النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ الُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ١٠١ وَلِّ﴾ ناصري أو متولِّ أمري أو منعم علي. ﴿وَأَلْحِقْنِىِ بِالصَّلِحِينَ﴾ من آبائي، أو بعامة الصالحين في الرّتبة، فعاش بعد ذلك أسبوعاً أو أكثر، ومات وله مئة وعشرون سنة، أو مئة وسبعة أعوام. فتنازع المصريون في مدفنه، فجعلوه في صندوق من مرمر، ودفنوه في أعلى النيل، لتعمّ البركة جانبيه، ثم نقله موسى عليه السّلام إلى مدفن آبائه في فلسطين. أما يعقوب عليه السّلام فأقام مع يوسف أربعاً وعشرين سنة، ثم توفي وأوصى أن يدفن بالشام إلى جنب أبيه، فذهب به، ودفنه ثمة، وعاد وعاش بعده ثلاثاً وعشرين سنة. المناسبة: بعد أن حمد يوسف عليه السّلام ربّه على لطفه ونعمه، باجتماعه بأبويه وإخوته، وما منَّ الله به عليه من النّبوة والملك، دعا هذا الدُّعاء، وسأل ربّه عزّ وجلّ، كما أتم نعمته عليه في الدُّنيا أن يستمر بها عليه في الآخرة، وأن يتوقَّاه مسلماً، وأن يلحقه بالصَّالحين. التفسير والبيان: قال يوسف بعد اجتماعه بأبويه وإخوته: ربِّ قد أعطيتني ملك مصر، وجعلتني حاكماً مطلق التّصرف فيها دون منازع ولا معارض ولا حاسد. روي أن يوسف عليه السّلام أخذ بيد يعقوب عليه السّلام، وطاف به في خزائنه، فأدخله خزائن الذهب والفضة، وخزائن الحلي، وخزائن الثياب، وخزائن السلاح، فلما أدخله خزائن القراطيس، قال: يا بني. ما أغفلك! عندك هذه القراطيس، وما كتبت إلي على ثمان مراحل، قال: نهاني جبريل عليه السّلام عنه، قال: سله عن السَّبب، قال: أنت أبسط إليه، فسأله، فقال جبريل عليه السّلام: أمرني الله تعالى بذلك؛ لقولك: ﴿ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّثْبُ﴾ فهلا خفتني؟! ٨٢ الُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ /١٠١ ﴿ وَعَلَّمْتَنِ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ أي الكتب السَّماوية وأسرار كلامك، وتعبير الرؤيا ومصداقيتها، فتقع كما ذكرت. و﴿مِن﴾ في قوله: ﴿مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِ مِن تَأْوِيلِ﴾ للتّبعيض؛ لأنه لم يؤت إلا بعض ملك الدُّنيا وهو ملك مصر، وبعض التّأويل. ﴿فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أنت خالق السماوات والأرض ومبدعهما. ﴿ أَنَتَ وَلِّء﴾ أنت ناصري ومتولِّ أموري وشأني كله في الدُّنيا والآخرة، فإن نعمك غمرتني في الدُّنيا، وأملي فيها في الآخرة. ﴿تَوَقَِّ مُسْلِمًا﴾ أمتني على الإسلام منقاداً خاضعاً طائعاً أوامرك. قال ابن عباس: ((ما تمَّى نبي قط الموت قبل يوسف عليه السّلام)). ﴿ وَأَلْحِقْنِىِ بِالصَّلِحِينَ﴾ اجعلني ملحقاً بالأنبياء والمرسلين، على العموم، وبآبائه على الخصوص وهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، فتوفّاه الله طيِّباً طاهراً بمصر، ودفن في النيل في صندوق من رخام، ثم نقل موسى عليه السّلام تابوته بعد أربع مئة سنة إلى بيت المقدس، فدفن مع آبائه. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآية إلى أن سيرة الأنبياء عليهم السّلام مثل أعلى في القدوة، فإن نعم الله تعالى على يوسف عليه السّلام في الدُّنيا من إيتاء الملك وتعبير الرؤيا، لم تحجبه عن طلب مرضاة الله تعالى في الآخرة؛ لأن العبرة بحسن الخاتمة، وبما يلقاه المؤمن من نعيم خالد في الآخرة، ولأن الآخرة خير وأبقى. وبما أنه نبي لم يطلب أقلّ من مرتبة الأنبياء وكرامتهم، فسأل الله أن يجعله مع الصالحين، وهم الأنبياء والرُّسل عليهم السّلام، في ثوابهم ومراتبهم ودرجاتهم. أما تمني الموت فلم يكن مطلقاً، وإنما تمنى الوفاة على الإسلام، أي إذا جاء أجلي توقَّني مسلماً، وهذا قول الجمهور، فاللهم اجعل وفاتنا على الإيمان. ٨٣ الجُزُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ١٠٢-١٠٨ ولا يجوز في شريعتنا تمِّّي الموت، بدليل ما ثبت عند الإمام أحمد وفي الصَّحيحين عن أنس قال: قال رسول الله وَ له: ((لا يتمنين أحدُكم الموتَ لضُرٌ نزل به، فإن كان لا بدّ متمنّاً، فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوقّني إذا كانت الوفاة خيراً لي))، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وله فيما رواه أحمد ومسلم: ((لا يتمنَ أحدُكم الموتَ، ولا يَدْعُ به من قبل أن يأتيه، إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمنَ عُمُره إلا خيراً)). الفصل التاسع عشر من قصّة يوسف إثبات نبوة محمد د الجلد الإخبار عن المغيبات والإعراض عن التّأمل في الآيات ودعوة النَّبي إلى التوحيد ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكٌ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوْ أَعْرَهُمْ وَهُمْ وَمَا تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ يَتَّكُرُونَ ﴿ وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ ﴿ وَكَأَيِّنِ مِّنْ ءَآيَةٍ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّ وَهُم مُشْرِكُنَ ◌َ أَفَأَمِنُواْ أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿ قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِيّ أَدْعُواْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ أَتَّبَعَنِّ ١٠٨ وَسُبْحَنَ اللَّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ القراءات: كَدَ: :( وقرأ حمزة (لديهُم). ﴿ وَكَأَتِنِ﴾: ٨٤ لُرعُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ١٠٢-١٠٨ وقرأ ابن كثير (وكائن). ﴿سَبِيلِيّ أَدْعُوّا﴾: وقرأ نافع (سبيلي أدعو). الإعراب: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاِ الْغَيْبِ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ، و﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكٌ﴾ : خبران له. ◌َ))﴾ ﴿وَمَآ﴾: نافية ﴿وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ حجازية، و﴿أَكْثَرُ﴾: اسمها، و﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾: متعلِّق بخبرها. و﴿وَلَوْ خَرَصْتَ﴾ اعتراضية. ﴿بَغْتَةً﴾ منصوب على الحال، وأصله المصدر. ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ أَتَّبَعَنِّيْ﴾ ﴿أَنَاْ﴾: تأكيد للضمير المستتر في ﴿أَدْعُواْ﴾ وفي ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ لأنه حال من ﴿أَدْعُواْ﴾ و﴿وَمَنِ أُتَّبَعَنِّ﴾ عطف عليه، يريد: أدعو إليها أنا، ويدعو إليها من اتَّبعني. ويجوز أن يكون ﴿أَنَاْ﴾ مبتدأ وخبره ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ خبر مقدّم، أي على حجة وبرهان، لا على هوى. ﴿هَذِهِ، سَبِيلِيّ﴾ مبتدأ وخبر. البلاغة: ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ اعتراضية بين اسم ﴿وَمَا﴾ الحجازية وخبرها، للدّلالة على أن الهداية بيد الله وحده. ﴿وَمَا تَسْثَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ على حذف مضاف، أي وما تسألهم على تبليغ القرآن الكريم من أجر. ﴿ مُعْرِضُونَ﴾ و﴿ مُشْرِكُونَ﴾ سجع: وهو توافق الفاصلتين في الحرف الأخير. ٨٥ الُرُ (١٣) - يُوسُف: ١٢ / ١٠٢-١٠٨ المفردات اللغوية: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما ذكر من نبأ يوسف عليه السّلام، والخطاب للرّسول وَ﴿ ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ أخبار ما غاب عنك يا محمد. ﴿لَدَيْهِمْ﴾ لدى إخوة يوسف عليه السّلام. ﴿إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ﴾ في كيده، أي إلقائه في الجبّ، و﴿أَجْمَعُواْ﴾: عزموا عليه. ﴿وَهُمْ يَّكُرُونَ﴾ به، أي لم تحضرهم، فتعرف قصّتهم، فتخبر بها، وإنما ذلك من تعليم الله تعالى لك، وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيِّهِمْ﴾ إلخ الآية دليل على صدق الإخبار بالمغيب عنك، والمعنى: هذا النّبأ غيب لم تعرفه إلا بالوحي؛ لأنك لم تحضر إخوة يوسف عليه السّلام حين عزموا على ما هموا به من أن يجعلوه في غيابة الجبّ، وهم يمكرون به وبأبيه، ليرسله معهم. ومن المعلوم الذي لا يخفى على مكذبيك أنك ما لقيت أحداً سمع ذلك، فتعلّمته منه. وإنما حذف هذا الكلام استغناءً بذكره في غير هذه القصة مثل: ﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا﴾ [هود: ٤٩/١١]. ﴿وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ أي أهل مكة. ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ على إيمانهم، وبالغت في إظهار الآيات لهم . ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ لعنادهم وتصميمهم على الكفر. ﴿ وَمَا تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ﴾ على الإنباء أو القرآن الكريم. ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ من جعل تأخذه كما يفعل حملة الأخبار . ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ﴾ ما هو أي القرآن الكريم إلا عظة للعالمين من الإنس والجنّ. ﴿ وَكَأَيِّنِ﴾ وكم من آية، والمراد بها كثير من الآيات الدّالّة على وجود الصانع وحكمته وكمال قدرته وتوحيده، فالآية هنا: دليل على وجود الصانع ووحدانيته. ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾ يمرّون على الآيات، أي يشاهدونها. ﴿وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ لا يتفكّرون فيها، ولا یعتبرون بها. ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ﴾ حيث يقرّون بوجوده وخالقيته، أي إنه الخالق الرّازق. ﴿إِلَّا وَهُم مُشْرِكُونَ﴾ به بعبادة الأصنام، فكانوا يقولون في تلبيتهم: ((لبيك لا شريك لك لبيك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك)»، أو ٨٦ للزُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ١٠٢-١٠٨ يشركون بالتّخاذ الأحبار أرباباً من دون الله، ونسبة التَّبِّي إليه، أو القول بالنور والظلمة. قيل: الآية في مشركي مكة، وقيل: في المنافقين، وقيل: في أهل الكتاب، والأولى حملها على العموم. ﴿غَشِيَةٌ﴾ نقمة تغشاهم أو عقوبة تحيط بهم وتعمّهم أو تشملهم . ﴿يَغْتَةً﴾ فجأة.﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بوقت إتيانها. ﴿هَذِهِ، سَبِيلِيّ﴾ طريقي. ﴿أَدْعُوّأْ إِلَى اللَّهِ﴾ إلى دين الله. ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ حجة واضحة ومعرفة تامة.﴿وَمَنِ أُتَّبَعَنِىّ﴾ ومن آمن بي. ﴿وَسُبْحَنَ اُللَّهِ﴾ أنزهه تنزيهاً عن الشُّركاء. ﴿وَمَآ أَنَأْ مِنَ اٌلْمُشْرِكِينَ﴾ وما أنا من جملة المشركين، وهو من جملة سبيله أيضاً. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى قصة يوسف عليه السّلام، أراد الحقّ تعالى أن يثبت بها نبوّة النَّبي محمد وَّ، عن طريق أنها إخبار بالغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله تعالى، ولم يشاهده النَّبِي وَّر ولا قومه، مما يدلّ على كون القرآن كلام الله تعالى، وكون نبوّة الرّسول وَله حقّاً وصدقاً. ثم ندّد الله تعالى بموقف المشركين من الإيمان بالله تعالى، فذكر أن هناك كثيراً من الآيات الدّالّة على وجود الصانع ووحدانيته، ولكن لا يلتفت إليها أولئك المشركون، وإنما يعرضون عنها. وحسم الحقّ تعالى الموقف، فأبان أن سبيل دعوة النَّبي ◌َّ هو الدّعوة إلى التّوحيد، ورفض الشّرك بمختلف أشكاله وأنواعه. التفسير والبيان: ذلك المذكور من قصة يوسف بدءاً من رؤياه الرؤيا وإلقائه في الجبّ إلى أن أصبح حاكم مصر الفعلي، وبيان موقف إخوته منه، وحال أبيهم يعقوب عليه السّلام، هو من أخبار الغيب التي لم يطَّلع عليها النَّبِي نَّه ولم يرها هو وقومه، ٨٧ الُعُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ١٠٢-١٠٨ والخطاب له، وهي وحي من الله تعالى إليه، لتثبيت فؤاده، وصبره على أذى قومه وإعراضهم عن دعوته. والمقصد الإخبار عن الغيب، فيكون معجزاً؛ لأنه يلزم ما طالع الكتب، ولم يتتلمذ لأحد، ولم يكن حاضراً معهم، فإخباره بهذه القصة الطويلة من غير تحريف ولا غلط إعجاز. ﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ بمثابة الدّليل على كونه من الغيب، أي وما كنت حاضراً عندهم، ولا مشاهداً لهم، حين عزموا على إلقائه في الجبّ، وهم يمكرون به وبأبيه، ولكنّا أعلمناك به وحياً إليك، وإنزالاً عليك، كقوله تعالى في قصّة مريم: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمٌ﴾ [آل عمران: ٤٤/٣]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى اَلْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّتِهِدِينَ ﴿﴿ وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرِّ وَمَا كُنْتَ تَاوِيًّا فِى أَهْلِ مَدْيَنَ تَثْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَبَئِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْطُورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ [القصص: ٤٤/٢٨-٤٦]. وبالرّغم من هذه الأخبار المعجزة التي فيها عبرة وعظة لم يؤمن أكثر الناس، كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ أي وليس أكثر الناس بمصدِّقين بدعوتك ورسالتك، ولو حرصت وتهالكت على إيمانهم، لتصميمهم على الكفر وعنادهم. والمراد بالآية العموم، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الرعد: ١/١٣]. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أراد أهل مكة. ووجه اتّصال الآية بما قبلها على قول ابن عباس: إن كفار قريش وجماعة من اليهود طلبوا هذه القصة من رسول الله وَّله على سبيل التّعنُّت، واعتقد رسول الله ◌َ ◌ّ أنه إذا ذكرها، فربَّما آمنوا، فلما ذكرها أصرّوا على كفرهم، فنزلت هذه الآية، وكأنه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: ٥٦/٢٨](١). (١) تفسير الرازي: ٢٢٣/١٨ ٨٨ لُرُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ١٠٢-١٠٨ ومعنى الحرص: طلب الشيء بأقصى ما يمكن من الاجتهاد، وجواب ﴿وَلَوْ﴾ محذوف؛ لأن جواب ﴿وَلَوْ﴾ لا يكون مقدّماً عليها، فلا يجوز أن يقال: قمت لو قمت. ثم نفى تعالى أن يكون للمشركين عذر بعدم الإيمان بدعوتك فقال: ﴿وَمَا تَسْثَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ أي ما تسأل منكري نبوّتك يا محمد على هذا النّصح والدُّعاء إلى الخير والرّشد من أجر، أي من جُعْل ولا أجرة، بل تفعله ابتغاء وجه الله ونصحاً لخلقه، فما عليهم إلا الاستجابة لدعوتك؛ لأنك لا تقصد إلا اتِباع أمر ربِّك ونصحهم الخالص. ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ أي ما هذا القرآن الذي أرسلك به ربُّك إلا تذكير وموعظة لكل العالمين من الإنس والجنّ، به يتذكَّرون وبه يهتدون، وينجون به في الدُّنيا والآخرة. وهذا دلّ على عموم رسالته وَّ. والسَّبب في أن أكثر الناس لا يؤمنون أنهم في غفلة عن التّفكّر في الدَّلائل الدّالّة على وجود الصانع وتوحيده، فقال: ﴿وَكَأَيِّنِ مِّنْ ءَايَةٍ﴾ أي وكم من آية دالّة على توحيد الله وكمال علمه وقدرته في السماوات والأرض من کواکب ثابتة وسيّارة وجبال وبحار، ونبات وشجر، وحیوان وحي ومیت، وثمار متشابهة ومختلفة في الطُّعوم والرّوائح والألوان والصِّفات، يمرّ على تلك الآيات ويشاهدها أكثرهم، وهم غافلون عنها، لا يتفكّرون بما فيها من عبر وعظات، وكلها تشهد على وجود الله تعالى ووحدانيته. وفي كل شيء له آية تدلّ على أنه واحد والآية هنا: الدَّليل على وجود الله تعالى وتوحيده. وأما علماء الفضاء والفلك فدأبهم الرّصد المادي كرصد الحركة أو الثَّبات، واستنباط القوانين العلمية، لكنهم لا يفكرون غالباً في الخالق الموجد، وفي عظمة المدبِّر والمقدِّر. ٨٩ اِلُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢/ ١٠٢-١٠٨ ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ﴾ أي وما يكاد يقرّ أكثر المشركين بوجود الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥/٣١] إلا وتراهم يقعون في الشّرك، لإشراكهم مع الله الأصنام والأوثان في العبادة. فكل عبادة أو تقديس وتعظيم لغير الله شرك، روى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((يقول الله: أنا أغنى الشُّركاء عن الشّرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه)). وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد بن أبي فضالة قال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه، ينادي منادٍ: من كان أشرك في عمل عَمِله لله، فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشُّركاء عن الشِّرك)). وروى التِّرمذي وحسّنه ابن عمر: ((من حلف بغير الله فقد أشرك)) أي حلف بغير الله قاصداً تعظيمه مثل الله فقد أشرك. وروى أحمد عن محمود بن لَبيد أن رسول اللهِ وَالّ قال: ((إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله تعالى يوم القيامة، إذا جاز الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا، هل تجدون عندهم جزاء؟)). وروى أحمد عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله وَالله قال: ((يا أيها الناس، اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل)) ثم بيَّن للصحابة كيف يُتَّقَى الشرك الخفي، فقال: ((قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئاً نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه)). ثم هدد الله تعالى المشركين بالعقاب فقال: ﴿أَفَأَمِنُواْ أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ أي أفأمن ٩٠ الجزءُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ١٠٢-١٠٨ هؤلاء المشركون بالله أن تأتيهم عقوبة تغشاهم وتشملهم، أو يأتيهم يوم القيامة فجأة، وهم لا يحسون ولا هم يشعرون بذلك، وهذا كالتأكيد لقوله: (بَغْتَةً﴾. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ اَلْأَرْضَ أَوْ يَأْنِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴿ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِ تَقَلِِّهِمْ فَمَا (ج)) [النحل: هُم بِمُعْجِزِينَ ﴿﴿ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمُ ٤٥/١٦-٤٧] . وقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَّ أَنْ يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَنْتًا وَهُمْ نَآئِعُونَ (49) أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحَى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴿ أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ [الأعراف: ٧ / ٩٧ -٩٩] . ٩٩٦ اللَّهِ فَلَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ وإبهام الساعة مبعث الهيبة والخوف من الله دون وازع مشاهد أو قريب. ثم أبان الله تعالى بعد كل تلك الأدلة هدف دعوة النبي ◌َّ وثقته بها، فقال: ﴿قُلّ هَذِهِ، سَبِيلِيّ﴾ أي قل يا محمد للثقلين: الإنس والجن: إن هذه الطريقة التي أتبعها، والدعوة التي أدعو إليها وهي شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أدعو إلى دين الله بها، على يقين، وحجة واضحة قاطعة، وبرهان، أدعو أنا، ويدعو إليها كل من اتبعني أي آمن بي وصدَّق برسالتي. وسبحان الله أي وأنزه الله وأُجلّه وأعظمه وأقدسه من أن يكون له شريك أو نظير أو عديل أو نديد أو ولد أو والد أو صاحبة أو وزير أو مشير، تبارك وتعالى وتقدس الله عن ذلك علواً كبيراً: ﴿تُبِعُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيِهِنَّ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِهِ، وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ خَلِيمًا غَفُورًا [الإسراء: ١٧ /٤٤]. وبعد أن أثبت الوحدانية لله نفى الشرك نفياً قاطعاً للرد على المشركين الذين ٩١ الجُرُ (١٣) - يُوسُف: ١٢ / ١٠٢-١٠٨ كانوا يقرون بوجوده ثم يشركون به في العبادة إلهاً آخر فقال: ﴿وَمَآ أَنَأْ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ﴾ أي أنا بريء من جميع المشركين على مختلف أنواعهم. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يلي: اً - الإخبار بقصة يوسف وغيرها من قصص الأنبياء السابقين مع أقوامهم من أنباء الغيب الدالة على المعجزة: وهي كون القرآن كلام الله، وصدق النبي ◌َّيّ في دعوته، فذلك معجزة لرسول الله وَله. أَ - نزلت آية ﴿وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ● تسلية ١٠٣ للنبي وَير، أي حتى لو أخبرتهم بقصة يوسف، لما آمنوا، أي لست تقدر على هداية من أردت هدایته. ◌َّ - مهمة كل نبي تبليغ الوحي المنزل عليه بإخلاص وقصد الثواب عند الله عز وجل، دون تكليف الناس بشيء من الأجر أو المقابل. ٤ - القرآن والوحي عظة وتذكرة للعالمين قاطبة، لا للعرب خاصة، إنه تذكرة لهم في دلائل التوحيد والعدل والنبوة، والمعاد والقصص، والتكاليف والعبادات، ففيه منافع عظيمة. 5 - ما أكثر الآيات، أي الدلائل الدالة على وجود الله تعالى ووحدانيته، وقدرته وحكمته وعلمه ورحمته، في السماوات والأرضين من نجوم وكواكب وبحار وأنهار وجبال ونباتات وأشجار، وصحارٍ شاسعات، وأحياء وأموات، وحيوان وثمرات مختلفة الطعوم والروائح والألوان والصفات. وهذه كلها أدلة محسوسة. أَ - إيمان المشركين مزيف باطل، فهم يقرون بوجود الله خالقهم وخالق ٩٢ لُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢/ ١٠٢-١٠٨ الأشياء كلها، وهم يعبدون الأوثان. قال ابن عباس: نزلت في تلبية مشركي العرب: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك. وعنه أيضاً أنهم النصارى. وعنه أيضاً أنهم المشبِّهة الذين يشبهون الله بخلقه، آمنوا مجملاً وأشركوا مُفَصَّلاً. وقيل: نزلت في المنافقين، والأولى حملها على العموم، والمعنى كما قال الحسن ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ﴾ أي باللسان إلا وهو کافر بقلبه. لاً - عذاب الله وعقابه، وإتيان الساعة (يوم القيامة) يأتيان فجأة، من حيث لا يشعر الناس بهما. ٨ - طريقة النبي ◌َل وسنته ومنهاجه، ومنهاج أتباعه المؤمنين به الدعوة إلى ما يؤدي إلى الجنة، على يقين وحق، وشعار المؤمن دائماً: سبحان الله وما أنا من المشركين، أي أنزه الله عن أي شريك، ولست من الذين يتخذون من دون الله أنداداً أي نظراء لله. وسمي الدين سبيلاً؛ لأنه الطريق الذي يؤدي إلى الثواب، كما في قوله تعالى: ﴿اَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٢٥/١٦]. ٩٣ الُعُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ١٠٩-١١١ الفصل العشرون من قصة يوسف العبرة من القصص القرآني ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِىّ إِلَتِهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَىُّ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ أَتَّقَوْاْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿َ حَّ إِذَا أُسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَتُسِىَ مَن نَّشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ اٌلْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبِّ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدِّى وَرَحْمَةً لِّقَوْمِ يُؤْمِنُونَ القراءات: ﴿نُوچِىّ إِلَيْهِم»: قرئ: ١- (نُوحِي إليهِم) وهي قراءة حفص. ٢- (يُوحَى إليهُم) وهي قراءة حمزة. ٣- (يُوحَى إليهِم) وهي قراءة باقي السبعة. ﴿ تَعْقِلُونَ﴾ : وقرأ ابن كثير، وحمزة، وأبو عمرو، والكسائي، وخلف (يعقلون). (كُذِبُواْ﴾: قرئ: ١- (كذِّبوا)، وهي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر. ٩٤ الُرُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ /١٠٩-١١١ ٢- (كُذِبُوا) وهي قراءة الباقين. ﴿فَنُجِىَ﴾: قرئ: ١- (فَنُجِّيَ) وهي قراءة ابن عامر، وعاصم. ٢- (فَنُنْجِي) وهي قراءة الباقين. ﴿ بَأَسُنَا﴾: وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (باسنا). ﴿ تَصْدِيقَ﴾: بإشمام الصاد صوت الزاي، قرأ حمزة، والكسائي، وخلف. وقرأ الباقون بالصاد الخالصة. الإعراب: ﴿وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ﴾ مبتدأ وخبر، وهذا إضافة الصفة بعد حذف الموصوف، وتقديره: ولدار الساعة أو الحال الآخرة، وهذه الإضافة في نيّة الانفصال، ولهذا لا يستفيد المضاف التعريف من المضاف إليه. ﴿حََّ إِذَا﴾ متعلِّقة بمحذوف، دلّ عليه الكلام، كأنه قيل: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً فتراخى نصرهم حتى إذا استيأسوا عن النّصر. ﴿ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ﴾ خبر كان المقدرة، أي ولكن كان ذلك تصديق الذي بين يديه وتفصيلاً، و﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ منصوبان بالعطف عليه. المفردات اللغوية: ﴿إِلَّا رِجَالًا﴾ لا ملائكة. ﴿مِّنْ أَهْلِ الْقُرَىّ﴾ الأمصار؛ لأنهم أعلم ٩٥ المُرعُ (١٣) - يُوسُف: ١٢ / ١٠٩-١١١ وأحلم، بخلاف أهل البوادي لجفائهم وجهلهم . ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ﴾ أهل مكة. ﴿عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي آخر أمرهم من إهلاكهم بتكذيبهم رسلهم. ﴿ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ﴾ أي ولدار الحال القادمة أو الساعة الأخرى أو الحياة ج الآخرة وهي الجنة. ﴿أَتَّقَوْاْ﴾ الله واتّقوا الشّرك والمعاصي، أي خافوا الله فلم يشركوا به ولم يعصوه . ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أهل مكة، فيؤمنوا. ﴿حَتََّ﴾ غاية محذوف، دلّ عليه الكلام، أي وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً، فتراخى نصرهم . ﴿أُسْتَيَْسَ﴾ يئس، أي لا يغررهم تمادي أيامهم، فإن من قبلهم أمهلوا، حتى أيس الرُّسُل من النّصر عليهم في الدُّنيا أو من إيمانهم، لانهماكهم في الكفر. ﴿وَظَنُواْ﴾ أيقنوا. ﴿كُذِبُواْ﴾ أي ظنّ الأُمم أنّ الرُّسل أُخلفوا ما وُعدوا به من النّصر، وعلى قراءة التّشديد، أي وظنّ الرُّسل أن القوم قد كذبوهم تكذيباً لا إيمان بعده فيما أوعدوهم . ﴿فَنُجِّىَ مَن نَشَاءٌ﴾ وهم النَّبي والمؤمنون. ﴿بَأْسُنَا﴾ عذابنا. ﴿عَنِ اُلْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ المشركين . ﴿فِ قَصَصِهِمْ﴾ أي الرُّسل. ﴿عِبْرَةٌ﴾ أي اعتبار من حال إلى حال. ﴿لَّأُوْلِىِ الْأَلْبَبُّ﴾ أصحاب العقول. ﴿مَا كَانَ﴾ هذا القرآن. ﴿يُفْتَرَى﴾ يختلق. ﴿الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قبله من الكتب. ﴿ وَتَفْضِيلَ﴾ تبيين. ﴿كُلِّ شَىْءٍ﴾ يحتاج إليه في الدّين. ﴿وَهُدَى﴾ من الضّلالة. ﴿ وَرَحْمَةً﴾ ينال بها خير الدّارين. ﴿لِّقَوْمِ يُؤْمِنُونَ﴾ يصدِّقونه، خصّوا بالذكر لانتفاعهم به دون غيرهم. المناسبة: بعد أن أثبت القرآن الكريم نبوّة النّبي محمد وَ لتر بدليل إخباره عن المغيبات، ردّ الله على منكري النبوة، فقد كان من شبه منكري نبوّته وّ أن الله لو أراد إرسال رسول لبعث ملكاً، كما حكى القرآن عنهم: ﴿لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنَزَلَ مَلَئِكَةٌ﴾ [فصلت: ١٤/٤١] . ثم أنذر الله كفار قريش وأمثالهم بالعقاب والعذاب إن لم يؤمنوا، فإن سنّة الله في عباده واحدة أنهم إن لم يؤمنوا، حلّ بهم العذاب. ٩٦ لُزُرُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ١٠٩-١١١ ثم ذكر تعالى أن قصة يوسف عليه السّلام مع أبيه وإخوته عبرة لذوي العقول والأفكار. التفسير والبيان: ختمت سورة يوسف بهذه الخاتمة الدّالّة على وجوب الاتِّعاظ والاعتبار بقصته المؤثرة الحادثة بين كنعان ومصر، وفي ألوان متعددة، تبتدئ بإلقائه في الجبّ، ثم صيرورته في بيت العزيز، ثم في السّجن، ثم في أعلى مناصب الحكم، وصف فيها كيد الإخوة وحسدهم، ومكر النّساء وكيدهنّ، وصبر يوسف عليه السّلام وحكمته ومهارته في إدارة الحكم، وأخلاقه وتسامحه مع إخوته، وتعظيمه أبویه. والمعنى: وما أرسلنا يا محمد من قبلك رسلاً إلا رجالاً، لا ملائكة ولا إناثاً، وكانوا من أهل المدن لا من البوادي، وكنّا ننزل عليهم الوحي والتشريع. وهذا يدلّ على أن الله أرسل الرُّسل من الرِّجال، لا من النِّساء، فلم تكن امرأة قط نبيّاً ولا رسولاً، وعلى اختيار الرُّسل من أهل المدينة، فلم يبعث الله رسولاً من أهل البادية؛ لتتبعهم المدن الأخرى، ولأن أهل البادية فيهم الجهل والجفاء، وأن أهل المدن أرق طباعاً وألطف من أهل البوادي، ولهذا قال تعالى: ﴿اَلْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ [التوبة: ٩٧/٩]. قال ابن كثير: وزعم بعضهم أن سارة امرأة الخليل، وأم موسى، ومريم بنت عمران أم عيسى نبيّات، واحتجّوا بأن الملائكة بشَّرت سارة بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، وبقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيَةِ﴾ [القصص: ٧/٢٨] وبأنّ الملَك جاء إلى مريم فبشَّرها بعيسى عليه السّلام، وبقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَبِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَنكِ وَطَهَّرَكِ وَأَصْطَفَتِكٍ عَلَى نِسَآءِ ٤٣) [آل يَمَرْيَمُ أُقْنُقِى لِرَبِّكِ وَأَسْجُدِى وَأَرْكَعِى مَعَ الزَّكِينَ الْعَلَمِينَ ٩٧ الُرُ (١٣) - يُوسُفَ): ١٢ /١٠٩-١١١ عمران: ٤٢/٣-٤٣] وهذا القدر حاصل لهن، ولكن لا يلزم من هذا أن يكنّ نبيّات بذلك(١). ثم هدد الله المشركين على تكذيبهم بالرّسول وقليل فقال متعجِّباً: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ﴾ أي أفلم يَسِرِ هؤلاء المكذِّبون لك يا محمد في الأرض، فينظروا ويروا كيف كان مصير الأُمم المكذِّبة للرُّسل، كيف دمّر الله عليهم، كقوم نوح وهود وصالح ولوط، وللكافرين أمثالها، فإن عاقبة الكافرين الهلاك، وعاقبة المؤمنين النّجاة. ثم حضَّ الله تعالى على العمل لدار الآخرة والاستعداد لها واتّقاء المهلكات فقال: ﴿وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ أَنَّقَوَأْ﴾ أي إن الدار الآخرة خير للذين خافوا الله فلم يشركوا به ولم يعصوه، فهي أفضل من هذه الدار للمشركين المكذِّبين بالرُّسل، أي وكما نجينا المؤمنين في الدُّنيا، كذلك كتبنا لهم النّجاة في الدّار الآخرة، وهي خير لهم من الدُّنيا بكثير؛ فإن نعيم الآخرة أكمل من نعيم الدُّنيا، وأبقى وأخلد. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي أجهلتم؟ فلا تعقلون أيها المكذُّبون بالآخرة، فإنكم لو عقلتم ذلك لآمنتم. ثم بشَر الله نبيّه بالنّصر بإخباره أن نصره تعالى ينزل على رسله عليهم السّلام عند ضيق الحال واشتداد الأزمة وانتظار الفرج من الله تعالى في أحرج الأوقات إليه، فقال: ﴿حَتَّى إِذَا أُسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ فيه محذوف، أي وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم، فبلغوا أقوامهم رسالتهم الدّاعية إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له، فكذَّبوهم وتمادى أقوامهم في الطغيان والكفر والعناد، فتراخى نصرهم، حتى أيس الرُّسل من إيمانهم أو من النّصر عليهم، (١) تفسير ابن كثير: ٤٩٦/٢ ٩٨ لُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ١٠٩-١١١ لانهماكهم في الكفر، وظنّت (أيقنت) الأُمم أن الرُّسل أُخلفوا فيما وعدوهم به من النّصر، وكذَّبوهم فيما أخبروهم به عن الله من وعد النّصر، فجاءهم نصرنا، أي أتاهم نصر الله فجأة، فُنُجِّي من نشاء وهم النَّبي والمؤمنون، وحلّ العقاب بالمكذِّبين الكافرين، ولا يردّ بأسنا، أي لا يمنع عقاب الله وبطشه عن القوم الذين أجرموا، فكفروا بالله وكذَّبوا رسله. والمعنى على قراءة (كذّبوا) بالتّشديد: وظنّ الرُّسل أن القوم قد كذّبوهم تكذيباً لا إيمان بعده فيما أوعدوهم. وهذا تهديد ووعيد لكفار قريش وأمثالهم لعدم إيمانهم بالنَّبي ◌ِّ. وللآية نظائر كثيرة في القرآن الكريم منها ما اشتمل على وعد الله الرُّسل بالنّصر: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر: ٤٠/ ٥١]، وقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَ أَنَا وَرُسُلِىَّ إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ [المجادلة: ٢١/٥٨]، ومنها استنجاز النّصر: ﴿وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, مَتَى نَصْرُ اللَّهُ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤/٢]. ومنها بيان سبب العقاب وهو الظّلم والكفر: ﴿أَلَمَّ بَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوجِ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبَهِيمَ وَأَصْحَبِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَتِّ أَنَنْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِّ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ [التوبة: ٩ /٧٠] . ٧٠ يَظْلِمُونَ ومنها تقرير سنّة الله الواحدة في عباده وإلحاق النّظائر والأشباه بأمثالها، وأنه لا ظلم فيها ولا محاباة، فكفار قريش مثل الكفار السابقين في استحقاقهم العذاب لارتكابهم سببه وهو الكفر: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَرٌ مِّنْ أُوْلَكُمْ أَمْ لَكُمُ بَرَآءَةٌ فِىِ اُلُّبُرِ [٤٣) ﴾ [القمر: ٤٣/٥٤]. ونقل تفسير الآية على قراءة التّشديد: (كذّبوا) على النّحو السابق عن ٩٩ لُحُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ١٠٩-١١١ عائشة، روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لابن أختها عروة ابن الزُبير، وهو يسألها عن قول الله تعالى: ﴿حَتَّ إِذَا أَسْتَيْتَسَ الرُّسُلُ﴾ الآية: ((معاذ الله لم تكن الرُّسل تظنّ ذلك بربِّها، هم أتباع الرُّسل الذين آمنوا بربهم وصدَّقوهم، فطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النّصر، حتى إذا استيأس الرُّسل ممن كذَّبهم من قومهم، وظنّت الرُّسل أنّ أتباعهم قد كذّبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك)). وأنكرت عائشة المعنى على قراءة التّخفيف. وقال الرّازي عن تأويل عائشة: وهو أحسن الوجوه المذكورة في الآية. ونقل تفسير الآية على قراءة التّخفيف ﴿كُذِبُواْ﴾ عن ابن عباس وابن مسعود، قال ابن عباس: ((لما أيست الرُّسل أن يستجيب لهم قومهم، وظنّ قومهم أن الرُّسل قد كذّبوهم، جاءهم النصر على ذلك))، وقال ابن مسعود في آية: ﴿حَتَّى إِذَا أَسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾: من إيمان قومهم أن يؤمنوا بهم، وظن قومهم حين أبطأ الأمر أنهم قد كُذبوا، بالتخفيف. وهذا هو المشهور عن الجمهور(١). والخلاصة: على قراءة التخفيف، الضمير في ﴿وَظَنُّواْ﴾ عائد على المرسل إليهم، لتقدّمهم في الذّكر في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ فيكون الضَّمير عائداً إلى الذين من قبلهم من مكذِّبي الرُّسل، والظّن هاهنا بمعنى التّوهم والحسبان. والمعنى: وظنّ المرسل إليهم أنهم قد كذبهم الرُّسل فيما اذَّعوه من النّبوة وفيما يوعدون به من لم يؤمن بهم من العذاب، وهذا مشهور قول ابن عباس وتأويل عبد الله ابن مسعود وسعيد بن جبير ومجاهد. ولا يجوز أن تكون الضّمائر في هذه القراءة على الرّسل؛ لأنهم معصومون، فلا يمكن أن يظنّ أحد منهم أنه قد كذبه من جاءه بالوحي عن الله(٢). (١) تفسير ابن كثير: ٤٩٧/٢ - ٤٩٨، تفسير القرطبي: ٢٧٥/٩ (٢) البحر المحيط: ٣٥٤/٥ ٦ ١٠٠ لِلُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ١٠٩-١١١ وعلى قراءة التشديد وجهان: الأول - أنّ الظنّ بمعنى اليقين، أي وأيقنوا أن الأُمم كذبوهم تكذيباً لا يصدر منهم الإيمان بعد ذلك، فحينئذٍ دعوا عليهم، فهنالك أنزل الله سبحانه عليهم عذاب الاستئصال، وورود الظنّ بمعنى العلم كثير في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَقُواْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦/٢]، أي يتيقنون ذلك. والثاني - أن يكون الظنّ بمعنى الحسبان، والتقدير: حتى إذا استيأس الرُّسل من إيمان قومهم، فظنّ الرُّسل أن الذين آمنوا بهم كذبوهم، وهذا التأويل منقول عن عائشة رضي الله عنها، قال الرّازي: وهو أحسن الوجوه المذكورة في الآية(١). وقال الزّمخشري في قراءة التخفيف: ﴿وَظَنُّوَاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ﴾ أي كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم بأنهم ينصرون، أو وظنّوا أنهم قد كذبهم رجاؤهم كقولهم: رجاء صادق ورجاء كاذب، والمعنى أن مدّة التكذيب والعداوة من الكفار، وانتظار النصر من الله وتأميله قد تطاولت عليهم، وتمادت، حتى استشعروا القنوط، وتوقموا أن لا نصر لهم في الدُّنيا، فجاءهم نصرنا فجأة من غير احتساب(٢). ثم ذكر الله تعالى الهدف العام من قصص القرآن، فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ أي لقد كان في سرد أخبار الأنبياء المرسلين مع قومهم، وكيف نجينا المؤمنين، وأهلكنا الكافرين عبرة وعظة وذكرى لأولي العقول والأفكار الصحيحة. والاعتبار والعبرة: الانتقال والعبور من جهة إلى جهة. أما المهملون عقولهم فلا ينظرون في الأحداث ولا يستفيدون من دروس التاريخ، فلا يفيدهم النّصح. (١) تفسير الرازي: ٢٢٦/١٨ وما بعدها. (٢) الكشّاف: ١٥٧/٢