النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
اِلُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ٨٨-٩٣
إحسانك، وتصدَّقْ علينا بقبض هذه البضاعة المزجاة، وتسامح فيها بعد أن
تتغاضى عن قلتها أو رداءتها، إن الله يجزي المتصدقين أحسن الجزاء، فيخلف
لهم ما ينفقون، ويضاعف الثواب لهم.
وكان القصد من هذا الكلام الرقيق والتضرع والتذلل اختبار حال العزيز،
هل يرق قلبه، ويظهر نفسه، ويعلن عن شخصه؟ بعد أن ذكروا له ما أصابهم
من الجهد والضيق وقلة الطعام، وما لدى أبيه من الحزن لفقد ولديه.
وقد نجحوا في هذا الاستعطاف، فأخذته رقة ورأفة ورحمة على أبيه
وإخوته، وهو في حال الملك والتصرف والسعة، فأجابهم بقوله، مستفهماً عن
مدى استقباح فعلهم السابق بيوسف: هل علمتم قبح ما فعلتم بيوسف وأخيه
بنيامين؟ حيث ألقيتم يوسف في الجبّ، وعرضتموه للهلاك، وفرقتم بينه وبين
أخيه، وما عاملتم به أخاه من معاملة جافّة قاسية، حال كونكم جاهلين قبح
ما فعلتموه، من عقوق الوالدين، وقطيعة الرحم والقرابة، وذلك كما قال
بعض السلف: كل من عصى الله فهو جاهل، وقرأ: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ
عَمِلُواْ السُّوَءَ بَجَهَلَةٍ﴾ [النحل: ١١٩/١٦].
والمراد بهذا الاستفهام التقريع والتوبيخ، ومراد يوسف تعظيم الواقعة، أي
ما أعظم ما ارتكبتم بيوسف، كما يقال: هل تدري من عصيت؟ والصحيح
أنه قال (جَهِلُونَ﴾ تأنيساً لقلوبهم وبياناً لعذرهم، كأنه قال: إنما دفعكم
لهذا الفعل القبيح جهالة الصبا أو الغرور، وكأنه لقنهم الحجة، كقوله تعالى:
﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ اَلْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦/٨٢](١).
وهذا تذكير رقيق بذنوبهم، تمهيداً لتعريفهم بنفسه، لا معاتبة ولوماً
وتوبيخاً، بعد أن حان الوقت في هذه المرة الثالثة من لقاء يوسف مع إخوته،
(١) البحر المحيط: ٣٤١/٥

٦٢
لُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ٨٨-٩٣
وكان قد أخفى منهم نفسه في المرتين الأوليين بتقدير الله وأمره، وهو مصداق
قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف:
١٥/١٢] .
فاغتنموا فرصة هذا التذكير وتساؤل العارف الخبير بأحوالهم، فسألوه
سؤال المتعجب المستغرب المقرِّر المثبت أنه أخوهم يوسف: ﴿أَعِنَّكَ لَأَنْتَ
يُوسُفُّ﴾ أي إنهم استفهموا استفهام تعجب من موقفه أنهم يترددون إليه من
سنتين وأكثر، وهم لا يعرفونه وهو مع هذا يعرفهم ويكتم نفسه، ولكنهم في
هذه المرة عرفوه بقولهم ذلك، وتوسموا أنه يوسف، واستفهموه استفهام
استخبار، وقيل: استفهام تقرير، وهو أولى في تقديري؛ لأنهم كانوا عرفوه
بعلامات.
قال ابن عباس: إن إخوته لم يعرفوه حتى وضع التاج عنه، وكان في قرنه
علامة، وكان ليعقوب مثلها شِبْه الشامة، فلما قال لهم: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا
فَعَلْتُمُ بِيُوسُفَ﴾ رفع التاج عنه، فعرفوه، فقالوا: ﴿أَعِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفٌ﴾ أي
إنهم قالوا: من المؤكد قطعاً أنك أنت يوسف.
﴿قَالَ أَنَأْ يُوسُفُ﴾ قال: نعم أنا يوسف المظلوم العاجز، الذي نصرني الله
وقواني وصرت إلى ما ترون، وهذا أخي بنيامين الذي فرقتم بيني وبينه،
ومقصوده: أن هذا أيضاً كان مظلوماً كما كنت، ثم صار منعماً عليه من قبل
الله تعالى، كما ترون.
﴿قَدْ مَبَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ أي قد أنعم الله علينا بالاجتماع بعد الفرقة وبعد
طول المدة، وأعزنا في الدنيا والآخرة. وفيه إشارة إلى أنه لا وجه لطلبكم
بنيامين؛ لأنه أخي.
﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ﴾ أي إن كل من يتقي الله حق التقوى فيما أمر به ونهى،
ويصبر على طاعة الله وعلى المحن التي يتعرض لها، فإن الله حسبه وكافيه من كل

٦٣
المُعُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ٨٨-٩٣
سوء، ومنجيه من كل مكروه، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً في الدنيا
والآخرة. وهذه شهادة من الله بأن يوسف من المتقين الصابرين المحسنين.
﴿قَالُواْ تَأَللَّهِ لَقَدْ﴾ أجابوه إعلاناً للحق واعترافاً له بالفضل، والله لقد
فضلك الله علينا، وآثرك بالعلم، والحلم، والخلق، والملك والسعة
والتصرف، والنبوة أيضاً، وأقروا له بأنهم أساؤوا إليه، وأخطؤوا في حقه،
وأعلنوا بأنهم المذنبون الخاطئون، الذين لا يعذرون.
وبعد اعتذارهم وإعلان توبتهم صفح عنهم فقال: لا لوم ولا تعيير ولا
توبيخ ولا تأنيب عليكم اليوم عندي فيما صنعتم، وكذا فيما قبله من الأيام،
وخص اليوم بالذكر؛ لأنه مظنة التثريب والعتاب.
ثم زادهم الدعاء لهم بالمغفرة، فقال: يغفر الله لكم ذنوبكم وظلمكم، وهو
أرحم الراحمين لمن تاب إليه وأناب إلى طاعته.
﴿ أَذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَذَا﴾ لما عرف يوسف نفسه إخوته، سألهم عن أبيهم،
فقالوا: ذهب بصره، أي عمي من كثرة البكاء، فقال لهم بما عرف بالوحي:
اذهبوا بقميصي هذا الذي على بدني، أو المتوارث عن أجدادي وآبائي إبراهيم
وإسحاق ويعقوب، فألقوه على وجه أبي فور وصولكم إليه، يأت مبصراً (ذا
بصر) كما كان، فإن الغشاوة التي ألمت به تزول بالفرح والبشرى، وذلك
بفضل الله وكرمه، وأتوني بجميع أهليكم من الرجال والنساء والأولاد، روي
أن أهله كانوا سبعين رجلاً وامرأة وولداً.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى مايأتي:
اً - جواز الشكوى عند الضُّ، أي الجوع، بل يجب على الإنسان إذا
خاف على نفسه الضر من الفقر وغيره، أن يبدي حالته إلى من يرجو منه .

٦٤
الُرُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ٨٨-٩٣
النفع، كما يجب عليه أن يشكو ما به من الألم إلى الطبيب ليعالجه؛ ولا يكون
ذلك معارضاً التوكل.
وهذا مالم يكن التشكي على سبيل التسخط. ويظل الصبر والتجلّد في
النوائب أحسن، والتعفف عن المسألة أفضل؛ وأحسن الكلام في الشكوى
سؤال المولى زوال البلوى، كما قال يعقوب: ﴿إِنَّمَا أَشْكُواْ بَشِّى وَحُزْنِ إِلَى
اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اْللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي من جميل صنعه، وغريب لطفه،
وعائدته على عباده.
أما الشكوى لمن لا يؤمل منه إزالتها فهو عبث وسفه، إلا أن يكون على
وجه البثّ والتسلي.
أَ - جواز طلب الزيادة على الحق على سبيل الصدقة، والصدقة كما ذكر
مجاهد لم تحرم إلا على نبينا محمد وَلجر. وروى ابن جرير أن سفيان بن عيينة
سئل: هل حرمت الصدقة على أحد من الأنبياء قبل النبي وَليه؟ فقال: ألم
تسمع قوله: ﴿فَأَوْفِ لَنَا اُلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَاْ إِنَّ اللَّهَ يَجْزِى الْمُتَصَذِّقِينَ﴾.
◌َّ - استدل مالك وغيره من العلماء على أن أجرة الكيال على البائع؛ لأن
إخوة يوسف قالوا له: ﴿فَأَوْفِ لَنَا اُلْكَيْلَ﴾ فكان يوسف هو الذي يكيل.
وكذلك الوزّان والعدّاد وغيرهم؛ لأن على البائع تسليم المبيع وتمييزه عما
عداه، إلا إذا باع شيئاً معيناً أو ما لا يحتاج إلى الكيل أو الوزن أو العدد، ولأن
البائع لا يستحق الثمن إلا بعد إيفاء الحق بالكيل أو الوزن.
وكذلك أجرة النقد (فحص الدراهم التي هي الثمن) على البائع أيضاً؛
لأنه هو الذي يدّعي الرداءة، ولأن النفع يقع له، فصار الأجر عليه.
ويكره للرجل أن يقول في دعائه: اللهم تصدق علي؛ لأن الصدقة إنما
تكون ممن يبتغي الثواب، والله تعالى متفضل بالثواب بجميع النعم، لا رب
غيره.

٦٥
الْجُزْءُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ٨٨-٩٣
٤ - استنباط الأحكام من فحوى الكلام وما يصحبه من إشارات، فإن
يوسف وجّه لإخوته استفهاماً بمعنى التذكير والتوبيخ بقوله: ﴿هَلْ عَلِمْتُ مَّا
فَعَلْتُمُ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ ففهموا منه أنه يوسف، فقالوا على سبيل استفهام
التقرير والإثبات: ﴿أَعِتَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفٌٌ﴾.
ودل قوله ﴿إِذْ أَنْتُمْ جَهِلُونَ﴾ على أنهم كانوا صغاراً في وقت أخذهم
ليوسف، وليسوا أنبياء؛ لأنه لا يوصف بالجهل إلا من كانت هذه صفته؛
ويدل على أنه حسنت حالهم الآن، أي فعلتم فعلكم إذ أنتم صغار جهال.
وتعرف إخوة يوسف عليه، فتجاوب معهم وعرفهم بنفسه قائلاً: ﴿أَنَا
يُوسُفُ﴾ أي أنا المظلوم.
قال ابن عباس: كتب يعقوب إلى يوسف بطلب ردّ ابنه، وفي الكتاب: من
يعقوب صفيّ الله ابن إسحاق ذبيح(١) الله، ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز
مصر:
أما بعد، فإنا أهل بيت بلاء ومِحَن، ابتلى الله جدّي إبراهيم بنمروذ وناره،
ثم ابتلى أبي إسحاق بالذبح، ثم ابتلاني بولد كان لي أحبّ أولادي إلي، حتى
كُفَّ بصري من البكاء، وإني لم أسرق ولم ألِدْ سارقاً، والسلام.
فلما قرأ يوسف الكتاب ارتعدت مفاصله، واقشعرّ جلده، وأرخى عينيه
بالبكاء، وعِیلَ صبره، فباح بالسّ.
وأعلن يوسف عن مزيد فضل الله عليه بقوله: ﴿قَدْ مَرَ اللَّهُ عَلَيْنَاً﴾ أي
بالاجتماع بعد الفرقة، وبالعز بعد الذل، وبالنجاة والملك.
٥ - إن من اتقى الله بالتزام ما أمر واجتناب ما نهى، وصبر على المصائب
وعن المعاصي، فإن الله يدخر له ثواب إحسانه العمل، ولا يضيع منه شيئاً.
(١) وهذا مؤيد لرأي القائلين بأن الذبيح إسحاق، والراجح أنه إسماعيل.

٦٦
الزُعُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ٨٨-٩٣
أَ - الاعتراف بالذنب أو الخطأ سبيل الحظوة بالعفو والصفح، فإن قول
إخوة يوسف: ﴿وَإِن كُنَّا لَخَطِئِينَ﴾ أي مذنبين، متضمن سؤال العفو،
وقد ظفروا به.
ولا مانع من العفو عن الخطأ وإن كان عمدياً، فهو تجاوز للحق، أياً كانت
صفته، وكل من اقترف ذنباً متجاوز لمنهاج الحق، واقع في الشبهة والمعصية.
لاً - شهد الله تعالى لنبيه يوسف عليه السلام بصفات المتقين الصابرين
المحسنين، وكفى بشهادة الحق فخراً، وهذا تعليم وتدريب ومثل عملي لنا.
٨ - كانت عبارة يوسف: ﴿لَا تَغْرِيبَ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمَّ﴾ مثلاً رائعاً في
السماحة والعفو والصفح، فهو عفو لا لوم فيه ولا تعيير، وهو صفح في حال
المقدرة على العقاب، وهو تنازل عن أي حق دون أي حقد أو كراهية،
وأضيف إليه الدعاء بالمغفرة على الذنب والستر، والرحمة في عالم الآخرة بين
يدي أرحم الراحمين. وهو لا يكون إلا عن وحي، فكان مرد الفضل في النهاية
إلى الله تعالى.
واحتذى نبينا عليه الصلاة والسلام حذو أخيه يوسف عليه السلام في هذا
القول العظيم يوم فتح مكة بإعلان العفو عن قريش، روى ابن مردويه عن ابن
عباس، والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله وَ ﴿ أخذ بعُضَادتي الباب يوم
فتح مكة، وقد لاذَ الناس بالبيت فقال: ((الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر
عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم قال: ماذا تظنون يامعشر قريش؟ قالوا :
خيراً، أخ كريم، وابن أخ كريم، وقد قَدَرتَ؛ قال: وأنا أقول كما قال أخي
يوسف: ﴿لَا تَغْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَّوْمَّ﴾ فخرجوا كأنما نُشروا من القبور)).
وقال عطاء الخراساني: طلب الحوائج من الشباب أسهل منه من الشيوخ،
ألم تر قول يوسف: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اَلْيَّوْمِّ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وقال
يعقوب: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّ﴾.

٦٧
الزُُّ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ٩٤-٩٨
- حدثت الفرحة الصغرى بعودة البصر إلى يعقوب حينما ألقي عليه
قميص يوسف. وهو - في القول الأصح المروي مرفوعاً عن أنس عن النبي
وَّر، فيما ذكر القشيري - قميص إبراهيم الذي ألبسه الله أثناء إلقائه في النار
من حرير الجنة، وكان كساه إسحاق، وكان إسحاق كساه يعقوب، ويعقوب
علقه في عُنق يوسف؛ لما كان يخاف عليه من العين، وأخبره جبريل بأن أرسل
قميصك فإن فيه ريح الجنة، وإن ريح الجنة لا يقع على سقيم ولا مبتلى إلا
عُوفي. وهذا بإعلام الله يوسف به. وقيل: إنه قميص يوسف الذي خلعه من
على بدنه، فإنه إذا ألقي على أبيه انشرح صدره، وحصل في قلبه الفرح
الشديد، والفرح يقوي الروح، ويزيل الضعف عن القوى الحسية، فيقوى
بصره، ويزول عنه ما غشيه بسبب البكاء، والطب يؤيد ذلك.
١٠ - تمت الفرحة الكبرى بطلب يوسف عليه السلام من إخوته إحضار
جميع أسرته إلى مصر لاتخاذها داراً، وكان عددهم سبعين أو ثلاثة وتسعين، ما
بین رجل وامرأة.
الفصل السادس عشر من قصة يوسف
إخبار يعقوب بريح يوسف وتأييده ببشارة البشير
﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيْرُ قَالَ أَبُوُهُمْ إِنِى لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَّ لَوْلَا أَنْ تُفَيِّدُونِ
قَالُواْ تَلَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَلِكَ الْقَدِيمِ ﴾
٩٤
فَلَمَّا أَنْ جَآءَ الْبَشِيرُ أَلْقَنَهُ عَلَى
وَجْهِهِ، فَأَرْتَذَ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنّ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
٩٦
قَالُواْ يَكَأَنَا أَسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَطِينَ
قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ
٩٧
٩٨
رَبِّ ◌ِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
القراءات:
﴿إِنِّ أَعْلَمُ﴾
:

٦٨
الزُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ٩٤-٩٨
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (إني أعلم).
﴿رَبِّ إِنَّهُ﴾:
وقرأ نافع، وأبو عمرو (ربيَ إنه).
الإعراب:
﴿فَلَمَّا أَنْ جَآءَ﴾ أن لتأكيد الربط بين شرط ((لما)) وهو ﴿جَآءَ﴾ وجوابها وهو
{أَلْقَنُهُ﴾.
البلاغة:
﴿وَلَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَلِكَ الْقَدِيمِ﴾ هذا استنكار من القوم الحاضرين
مجلس يعقوب الذين أخبرهم بأن يوسف حي، وأكدوا كلامه بمؤكدات
ثلاثة: القسم وإنّ واللام.
المفردات اللغوية:
﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ اٌلْغِيرُ﴾ انفصلت عن بلد مصر وجاوزت حدودها
وخرجت من العريش ﴿قَالَ أَبُوُهُمْ﴾ لمن حضره من ولد ولده ومن حوله من
قومه ﴿إِنِّ لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَّ﴾ لأحس برائحة يوسف، أشعره الله برائحة
القميص حين أقبل به إليه يهوذا من ثمانين فرسخاً(١) أي حملته إليه ريح الصبا
بإذنه تعالى من مسيرة ثلاثة أيام أو ثمانية أو أكثر ﴿ تُفَنِّدُونِ﴾ تنسبوني إلى الفَنَد:
وهو ضعف العقل الحادث بسبب الهرم، أو الخرَف، وجواب ﴿لَوْلَا﴾
محذوف، تقديره: لصدقتموني، أو لقلت: إنه قريب.
﴿قَالُواْ﴾ أي الحاضرون ﴿لَفِى ضَلِكَ﴾ خطئك، أو في إفراطك في حبه،
(١) الفرسخ: ٥٥٤٤ م

٦٩
الُرعُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ /٩٤-٩٨
وإكثار ذكره، وتوقع لقائه بعد طول العهد ﴿فَلَمََّ أَن جَآءَ الْبَشِيرُ﴾ يهوذا، روي
أنه قال: كما أحزنته بحمل قميصه الملطخ بالدم إليه، فأفرحه بحمل هذا إليه،
وأن: زائدة ﴿أَلْقَنْهُ عَلَى وَجْهِهِ﴾ طرح البشير القميص على وجه يعقوب
عليه السلام . ﴿فَأَرْتَدَ﴾ رجع بصيراً؛ لِمَا انتعش فيه من القوة، بسبب الفرح
والبهجة.
المناسبة:
عمت الفرحة أولاد يعقوب في أرجاء مصر، بعد تعارفهم، وانتقل أثر
الفرح إلى أرض كنعان في أسعد عودة من رحلتهم الثالثة إلى مصر، وأظهر الله
المعجزة على يد يعقوب عليه السلام بإحساسه برائحة يوسف، وأيَّد الله ذلك
الشعور ببشارة البشير ابنه الأكبر الذي اعتصم في مصر، حتى يأذن له أبوه
· بالرجوع بعد إبقاء أخيه بنيامين.
روى الواحدي عن أنس بن مالك عن رسول الله و الله أنه قال: أما قوله:
﴿ أَذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَذَا فَأَلْقُوُهُ عَلَى وَجْهِ أَبِىِ يَأْتِ بَصِيرًا﴾ فإن نمروذ الجبار، لما
ألقى إبراهيم في النار، نزل عليه جبريل عليه السلام بقميص من الجنة،
وطنفسة من الجنة، فألبسه القميص، وأجلسه على الطنفسه، وقعد معه يحدثه،
فكسا إبراهيم عليه السلام ذلك القميص إسحاق، وكساه إسحاق يعقوب،
وكساه يعقوب يوسف، فجعله في قصبة من فضة، وعلقها في عنقه، فألقي في
الجب، والقميص في عنقه.
التفسير والبيان:
ولما خرجت إبل أولاد يعقوب من حدود مصر عائدة إلى أرض كنعان
(فلسطين) من بلاد الشام، قال يعقوب النبي عليه السلام لمن حضره من
حفدته وقومه: إني لأشم رائحة يوسف وقميصه، لولا أن تنسبوني إلى الفَنَد
(الخَرَف وضعف العقل) والكبر.

٧٠
الْجُرُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ٩٤-٩٨
أخرج عبد الرزاق عن ابن عباس قال: لما خرجت العير، هاجت ريح،
فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف، فقال: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَّ لَوْلَاً
أَنْ تُفَيِّدُونِ﴾ فوجد ريحه من مسيرة ثمانية أيام.
قال الرازي: والتحقيق أن يقال: إنه تعالى أوصل تلك الرائحة إليه على
سبيل إظهار المعجزات؛ لأن وصول الرائحة من هذه المسافة البعيدة أمر
مناقض للعادة، فيكون معجزة ليعقوب عليه السلام على الأظهر أو
الأقرب(١).
﴿قَالُواْ تَاللَّهِ﴾ قال الحاضرون في مجلس يعقوب له: والله، إنك لفي خطئك
القديم الذي طال أمده بظنك أن يوسف حي يرزق يرجى لقاؤه. قال قتادة:
أي من حب يوسف، لا تنساه ولا تسلاه، قالوا لوالدهم كلمة غليظة لم يكن
ينبغي لهم أن يقولوها لوالدهم ولا لنبي الله عليه السلام.
﴿فَلَمَّا أَنْ جَآءَ الْبَشِيرُ﴾ فحينما وصل البريد، وهو ابنه يهوذا يحمل قميص
يوسف، مبشراً له ببقائه حياً هو وأخوه بنيامين، ألقاه على وجه يعقوب،
فانقلب فوراً بصيراً كما كان، من شدة الفرح.
قال السُّدِّي: إنما جاء به (أي يهوذا بن يعقوب) لأنه هو الذي جاء
· بالقميص، وهو ملطّخ بدم كذب، فأحبّ أن يغسل ذلك بهذا، فجاء
بالقميص، فألقاه على وجه أبيه، فرجع بصيراً.
﴿قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ﴾ قال يعقوب لأولاده وحفدته ومن حوله: ألم أقل
لكم حين طلبت منكم أثناء ذهابكم إلى مصر: ابحثوا عن يوسف، ولا تيأسوا
من روح الله ورحمته: إني أعلم من الله تعالى بوحي منه أشياء لا تعلمونها،
وأعلم أن الله سيرةّ يوسف إلي. وقوله تعالى: ﴿إِنِّ أَعْلَمُ﴾ كلام مستأنف مبتدأ
(١) تفسير الرازي: ٢٠٨/١٨

٧١
الزُعُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ٩٤-٩٨
لم يقع عليه القول، ويجوز إيقاع القول عليه وهو ما قاله لهم سابقاً: ﴿إِنَّمَا
أَشْكُواْ بَتِى وَحُزْنِ إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
فعندئذ قالوا لأبيهم مترفِّقين معظّمين متوسِّلين: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾،
فإنّا كنّا مذنبين عاصين لله، فقد تبنا وأنبنا وندمنا على ما فعلنا معك ومع
أخوينا : يوسف وبنيامين.
أجابهم والدهم يعقوب: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّ﴾ في المستقبل؛ لأنّ
ربِي غفور ساتر للذّنوب، رحيم بالعباد.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
اً - يمتاز الأنبياء عن غيرهم بأن الله تعالى يظهر على أيديهم معجزات
خارقة للعادة، خارجة عن المألوف، وهذا هو الذي مكَّن يعقوب من الإخبار
برائحة يوسف وقميصه، قبل وصول أولاده إليه، حاملين البشارة بلقائهم
الحارّ مع أخيهم يوسف عليه السّلام.
وقال ابن عباس: هاجت ريح، فحملت ريح قميص يوسف إليه، وبينهما
مسيرة ثمان ليال. وعلى هذا القول أيضاً يكون الإحساس بالرّائحة محتاجاً إلى
عناية ربّانيّة، وتأييد روحاني عميق الإدراك.
اً - وظهرت معجزة أخرى بشفاء يعقوب عليه السّلام بوضع القميص على
وجهه، بإرادة الله تعالى وعونه، فهو إذا أراد شيئاً قال له: كن فيكون.
٣ - كان كلام الحاضرين في مجلس يعقوب عليه السّلام مشوباً بالغلظة
والتّهكّم، مما لا يليق توجيهه لنبي إطلاقاً، وهو من بنيه زيادة في العقوق.
٤ - لم يجد يعقوب عليه السّلام عنده شيئاً يعطيه مكافأة للبشير، وإنّما دعا

٧٢
الُرُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ٩٤-٩٨
له قائلاً: هوّن الله عليك سكرات الموت. وهذا الدُّعاء من أعظم الجوائز
وأفضل العطايا والهبات. والآية دالّة على جواز البذل والهبات عند البشائر.
جاء في حديث كعب بن مالك: «فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشِّرني،
نزعت ثوبي، فکسوتهما إيّاه ببشارته)).
وتدلّ الآية أيضاً على جواز إظهار الفرح بعد زوال الغمّ والتَّرح، بتفريح
الصِّبيان وإطعام الطّعام ونحوهما، وقد نحر عمر بعد حفظه سورة البقرة
جَزُوراً.
٥ - نصر الله نبيّه يعقوب عليه السّلام على أولاده وكل من حوله، كما
ينصر أنبياءه الكرام في نهاية المطاف وفي عاقبة الأمور، وتبيّن أنّ الناس مع
الأنبياء كالأقزام مع العمالقة، فلم يجد أولاد يعقوب عليه السّلام بدّاً من
الاعتذار من أبيهم، وطلب الدُّعاء منه أن يغفر الله لهم؛ لأنهم أدخلوا عليه
من ألم الحزن ما لم يرتفع الإثم عنه أو يسقط المأثم عنه إلا بإحلاله وتسامحه
وعفوه عنهم، كما عفا عنهم أخوهم يوسف.
وهذا الحكم ثابت فيمن آذى مسلماً في نفسه أو ماله أو غير ذلك ظالماً له،
فإنه يجب عليه أن يتحلّل منه ويطلب صفحه عنه ومسامحته عليه، ويخبره
بالمظلمة وقدرها، والصَّحيح أنه لا ينفعه التّحليل المطلق دون بيان السَّبب،
فإنه لو أخبره بمظلمة لها قَدْر وبَالٌ، ربَّما لم تطب نفس المظلوم في التحليل
منها. روى البخاري وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَليقول: (من
كانت له مَظْلَمة لأخيه من عِرْضه أو شيء، فليحلله منه اليوم، قبل ألا يكون
دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح، أُخذ منه بقدر مَظْلَمته، وإن لم يكن
له حسنات، أُخذ من سيِّئَات صاحبه، فَحُمل عليه))، فقوله وَّلَهِ: ((أُخذ منه
بقدر مظلمته)) يجب أن تكون المظلمة معلومة القدر، مشاراً إليها مبيّنة(١).
(١) تفسير القرطبي: ٢٦٢/٩

٧٣
الُرُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ٩٩-١٠٠
أَ - لم يستعجل يعقوب عليه السّلام بطلب المغفرة لأولاده والدُّعاء لهم،
وإنّما أخَّر ذلك - كما قال ابن عباس - إلى السَّحَر، قال طاوس: سَحَر ليلة
الجمعة، ووافق ذلك ليلة عاشوراء. وهذا رأي الأكثرين.
وهذا الموقف من يعقوب يختلف عن موقف يوسف عليهما السّلام، لأنّ
دعاء الأول كان مؤجَّلاً، ودعاء الثَّاني كان في الحال. والسبب أن حال الأب
حال المربِّ، فهو يريد تعظيم الذَّنب في أنفسهم، ولأنّ ذنبهم لم يكن موجّهاً
إليه مباشرة، وإنما إلى يوسف عليه السّلام وأخيه، ولأن خطأهم ذنب كبير
حدثت منه أضرار كثيرة، فيحتاج إلى توبة نصوح، وندم شديد، ولا يمحى
بمجرد طلب الاستغفار، ثم إن يوسف عليه السّلام كان قادراً على عقابهم
وهم ضعاف، فأراد المبادرة إلى تأمينهم من خوف الانتقام منهم، وتهدئة
نفوسهم، وإظهاراً للترور عقب المفاجأة بأنه أخوهم، وليرى الناس فضل
العفو عند المقدرة، ويصبح للنّاس أسوة حسنة.
الفصل السابع عشر من قصة يوسف
لقاء أسرة يعقوب عليه السلام في مصر
﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ ءَاوَىَ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ أَدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ اللَّهُ
٩٩
ءَامِنِينَ
وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ
رُهْ يَىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّ حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِىّ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السّجْنِ وَجَ
بِكُمْ مِّنَ الْبَدْرِ مِنْ بَعْدٍ أَنْ تَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِ وَبَيْنَ إِخْوَتِيَّ إِنَّ رَبِّ لَطِيفٌ لِّمَا
١٠٠
يَشَآءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِمُ الْحَكِيمُ
القراءات:
يَابَتِ
٠٠

٧٤
اِلُعُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ٩٩-١٠٠
وقرأ ابن عامر (يا أبتَ).
﴿رُءُيَىَ﴾:
وقرأ السوسي (روياي).
﴿بِىَ إِذْ﴾:
وقرأ نافع، وأبو عمرو: (بيَ إذ).
﴿ إِخْوَلِّ إِنَّ﴾:
وقرأ ورش (إخوتي إن).
الإعراب:
﴿سُجَّدًا﴾ جمع ساجد، كشُهَّد جمع شاهد، وهو حال من واو ﴿وَخَرُواْ
وهي حال مُقَدَّرة.
البلاغة:
﴿إِن شَآءَ اللَّهُ﴾ جملة دعائية للتّبرك وجعل الأمان بمشيئة الله تعالى، وهي
متقدِّمة على قوله تعالى: ﴿ءَامِنِينَ﴾، والتّقدير: ادخلوا مصر آمنين إن شاء
الله.
﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُواْ لَهُ سُجَّدًا﴾ المراد بأبويه أبوه وأمه أو خالته
من باب التّغليب للأب، والسّجود متقدِّم على الرَّفع على الشَّرير، لكن قدّم
الرَّفع لفظاً للاهتمام بتعظيمه أبويه.
المفردات اللغوية:
﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ﴾ في الكلام حذف، تقديره: فرحل يعقوب عليه السّلام
۔۔

٧٥
الزُ (١٣) - يُوسُفَنَ): ١٢ / ٩٩-١٠٠
بأهله أجمعين، وساروا حتى تلقوا يوسف عليه السّلام. ﴿ءَاوَىَ إِلَيْهِ أَبَّوَيْهِ﴾
ضمّ إليه أباه وأمه، أو خالته، نزلت منزلة الأم تنزيل العمّ منزلة الأب في قوله
تعالى: ﴿ وَ إِلَهَ ءَابَآئِكَ إِنْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ﴾ [البقرة: ١٣٣/٢] وإسماعيل
كان عماً ليعقوب عليه السّلام.
﴿وَقَالَ﴾ يوسف عليه السّلام لهم. ﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْءٍ عَلَى الْعَرْشِ﴾ سرير الملك.
﴿وَخَرُواْ لَهُ﴾ أي أبواه وإخوته الأحد عشر. ﴿سُجَّدًا﴾ سجود تحية وتكرمة له،
وسجود انحناء لا سجود عبادة، ولا وضع جبهة على الأرض، فإن ذلك كان
تحيتهم في زمانهم. ﴿تَأْوِيلُ رُؤْيَىَ﴾ مآلها وعاقبتها. ﴿ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السِّجْنِ﴾ لم
يقل من الجبّ تكرّماً، لئلا يخجل إخوته . ﴿اُلْبَدْوِ﴾ البادية. ﴿نَّزَغَ﴾ أفسد
ووسوس، يقال: نزغ بين الناس: أفسد بينهم بالحثّ على الشّرّ، وأصل
التّزغ: النّخس، يقال: نزغ الرّائض الدّابة: إذا نخسها وحملها على الجري،
ونزغه الشيطان: نخسه، ليحثّه على المعاصي. ﴿لَطِيفٌ﴾ لطيف التّدبير لما
يشاء؛ إذ ما من صعب إلا وتنفذ فيه مشيئته . ﴿اٌلْعَلِيمُ﴾ بخلقه وبوجوه المصالح
والتّدابير. ﴿اَلْحَكِيمُ﴾ في صنعه، الذي يفعل كل شيء في وقته، وعلى وجه
يقتضى الحكمة.
المناسبة:
بعد أن طلب يوسف عليه السّلام من إخوته أن يأتوه بأهله أجمعين، أخبر
هنا أنهم رحلوا من بلاد كنعان إلى مصر، فخرج يوسف عليه السّلام للقائهم،
ومعه بأمر الملك أكابر دولته.
فتم لقاء الأسرة في المرّة الرّابعة من رحلات أولاد يعقوب عليه السّلام إلى
مصر، ورأوا يوسف عليه السّلام في عزّ وأبهة، وتحققت رؤيا يوسف عليه
السّلام بسجود إخوته الأحد عشر مع أبيه وأمه أو خالته، فتم الاجتماع بعد
الفرقة، والأنس بعد الكدر.

٧٦
الُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ٩٩-١٠٠
روي أن يوسف عليه السّلام وجّه إلى أبيه جهازاً ومئتي راحلة، ليتجهّز إليه
بمن معه، وخرج يوسف عليه السّلام والملك في أربعة آلاف من الجند
والعظماء وأهل مصر للقاء يعقوب نبي الله عليه السّلام.
قيل: إن يعقوب وولده دخلوا مصر، وهم اثنان وسبعون، ما بين رجل
وامرأة، وخرجوا منها مع موسى، والمقاتلون منهم ست مئة ألف وخمس مئة،
وبضع وسبعون رجلاً سوى الصبيان والشيوخ.
وأقام يعقوب عليه السّلام عند ابنه يوسف عليه السّلام أربعاً وعشرين
سنة، أو سبع عشرة سنة، وكانت مدّة فراقه ثماني عشرة، أو أربعين أو ثمانين
سنة، وحضره الموت، فوصّى يوسف عليه السّلام أن يحمله ويدفنه عند أبيه،
فمضى بنفسه ودفنه ثمة، ثم عاد إلى مصر، وأقام بعده ثلاثاً وعشرين سنة.
التّفسير والبيان:
بناءً على طلب يوسف عليه السّلام من إخوته إحضار أهله أجمعين إليه من
بلاد كنعان إلى مصر، للإقامة معه فيها، حضر أبوه وخالته وإخوته وأسرهم،
فلما أخبر يوسف عليه السّلام باقترابهم، خرج لتلقِّيهم، وأمر الملك أمراءه
وأكابر الناس بالخروج مع يوسف عليه السّلام، لتلقي نبي الله يعقوب عليه
السّلام، فلما دخلوا على يوسف عليه السّلام في أبهة سلطانه، بعد أن
استقبلهم في الطريق مع جموع غفيرة، ضمّ إليه أبويه وعانقهما: وهما أبوه وأمه
على القول الذي رجّحه ابن جرير، بأنها كانت حيّة، أو أبوه وخالته؛ لأن أمه
قد ماتت، فتزوّج أبوه خالته.
وقال لأسرته جميعاً: ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين على أنفسكم وأموالكم
وأهليكم، لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون.
ورفع أبويه على سرير ملكه بأن أجلسهما معه، تكريماً لهما، وسجد له

٧٧
اِلُعُ (١٣) - يُوسُفَ) : ١٢ / ٩٩-١٠٠
الإخوة الأحد عشر والأبوان سجود تحيّة وإكرام له، لا سجود عبادة
وتقديس، وكان سجود الانحناء هو تحيّة الملوك والعظماء في زمنهم.
ويلاحظ أن في الآية حذفاً في مطلعها تقديره: فجاء يعقوب وأسرته حتى
وصلوا إلى مصر، وفيها تقديم المشيئة ﴿إِن شَآءَ اللَّهُ﴾ على قوله: ﴿مَامِنِينَ﴾
لأن القصد اصطحاب الدُّخول بالأمان والسّلامة والغنيمة، وكذلك فيها
تقديم وتأخير بين الرّفع على العرش وبين السّجود، فالسّجود متقدّم على الرّفع
على الشرير الملكي، لكن قدّم الرّفع، اهتماماً بتعظيم أبويه.
وحينئذٍ أعادت الذّاكرة إلى ذهن يوسف عليه السّلام رؤياه السابقة في عهد
الصّغر، فقال لما رأى سجود أبويه وإخوته: يا أبتِ، هذا السّجود تأويل
رؤياي القديمة حال صغري، وهي: ﴿إِّ رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ
وَالْقَمَرَ رَأَيُهُمْ لِ سَجِدِينَ﴾ وتأويل رؤياي: ما آل إليه الأمر.
إن تلك الرؤيا أصبحت حقيقة واقعة وصحيحة صدقاً؛ فإن رؤيا الأنبياء
حقّ ثابت، كما أن رؤيا إبراهيم ذبح ولده، صار سبباً لوجوب ذلك الذّبح
عليه في اليقظة، فكذلك صارت هذه الرؤيا التي رآها يوسف عليه السّلام،
وحكاها ليعقوب من قبل، سبباً لوجوب ذلك السّجود.
وقد أحسن الله تعالى إلي وأفاض علي من نعمه، إذ أطلق سراحي من
السّجن، ورزقني الملك، وجاء بكم من البادية، وكانوا أهل بادية وماشية
وشظف عيش، فنقلكم إلى الحضر وترف المدينة.
ولم يذكر إخراجه من البئر، ترقُّعاً عن لوم إخوته، وتكريماً لهم، وحفاظاً
على حيائهم، ولأن السّجن كان آخر المحن، وأخطر من السّقوط في الجبّ؛ لما
فيه من اتّهام بالنِّساء، ولأنه بعد خروجه من البئر صار عبداً لا ملكاً، وصار
بعد السّجن ملكاً، فكان الإخراج منه أقرب إلى الإنعام الكامل.

٧٨
لُزُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ٩٩-١٠٠
حدث هذا كله من بعد أن نزغ الشَّيطان، أي أفسد وأغوى بيني وبين
إخوتي، وقد أضاف النّزغ إلى الشّيطان؛ لأنه سبب الإفساد، وتكريماً لإخوته.
﴿إِنَّ رَبِ لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ﴾ أي إذا أراد أمراً قيَّض له أسباباً وقدَّره
ج
ويشره، إنه هو العليم بمصالح عباده، الحكيم في أقواله وأفعاله، وقضائه
وقدره، وما يختاره ويريده.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
اً - إن العاطفة بين الولد وأبويه طبيعية فطرية، لذا كان إكرام يوسف عليه
السّلام لأبويه أشدّ من إكرام إخوته، فعانقهما وضمهما إليه، وأجلسهما على
سرير الملك معه، واكتفى بأن قال لجميع الأسرة: ﴿أُدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ اللَّهُ
ءَامِنِينَ﴾.
أَ - دلّ قوله تعالى: ﴿أَدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ﴾ على تأمين
الحاكم الدّاخلين إلى بلاده من قطر آخر، وهو أمان يشمل الأنفس والأهل
والأموال.
والمراد بقوله تعالى: ﴿أُدْخُلُواْ مِصْرَ﴾ كما ذكر ابن عباس: أقيموا بها
آمنين، سمى الإقامة دخولاً لاقتران أحدهما بالآخر.
والأمان الحقيقي لا يكون إلا بمشيئة الله، لذا علقه بقوله: ﴿إِن شَآءَ
اُللَّهُ﴾ مثل قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ اُلْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ﴾
[الفتح: ٤٨ / ٢٧] .
ـَّ - أجمع المفسّرون على أنّ سجود أسرة يوسف عليه السّلام له كان سجود
تحيّة وانحناء على عادتهم المألوفة في التّحية، لا سجود عبادة ولا على الأرض.
وقد نسخ الله تعالى ذلك كله في شرعنا.

٧٩
الُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ٩٩-١٠٠
وبالرّغم من نسخ الانحناء في التّحية، فإن بعض المسلمين مع الأسف، لا
يتنبهون لذلك، وينحنون في التّحية والسّلام، كما يفعل الغربيون الآن. روى
ابن عبد البر في التّمهيد عن أنس بن مالك قال: قلنا: يا رسول الله، أينحني
بعضنا إلى بعض إذا التقينا؟ قال: ((لا))، قلنا: أفيعتنق بعضنا بعضاً؟ قال:
((لا))، قلنا: أفيصافح بعضنا بعضاً؟ قال: ((نعم)).
وأمّا القيام للقادم، كما أمر النَّبي ◌ِّ جماعة الأوس بقوله في الحديث
الصحيح الذي أخرجه أبو داود عن أبي سعيد: ((قوموا إلى سيِّدكم وخيركم))
يعني سعد بن معاذ، فهو جائز إذا لم يؤثِّر ذلك في نفسه، فإن أثَّر فيه، وأعجب
به، ورأى لنفسه حظّاً، لم يجز إعانته على ذلك؛ لقوله وَ له: «من سرّه أن يتمثّل
له النّاس قياماً، فليتبوأ مقعده من النار)).
وتجوز الإشارة بالإصبع للبعيد عنك، دون الدّاني القريب، وإذا سلّم لا
ينحني، ولا أن يقبِّل مع السّلام يده، ولأن الانحناء على معنى التّواضع لا
ينبغي إلا لله. وأما تقبيل اليد فإنه من فعل الأعاجم.
ولا بأس بالمصافحة، فقد صافح النَِّي وَّ جعفر بن أبي طالب حين قدم
من الحبشة، وأمر بها، وندب إليها، وقال فيما أخرجه ابن عدي عن ابن
عمر، وهو ضعيف: ((تصافحوا يذهب الغِلّ)).
وروى غالب الثَّمار عن الشّعبي أن أصحاب النَّي وَلَّ كانوا إذا التقوا
تصافحوا، وإذا قدموا من سفر تعانقوا)).
٤ - عدَّد يوسف عليه السّلام بعض النّعم عليه وعلى آله، منها الخروج من
السّجن، ومجيء أهله من البادية في أرض كنعان، واللطف أو الرّفق الإلهي
بالعباد حيث جمع الأسرة هذا الجمع الكريم الحافل السّارّ، بعد إيقاع الشَّيطان
الحسد بينه وبين إخوته، وتم ذلك كله بفعل الله تعالى وفضله.

٨٠
الُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ١٠١
ا - تحققت رؤيا يوسف التي رآها في عهد الصِّغر، واختلف العلماء في
مقدار المدة بين تحقق الرؤيا وبين حدوثها، فقيل: ثمانون سنة، وقيل:
سبعون، وقيل: أربعون، وهو قول الأكثرين، ولذلك يقولون: إن تأويل
الرؤيا إنّما صحّت بعد أربعين سنة.
٩ - إذا أراد الله تعالى شيئاً هيَّأ أسبابه ويشرها، فحصول الاجتماع بين
يوسف عليه السّلام وبين أبيه وإخوته مع الألفة والمحبة، وطيب العيش،
وفراغ البال، كان في غاية البعد، إلا أنه تعالى لطيف بعباده؛ لأنه عليم بجميع
الاعتبارات الممكنة التي لا نهاية لها، وحکیم محکم في فعله، حاکم في قضائه،
حكيم في أفعاله، مبرأ عن العبث والباطل.
الفصل الثامن عشر من قصة يوسف
دعاء جامع يتضمّن تحدُّث يوسف بنعم الله
عليه وطلبه من ربه حسن الخاتمة
{ رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِ مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِّ فَاطِرَ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ أَنَتَ وَلِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَقَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ
الإعراب:
﴿ فَاطِرَ السَّمَوَتِ﴾ منصوب على أنه صفة المنادى أو منادى مستقل.
المفردات اللغوية:
﴿مِنَ الْمُلْكِ﴾ بعض الملك وهو ملك مصر. ﴿ وَعَلَّمْتَنِ مِن تَأْوِيلِ
اُلْأَحَادِيثِ﴾ تأويل الكتب الإلهيّة، وتعبير الرؤيا، و﴿مِن﴾ أيضاً للتّبعيض لأنه
لم يؤت كل التّأويل. ﴿فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ خالقهما ومبدعهما. ﴿أَنْتَ