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ﴾ [الأعراف: ١٩٤/٧] أي تدعونهم. ﴿كَبَسِطِ كَفَّيَّهِ﴾ الكاف: متعلقة بصفة مصدر محذوف، أي الاستجابة كاستجابة باسط كفيّه، ويكون على هذا التقدير حرفاً فيه ضمير انتقل إليه من: كائنة. ويجوز أن يجعل الكاف اسماً، أي الاستجابة مثل استجابة باسطِ كفّيه، ولا يكون في الكاف ضمير. ويجوز الاستثناء من الفعل المصدر والظرف والحال. ولام ﴿لِلُغَ فَاهُ﴾ متعلقة بباسط. البلاغة: يوجد طباق بين ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ وبين ﴿طَوْعًا وَكَرْهَا﴾. ﴿إِلَّا كَبَسِطِ كَفَّيْهِ﴾ تشبيه تمثيلي، شبه حال الكافرين في دعاء الأصنام بمن أراد أن يغترف الماء ليشربه بكف مبسوط. أو شبه عدم استجابة الأصنام لمن يدعونها بعدم استجابة الماء لباسط كفيه إليه من بعيد. المفردات اللغوية: ﴿اَلْبَرَّقَ﴾ شرارة ضوئية تظهر في السماء بسبب تصادم السحب السماوية ﴿خَوْنًا وَطَمَعًا﴾ أي من أجل الإخافة من الصواعق، والطمع في المطر، وفيها مضاف محذوف، أي إرادة خوف وطمع، أو إخافة وإطماعاً، أو حال أي خائفين طامعين، وإطلاق المصدر بمعنى المفعول أو الفاعل للمبالغة. ومعنى الخوف والطمع: أن وقوع الصواعق يخاف عند لمع البرق، ويطمع في الغيث.