النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨١
الجُزُرُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٢٣-٢٩
ولما تحقق زوجها صدق يوسف وكذبها فيما قذفته ورمته به وظهر للقوم
براءة يوسف عن هذا المنكر، قال العزيز أو الشاهد: ﴿إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنّ﴾
إن هذا الاتهام من جملة كيدكن ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ أي إن مكر المرأة وكيدها
شديد التأثير في النفوس، غريب لا يفطن له الرجال، ولا قِبَل لهم به، ولا
حیلها وتدبيرها.
ويا يوسف أعرض عن ذكر هذه الواقعة واكتم خبرها عن الناس، ويا
أيتها المرأة اطلبي المغفرة لذنبك، إنك كنت من زمرة الخاطئين أي المذنبين.
وقوله هذا؛ لأنه لم يكن غيوراً، فكان ساكناً، أو لأن الله تعالى سلبه الغيرة،
وکان فيه لطف بیوسف، حتى گُفي ما قد يبادر به وعفا عنها.
فقه الحياة أو الأحكام:
موضوع الآيات بيان محنة يوسف، وإظهار براءته، واتهام زوجة العزيز،
وتكون الآيات دالة على ما يأتي:
اً - اتهام امرأة العزيز بمراودة يوسف عن نفسه، وذكر في الآية ثلاثة
تصرفات تؤكد تهمتها وهي: المراودة، وإغلاق الأبواب، ودعوتها يوسف
لنفسها قائلة: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾(١) وهي لغة أهل حوران جنوب سورية، أي
هَلُمَّ أقبل وتعال.
أَ - دفاع يوسف عن نفسه، مستخدماً في الجواب ثلاثة أشياء: ﴿مَعَاذَ
اُللَّهِ إِنَّهُ رَبِّ أَحْسَنَ مَثْوَىّ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾، استعاذ بالله واستجار به
مما دعته إليه، وتذكر فضل سيده عليه إذ آواه وأحسن مثواه ومقامه وتعهده
-
-
(١) قال النحاس: فيها سبع قراءات: هَيْتَ وهَيْتُ وهَيْتِ (الهاء فيهن مفتوحة) وهِيتَ لك بكسر
الهاء وفتح التاء، وهِيْتُ لك بكسر الهاء والياء الساكنة والتاء المضمومة، ومِثْتُ لك، ومِنْتَ
لك.

٥٨٢
الُزُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٢٣-٢٩
بالرعاية والحفظ، ونظر إلى المستقبل نظرة العاقل المتأمل الذي يصون
مستقبله، وقرر أنه لا يظفر الظالمون الخائنون الذين يقابلون الإحسان
بالإساءة.
٣ - هناك فرق واضح بين همها به وهو المعصية من مخالطة وانتقام، وبين
همه بها وهو الفرار والنجاة منها؛ لأن الأنبياء معصومون عن المعاصي.
وأدلة عصمة الأنبياء(١):
الدليل الأول - إن الزنى من منكرات الكبائر، وكذلك الخيانة من منكرات
الذنوب، وأيضاً مقابلة الإحسان العظيم بالإساءة الموقعة بالفضيحة التامة
والعار الشديد من منكرات الذنوب، ثم إن إقدام الصبي الذي تربى في حجر
إنسان على الإساءة إلى المنعم عليه من أقبح المنكرات والأعمال.
الدليل الثاني - إن ماهية السوء والفحشاء مصروفة عن النبي، لقوله
تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوَءَ وَالْفَحْشَآءَ﴾ ثم إن الله تعالى جعل
يوسف عليه السلام من عباده المخلصين - بفتح اللام - الذين خلصهم الله
من الأسواء، وبكسر اللام: من الذين أخلصوا دينهم لله تعالى، ويحتمل أن
يكون المراد أنه من ذرية إبراهيم عليه السلام الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّا
أَخْلَصْنَهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الَّارِ
١٤٧
وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ اَلْأَخْيَارِ
٤٦٦
[ص: ٤٦/٣٨-٤٧].
الدليل الثالث - من المحال أن يصدر عن الأنبياء عليهم السلام زلة أو
هفوة ثم لا يتبعونها بالتوبة والاستغفار.
الدليل الرابع - كل من كان له تعلق بتلك الواقعة، فقد شهد ببراءة يوسف
عليه السلام من المعصية.
(١) تفسير الرازي: ١١٥/١٨ وما بعدها.

٥٨٣
المُعُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٢٣-٢٩
والذين لهم تعلق بهذه الواقعة: يوسف عليه السلام، وتلك المرأة
وزوجها، والنسوة، والشهود، ورب العالمين، وإبليس، الكل شهدوا ببراءة
يوسف عن الذنب والمعصية، كما تقدم سابقاً.
٤ - قال العلماء: لما برّأت نفسها؛ ولم تكن صادقة في حبه - لأن من شأن
المحبّ إيثار المحبوب - قال: ﴿هِىَ رَوَدَتْنِى عَن نَّفْسِىَّ﴾ نطق يوسف بالحق في
مقابلة بهتها و كذبها عليه.
٥ - الشاهد من أهلها: إما طفل في المهد تكلم، قال السهيلي: وهو
الصحيح، للحديث المتقدم: ((لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة)) وذكر فيهم شاهد
يوسف، وإما رجل حكيم ذو عقل كان الوزير يستشيره في أموره، وكان من
جملة أهل المرأة، وكان مع زوجها.
٤ - في آية قدّ القميص مقبلاً ومدبراً دليل على القياس والاعتبار، والعمل
بالعرف والعادة؛ لأن القميص إذا جُبذ من خلف تمزَّق من تلك الجهة، وإذا
جُبذ من قدَّام تمزق من تلك الجهة، وهذا هو الأغلب.
لاً - إذا كان الشاهد على براءة يوسف طفلاً صغيراً، فلا يكون فيه دلالة
على العمل بالأمارات؛ وإذا كان رجلاً صحّ الاعتماد على الأمارة، كالعلامة
في اللقطة وغيرها؛ فقال مالك في اللصوص: إذا وجدت معهم أمتعة، فجاء
قوم فادعوها، وليست لهم بينة، فإن السلطان ينظر في ذلك، فإن لم يأت
غيرهم دفعها إليهم. وقال الحنفية وغيرهم: إذا اختلف الرجل والمرأة في متاع
البيت: إن ما كان للرجال فهو للرجال، وما كان للنساء فهو للمرأة، وما
كان للرجل والمرأة فهو للرجل. وكان شُرَيح وإياس بن معاوية يعملان على
العلامات في الحكومة؛ وأصل الاعتماد على الأمارات هذه الآية.
٨ - الحذر من فتنة النساء، فإن كيدهن عظيم؛ لعظم فتنتهن، واحتيالهن في
التخلص من ورطتهن، ذكر مقاتل عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله:

٥٨٤
الُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٣٠-٣٥
((إن كيد النساء أعظم من كيد الشيطان؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ كَيْدَ
الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦/٤]، وقال: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾)).
الفصل الخامس من قصة يوسف
انتشار الخبر بين نسوة المدينة
ومؤامرة امرأة العزيز بهن وتقرير سجن يوسف
وَقَالَ نِسْوَةٌ فِ الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ اٌلْعَزِيزِ تُزَوِدُ فَنْهَا عَن نَفْسِةٍ، قَدْ شَغَفَهَا
حُبّا إِنَّا لَهَا فِي ضَلَلٍ مُبِينٍ ﴿ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرَّسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ
مُتَكَا وَتَتْ كُلَّ وَحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِينًا وَقَالَتِ أُخْرُجْ عَلَئِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ: أَكْبَرْنَهُ وَقَّعْنَ
قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِى
أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًّا إِنْ هَذَا إِلَّ مَلَكُ كَرِيمُ ﴾
ثُمْتُنَِّى فِيهِ وَلَقَدْ رَوَدَتُهُ عَن نَّفْسِهِ، فَأَسْتَعْصَمَ وَلَيِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُ لَيُسْجَنَنَ
قَالَ رَبِّ السِّجُنُ أَحَبُّ إِلَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيّ إِلَيْهِ وَإِلَّا
٣٢
وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّغِرِينَ
تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَكُ مِّنَ الْجَهِلِينَ ﴿ فَأُسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ
عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
﴿ ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنْ بَعْدِ مَا رَأَوْ اْلْأَيَتِ
٣٥
لَيَسْجُنُنَّهُ، حَتَّى حِينٍ
القراءات:
﴿ وَقَالَتِ أُخْرُجُ﴾ ..
قرئ:
١- (وقالتِ اخرج) وهي قراءة أبي عمرو، وعاصم، وحمزة.
٢- (وقالتُ اخرج) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
؟
حُبّاً) تمييز.

٥٨٥
◌ِلُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٣٠-٣٥
﴿حَشَ لِلّهِ﴾ حذف الألف للتخفيف، ومن قرأ: حاشى الله، أتى به على
الأصل. وحاشى: فعل في رأي الكوفيين، بدليل تعلق حرف الجر بها في قوله:
﴿حَشَ لِلَّهِ﴾ وحرف الجر إنما يتعلق بالفعل لا بالحرف. وهي حرف في رأي
سيبويه وأكثر البصريين؛ لأن ما بعدها يجيء مجروراً، يقال: حاش أبي ثوبان،
ولو كان فعلاً لما جاز أن يجيء ما بعده مجروراً. وأما تعلق حرف الجر بها في
قوله ﴿لِلَّهِ﴾ فإن اللام في قوله: (حاشَ الله) زائدة لا تتعلق بشيء، مثل لام:
@ [العلق: ٩٦/
١٤)
﴿لِرَبِهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤/٧] وباء ﴿أَمْ يَعَلَ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَ
١٤] ﴿ثَُّ بَدَا لَهُم﴾ [يوسف: ٣٥/١٢] فاعل بدا: مصدر مقدر، دل عليه. ﴿بَدَا﴾
أي ثم بدا لهم بداء، وهو الراجح، وقيل: دل عليه ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ وقام مقامه،
وقيل: الفاعل محذوف تقديره: ثم بدا لهم رأي. واللام جواب ليمين مضمر،
وهو فعل مذكر لا فعل مؤنث.
البلاغة:
﴿سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ استعار المكر للغِيبَة؛ لأنها تشبهه في الإخفاء.
﴿ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ استعار لفظ القطع للجرح أي جرحن أيديهن.
المفردات اللغوية:
﴿نِسْوَةٌ﴾ اسم لجمع امرأة، وتأنيثه بهذا الاعتبار غير حقيقي. ﴿فِى
اٌلْمَدِينَةِ﴾ مدينة مصر، وهو ظرف لقال، أي أشعن الحكاية في مصر، أو هو
صفة نسوة، وكن خمساً: زوجة الحاجب والساقي والخباز والسجان وصاحب
الدواب. ﴿أَمْرَأَتُ اٌلْعَزِيزِ تُزَوِدُ فَنَنْهَا عَن نَّفْسِهِ،﴾ فتاها: عبدها، أي تطلب
مواقعة غلامها إياها. والعزيز بلغة العرب: الملك. ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبَّ﴾ أي
دخل حبه شغاف قلبها. أي غلافه المحيط به حتى وصل إلى فؤادها . ﴿فِي
ضَلَالٍ﴾ في خطأ أي انحراف عن طريق الرشد ومقتضى العقل . ﴿مُبِينٍ﴾ أي بيِّن
واضح، بحبها إياه.

٥٨٦
الجُ (١٢) - يُوسُفَا: ١٢ / ٣٠-٣٥
﴿ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَ﴾ باغتيابهن لها، وإنما سمي مكراً؛ لأنهن أخفينه كما
يخفي الماكر مكره، ولأنهن أردن إغضابها لتعرض عليهن يوسف، فيفزن
بمشاهدته. ﴿وَأَعْتَدَتْ﴾ أعدّت وهيَّأْت لهن. ﴿مُتَّكًا﴾ ما يتكئن عليه من
الوسائد في مكان يجلسن فيه متكئين. وقيل: المتكأ: طعام يقطع بالسكين
للاتكاء عنده، وهو الأترج. ﴿ وَتَتْ﴾ أعطت. ﴿وَقَالَتِ﴾ ليوسف. ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾
أعظمنه. ﴿وَقَطَّعْنَ أَيَدِيَهُنَ﴾ جرحن أيديهن بالسكاكين، ولم يشعرن بالألم لشغل
قلبهن بيوسف، ودهشتهن من جماله الرائع.
﴿ وَقُلْنَ حَشَ لِلَّهِ﴾ تنزيهاً لله من صفات العجز، وتعجباً من قدرته على خلق
مثله. ﴿مَا هَذَا بَشَرًّا﴾ أي ما يوسف من جنس البشر؛ لأن هذا الجمال غير
معهود للبشر. ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ ما هذا إلا ملك، لما حواه من الحسن
الفائق، جاء في الحديث: ((أنه أعطي شطر الحسن)) أو لما جمع الله له من
الجمال الرائق والكمال الفائق والعصمة البالغة التي هي من خواص الملائكة.
﴿ قَالَتْ﴾ امرأة العزيز، لما رأت ما حل بهن: ﴿فَذَلِكُنَّ﴾ أي فهذا هو.
﴿الَّذِىِ لُمْتُنَّنِى فِيَّةِ﴾ أي فهو ذلك العبد الكنعاني الذي لمتنني في حبه والافتتان
به قبل تصوره حقٍ التصور، ولو تصورتٌتَّه بما عاينتُنَّ لعذرتُنَّني، والمراد بيان
عذرها . ﴿فَأَسْتَعْصَمَ﴾ امتنع امتناعاً شديداً، مأخوذ من العصمة وهي المنع من
الوقوع في المعصية. ﴿مَآ ءَامُرُهُ﴾ به. ﴿مِّنَ الصَّغِرِينَ﴾ الذليلين المهانين، فقلن
له: أطع مولاتك. ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَ﴾ أمل إليهن وأوافقهن على أهوائهن. ﴿وَأَكُنُ
مِّنَ الْجَهِلِينَ﴾ وأَصِرْ من المذنبين، والقصد بذلك الدعاء.
﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُ رَبُُّ﴾ دعاءه. ﴿السَّمِيعُ﴾ للقول ودعاء الملتجئ إليه.
﴿اَلْعَلِيمُ﴾ بالفعل والأحوال وما يصلحهم . ﴿بَدَا﴾ ظهر لهم رأي جديد، وهو
أن يسجنوه. ﴿اَلْأَيَتِ﴾ الشواهد الدالة على براءة يوسف. ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ، حَتَّى
حِينٍ﴾ أي ليدخلنه السجن إلى زمن، ينقطع فيه كلام الناس، فسجن سبع
سنين أو خمس سنين. والحين: الوقت غير المحدود من الزمن.

٥٨٧
الُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٣٠-٣٥
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى محنة يوسف مع امرأة العزيز، ونجاته من تلك المحنة
وقناعة زوجها ببراءته بناء على شهادة حكم شاهد من أقاربها بما رأى، أورد
تعالى ما تمخضت عنه المحنة والمحاولة من نتائج طبيعية هي انتشار الخبر وشيوعه
في مصر، ومحاولة امرأة العزيز تبرئة ساحتها أمام النساء بمكيدة محكمة وخطة
مدروسة، واعترافها أمامهن بأنها التي راودته عن نفسه، فامتنع، وأنها ما
تزال مصرة مصممة على ما تريد، وإلا أودع في قيعان السجون، وتم اتخاذ
القرار بالسجن، وآثره يوسف ابتغاء مرضاة الله، بل دعا إليه ربه، فسجن
سبع سنين أو خمس سنين.
التفسير والبيان:
وقال جماعة من نساء الكبراء والأمراء في مدينة مصر، منكرات على امرأة
العزيز وعائبات عليها ومتعجبات منها: امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه،
أي تحاول غلامها عن نفسه وتدعوه إلى نفسها، وما تزال محاولاتها مستمرة،
بدلالة فعل ﴿تُرَوِدُ﴾ الذي يفيد الاستمرار في الطلب في المستقبل، وما زال
قلبها متعلقاً به.
وأكدوا إنكارهم عليها بأمرين؛ لأن المألوف أن المرأة مطلوبة لا طالبة،
وهي امرأة الوزير الأول، وتطلب مخالطة عبدها وخادمها :
الأول - ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبَّا﴾ أي قد وصل حبه إلى شغاف قلبها وهو غلافه
المحيط به، ونفذ إلى سويدائه، فلم تعد تبالي بالعواقب وما يؤول إليه الحال.
والثاني - ﴿إِنَّا لَهَا فِ ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي إنا لنعتقد ونعلم أنها في صنيعها
هذا من حبها فتاها ومراودتها إياه عن نفسه لفي خطأ واضح وبعد عن
الصواب وجهل يتنافى مع مكانتها. وأردن من هذا القول المكر والحيلة،

٥٨٨
الُعُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٣٠-٣٥
ودفعها إلى دعوتهن والاقتناع بعذرها فيما فعلت. قال محمد بن إسحاق: بل
بلغهن حسن يوسف، فأحببن أن يرينه، فقلن ذلك ليتوصلن إلى رؤيته
و مشاهدته.
﴿ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَ﴾ أي باغتيابهن، وسوء مقالتهن، وكلامهن: امرأة
العزيز عشقت عبدها الكنعاني، وسمي الاغتياب مكراً؛ لأنه في خفية وحال
غيبة، كما يخفي الماكر مكره، فكما أن الغيبة تذكر على سبيل الخفية، فكذلك
المكر.
﴿ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ أي لما بلغها ما تقوله النساء عنها غيابياً، أرسلت إليهن،
أي دعتهن إلى منزلها للضيافة، وأعدت لهن ما يتكئن عليه من الكراسي
والوسائد والطعام الذي يقطع بالسكاكين من أترج ونحوه، وأعطت كل
واحدة من النساء سكيناً لقطع اللحم والفاكهة. ونحوها، وذلك مكيدة منها،
ومقابلة لهن في احتیاهن على رؤيته، فمکرت بهن کما مکرن بها.
﴿ وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ أي وبينا هم في تناول الفاكهة والطعام، وكلٌ تمسك
بسكينها، أمرته بالخروج عليهن، بعد أن كانت قد خبأته في مكان آخر،
وكانت ذكية ماهرة في اختيار الوقت المناسب وهو أن يفجأهن وقت انشغالهن
بما يقطعنه ویأکلنه.
﴿فَلَّا رَأَيْنَهُ: أَكْبَرْنَهُ﴾ أي فلما خرج ورأينه، أعظمنه، ودهشن لجماله الفائق
وحسنه الكامل، وجعلن پقطعن أيديهن، اندهاشاً برؤيته، فجرحن أيديهن،
وهن يظن أنهن يقطعن ما قدم لهن من طعام، وهكذا يفعل المدهوش الذي
اجتذب نظرَه حادثٌ مؤثرٌ، أو منظر غريب، أو شيء مثير.
﴿ وَقُلْنَ حَشَّ لِلَّهِ﴾ بحذف الألف للتخفيف واتباع المصحف، وقرأ أبو
عمرو: (وحاشا لله) بإثبات الألف وهو الأصل، لأنها من المحاشاة وهي
التنحية والتبعيد، وحاشا: كلمة تفيد معنى التنزيه، أي وقلن لها على الفور

٥٨٩
الُ (١٢) - يُوسُف: ١٢ / ٣٠-٣٥
تنزيهاً لله تعالى عن العجز، وتعجباً حيث قدر على خلق جميل مثله: وما نرى
عليك من لوم بعد هذا الذي رأينا؛ لأنهن لم يرين في البشر مثله، ولا قريباً
منه، فإنه عليه السلام قد أعطي شطر الحسن، كما ثبت ذلك في الحديث
الصحيح في حديث الإسراء: أن رسول الله وَله مرّ بيوسف عليه السلام في
السماء الثالثة، فقال: ((فإذا هو قد أعطي شطر الحسن)).
ما هذا الذي رأيناه من جنس البشر، وما هو إلا ملك كريم من الملائكة
تمثل في صورة بشر، والمقصود إثبات الحسن العظيم له؛ لأنه استقر في الطباع
أن لا حي أحسن من الملَك، وأن لا حي أقبح من الشيطان. فلما رأت النساء
روعة جمال يوسف شبهنه بالملَك، ونفين عنه البشرية، لغرابة جماله وروعة
حسنه.
والأقرب عند الرازي: أن النسوة لما رأين عليه هيبة النبوة والرسالة،
وعلامة التطهر والعفة، نفوا عنه آثار الشهوة البشرية والصفات الإنسانية،
وأثبتوا له طهر الملائكة.
قالت، وقد نجحت في انبهارهن بجماله الأخاذ: فذلكن هو الذي وجهتن
اللوم إلي بسببه، وعبتُنَّ علي فعلي. وإنما قالت ﴿فَذَلِكُنَّ﴾ ولم تقل ((فهذا))
بالرغم من أنه حاضر أمامهن، رفعاً لمنزلته في الحسن، وجدارة حبه والافتتان
به، واستبعاداً لمحله السامي، أي فذلك يوسف البعيد السامي في الكمال
والجمال، فأنا معذورة، فهو حقيق أن يحب لجماله وكماله.
وإذا كان هذا حالكن معه في لحظة، فماذا أفعل وهو معي دائماً في المنزل،
وإني أعترف وأقر أني والله لقد راودته عن نفسه، فامتنع بإباء وشمم عما أردته
منه؛ لأنه عفيف طاهر، ورث العفة عن أسلافه.
قال بعضهم: لما رأين جماله الظاهر، أخبرتهن بصفاته الحسنة التي تخفى
عنهن، وهي العفة مع هذا الجمال.

٥٩٠
الجزءُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ /٣٠-٣٥
ثم قالت متوعدة إياه بالعقاب: ولئن لم يفعل ما آمره به في المستقبل
القريب، ليسجنن وليكونن من الذليلين المقهورين؛ لأن زوجي لا يخالف
أمري ورغبتي.
وهذا دليل على أن حبه استولى على مجامع نفسها، وأن السجن المؤكد الدائم
سيكون عقابه، لا مجرد الحبس المؤقت الذي كانت قد أشارت به على زوجها ،
عند اكتشاف أمرها لدى الباب، وأنها بهذا التهديد واثقة بسلطانها على
زوجها، مع علمه بأمرها، واستنكاره سلوكها، فقد أصبح عشقها له، وحبها
المتناهي أمراً علنياً لا تواري فيه، ولا تخشى أحداً من نقدها وتوجيه اللوم لها.
فعندئذ استعاذ يوسف عليه السلام من شرهن وكيدهن. والكيد: الاحتيال
والاجتهاد، وقال: ﴿رَبِّ السّجْنُ﴾ أي يا رب، أنت ملاذي وملجئي، إن
السجن الذي توعدت به أحب إلي مما يدعونني إليه هؤلاء النسوة من الفاحشة
وارتكاب المعصية.
وكنى عن امرأة العزيز في قوله ﴿كَيْدَهُنَّ﴾ بخطاب الجمع، إما لتعظيم
شأنها في الخطاب، وإما ليعدل عن التصريح إلى التعريض. والأولى حمل اللفظ
على العموم، أي كيد النساء، وليس كيد امرأة العزيز فقط.
وقد أسند الدعوة إلى النساء جميعاً؛ لأنهن زينَّ له مطاوعتها ونصحنه
بالاستجابة لرغبتها، وقلن له: إياك وإلقاء نفسك في السجن والصغار.
وهو في دعائه هذا آثر المشقة على اللذة؛ لأن العذاب المكروه وهو السجن
مع البراءة أهون من الذم في الدنيا والعقاب في الآخرة، فإن البريء المسجون
يشعر بسعادة عظيمة وهي المدح في الدنيا والثواب الدائم في الآخرة، وقد
اختار أهون الشرين وأخف الضررين: السجن والزنى، ففي السجن راحة بال
وهدوء نفس وخروج عن بيئة الفساد، وتخلص من التحكم في أمره.

٥٩١
الُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٣٠-٣٥
ثم أكد دعاءه مبيناً عجزه وضعفه، ومفوضاً أمره لمن له القدرة والقوة،
فقال: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ﴾ أي وإن لم تبعد عني أثر كيدهن، أمل إلى
موافقتهن على أهوائهن، وأكن من الجاهلين السفهاء الذين تستهويهم
الشهوات، والذين لا يعملون بما يعلمون؛ لأن الحكيم لا يفعل القبيح،
ولأن من لا ينتفع بعلمه فهو ومن لا يعلم سواء.
أي إن وَكَلْتَني إلى نفسي، فليس لي منها قدرة، وإنما أعتصم وألجأ إلى
حولك وقوتك، فأنت المستعان وعليك التكلان، فلا تكلني إلى نفسي. وهذا
فزع منه إلى ألطاف الله وعصمته كعادة الأنبياء والصالحين فيما عزم عليه من
الصبر.
﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ أي فأجاب ربه دعاءه المفهوم من قوله: ﴿وَإِلَّا
تَصْرِفْ عَنِّى﴾ الذي فيه معنى طلب الصرف والدعاء باللطف، فصرف عنه
كيدهن، وعصمه عصمة عظيمة، وحماه من التورط في المعصية أو الجهل
والسفه باتباع أهوائهن، إنه تعالى السميع الدعاء الملتجئين إليه، العليم بصدق
إيمانهم وبأحوالهم وما يصلحهم.
وهذا دليل على حراسة ربه له وعنايته به وتربيته تربية مثلى تليق بالأنبياء.
وقد ترفع مع شبابه وجماله وكماله عن مواقعة امرأة عزيز مصر التي كانت
أيضاً في غاية الجمال والأبهة، واختار السجن خوفاً من الله ورجاء ثوابه،
ثبت في الصحيحين أن رسول الله وَ ﴿ قال: ((سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا
ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلّق
بالمساجد، إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابًا في الله، اجتمعا عليه
وتفرَّقا عليه، ورجل تصدَّق بصدقة، فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما أنفقت
يمينه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل
ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)).

٥٩٢
◌ِلُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٣٠-٣٥
﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم﴾ ثم ظهر من المصلحة والرأي للعزيز وامرأته والشاهد الذي
شهد عليها من أهلها بعد شيوع الخبر، وبعدما عرفوا يراءته، وظهرت الآيات
وهي الأدلة على صدقه في عفته ونزاهته، ظهر لهم أن يسجنوه لأجل غير
معلوم، إيهاماً أنه راودها عن نفسها، وأنهم سجنوه على ذلك، وتنفيذاً لرغبة
زوجة العزيز التي تبين أنها ذات سلطان على زوجها، وأنه فقد الغيرة عليها،
وآثر رضاها بأي ثمن كان.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - إن خبر السوء سرعان ما يشيع في أنحاء المجتمع، وأشد ما يكون
شيوعاً ما يكون النساء وراءه.
اً - كان نقد كبريات النساء في المجتمع المصري لامرأة العزيز لأول وهلة،
وبحكم العادة المألوفة، حقاً وصواباً، إذ كيف تراود امرأة الوزير الأول عبداً
لها وخادماً عندها، وهذا مستعظم عادة، لترفع السادة وأنفتهن من مخالطة
الخدم والأتباع. لذا انتقدوا شدة حبها للغلام، ووجدوا أنها حائدة عن طريق
الصواب.
◌َّ - قابلت امرأة العزيز المكر بمثله، فدعت نساء المدينة إلى وليمة،
لتوقعهن فيما وقعت فيه، ولتبدي معذرتها أمامهن، فانبهرن ودهشن بجمال
يوسف لحسن وجهه وزينته وما عليه، وجرحن أيديهن بالسكاكين التي كانت
معهن لقطع ما يحتاج إلى تقطيع من الطعام، وكن يحسبن أنهن يقطعن الأترجّ
(وهو النارانج أو الكبَّاد أو الكريفون وهو ثمر أكبر من الليمون الحامض يؤكل
بعد إزالة قشرته).
٤ - لم يملك النساء أنفسهن عن التعبير بما دهشن به عند رؤية يوسف،

٥٩٣
◌ِلُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٣٠-٣٥
وقالوا: ليس هذا من النوع الإنساني، وإنما هو من جنس الملائكة، والمقصود
منه إثبات الحسن الفائق والجمال الرائع، وأنه في التبرئة عن المعاصي
كالملائكة، وقوله: ﴿حَشَ لِلَّهِ﴾ تبرئة ليوسف عما رمته به امرأة العزيز من
المراودة، أي بعد يوسف عن هذا.
٥ - لما رأت امرأة العزيز افتتانهن بيوسف أظهرت عذر نفسها بقولها:
﴿ فَذَلِكُنَّ الَّذِى لُمُتُنَّنِى فِيَةٍ﴾ أي بجبه، واللوم: الوصف بالقبيح.
٩ - آثر يوسف الصديق دخول السجن ابتغاء مرضاة الله، وأن السجن
أحب أي أسهل عليه وأهون من الوقوع في المعصية، لا أنَّ دخول السجن مما
يُحَبُّ حقيقة. حكي أن يوسف عليه السلام لما قال: ﴿السّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ﴾
أوحى الله إليه: ((يا يوسف! أنت حبست نفسك حيث قلت: السجن أحبّ
إلي، ولو قلت: العافية أحبُّ إلي لعوفيت)).
لاً - جمع يوسف عليه السلام في دعائه ليكون قدوة للبشر بين التأثر
بالنوازع البشرية والميل الإنساني إلى النساء وبين جهاد النفس الذي استعان
بالله عليه، وأوضح أن الوقوع في أهواء النساء جهل، وكون المنزلق من زمرة
الجاهلين، أي ممن يرتكب الإثم ويستحق الذم، أو ممن يعمل عمل الجهال
الذين يعملون بنقض ما يعلمون. ودل هذا على أن أحداً لا يمتنع عن معصية
الله إلا بعون الله؛ ودل أيضاً على قبح الجهل والذم لصاحبه.
٨ - استجاب الله تعالى دعاء يوسف، ولطف به، وعصمه عن الوقوع في
الزنى لصبره والاستعاذة بالله من الكيد. وهو شأنه تعالى يستجيب دعاء كل
ملهوف، مستعصم به، ممتنع عن المعاصي ابتغاء رضوان الله تعالى.
١ - اتخذ العزيز وأهل مشورته قراراً بسجن يوسف إلى مدة غير معلومة،
كتماناً للقصة ألا تشيع بين الناس، بالرغم مما ثبت لهم من عفته ونزاهته،
ورأوا الآيات، أي العلامات على براءته من قدّ القميص من دُبُر، وشهادة
الشاهد، وحَزّ الأيدي بالسكاكين، وقلة صبر النساء عن لقاء يوسف.

٥٩٤
لُرُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٣٦-٤٠
٠ ١َ - لم يرض يوسف عليه السلام بارتكاب الفاحشة لعظم منزلته وشريف
قدره، بالرغم من إكراهه على ذلك بالسجن، وأقام خمسة أعوام. وبناء عليه
قال العلماء: لو أكره رجل بالسجن على الزنى ما جاز له إجماعاً.
فإن أكره بالضرب فقد اختلف فيه العلماء، والصحيح أنه إذا كان فادحاً،
فإنه يسقط عنه إثم الزنى وحدّه، فإن الله تعالى لا يجمع على عبده العذابين، ولا
يجعله بين بلاءين، فإنه من أعظم الحرج في الدين: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ
مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨/٢٢].
الفصل السادس من قصة يوسف
يوسف في السجن ودعوته إلى الدين الحق
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَيَانِّ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنَّّ أَرَنِيّ أَعْصِرُ خَمْرًّاً وَقَالَ
اَلْآَخَرُ إِنَّ أَرَبِىّ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ اُلَّيْرُ مِنْهُ نَبِئْنَا بِتَأْوِيلٍِ إِنَّا
نَرَكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴿ قَالَ لَا يَأْتِكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِ، إِلَّا نَبَّأْتِكُمَا بِتَأْوِيلِهِ،
قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَّا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِّيَّ إِنِّى تَرَكْتُ مِنَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِلّهِ وَهُم
وَأَتَبَعْتُ مِنَّةَ ءَبَآءِىّ إِبْرَهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا
بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ
كَانَ لَنَا أَنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَىْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ
أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ هَـ
) يَصَحِتَ اُلْسِّجْنِ ءَ أَزْبَابٌ مُتَفَرِّفُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ
اُلْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (9َ
مَا تَعْبُّدُونَ مِن دُونِّ إِلَّ أَسْمَآءَ سَمَّيْثُمُوهَا أَنْتُمٍ وَءَابَآؤُكُمْ
مَّا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍّ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِّ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوْاْ إِلَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ
الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
القراءات:
﴿إِّ أَرَدِىّ﴾:

٥٩٥
◌ِلُعُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٣٦-٤٠
وقرأ نافع وأبو عمرو (إنيّ).
﴿أَرَينِيّ﴾ :
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (أرانيَ).
﴿رَأْسِ﴾:
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (راسي).
﴿يَأْتِكُمَا﴾ :
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (نباتكما).
﴿رَبِيَّ إِنِ﴾ :
وقرأ نافع، وأبو عمرو (ربيَ).
{ءَبَآءِىّ﴾:
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر (آبائيَ).
الإعراب:
﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ﴾ سمى: يتعدى إلى مفعولين، يجوز حذف أحدهما،
فالأول: ها في ﴿سَمَّيْتُمُوهَآَ﴾ والثاني: محذوف، وتقديره: سميتموها آلهة.
و﴿أَنْتُمْ﴾ تأكيد تاء سميتموها، ليحسُن العطف على الضمير المرفوع المتصل
فيها.
البلاغة:
مِے
﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ مجاز مرسل باعتبار ما سيكون، أي أعصر عنباً يؤول إلى
خمر.

٥٩٦
الْجُرُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٣٦-٤٠
المفردات اللغوية:
﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ اٌلْسِّجْنَ فَتَيَانٍ﴾ أي أدخل يوسف السجن، وصادف أن دخل
معه غلامان آخران للملك، أحدهما: ساقيه، والآخر صاحب طعامه أي
خبازه، فرأياه يعبر الرؤيا، فقالا: لنختبرنه . ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا﴾ وهو الساقي.
﴿خَمْرًا﴾ أي عنباً يكون خمراً. ﴿وَقَالَ الْآَخَرُ﴾ وهو صاحب الطعام الخباز.
﴿نَبِئْنَا﴾ خبرنا. ﴿بِتَأْوِيلِ﴾ بتعبيره. ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ من الذين يحسنون
تأويل الرؤيا، أو من العالمين.
﴿قَالَ﴾ مخبراً أنه عالم بتعبير الرؤيا. ﴿تُرْزَفَانِهِ﴾ في منامكما. ﴿نَّأْتُكُمَا
بِتَأْوِيلِهِ،﴾ في اليقظة أي بتفسيره الذي يؤول إليه في الواقع. ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾
تأويله ويتحقق المراد منه، كأنه أراد أن يدعوهما إلى التوحيد، ويرشدهما إلى
الطريق القويم، قبل أن يجيبهما عن سؤالهما.
﴿ذَلِكُمَا﴾ أي ذلك التأويل ﴿مِمَّا عَلَمَنِ رَبِّ﴾ بالإلهام والوحي، وليس من
قبيل التكهن أو التنجيم، وهذا أيضاً فيه حثّ على إيمانهما ثم قواه بقوله: ﴿إِنِّى
تَرَكْثُ مِلَّةَ﴾ دين ﴿قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ﴾ هم: تأكيد
كفرهم بالآخرة، وهذا تعليل لما قبله، أي علمني ذلك؛ لأني تركت ملة
أولئك.
﴿وَأَبَعْتُ مِلَّةَ﴾ معطوف على ﴿تَرَكْثُ﴾ أو كلام مبتدأ لتمهيد الدعوة وإظهار
أنه من بيت النبوة، لتقوی رغبتهما في الاستماع إليه والوثوق به. وهو دليل
على أنه يجوز لغير المعروف أن يصف نفسه حتى يعرف، فيستفاد منه .﴿مَا
كَانَ لَنَا﴾ أي ما كان ينبغي لنا أو ما صحّ لنا معشر الأنبياء. ﴿أَنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ
مِن شَىْءٍ﴾ أي شيء كان، لعصمتنا. ﴿ ذَلِكَ﴾ أي التوحيد. ﴿مِن فَضْلِ اُللَّهِ
عَلَيْنَا﴾ بالوحي. ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾ وعلى سائر الناس، ببعثتنا لإرشادهم وتثبيتهم
عليه . ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ المبعوث إليهم، وهم الكفار ﴿لَا يَشْكُرُونَ﴾
الله على هذا الفضل، فیشرکون ويعرضون عنه.

٥٩٧
الُُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٣٦-٤٠
ثم صرح يوسف بدعوتهما إلى الإيمان فقال: ﴿يَصَحِبَيِ السِّجْنِ﴾ أي يا
ساكنيه أو يا صاحبيَّ فيه . ﴿َأَرْبَابٌ مُتَفَرِفُونَ﴾ استفهام تقرير. ﴿أَمِ اللَّهُ
اُلْوَاحِدُ اُلْقَهَارُ﴾ أي هل الأرباب الشتى المتعددون خير أم الله الواحد المنفرد
بالألوهية، الغالب الذي لا يعادله ولا يقاومه غيره؟ ﴿مِن دُونِهِ﴾ أي غيره.
﴿سَمَّيْتُمُوهَا﴾ سميتم بها أصناماً. ﴿مَّا أَنَزَلَ اللَّهُ بِهَا﴾ أي بعبادتها ﴿مِن
سُلْطَانٍ﴾ حجة وبرهان، أي فليست هي إلا أشياء ذات أسامي أطلقتم عليها
من غير حجة تدل على تحقق مسمياتها فيها، فكأنكم لا تعبدون إلا الأسماء
المجردة، والمعنى أنكم سميتم ما لم يدل على استحقاقه الألوهية عقل ولا نقل
آلهة، ثم أخذتم تعبدونها باعتبار ما تطلقون عليها.
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ أي ما القضاء في أمر العبادة إلا لله وحده؛ لأنه
المستحق لها بالذات، من حيث إنه الواجب لذاته، الموجد للكل، المالك
لأمره. ﴿أَمَرَ أَّا تَعْبُدُوْا إِلَّ إِيَّهُ﴾ أمر على لسان الأنبياء ألا تعبدوا إلا الذي
دلت عليه الحجج. ﴿ذَلِكَ﴾ التوحيد ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ المستقيم الحق، وأنتم لا
تميزون المعوج من القويم. وهذا من التدرج في الدعوة وإلزام الحجة، فإنه عليه
السلام بين لهم:
أولاً - رجحان التوحيد على تعدد الآلهة.
وثانياً - برهن على أن ما يسمونها آلهة ويعبدونها لا تستحق الألوهية، فإن
استحقاق العبادة إما بالذات وإما بالغير، وكلا القسمين منتف عن تلك
الآلهة.
وثالثاً - نص على ماهو الحق القويم والدين المستقيم الذي لا يقتضي العقل
غيره ولا يرتضي العلم دونه.
﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ وهم الكفار ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ فيخبطون في
جهالاتهم، ولا يدرون ما يصيرون إليه من العذاب، فهم يشركون.

٥٩٨
الُرءُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٣٦-٤٠
المناسبة:
بعد أن اتخذ العزيز وأهل مشورته قرارهم بحبس يوسف، بالرغم من
اقتناعهم بعفته ونزاهته وبراءته، ذكر الله تعالى هنا تنفيذهم ذلك القرار الذي
عزموا عليه، من إدخاله السجن، وأنهم لما أرادوا حبسه حبسوه وحبسوا معه
اثنين من عبيد الملك، وأن الله لطف به إذ علَّمه تعبير الرؤيا، وكان ذلك
طريقاً لإنقاذه من السجن.
التفسير والبيان:
لما أرادوا حبس يوسف حبسوه، وحبسوا معه غلامين من عبيد الملك،
أحدهما: ساقيه، والآخر: خبازه؛ لأنه رفع إليه أنهما تمالأًا على سمه في طعامه
وشرابه، وليس ذلك مصادفة، ولكن تقدير العزيز العليم، وكان يوسف
مشهوراً في السجن بصدق الحديث وتعبير الرؤيا.
فرأيا رؤيا، فقال الساقي: إني رأيت في المنام أني أعصر عنباً يصير بعدئذ
خمراً، وقال الخباز: إني رأيت أني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه،
فقالا ليوسف: أخبرنا بتأويل وتفسير ما رأينا، فهل سيحدث حقاً أو هو مجرد
أضغاث أحلام؟ ﴿إِنَّا نَرَكَ﴾ إنا نعلم أنك من الذين يحسنون تأويل
الرؤيا، أي من المحسنين في علم التعبير؛ لأنه متى عَبَّر لم يخطئ، كما قال:
﴿ وَعَلَّمْتَنِ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ أو من المحسنين الذين يريدون الخير والإحسان
للناس.
فانتهز يوسف هذه الفرصة، وهي ثقة هذين الرجلين به وبعلمه وإخلاصه،
فاندفع يدعوهما ومن معهما في السجن إلى توحيد الله الخالص، وترك
الأوثان، فكان دخوله السجن لحكمة.
ومهد لدعوته بما يدل على المعجزة على صدقه، فقال لهما: لا يأتيكما
طعام في يومكما إلا أخبرتكما به قبل وصوله إليكما.

٥٩٩
الُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٣٦-٤٠
وهذا من تعليم الله إياي بوحي منه وإلهام، لا بكهانة ولا عِرافة ونحوهما من
علوم البشر، وهذا يدل على أن يوسف أوحي إليه، وهو في السجن ليدعو
الضعفاء والفقراء والمظلومين والمذنبين، فهم أقرب إلى التصديق بدعوته من
غیرهم.
وسبب الوحي أني اجتنبت ملة الكافرين بالله واليوم الآخر وهم
الكنعانيون وغيرهم من أهالي فلسطين، والمصريون الذين كانوا يعبدون آلهة
متعددة كالشمس (رع) والعجل (أبيس) والفراعنة (حكام مصر) فهؤلاء لا
يرجون ثواباً ولا عقاباً في المعاد، وهم كافرون بالآخرة والحساب والجزاء على
الوجه الصحيح الذي دعا إليه الأنبياء، كالاعتقاد بأن الفراعنة يعودون إلى
الآخرة بأجسامهم المحنطة، ويكون لهم فيها الحكم والسلطان، كما كانوا في
الدنيا. وتكرير لفظ ﴿هُمْ﴾ للتأكيد وبيان اختصاصهم بالكفر، ولمبالغتهم في
إنكار المعاد.
وقد هجرت طريق الكفر والشرك، وتركت ملة الكافرين الذين لا
يصدقون بالله ولا يقرون بوحدانيته، وأنه خالق السماوات والأرض،
واتبعت ملة آبائي الأنبياء المرسلين: إبراهيم وإسحاق ويعقوب الذين يدعون
إلى التوحيد الخالص. وتعبيره ﴿ءَبَآءِىّ﴾ مفيد أن الجد أب، وأنه من بيت
النبوة، بعد أن عرفهما أنه نبي يوحى إليه لإخباره بالمغيبات، ليقوي رغبتهما
في الاستماع إليه واتباع قوله.
وهكذا يكون حال من سلك طريق الهدى، واتبع طريق المرسلين،
وأعرض عن طريق الضالين، فإن الله يهدي قلبه، ويعلمه مالم يكن يعلم،
ويجعله إماماً يقتدى به في الخير، وداعياً إلى سبيل الرشاد. وذلك ترغيب
بالإيمان بالله وتوحيده.
ثم قرر منهج الأنبياء بصفة عامة، فقال: ماصح لنا وما ينبغي لنا معشر

٦٠٠
لُرُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٣٦-٤٠
الأنبياء أن نشرك بالله، أي شيء كان، من ملَك أو جني أو إنسي، فضلاً عن
أن نشرك به صنماً أو وثناً لا يسمع ولا يبصر.
ذلك التوحيد، وهو الإقرار بأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له هو من
فضل الله علينا، إذ هدانا إلى الإقرار بوجوده وتوحيده في ربوبيته وألوهيته،
وعلى الناس بإرسالنا إليهم، ننبههم إلى الصواب ونرشدهم إليه، ونبعدهم عن
طريق الضلال، فهو فضل إلهي على الرسل وعلى المرسل إليهم.
ولكن أكثر الناس المبعوث إليهم لا يشكرون فضل الله، فيشركون ولا
يتنبهون، ولا يعرفون نعمة الله عليهم بإرسال الرسل إليهم، بل ﴿بَدَّلُواْ نِعْمَتَ
اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨/١٤].
وبعد أن أبطل يوسف عليه السلام عبادة الشرك والمشركين، وأثبت النبوة،
دعا إلى التوحيد الخالص القائم على الاعتراف بإله واحد ورب واحد، لا بآلهة
متعددة، وهكذا مبدأ الأنبياء يهدمون عبادة الوثنية أولاً، ثم يقيمون الأدلة
العقلية على وجود الله ووحدانيته، فقال: ﴿وَأَرْبَابٌ مُتَّفَرِّقُونَ﴾.
أي ياصاحبيَّ في السجن، هل تعدد الآلهة وتشتت الأرباب المتفرقين في
الذوات والصفات التي تدعو إلى النزاع والتصادم وفساد الكون خير لكما
ولغيركما في طلب النفع ودفع الضر والإعانة في عالم الغيب، أو الله الواحد
الأحد الذي لا يحتاج لغيره ولا ينازع في تصرفه وتدبيره، القهار بقدرته
وإرادته، الذي ذل كل شيء لجلاله وعظمته؟!
ثم بين حقيقة آلهتهم فقال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ أي إن تلك الآلهة التي تعبدونها
وتسمونها آلهة إنما هي أسماء مجردة لمسميات وضعوها من تلقاء أنفسهم، ليس
لها مقومات، ولا مستند من عند الله، وما أنزل الله بتسميتها أرباباً حجة ولا
برهاناً، حتى تصح عبادتها ويطيعها الناس، إنها تسمية لا دليل عليها من عقل
ولا نقل سماوي.