النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
الزُرُ (١٣) - يُوسُفَ): ١٢ /٦٣-٦٦
﴿نَكْتَلْ﴾ نتمكن من اكتيال ما نحتاج إليه . ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ﴾ من أن
يناله مكروه. ﴿قَالَ﴾ يعقوب لهم ﴿هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنْتُكُمْ عَلَّ
أَخِيهِ﴾ أي ما آمنكم عليه إلا كما آمنتكم على أخيه يوسف من قبل، وقد
قلتم فيه: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ﴾ ثم فعلتم به ما فعلتم.
﴿ فَاللَّهُ خَيْرٌّ حَفِظًا﴾ فأتوكّل عليه وأفوض أمري إليه. ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ
الزَّحِمِينَ﴾ فأرجو أن يرحمني بحفظه، ولا يجمع علي مصيبتين . ﴿مَا نَبْغِىّ﴾
﴿مَا﴾: استفهامية، أي: أيَّ شيء نطلب من إكرام الملك أعظم من هذا؟
وكانوا ذكروا له إكرامه لهم. ﴿هَذِهِ، بِضَعَنُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ استئناف موضح
لقوله: ﴿مَا نَبْغِىّ﴾.
﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ نأتي بالميرة لهم وهي الطعام، وهو معطوف على محذوف،
أي ردّت إلينا، فنستظهر بها، ونمير أهلنا بالرّجوع إلى الملك. ﴿ وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾
من المخاوف في ذهابنا وإيابنا. ﴿ وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ لأخينا، أي مكيل بعير.
﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ سهل على الملك لسخائه، أو سهل لا عسر فيه لتوافر
الغلال لديه.
﴿حَتَّى تُؤْثُنِ مَوْقًا﴾ حتى تعطوني عهداً. ﴿مِّنَ اللَّهِ﴾ بأن تحلفوا به. ﴿إِلَّ أَنْ
يُحَاطَ بِكُمْ﴾ بأن تموتوا أو تغلبوا، فلا تطيقوا ذلك ولا تستطيعوا الإتيان به،
وهو استثناء مفرَّغ من أعم الأحوال، والتّقدير: لتأتنني به على كل حال إلا
حال الإحاطة بكم. ﴿فَلَمَّآ ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ أعطوه عهدهم بذلك. ﴿قَالَ اللَّهُ
عَلَى مَا تَقُولُ﴾ من طلب الموثق وإتيانه ﴿ وَكِلٌ﴾ شهيد، ورقيب مطّلع.
المناسبة:
الكلام وثيق الصِّلة بما قبله، فبعد أن ذكر الله تعالى مطالبة يوسف عليه
السّلام إخوته بإحضار أخيه بنيامين، ذكر هنا مفاوضتهم أباهم لإنجاز
المطلوب، وإبداءه مخاوفه عليه كمخاوفه القديمة التي أظهرها عندما تآمروا على
أخذ يوسف عليه السّلام للصّحراء بقصد الرَّتع واللعب.

٢٢
الجُزُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ /٦٣-٦٦
التفسير والبيان:
حينما رجع أولاد يعقوب إلى أبيهم قالوا حين رجوعهم إلى أبيهم: إن
عزيز مصر منع عنّا الكيل في المستقبل إن لم ترسل معنا أخانا بنيامين، فإن لم
ترسله لا نكتل، فأرسلْه معنا نكتل من الطعام بقدر عددنا، وإنّا له لحافظون
من كل مكروه وسوء في الذّهاب والإياب، فلا تخف عليه، فإنه سيرجع إليك.
قال يعقوب: هل أنتم صانعون به إلا كما صنعتم بأخيه من قبل، تغيّونه
عِّي وتحولون بيني وبينه، وقد فرّطتم في يوسف، فكيف آمنكم على أخيه؟
﴿فَلَّهُ خَيْرٌّ حَفِظًا﴾ أي فإني أثق به وأتوكّل عليه وأفوض أمري إليه، ﴿وَهُوَ
أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ﴾ أي هو أرحم الرّاحمين بي، وسيرحم كبري وضعفي وتعلُّقي
بولدي، وأرجو الله أن يرحمني بحفظه، وأن يردّه علي، ويجمع شملي به، إنه
أرحم الرّاحمين.
وهذا دليل على موافقته على إرساله معهم، للحاجة الشَّديدة إلى الطعام،
وعدم ملاحظته وجود قرائن تدلّ على الحسد والحقد فيما بينهم وبين بنيامين،
خلافاً لحال يوسف.
ولما فتح إخوة يوسف متاعهم وأوعية طعامهم، وجدوا فيها بضاعتهم أي
ثمن الطعام، ردّت إليهم، وهي التي كان يوسف أمر غلمانه بوضعها في
رجاهم.
فلما وجدوها في رواحلهم قالوا: يا أبانا، ماذا نريد زيادة على هذا
الإكرام وإحسان الملك إلينا، كما حدثناك، هذه دراهمنا ردّها إلينا، وإذا
ذهبنا بأخينا نزداد كيل بعير بسبب حضوره. وهذا إذا جعلت ﴿مَا﴾
استفهامية، فإن كانت نافية كان المعنى: لا نبغي شيئاً آخر، هذه بضاعتنا ردّت
إلينا، فهي كافية لثمن الطعام في الذّهاب الثَّاني، ثم نفعل كذا وكذا من جلب
الميرة وغيرها.

٢٣
لُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ /٦٣ -٦٦
إننا إذا ذهبنا مع أخينا في المرّة الثّانية وأرسلته معنا، نأتي بالميرة إلى أهلنا من
مصر.
ونحفظ أخانا بنيامين بعنايتنا ورعايتنا، فلا تخف عليه.
ونزيد مكيال بعير لأجله؛ لأن عزيز مصر كان يعطي لكل رجل حمل بعیر،
دون زيادة ولا نقص، اقتصاداً وحسن تدبير.
وذلك الحمل الزّائد أمر يسير قليل، أو سهل لا عسر فيه على هذا الرّجل
السَّخي الرّحيم في مقابلة أخذ أخينا.
قال يعقوب، وقد تذكّر ماضي يوسف: لن أرسل بنيامين معكم حتى
تعاهدوني عهداً موثقاً باليمين، لتعودُنّ به على أي حال كنتم، إلا في حال يمتنع
ذلك عنكم بأن تهلكوا وتموتوا أو تُغلَبوا على أمركم وتقهروا كلكم، ولا
تقدرون على تخليصه. ويلاحظ أن العهد المؤكّد باليمين يسمّى يميناً، وإن أكّد
ووثّق بما يقتضي زيادة العناية بحفظه والوفاء به بغير اليمين يسمّى ميثاقاً.
فلما آتوه أي أعطوه موثقهم، أي عهدهم المؤكّد باليمين، قال يعقوب:
الله على ما نقول جميعاً وكيل، أي شهيد رقيب حفيظ مطّلع، وأفوض أمري
إليه، وقد وافق على إرساله اضطراراً من أجل الميرة التي لا غنى لهم عنها.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات على ما يأتي:
اً - كان أولاد يعقوب فيما أخبروا به أباهم من منع الكيل صادقين، حتى
يرسل معهم أخاهم، كما وعدوا عزيز مصر.
◌َ - تعهد أولاد يعقوب عليه السّلام بالمحافظة على أخيهم بنيامين، وكأنهم
لم يريدوا تكرار مأساة يوسف عليه السّلام؛ لأنهم كانوا يحملون في صدورهم
الحقد والحسد عليه، خلافاً لحال بنيامين.
٠

٢٤
الجُرُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢/ ٦٣-٦٦
◌َّ - تعلَّق إخوة يوسف بزيادة الكسب والرّبح، وطمحوا أن يأتوا مرة
أخرى بطعام لهم من مصر من غير ثمن.
٤ - كان إكرام يوسف لإخوته وردّه ثمن الطعام إليهم عاملاً مرغِّباً قويّاً في
عودتهم إليه مرة أخرى، مصطحبين معهم أخاهم بنيامين.
هَ - إن يعقوب النَّبي عليه السّلام كان في حديثه مع أولاده مطمئناً إلى حفظ
الله ورحمته، فهو نعم الوكيل الحافظ، وهو أرحم الرّاحمين بعباده، ولا سيّما
حال الضُّعفاء وكبار السّن أمثاله، فحفظ الله له خير من حفظكم إيّاه.
٩ - تشدُّد يعقوب عليه السّلام هذه المرة مع أولاده أكثر مما حدث عند
إذنه بإرسال يوسف عليه السّلام، بعد تلك التجربة القاسية وما أعقبها من
حزن شديد وألم، فطلب منهم الميثاق وهو العهد المؤكَّد باليمين على إحضاره
إليه إلا في حال العذر القاهر والإحاطة بهم، قال مجاهد معناها: إلا أن
تهلكوا أو تموتوا.
وقد دلّ قوله تعالى: ﴿هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ﴾ على أنه أجابهم إلى إرساله معهم.
لاً - أراد أولاد يعقوب عليه السّلام تطييب نفس أبيهم بقولهم: ﴿مَا نَبْغِىّ
هَذِهِ، بِضَعَنُنَا﴾ فهم حشدوا لإقناعه وتطييب نفسه كل الأسباب والبواعث
المادية واستغلُّوا حاجتهم الشديدة: أخذ الطعام دون ثمن، إعالة الأهل،
إضافة حمل بعير، وضموا إلى ذلك كله التّعهد بالحفظ والرِّعاية، فلم يجد بدّاً
من الموافقة على إرسال بنيامين معهم.
٨ - قوله تعالى: ﴿لَنْ أُرْسِلَمُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْنِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْنُنَّنِ
بِهٍِ﴾ دليل على جواز الكفالة (الحمالة) بالعين والوثيقة بالنّفس (كفالة النّفس)
وللعلماء فيها رأيان: رأي الجمهور: هي جائزة إذا كان المكفول به مالاً. ولا
تجوز الكفالة بالحدود والقصاص في رأي المذاهب الأربعة، وأجاز الشافعية

٢٥
الُرُ (١٣) - يُوسُفَ): ١٢ / ٦٧-٦٨
الكفالة بالقصاص، والقذف، والتّعزير؛ لما فيها من حقّ العبد. وقال
بعضهم: لا تجوز الكفالة بالنّفس، لتعذُّر إحضار المكفول بنفسه، ولقوله تعالى
على لسان العزيز في قصّة يوسف عليه السّلام: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن تَأْخُذَ إِلَّا
مَنْ وَجَدْنَا مَتَعَنَا عِندَهُ: إِنَّا إِذَا لَّظَلِمُونَ
٧٩
الفصل الثاني عشر من قصة يوسف
وصية يعقوب لأولاده بالدخول
إلى مصر من أبواب متفرقة
﴿ وَقَالَ يَبَنِّىَّ لَا تَدْخُلُواْ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَأَدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَبِ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَآ أُغْنِى
عَنكُمْ مِنَ اللَّهِ مِن شَىٍّ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتٌّ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُنَوَكِّلُونَ
٦٧
وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم ◌َا كَانَ يُغْنِى عَنْهُم مِّنَ الَّهِ مِن شَىْءٍ
إِلَّا حَاجَةٌ فِ نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَنْهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْتَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
١٨
النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
الإعراب:
﴿مِن شَىْءٍ﴾ إما مفعول وإما فاعل، والتقدير على المفعولية: ما كان يغني
من قضاء الله شيئاً، وعلى الفاعلية: ما كان يغني عنهم من الله شيء مع قضائه.
البلاغة:
﴿لَا تَدْخُلُواْ مِنْ بَابٍ وَحِدٍ وَأَدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَبٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ فيه طباق السلب،
وفيه إطناب: وهو زيادة اللفظ على المعنى، للتأكيد والتقرير وتمكين المعنى في
النفس.
المفردات اللغوية:
﴿لَا تَدْخُلُواْ﴾ مصر. ﴿ وَأَدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَبٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ لأنهم كانوا ذوي جمال

٢٦
لُحُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ٦٧ -٦٨
وأبهة مشتهرين في مصر بالكرامة والحظوة عند العزيز، فخاف عليهم أن
يدخلوا جماعة واحدة فتصيبهم العين. ولعله لم يوصهم بذلك في المرة الأولى؛
لأنهم كانوا مجهولين حينئذ. ﴿وَمَآ أُغْنِى عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ﴾ أي وما
أدفع عنكم بقولي ذلك شيئاً قدره الله عليكم وقضاه، وإنما ذلك شفقة، فإن
الحذر لا يمنع القدر. ومن: صلة زائدة لتمكين النفي.
﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ أي ما الحكم إلا لله وحده، يصيبكم لا محالة إن قُضي
عليكم سوء، ولا ينفعكم ذلك. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّْتٌ﴾ به وثقت. ﴿فَلْيَتَوَكَلِ﴾ الفاء
لإفادة التسبب، فإن فعل الأنبياء سبب لأن يقتدى بهم. والواو في قوله
﴿وَعَلَيْهِ﴾ للعطف، وقدم ﴿عَلَيْهِ﴾ في عطف الجملة على الجملة للاختصاص.
﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوُهُم﴾ أي من أبواب متفرقة في البلد. ﴿مَّا كَانَ
يُغْنِى عَنْهُم مِّنَ اَللَّهِ﴾ أي ما كان يفيد رأي يعقوب واتباعهم له مما قضاه الله
عليهم شيئاً، فحدث وضع الصواع في رحل بنيامين، وتضاعفت المصيبة على
يعقوب.
﴿إِلَّا حَاجَةً فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَنُهَا﴾ استثناء منقطع، أي ولكن حاجة في
نفسه يعني شفقته عليهم وحرصه على ألا يعانوا (تصيبهم العين) وقضاها أي
أظهرها، ووصى بها . ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَهُ﴾ إن يعقوب عليم بحقائق
الأمور وأن العين لا توقع ضرراً إلا بإذن الله، لتعليمنا إياه بالوحي وإقامة
الحجج، ولذلك قال: ﴿وَمَآ أُغْنِى عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ﴾ ولم يغتر بتدبيره.
﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ وهم الكفار. ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ سر القدر، وأنه لا
يغني عنه الحذر، وأن الحكم لله. وهذا ثناء من الله على يعقوب عليه السلام.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى موافقة يعقوب على إرسال بنيامين مع إخوته إلى

٢٧
اِلُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ٦٧ -٦٨
مصر، ذكر هنا وصيته لأولاده لما عزموا على الخروج إلى مصر، وهي الدخول
من أبواب متفرقة، ليروا مدى الاهتمام والاستقبال لكل واحد منهم حين
رؤية بنيامين شقيق يوسف، أو لئلا يحسدهم الحساد، وتصيبهم العين جميعاً.
التفسير والبيان:
أمر يعقوب بنيه لما جهزهم مع أخيهم بنيامين إلى مصر ألا يدخلوا كلهم من
باب واحد، وليدخلوا من أبواب متفرقة؛ لأنهم كانوا من أهل جمال وكمال،
وذلك في رأي جمهور المفسرين لئلا تصيبهم العين، فإنه خاف من العين
عليهم، والعين حق أي إنها سبب حق في الظاهر قد تؤدي إلى الضرر، ولكن
بإذن الله وإرادته، بدليل قوله بعدئذ: ﴿وَمَآ أُغْنِى عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ﴾.
أو ليروا من العزيز فرق الاستقبال بينهم وبين أخيهم بنيامين.
﴿ وَمَآ أُغْنِى﴾ أي وما أدفع عنكم بوصيتي وتدبيري من قضاء الله شيئاً؛ إذ
لا يغني حَذَر من قدر، أي إن هذا الاحتراز لا يرد قدر الله وقضاءه، فإن الله
إذا أراد شيئاً لا يخالف ولا يمانع، ولكنا مأمورون باتخاذ وسائل الحيطة
والحذر: ﴿وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢/٤] أخذاً بالأسباب العادية الظاهرية
التي لا تؤثر في الواقع شيئاً إلا بإذن الله، واستعانة بالله، وفراراً منه إليه،
وليس دفعاً للقدر، وتحدياً للقضاء، فلا يملك الإنسان من أمره شيئاً، فما أراد
الله بكم سوءاً لم ينفعكم ولم يدفع عنكم ما أشرت به من التفرق، وهو
مصیبكم لا محالة.
وما إنفاذ الأحكام وتدبير الأمور إلا لله وحده، علیه وحده توكلت، وبه
وثقت، وإليه فوضت أمري، دون حولي وقوتي، وعليه تعالى وحده فليتوكل
المتوكلون، لا على أنفسهم ولا على أمثالهم من البشر.
ولما دخلوا أي أولاد يعقوب مصر، التي كان لها أربعة أبواب، من حيث
أمرهم أبوهم، أي من أبواب متفرقة، ما كان رأي يعقوب ودخولهم على هذا

٢٨
لُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ٦٧-٦٨
النحو متفرقين يفيدهم شيئاً قط، حيث أصابهم ما ساءهم، مع تفرقهم، من
نسبة السرقة إليهم، وافتضاحهم بذلك، وأخذ أخيهم فداء لوجدان الصواع
في رحله، وتضاعف المصيبة على أبيهم.
ولكن حاجة في نفس يعقوب قضاها، أي مجرد شيء في نفسه أظهره، وهي
شفقته عليهم، وإظهارها بما قاله لهم ووصاهم به.
وإنه أي يعقوب لذو علم بأن الحذر لا يمنع القدر، لتعليمنا إياه بالوحي.
وقال قتادة والثوري: لذو عمل بعلمه، وهذا ثناء من الله على يعقوب عليه
السلام.
ولكن أكثر الناس وهم المشركون أو الكفار لا يعلمون ذلك أي مثل ما
علم يعقوب، أو لا يعلمون أن يعقوب بهذه الصفة والعلم، فإنهم لا يعلمون
كيف أرشد الله أولياءه إلى العلوم التي تنفعهم في الدنيا والآخرة. ومن تلك
العلوم الأخذ بالأسباب الظاهرة وتفويض الأمر لله تعالى.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - قول يعقوب لأولاده: ﴿لَا تَدْخُلُواْ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ دليل في رأي جمهور
المفسرين على التحرز من العين، والعين في الظاهر حق، ومرد النتيجة في
الحقيقة إلى الله وحده، وتكون العين مجرد سبب؛ قال رسول الله وَل فيما
أخرجه أحمد بسند صحيح ((العين حق)) أي شيء ذو أثر موجود عند الناس،
وذكر النسفي: ((إن العين لتدخِل الرجل القبر، والجمَل القدر)) وكان وَ لّل
يتعوَّذ فيقول: ((أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامَّة، ومن كل عين
لامَّة)) وكان يعوِّذ الحسن والحسين فيقول: ((أعيذكما بكلمات الله التامة من
كل شيطان وهامَّة، ومن كل عين لامة)) ويقول: وهكذا كان يعوِّذ إبراهيم
إسماعيلَ وإسحاقَ صلواتُ الله عليهم.

٢٩
لُعُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ٦٧-٦٨
وروى عبادة بن الصامت قال: دخلت على رسول الله وَ له في أول النهار،
فرأيته شديد الوجع، ثم عُدْت إليه آخر النهار، فرأيته معافى، فقال: إن جبريل
عليه السلام أتاني فقال فيما أخرجه أحمد عن عائشة وعبادة: ((بسم الله أرقيك
من كل شيء يؤذيك، ومن كل عين وحاسد، الله يشفيك)).
وعلى كل مسلم أعجبه شيء أن يُبَرِّك، فإنه إذا دعا بالبركة، صرف المحذور
لا محالة؛ لقوله ◌َ ﴿ لعامر: ((ألا برَّكت)) فدل على أن العين لا تضر إذا بَرَّك
العائن. والتبريك أن يقول: تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم بارك فيه.
ويقال: إن العين أسرع إلى الصغار منها إلى الكبار.
والعائن إذا أصاب بعينه ولم يبرك، يؤمر بالاغتسال، ويُجبر على ذلك إن
أباه؛ لأن الأمر على الوجوب، وقد أمر ◌َله في حديث أبي أمامة العائن
بالاغتسال للمعِين، وأمر بالرقية.
ومن عرف بالإصابة بالعين، منع من مداخلة الناس، دفعاً لضرره.
◌َّ - دل قوله تعالى: ﴿وَمَآ أُغْنِى عَنكُمْ مِنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ﴾ على أن الحذر لا
ينفع مع القدر، فدخول أولاد يعقوب مصر من أبواب متفرقة ما كان ذلك
التفرق يغني من الله من شيء. قال ابن عباس: ذلك التفرق ما كان يرد قضاء
الله ولا أمراً قدره الله.
ءَّ - الحكم لله، أي الأمر والقضاء لله وحده، وعلى المؤمن الاتكال على
الله، أي الاعتماد عليه والثقة به وحده؛ لأن حصول كل الخيرات ودفع كل
الآفات من الله تعالى.
٤ - إن وصية يعقوب لأولاده بالدخول من أبواب متفرقة مجرد خاطر خطر
بقلبه،. وتحرز ظاهري، مع أنه عليم من طريق الوحي بأمر دينه، وأكثر الناس
لا يعلمون ما يعلم يعقوب من أمر دينه. وقيل: المقصود بالعلم هنا العمل،
أي لذو عمل بعلمه، فإن العلم أول أسباب العمل، فسمي بما هو بسببه.

٣٠
الُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ٦٩-٧٦
٥ - أفادت الآية أن على المسلم أن يحذِّر أخاه مما يخاف عليه، ويرشده إلى
ما فيه طريق السلامة والنجاة؛ فإن الدين النصيحة، والمسلم أخو المسلم.
الفصل الثالث عشر من قصة يوسف
معرفة يوسف أخاه بنيامين
واتخاذه التدابير لإبقائه لديه
﴿ وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ ءَاوَى إِلَيْهِ أَخَاةٌ قَالَ إِنِّ أَنَأْ أَخُوَكَ فَلَاَ
تَبْتَلِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿ فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السّقَايَةَ فِى
قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمِ
رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنَّ أَيَّتُهَا الْعِيْرُ إِنَّكُمْ لَسَرِقُونَ
قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِ، حِمِلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ،
مَّاذَا تَفْقِدُونَ الرَّ
قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى الْأَرْضِ وَمَا كُنَا سَرِقِينَ
زَعِيمٌ
قَالُواْ جَزَّؤُهُ مَن ◌ُجِدَ فِ رَحْلِهِ،
٧٤
قَالُواْ فَمَا جَزَّؤُهُ: إِن كُنْتُمْ كَذِبِينَ
٧٣
فَبَدَأَ بِأَوْعَيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ
٧٥
فَهُوَ جَزَّؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِى اُلَّلِينَ
أُسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءٍ أَخِيَّةٍ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَّ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِ دِينِ
اَلْمَلِكِ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَحَتٍ مَن نَّشَاءُ وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ
٧٦١
القراءات:
﴿ إِنِّ أَنَاْ﴾:
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (إني أنا).
﴿أَنَاْ أَخُوَكَ﴾ :
بإثبات ألف (أنا) وصلاً قرأ نافع، وحذفها الباقون.
٠

٣١
لُرُ (١٣) - يُوسُف: ١٢ / ٦٩-٧٦
﴿مُؤَذِّنُ﴾ :
وقرأ ورش، وحمزة وقفاً (موذن).
﴿مَا جِئْنَا﴾:
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (ما جينا).
﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَن نَّشَاءُ﴾: قرئ:
١- (نرفع درجاتٍ من نشاء) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو،
وابن عامر.
٢- (نرفع درجاتٍ من نشاء) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿جَزَّؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِ رَحْلِهِ،﴾ ﴿جَُّؤُهُ﴾ مبتدأ، والهاء عائد للشَرَق،
وتقديره: جزاء الشَّرَق أخذ من وجد في رحله. وقوله: ﴿مَن ◌ُجِدَ فِى رَحْلِهِ،
فَهُوَ جَزَّؤُهُ﴾ جملة هي في موضع خبر المبتدأ، أي فالاستعباد جزاء الشَّرَق،
وفاء: ﴿فَهُوَ﴾ متضمنة معنى الشرط أو جواب له على أن ﴿مَن وُجِدَ فِى
رَحْلِهِ﴾ شرطية، والجملة الشرطية كما هي: خبر المبتدأ الأول: ﴿جَزَّؤُهُ﴾ على
إقامة الظاهر فيها مقام الضمير، كأنه قيل: جزاؤه من وجد في رحله، فهو
هو، إلا أنه أقام الظاهر مقام المضمر للتأكيد والمبالغة في البيان.
ج
﴿فَهُوَ جَزَُّؤُهُ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة خبر المبتدأ ﴿مَنْ وُجِدَ﴾ الذي هو
الاسم الموصول.
البلاغة:
﴿فَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ﴾ فيه جناس الاشتقاق. ﴿أَذَّنَ مُؤَذِّنُ﴾ فيه أيضاً
جناس الاشتقاق.

٣٢
للزُعُ (١٣) - يُوسُف: ١٢/ ٦٩-٧٦
المفردات اللغوية:
﴿ءَوَىَ إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ ضم إليه بنيامين على الطعام أو في المنزل . ﴿فَلَاَ
تَبْتَبِسْ﴾ تحزن. (بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ من الحسد لنا، وأمره ألا يخبرهم،
وتواطأ معه على أنه سيحتال على أن يبقيه عنده. ﴿جَهَزَهُم بِجَهَازِهِمْ﴾ أعد لهم
الطعام بسرعة. ﴿السِّقَايَةَ﴾ في الأصل: المشربة أو وعاء يسقى به، والمراد به
هنا المكيال الذي كان يكال به الطعام للناس، وهو صواع الملك، فهو كان
مشربة، ثم جعل صاعاً يكال به، ويقدر بكيلة مصرية ١١٢ من الإردب
المصري، والإردب ١٩٨ لتراً، أو ١٥٦ كغ. قيل: كان من فضة، وقيل: كان
من ذهب . ﴿فِى رَحْلِ أَخِيهِ﴾ بنيامين. ﴿أَذَّنَ مُؤَذِّنُ﴾ نادى مناد، أو أعلم
وأخبر، وهو يفيد الكثرة والتكرار . ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ القافلة أو الجمال التي
تحمل الطعام، والمراد أصحابها. ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾ أيُّ شيء ضاع منكم،
والفقد: غيبة الشيء عن الحس بحيث لا يعرف مكانه.
﴿صُوَاعَ اُلْمَلِكِ﴾ صاعه أو مكياله. ﴿حِملُ بَعِيرٍ﴾ من الطعام جعلاً له.
﴿وَأَنَاْ بِهِ ﴾ بالحمل. ﴿زَعِيمٌ﴾ كفيل وضامن، أؤديه إلى من ردّه.
﴿قَالَلَّهِ﴾ قسم فيه معنى التعجب . ﴿لَقَدْ عَلِمْتُم ◌َّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى
اُلْأَرْضِ﴾ استشهدوا بعلمهم على براءة أنفسهم، لما عرفوا منهم في كرتي
مجيئهم، مما يدل على فرط أمانتهم، مثل ردّ البضاعة التي جعلت في رحالهم.
﴿قَالُواْ فَمَا جَزَّؤُهُ﴾ أي قال المؤذن وأصحابه، فما جزاء السارق. ﴿إِن
كُنْتُمْ كَذِبِينَ﴾ في قولكم: ما كنا سارقين، ووجد فيكم . ﴿قَالُواْ جَزَّؤُهُ مَنْ
وُجِدَ فِ رَحْلِهِ﴾ أي عقوبة السارق استعباد أو استرقاق من وجد في رحله.
﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ تأكيد لما سبق أي فأخذ السارق جزاء المسروق لا غير، وكان
ذلك سنة آل يعقوب. ﴿كَذَلِكَ نَجْزِى الَّلِمِينَ﴾ أي مثل هذا الجزاء جزاء
الظالمين بالسرقة، وهذا تصريح منهم ليوسف بتفتيش أوعيتهم.

٣٣
الُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ٦٩-٧٦
﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾ ففتشها. ﴿قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ قبل تفتيش وعاء أخيه
بنيامين لئلا يتهم. ﴿ثُمَّ اُسْتَخْرَجَهَا﴾ أي السقاية أو الصواع. ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا﴾
أي مثل ذلك الكيد (أي التدبير الخفي) كدنا ليوسف، علمناه الحيلة في أخذ
أخيه وأوحينا به إليه. ﴿مَا كَانَ﴾ يوسف. ﴿لِيَأْخُذَ أَخَاهُ﴾ رقيقاً من السرقة.
﴿فِي دِينِ اٌلْمَلِكِ﴾ في قانون أو نظام أو حكم أو شرع ملك مصر؛ لأن جزاءه
في ذلك النظام الضرب وتغريم مثلي المسروق، لا الاسترقاق. ﴿إِلَّ أَنْ يَشَآءَ
اَللَّهُ﴾ أن يجعل ذلك الحكم حكم الملك، وهو أخذه بحكم أبيه، أي لم يتمكن
من أخذه إلا بمشيئة الله بإلهامه سؤال إخوته، وجوابهم بنظامهم أو سنتهم.
والاستثناء متصل من أعم الأحوال، ويجوز أن يكون استثناء منقطعاً، أي
لكن أخذه بمشيئة الله وإذنه.
قلے
﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ﴾ بالعلم كيوسف . ﴿وَفَوْقَ كُلِ ذِى عِلْمٍ﴾ من
المخلوقين. ﴿عَلِيمٌ﴾ أعلم منه، حتى ينتهي إلى الله تعالى.
المناسبة:
الربط بين الآيات هنا واضح، إذ هي تعرض أجزاء ومشاهد قصة واحدة
ذات حلقات متسلسلة، فبعد أن اتجه أولاد يعقوب إلى مصر لجلب الميرة،
مزودين بوصية والدهم، وصلوا إلى مكان وجود العزيز الذي يتولى بيع الطعام
للناس، فلما دخلوا عرف أخاه وضمه إليه.
التفسير والبيان:
حينما دخل أولاد يعقوب على يوسف في مجلسه الخاص ومنزل ضيافته،
ومعهم أخوه شقيقه بنيامين، بعد أن كانوا دخلوا القصر من أبواب متفرقة،
ضم إليه أخاه واختلى به، وأطلعه على شأنه، وعرَّفه أنه أخوه، وقال له: لا
تبتئس أي لا تأسف ولا تحزن على ما صنعوا بي، وأمره ألا يطلع إخوته على

٣٤
الزرعُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ٦٩-٧٦
ما أطلعه عليه من أنه أخوه، وتواطأ معه أنه سيتخذ تدبيراً يبقيه عنده معززاً
مكرماً.
روي أنهم قالوا له: هذا أخونا، قد جئناك به، فقال لهم: أحسنتم
وأصبتم، وستجدون ذلك عندي، فأنزلهم وأكرمهم، ثم أضافهم وأجلس كل
اثنين منهم على مائدة، فبقي بنيامين وحده، فبكى وقال: لو كان أخي يوسف
حياً لأجلسني معه، فقال يوسف: بقي أخوكم وحيداً، فأجلسه معه على
مائدته، وجعل يواكله، وقال: أنتم عشرة، فلينزل كل اثنين منكم بيتاً، وهذا
لا ثاني له، فیکون معي، فبات یوسف یضمه إلیه، ویشم رائحته، حتى أصبح
وسأله عن ولده، فقال: لي عشرة بنين، اشتققت أسماءهم من اسم أخ لي
هلك، فقال له: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ قال: من يجد أخاً
مثلك؟! ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل (أمهما) فبكى يوسف وقام إليه
وعانقه، وقال له: إني أنا أخوك يوسف، فلا تحزن بما كانوا يعملون بنا في
الماضي، فإن الله قد أحسن إلينا، وجمعنا على خير، ولا تعلمهم بما
أعلمتك(١).
﴿فَلَمَّا جَهَّرَهُم﴾ فلما أعدَّ لهم الطعام، وحمل لهم أبعرتهم طعاماً، أمر
بعض فتيانه أن يضع السقاية (الصواع أو المكيال، وهي إناء من فضة في قول
الأكثرين، وقيل: من ذهب) في رحل أخيه بنيامين، دون علم أحد.
﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنُ﴾ ثم نادى منادٍ حينما عزموا على الخروج: أيتها العير أي یا
أصحاب العير، إنكم قوم سارقون، فقفوا. فبهتوا وذهلوا.
فالتفتوا إلى المنادي وقالوا: أي: قال إخوة يوسف للمنادي ومن معه: أيّ
شيء تفقدونه؟ فأجابوهم: نفقد صاع الملك الذي يكيل به، ولمن أتى به حمل
(١) الكشاف: ١٤٧/٢
١

٣٥
الُ (١٣) - يُوسُفَ): ١٢ / ٦٩ -٧٦
بعير من القمح، وهذا يدل على أن عيرهم الإبل، وأنا به زعيم أي كفيل
ضامن، وهذا من باب الجعالة والضمان والكفالة.
قال إخوة يوسف بعد اتهامهم بالسرقة: والله لقد خبرتمونا وجربتمونا في
المرة الأولى وحين عودتنا إذ رددنا بضاعتنا إليكم، وتحققتم منذ عرفتمونا،
وشاهدتم سيرتنا الحسنة أنا ما جئنا لنفسد في أرض بسرقة ولا غيرها من
التعدي على حقوق الناس، ولم نكن يوماً ما سارقين، فليست سجايانا تقتضي
هذه الصفة.
فقال لهم فتيان يوسف: فما جزاء السارق إن كان فيكم، إن كنتم كاذبين
في نفي التهمة عنكم؟ أي أيّ عقاب للسارق في شرعكم إن وجدنا فيكم من
أخذه، وأنتم تدّعون البراءة؟
فأجابوهم: جزاؤه أخذ من وجد في رحله، ومثل هذا الجزاء نجزي
الظالمين للناس بسرقة أموالهم في شريعتنا أن يسترقوا، وهكذا كانت شريعة
إبراهيم ويعقوب عليهما السلام: أن السارق يدفع إلى المسروق منه، فيصير
عبداً له، وهذا هو ما أراده يوسف عليه السلام.
ولهذا بدأ بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء أخيه للتورية وحتى لا يتهم، ثم
استخرح السقاية من وعاء أخيه بنيامين، فأخذه منهم بحكم اعترافهم
والتزامهم، وإلزاماً لهم بما يعتقدونه ويحكمون به.
قوله: ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ تقرير للحكم السابق وتأكيد له، بعد تأكيد ثقتهم
ج
وبراءتهم بأنفسهم.
كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفٌَ﴾ أي مثل ذلك الكيد وهو التدبير الخفي، کدنا
ليوسف، أي دبرنا له في الخفاء وأوحينا إليه أن يفعله. وهذا من الكيد المحبوب
المراد الذي يحبه الله ويرضاه؛ لما فيه من الحكمة والمصلحة المطلوبة. وهو دليل

٣٦
اِلُحُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ / ٦٩-٧٦
على جواز التوصل إلى الأغراض المشروعة بما ظاهره الحيلة إذا لم يخالف نصاً
تشريعياً أو حكماً مقرراً، فهي حيلة جائزة مشروعة، لا ممنوعة محظورة، لما
يترتب عليها من الخير والمصلحة، دون إلحاق ضرر بأحد، مع اطمئنان بنيامين
إلى البراءة، بسبب التواطؤ السابق بينه وبين أخيه يوسف.
وسبب ذلك التدبير الخفي أن يوسف ما كان يتمكن من أخذ أخيه في حكم
ملك مصر الذي لا يبيح استرقاق السارق، ولكن قيض الله له أن التزم له
إخوته بما التزموه وهو أن يستعبد السارق، وهو كان يعلم ذلك من
شريعتهم، ولهذا مدحه الله تعالى بقوله: ﴿نَرْفَعُ دَرَحَتٍ مَّن نَشَاءُ﴾ بالعلمِ،
كما قال تعالى: ﴿يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾
[المجادلة: ١١/٥٨].
وقوله: ﴿إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ استثناء من أعم الأحوال أي ما كان ليأخذ
ج
أخاه في نظام الملك في حال من الأحوال إلا في حال مشيئة الله، فإنه فعل ذلك
بإذن الله ووحيه، مما يدل على أن تلك الحيلة بإقرار الشرع، ووحي الله تعالى.
﴿وَفَوْقَ ككُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ أي فوق كل عالم من هو أعلم منه، قال
الحسن البصري: ليس عالم إلا فوقه عالم حتى ينتهي إلى الله عز وجل. فإذا كان
إخوة يوسف علماء فإن يوسف كان أعلم منهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - كانت فرحة غامرة من أفراح العمر لقاء الأخوين: يوسف وبنيامين،
فضم يوسف أخاه إليه، وتعرَّف عليه بعد فراق دام أكثر من ربع قرن، وتواطأ
معه على خطة إبقائه لدیه.
أَ - دل قول يوسف لأخيه ﴿فَلاَ تَبْتَيِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ على

٣٧
الُرُ (١٣) - يُوسُفَ: ٦٩/١٢-٧٦
التحلي بصفة العفو والتسامح، وإظهار الحب والود لإخوته، ونسيان الماضي
وتجاوز أخطائهم معه في مقتبل العمر.
◌َّ - كان وضع الصواع في رحل بنيامين بأمر يوسف عليه السلام تعليماً
وإلهاماً ووحياً من الله، وكان إبقاء أخيه لديه عملاً بشريعة إبراهيم ويعقوب،
وإلزاماً لإخوته بما حكموا به.
٤ - لم يكن وصف أولاد يعقوب بأنهم سارقون كذباً من يوسف عليه
السلام، وإنما المراد أيتها العير حالكم حال السُّرَّاق، والمعنى: إن شيئاً لغيركم
صار عندكم من غير رضا الملك ولا علمه. أو إن ذلك كان حيلة لاجتماع
شمله بأخيه، وفصله عنهم إليه، أو إنهم سارقون باعتبار ما كان منهم حينما
أخذوا يوسف من أبيه، فألقوه في الجبّ.
٥ - دل قوله: ﴿وَلِمَن جَآءَ بِهِ، حِملُ بَعِيرٍ﴾ على جواز الجعالة(١) وضمان
الجعْل قبل إنجاز العمل أو قبل إتمامه. وقد أجيز للضرورة، فجاز فيه من
الجهالة ما لا يجوز في غيره، وهو من العقود الجائزة التي يجوز لأحدهما
فسخه؛ إلا أن المجعول له يجوز أن يفسخه قبل الشروع بالعمل وبعده، إذا
رضي بإسقاط حقه، وليس للجاعل أن يفسخه إذا شرع المجعول له في العمل.
ولا يشترط في عقد الجعالة حضور المتعاقدين، كسائر العقود؛ لقوله تعالى:
﴿وَلِمَن جَاءَ بِهِ﴾ وبهذا كله قال الشافعي، وكذا المالكية والحنابلة، ولم يجز
الحنفية الجعالة للجهالة.
ولم يكن قوله ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ ضمان المجهول؛ لأن حمل البعير كان معيناً
(١) الجعالة: التزام بعوض على شيء معلوم أو مجهول، وهو تصرف بإرادة منفردة، مثل الإعلان
عن مكافأة أو جُعْل لمن يجد شيئاً ضائعاً، أو يكتشف علاجاً لمرض معين، أو لمن يتفوق في
قضية علمية أو اكتشاف علمي.

٣٨
الُعُ (١٣) - يُوسُفَ): ١٢ / ٦٩-٧٦
معلوماً عندهم كالوَسْق (٦٠ صاعاً) فصح ضمانه، غير أنه كان بدل مال عن
المسروق، وهو كفالة بما لم يجب؛ لأنه لا يحل للسارق أن يأخذ شيئاً على رد
السرقة، فلعله كان يصح في شرعهم، أو كان هذا جعالة.
٩ - دل قوله: ﴿وَأَنَأْ بِهِ، زَعِيمٌ﴾ على جواز الكفالة بنوعيها: الكفالة
بالمال والكفالة بالنفس، وهذا مطابق للحديث النبوي الذي أخرجه أبو داود
والترمذي وحسنه ابن حسان وصححه عن أبي أمامة الباهلي وغيره: ((الزعيم
غارم)) وهو رأي المذاهب الأربعة، ولم يجز بعضهم الكفالة بالنفس لعجز
الكفيل عن إحضار المكفول بنفسه.
وهل يلزم الكفيل بالنفس ضمان المال أو لا؟ قال الحنفية: لا يلزمه إن
مات المكفول بنفسه؛ لأنه إنما تكفل بالنفس ولم يتكفل بالمال، فمحال أن يلزمه
ما لم يتكفل به. وقال المالكية والليث والأوزاعي: يغرم المال، ويرجع به على
المطلوب؛ لأن الكفيل يعلم أن المضمون بنفسه إنما يطلب بمال، فإذا ضمن
إحضاره ولم يأته به، فكأنه فوَّته عليه، فلزمه المال.
وإذا انعقدت الكفالة جاز في رأي الجمهور للدائن المكفول له أن يطالب
بالمال أو الدين من شاء من المدين الأصيل أو الكفيل. ورأي مالك الأخير:
ألا يطالب الكفيل إلا أن يفلس الغريم (المدين) أو يغيب؛ لأن البدء بمطالبة
من عليه الحق أولى؛ إلا أن يكون معدماً، فيؤخذ الدين من الكفيل؛ لأنه
معذور في أخذه في هذه الحالة.
والكفالة لا تصح إلا في الحقوق التي تجوز النيابة فيها، مما يتعلق بالذمة
من الأموال، وكان الدين ثابتاً مستقراً، أي لازماً. فلا تصح الكفالة بنجوم
(أقساط) الكتابة؛ لأنها ليست بدين لازم أو ثابت مستقر. وأما الحقوق التي
لا يمكن لأحد القيام بها عن أحد كالحدود فلا كفالة فيها عند الأكثرين؛ لأن
درء هذه الحدود مطلوب ما أمكن، ويسجن المدعى عليه الحد، حتى ينظر في

٣٩
الُهُ (١٣) - يُوسُف: ١٢/ ٦٩-٧٦
أمره. وأجازأبو يوسف ومحمد الكفالة في الحدود والقصاص؛ لجواز الكفالة
بالنفس. وأجاز الشافعية كفالة تسليم النفس في الحدود الخالصة للآدمي
كقصاص وحد قذف وتعزير؛ لأنها حق لآدمي، فصحت الكفالة، كسائر
حقوق الآدميين المالية.
لاً - كان استرقاق أو استعباد السارقين دِينَ يعقوب عليه السلام وچکمه،
وقد فهم هذا من جواب أولاده: ﴿جَزَّؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ، فَهُوَ جَزَّؤُهُ﴾ وفي
الجملة معنى التوكيد، كما تقول: جزاء من سرق القطع، فهذا جزاؤه؛ لأنهم
التزموا استرقاق من وجد في رحله.
وكان حكم السارق عند أهل مصر أن يغرم ضعفي ما أخذ.
وأما قطع يد السارق في شريعتنا فهو ناسخ لما تقدم من الشرائع، أو لما كان
في شرع يعقوب من استرقاق السارق.
٨ - يجوز التوصل إلى الأغراض أو الحقوق المشروعة إذا لم تخالف شريعة،
ولا هدمت أصلاً. وأجاز الحنفية والشافعية الحيلة إلى المباح، واستخراج
الحقوق، لفعل يوسف بوضع الصواع في رحل أخيه، ولفعل أيوب مع
امرأته: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْتًا فَأَضْرِب ◌ِّهِ، وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤/٣٨] ولأمر النبي ◌َّ
ببيع التمر الرديء بالدراهم، ثم شراء التمر الجيد (الجنيب) بالدراهم.
وأجمع العلماء على أن للرجل قبل حلول الحول التصرف في ماله بالبيع
والهبة إذا لم ينو الفرار من الصدقة، فإذا حال الحول لا يحل له التحيل ولا
النقصان، ولا أن يفرَّق بين مجتمع، ولا أن يجمع بين متفرق.
وقال مالك: إذا فوَّت من ماله شيئاً ينوي به الفرار من الزكاة قبل الحول
بشهر أو نحوه، لزمته الزكاة عند الحول، أخذاً منه بقوله وَله: ((خشيةً
الصدقة)».

٤٠
الُ (١٣) - يُوسُفَ: ١٢ /٦٩-٧٦
وقال أبو حنيفة: إن نوى بتفريقه الفرار من الزكاة قبل الحول بيوم لا
يضرّه؛ لأن الزكاة لا تلزم إلا بتمام الحول، ولا يتوجه إليه معنى الحديث
السابق: ((خشية الصدقة))(١) إلا حينئذ.
4 - شاء الله أن يجري على ألسنة أولاد يعقوب حكم بني إسرائيل في
استرقاق السارق، مع أنه كان حكم الملك الضرب والتغريم ضعفي المسروق.
٢١ - لله في خلقه شؤون، يعزّ قوماً ويذلّ آخرين، ويرفع من يشاء درجات
بالعلم والإيمان. قال ابن عباس: يكون ذا أعلم من ذا، وذا أعلم من ذا،
والله فوق كل عالم. وقال أيضاً: الله العليم، وهو فوق كل عالم. والآية تدل
على أن العلم أشرف المقامات وأعلى الدرجات.
(١) نص الحديث الذي أخرجه البخاري عن أنس: ((ولا يجمع بين متفرِّق ولا يفرَّق بين مجتمع
خشية الصدقة)) (سبل السلام ٥٩١/٣، ط بيروت).