النص المفهرس
صفحات 561-580
٥٦١
اِلُعُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ١٩-٢٠
ج
و﴿بِضَعَةٌ﴾ منصوب على الحال من يوسف، ومعناه: مبضوعاً، أي أخفوه
متاعاً للتجارة.
﴿دَرَهِمَ﴾ بدل من ((ثمن)). و﴿مِنَ الزَّهِدِينَ﴾ في موضع نصب خبر كان.
و﴿فِيهِ﴾ متعلق بفعل دل عليه من ﴿الزَّهِدِينَ﴾، ولا يجوز أن يتعلق
بالزاهدين؛ لأن الألف واللام فيه بمعنى الذي، وصلة الاسم الموصول لا
يعمل فيما قبله.
المفردات اللغوية:
﴿سَيَّارَةٌ﴾ جمع مسافرون معاً، كالكشافة والتجار، وكانوا قوماً مسافرين
من مدين إلى مصر ﴿وَارِدَهُمْ﴾ هو الرائد الذي يرد الماء أو يبحث عنه ليستقي
للقوم، وهو مالك بن دعر الخزاعي من العرب العاربة. ﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ فأرسل
دلوه في الجب ليملأها، فتدلى بها يوسف، والدلو: إناء يستقي من البئر
﴿يَبُشْرَى﴾ نادى البشرى بشارة لنفسه أو لقومه، كأنه تعالى قال: فهذا
أوانك، كما تقول: يا هناي، ويكون هذا النداء مجازاً، أي احضري فهذا
وقتك.
﴿ وَأَسَرُّوُهُ﴾ أخفوه وأخفوا أمره عن الرفاق ﴿يِضَعَةً﴾ أي أخفوه حال
ج
كونهم جاعليه متاعاً للتجارة. والبضاعة: ما بضع من المال للتجارة، أي قطع
﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ لم يخف عليه إسرارهم ﴿وَشَرَوْهُ﴾ باعوه؛ لأن
لفظ الشراء والبيع من ألفاظ الأضداد، فيقال: اشتراه أي ابتاعه، وشراه:
باعه ﴿بَخْسٍ﴾ مبخوس أي ناقص ومعيب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا نَبْخَسُواْ
النَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥/٧] وغيرها، والمراد بالبخس هنا قول الحرام
أو الظلم؛ لأنه بيع حر، والأصح أن المراد به الناقص عن ثمن المثل
﴿مَعْدُودَةٍ﴾ قليلة، قيل: كان عشرين درهماً أو اثنين وعشرين ﴿وَكَانُواْ
فِيهِ﴾ في يوسف ﴿مِنَ الزَّهِدِينَ﴾ الراغبين عنه. والضمير إن كان للإخوة
٥٦٢
لُعُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ١٩-٢٠
فظاهر، وإن كان للرفقه التجار، فزهدهم فيه؛ لأنهم التقطوه، والملتقط
للشيء متهاون به، مستعجل في بيعه. وباعته السيارة في مصر للذي اشتراه
بعشرين ديناراً وزوجي نعل وثوبين.
المناسبة:
بعد أن بيَّن الله تعالى ما فعله إخوة يوسف بإلقائه في أعماق الجب (البئر)
ذكر هنا طريق خلاصه من تلك المحنة عن طريق قافلة تجار ذاهبة إلى مصر،
فأخذوه وباعوه فيها.
التفسير والبيان:
ومرّ بالبئر جماعة مسافرون مارّون من مَذْين إلى مصر، روي أنهم من
العرب الإسماعيليين، بعد أن مكث يوسف في البئر ثلاثة أيام، كان يتردد عليه
بالطعام أخوه يهوذا، وذكر محمد بن إسحاق أن إخوته بعد إلقائه في الجب،
جلسوا قريباً من تلك البئر، فساق الله له سيارة، ﴿فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ﴾ (وهو
الذي يبحث عن الماء ليسقي القوم) فلما جاء إلى البئر، وأدلى دلوه فيها،
تشبّث يوسف عليه السلام بها، وخرج من البئر.
فقال مبشراً جماعته السيارة: يابشرى هذا غلام، أي هذه أوان البشرى
فاحضري، هذا غلام وسيم جميل صبوح ظريف، كما تقول: يا أسفا،
ویا حسرتا. فاستبشروا به فهو غلام يباع.
وأخفوه عن الناس، ليكون بضاعة لهم يتاجرون فيه ويبيعونه لأهل مصر،
والله عليم بما يعملون لا يخفى عليه شيء من أفعال هؤلاء وغيرهم، وعليم
بما يفعله إخوة يوسف ومشتروه، وهو قادر على تغییر الواقع ودفعه، ولکن له
حكمة وقدراً سابقاً، فترك الأمر ليمضي ما قدره وما قضاه: ﴿أَا لَهُ الْخَلْقُ
وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤/٧].
٥٦٣
الُرُءُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ١٩-٢٠
والبائع: إما إخوة يوسف، كما روي عن ابن عباس، والتجار هم الذين
اشتروه والذين أسرّوه بضاعة هم إخوة يوسف، لما استخرج من الجبّ. وإما
أن البائع هم السيارة، والمشتري: واحد من أهل مصر.
وفي هذا تسلية لرسول الله صل# عما كان يلقاه من أذى قومه المشركين،
وإعلام له بأن الله عالم بأذى قومك لك، فإنه قادر على تغيير الأذى، ولكن
اصبر كما صبر يوسف على كيد إخوته وأذاهم، وسأنصرك عليهم، كما
نصرت يوسف على إخوته، وجعلته سيداً عليهم.
﴿وَشَرَوْهُ﴾ أي باعه إخوة يوسف، قال ابن كثير: وهو الأقوى، أو باعته
السيارة القافلة في مصر بثمن قليل ناقص عن ثمن المثل من الدراهم المعدودة
عداً، لا وزناً، وكانوا لا يزنون إلا ما بلغ الأوقية (أربعين درهماً) فما فوقها،
فباعوه بعشرين أو باثنين وعشرين درهماً، فالمراد بالبخس هنا الناقص أو
المعيب أو كلاهما، أي باعوه بأنقص الأثمان. وقيل: المراد به الظلم أو
الحرام، لكونه بيع حر، والراجح هو المعنى الأول، كما ذكر ابن كثير؛ لأن
الحرام معلوم يعرفه كل أحد؛ لأن ثمنه حرام على كل حال، وعلى كل أحد؛
لأنه نبي ابن نبي، ابن نبي، ابن خليل الرحمن، فهو الكريم ابن الكريم ابن
الكريم ابن الكريم.
وكانوا في يوسف وبيعه من الزاهدين أي الراغبين عنه الذين يودون
التخلص منه بأي حال دون أن يعلموا منزلته عند الله تعالى. وقد اشتراه عزيز
مصر رئيس الشرطة وصار فيما بعد مسلماً آمن بيوسف ومات في حياته.
والخلاصة: أنه تعالى وصف ذلك الثمن بصفات ثلاث: كونه بخساً،
وبدراهم معدودة، وكانوا فيه من الزاهدين.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
٥٦٤
الُعُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ١٩ -٢٠
اً - إن مجيء السيارة وإرسال الدلو في البئر تدبير خفي من الله، وتيسير
ولطف بعبده يوسف، لإنقاذه من الموت أو الهلاك في البئر؛ لأن الله عليم بكل
شيء في هذا الكون، ومدبر ما يراه خيراً على وفق حكمته وإرادته.
اً - كان بيع يوسف بثمن ناقص عن ثمن المثل، بدراهم معدودة هي
عشرون درهما كما قال ابن مسعود وابن عباس وغيرهما، فلم يستوف ثمنه
الحقيقي بالقيمة؛ لأن إخوته إن كانوا باعوه فلم يكن قصدهم ما يستفيدون من
ثمنه، وإنما كان قصدهم ما يستفيدون من خلو وجه أبيهم عنه؛ وإن كان الذين
باعوه هم السيارة الواردة، فإنهم التقطوه، ومن أخذ شيئاً بلا ثمن، باعه
بأرخص الأسعار، فما یأخذونه فیه ربح کله.
◌َّ - في الآية دليل واضح على جواز شراء الشيء الخطير بالثمن اليسير،
ويكون البيع لازماً.
٤ - الله تعالى عليم بأفعال الخلائق وأقوالهم، لا يخفى عليه شيء منها،
وسيجازيهم عليها.
وبمناسبة الكلام على الدراهم، قال العلماء: أصل النقدين الوزن، لقوله
* فيما رواه مسلم عن أبي هريرة: ((الذهب بالذهب الفضة بالفضة وزناً
بوزن مِثْلاً بِمِثْل، فمن زاد أو استزاد فهو رباً)) ولكن جرى في النقود العدّ
تخفيفاً عن الخلق، لكثرة المعاملة، ومشقة الوزن.
وهل تتعين الدراهم والدنانير أو لا؟ رأيان: قال أبو حنيفة، ومالك في
الظاهر من قوله: لا تتعين بالتعيين. وقال الشافعي: إنها تتعين. وفائدة
الخلاف تظهر فيما إذا قال: بعتك هذه الدنانير بهذه الدراهم، فعلى الرأي
الأول: تعلقت الدنانير بذمة صاحبها، والدراهم بذمة صاحبها، فلو تلفت،
ظل البيع صحيحاً ولم يتأثر بتلف شيء من العوضين؛ لأن مال الذمة لا يتلف.
٥٦٥
لُعُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٢١-٢٢
وعلى الرأي الثاني: لو تلفت الدراهم والدنانير، لم يتعلق بذمة صاحبهما
شيء، وبطل العقد كبيع الأعيان من العروض وغيرها.
- ٢ -
يوسف عند ملك مصر وإيتاؤه النبوة
{وَقَالَ الَّذِى أُشْتَرَنَهُ مِن مِّصْرَ لِأَمْرَأَنِهِ، أَكْرِمِى مَثْوَنُهُ عَسَىّ أَنْ يَنفَعَنَآ أَوْ
نَتَّخِذَهُ وَلَدَّأَ وَكَذَلِكَ مَكَّنَا لِيُوسُفَ فِى الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيِلِ الْأَحَادِيثِّ
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ:
٢١
وَاللَّهُ غَالِبُ عَلَى أَمْرِهِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
٣٣
ءَاتَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمَّأْ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
المفردات اللغوية:
﴿ وَقَالَ الَّذِى أَشْتَرَنَهُ مِن مِصْرَ﴾ وهو العزيز الذي كان على خزائن مصر،
واسمه قطفير أو أطفير، وكان الملك يومئذ ريان بن الوليد العمليقي من
العماليق، وقد آمن بيوسف ومات في حياته. روي أنه اشتراه العزيز وهو ابن
سبع عشرة سنة، ولبث في منزله ثلاث عشرة سنة، واستوزره الريان وكان ابن
ثلاثين، وآتاه الله الحكمة والعلم، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وتوفي وهو
ابن مئة وعشرين.
واختلف فيما اشتراه به، فقيل: عشرون ديناراً وزوجا نعل وثوبان أبيضان
﴿لِأَمْرَأَيِّهِ﴾ زليخا أوراعيل ﴿أَكْرِمِى مَثْوَنَهُ﴾ مقامه عندنا، أي اجعلي مقامه
عندنا كريماً أي حسناً، والمعنى: أحسني تعهده ﴿عَسَى أَنْ يَنفَعَنَآَ﴾ في ضياعنا
وأموالنا ونستعين به في مصالحنا ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ نتبناه، وكان عقيماً، لما
تفرَّس به من الرشد، ولذلك قيل: أفرس الناس ثلاثة: عزيز مصر، وابنة
شعيب التي قالت: ﴿يَأَبَتِ اُسْتَنْجِرْهُ﴾ [القصص: ٢٦/٢٨]، وأبو بكر حين
استخلف عمر رضي الله تعالى عنهما.
٥٦٦
لُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٢١-٢٢
﴿وَكَذَلِكَ﴾ كما نجيناه من القتل والبئر، وعطفنا عليه قلب العزيز ﴿مَكَّنَّا
لِيُوسُفَ فِ الْأَرْضِ﴾ مكنا له في أرض مصر وجعلنا له مكانة رفيعة فيها، حتى
صار رئيس حكومتها ووزير ماليتها ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ تعبير
الرؤيا، وهو معطوف على محذوف مقدر متعلق بمگّنا، أي لنملكه أو ليتصرف
فيها بالعدل ولنعلمه، أو الواو زائدة ﴿ وَاللَّهُ غَالِبُ عَلَى أَمْرِهِء﴾ أي لا يعجزه
شيء، فلا يُمنع عما يشاء، ولا ينازع فيما يريد.
﴿أَشُدَّهُ﴾ منتهى اشتداد جسمه وكمال قوته الجسمية والعقلية، وهو
رشده، وهو سن مابين الثلاثين والأربعين ﴿ءَاتَّيْنَهُ حُكْمًا﴾ أي حكمة، وهو
العلم المؤيد بالعمل، أو حكماً بين الناس، أو حكماً صحيحاً يزن به الأمور
بميزان صادق ﴿وَعِلْمًا﴾ يعني علم تأويل الأحاديث، وفقه الدين قبل أن
يبعث نبياً ﴿وَكَذَلِكَ﴾ كما جزيناه ﴿نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾ لأنفسهم، وهو تنبيه على
أنه تعالى إنما آتاه ذلك جزاء على إحسانه في عمله وإتقائه في عنفوان أمره.
المناسبة:
بعد مسيرة يوسف مع السيارة إلى مصر، أبان الله تعالى بداية قصة يوسف
في بيت عزيز مصر الذي اشتراه، وإيتاءه النبوة والعلم والحكمة وتعبير الرؤيا
وجعله من زمرة المحسنين.
التفسير والبيان:
بعد تلك المأساة الحزينة التي مرَّ بها یوسف في البئر، ثم اعتبارہ کالعبید یباع
ويشترى، قيَّض الله له الذي اشتراه من مصر، ولم يذكر هنا اسمه، وإنما وصفه
النسوة بأنه عزيز مصر على خزائنها، وذكر في التاريخ أنه رئيس الشرطة
والوزير بها، وكان اسمه ((قطفير)) أو أطفير بن روحيب وزير المالية، حتى اعتنى
به وأكرمه وأوصى أهله به، لما توسم فيه الخير والصلاح، فقال لا مرأته زليخا
٥٦٧
الُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٢١-٢٢
أوراعيل بنت رعابيل: أكرمي مقام هذا الغلام ومنزله عندنا أي أحسني
تعهده؛ لما تفرس فيه من الرشد.
روى أبو إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود أنه قال: أفرس
الناس ثلاثة: عزيز مصرحين قال لامرأته: ﴿أَكْرِمِ مَثْوَنُهُ﴾ والمرأة التي
قالت لأبيها: ﴿ يَأَبَتِ اُسْتَفْجِرْهُ﴾ [القصص: ٢٦/٢٨]، وأبو بكر الصديق حين
استخلف عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
وقيل: كان فرعون موسى الذي عاش أربع مئة سنة هو الذي اشترى
يوسف، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَآءَ كُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيْنَتِ﴾ [غافر:
٣٤/٤٠] قال البيضاوي: والمشهور أن المشتري من أولاد فرعون، والآية من
قبيل خطاب الأولاد بأحوال الآباء.
ثم علل عزيز مصر طلبه من امرأته حسن تعهد يوسف بقوله كما قال الله:
﴿عَسَىّ أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَشَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ أي لي رجاء أن ينفعنا في أعمالنا الخاصة
واستثمار أموالنا، أو مصالحنا العامة، أو نتبناه ولداً تقر به أعيننا؛ لأنه كان
عقيماً لا يولد له ولد، وكان حصوراً.
والآية تدل على أن العزيز كان عقيماً، وأنه كان صادق الفراسة.
ثم أبان الله تعالى أفضاله الأدبية المعنوية بعد أن قيض له من يعينه مادياً
فقال: وكما أنعمنا عليه بالسلامة من الجبّ، وأنقذناه من إخوته، وهيأنا له
المنزل والمثوى الطيب الكريم، عطّفنا عليه قلب العزيز، وجعلنا له مكانة عالية
في أرض مصر، يملك الأمر والنهي وتدبير أمور المالية وشؤون الدولة
والحكم، بسبب حدوث ما حدث له في بيت العزيز، ثم السجن، الذي كان
سبباً في التعرف على ساقي الملك، ثم الاتصال بالملك نفسه، حتى قال له
الملك: ﴿إِنَّكَ أَلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِيْنُ أَمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤/١٢] وقال يوسف للملك:
﴿قَالَ أَجْعَلْنِ عَلَى خَزَآئِنِ الْأَرْضِّ إِى حَفِيظُ عَلِيمٌ (®ّ﴾ [يوسف: ٥٥/١٢].
٥٦٨
لِلُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٢١-٢٢
وتحقيق الكمال يكون بأمرين هما القدرة والعلم، أما تكميله في صفة
القدرة فبقوله تعالى: ﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِ الْأَرْضِ﴾ وأما تكميله في صفة العلم،
فبقوله تعالى: ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِّ﴾ وهو معطوف على مقدر متعلق
بمكنا، أي لنملكه ولنعلمه. وتأويل الأحاديث: تعبير الرؤيا، ومعرفة حقائق
الأمور، وكيفية الاستدلال بأصناف المخلوقات على قدرة الله تعالى وحكمته
وجلاله.
ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبُ عَلَى أَمْرِهِ﴾ لا يعجزه شيء، فلا يُمنع عما
يشاء، ولا ينازع فيما يريد، إذا أراد شيئاً فلا يرد ولا يمانع ولا يخالف، بل
هو الغالب، وهو الفعال لما يشاء، كما قال سعيد بن جبير: ((ولكن أكثر
الناس لا يدرون حكمته في خلقه وتلطفه وفعله لما يريد، ويأخذون بظواهر
الأمور، كما ظن إخوة يوسف أنه لو أُبعد خلا لهم وجه أبيهم، وكانوا من
بعده قوماً صالحين)).
وقوله: ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ دليل على أن الأقل يعلمون الحقائق كيعقوب
عليه السلام، الذي يعلم أن الله غالب على أمره.
ثم بَيَّن الله تعالى ما جازى به يوسف لما صبر على إساءة إخوته إليه، وعلى
الشدائد والمحن التي مرَّ بها، فمكنه الله تعالى في الأرض، وهو القدرة التي
أشرنا إليها، ولما بلغ أشده آتاه الله النبوة التي عبر عنها بالحكم والعلم، وهي
أكمل درجات العلم، فقال: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ أي ولما استكمل يوسف قواه
الجسمية والعقلية، آتيناه حكماً وعلماً، أي النبوة التي حباه بها بين أولئك
الأقوام، كالجزاء على صبره على تلك المحن وعلى الأعمال الحسنة.
واكتمال الرشد وبلوغ الأشد: مابين سن الثلاثين والأربعين، فقال
جماعة: ثلاث وثلاثون سنة، أو بضع وثلاثون، وقال الحسن: أربعون سنة.
وقال عكرمة وهو تقدير الأطباء: خمس وعشرون سنة.
٥٦٩
اِلُرُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٢١-٢٢
﴿وَكَذَلِكَ نَجْرِى الْمُحْسِنِينَ﴾ أي ومثل ذلك الجزاء، نجزي المحسنين الذين
يحسنون لأنفسهم أعمالهم. وهذا دليل على أن يوسف عليه السلام كان محسناً
في عمله، عاملاً بطاعة الله تعالى، وأن ما آتاه الله من سلطان ونفوذ، وعلم
وحكمة، ونبوة ورسالة كان جزاء على إحسانه في عمله، وتقواه في حال
شبابه، إذ للإحسان تأثير في صفاء العقول، وللإساءة تأثير في تعكير النفوس
وسوء فهم الأمور.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما تفضل الله به على يوسف عليه السلام جزاء صبره من
نعم وفضائل مادية ومعنوية وهي ما يأتي:
اً - تهيئة البيت الكريم، والمثوى والمقام المريح، والمطعم واللباس الحسن،
والحفظ والرعاية المادية والأدبية في ظل بيت العزيز الذي كان وزيراً للمالية
على خزائن مصر، وهو المنصب ذاته الذي تولاه يوسف عليه السلام بعدئذ.
أَ - كان عزيز مصر صادق الفراسة، ثاقب الفكرة، أصاب فيما توقعه
ليوسف من مكانة عالية في البلاد.
◌َّ - التمكين المادي ليوسف في أرض مصر، بأن عطف الله عليه قلب
الملك، حتى تمكن من الأمر والنهي في بلد الملك نفسه، فصار وزيراً للمالية
ورئيساً للحكومة.
٤ - التمكين المعنوي ليوسف ليوحي الله إليه بكلام منه، وليعلمه تأويل
الكلام وتفسيره، وتعبير الرؤيا، والفطنة للأدلة الدالة على وجود الله
ووحدانيته وقدرته.
٥ - إيتاؤه الحكم والعلم، أي النبوة بعد بلوغ الرشد واكتمال البنية
الجسدية والقوى العقلية، فقوله: ﴿حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ إشارة إلى استكمال النفس
في قوتها العملية والنظرية.
٥٧٠
لُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٢١-٢٢
أَ - جعله من المؤمنين المحسنين المطيعين أوامر ربه، المتجنب نواهيه،
الصابرين على النوائب، حتى قال بعضهم: إن من اجتهد وصبر على بلاء الله
تعالى، وشكر نعماء الله تعالى، وجد منصب الرسالة، بدليل أنه تعالى لما ذكر
صبر يوسف على تلك المحن، ذكر أنه أعطاه النبوة والرسالة.
٧ - دل قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾ على أن كل من أتى بالطاعات
الحسنة التي أتى بها يوسف، فإن الله يعطيه تلك المناصب.
٨ - الله تعالى غالب على أمره، فعال لما يشاء، لا يعجزه شيء في الأرض
ولا في السماء، نافذ أمره في الخلائق، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ
[يس: ٨٢/٣٦] .
١٣
شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
ـة - أكثر الناس لا يعلمون حقائق الأمور الإلهية، ويكتفون بظواهر
الأمور، والأقل كالأنبياء والمؤمنين الأتقياء هم الذين يدركون أن الله غالب
على أمره.
٥٧١
لِلُُّ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٢٣-٢٩
الفصل الرابع من قصة يوسف
يوسف وامرأة العزيز
﴿ وَرَوَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ، وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ
وَلَقَدْ هَمَّتْ
قَالَ مَعَاذَ اَللَّهِ إِنَّهُ رَبِّ أَحْسَنَ مَثْوَىَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
◌ِ، وَهَمَّ بِهَا لَوَلَا أَن رَّهَا بُرْهَنَ رَيِّدٍ، كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ الشُّهَ وَالْفَحْشَآءَ
وَأَسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا
إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ
سَيِّدَهَا لَذَا الْبَابٍ قَالَتْ مَا جَزَّآءُ مَنْ أَرَدَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ
أَلِمٌ ﴿َ قَالَ هِىَ رَوَدَتْنِى عَن نَّفْسِىَّ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ
وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن
قَمِيصُهُ، قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَذِبِينَ
دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّدِقِينَ
﴾ فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن
٢٧
يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَأُسْتَغْفِى لِذَنِكِّ إِنَّكِ
كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ
٢٨
٢٩٦
كُنْتِ مِنَ الْخَاطِعِينَ
القراءات:
(هَيْتَ لَكَ)
قرئ:
١- (هِيْتَ لك) وهي قراءة نافع، وابن ذكوان.
٢- (هَيْتُ لك) وهي قراءة ابن كثير.
٣- (هَيْتَ لك) وهي قراءة الباقين.
﴿رَبِّ أَحْسَنَ﴾ :
٥٧٢
الُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٢٣-٢٩
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (ربيَ).
[الْمُخْلَصِينَ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر (المخلِصين).
الإعراب:
﴿هَيْتَ لَكَ﴾ اسم لهُلُمَّ، ولذلك كانت مبنية، وكان الأصل أن تبنى على
السكون، إلا أنه لم يُمكن أن تبنى على السكون؛ لأنهم لا يجمعون بين ساكنين
وهما الياء والتاء. ومنهم من بناها على الفتح لأنه أخف الحركات. ومنهم من
بناها على الكسر؛ لأنه الأصل في التحريك لالتقاء الساكنين، ومنهم من بناها
على الضم لحصول الغرض من زوال التقاء الساكنين.
ومن قرأ: (هُيِّئْتُ لك) بالهمز فمعناه: تهيأت لك، وتكون التاء مضمومة؛
لأنها تاء المتكلم.
﴿مَعَاذَ اُللَّهِ﴾ منصوب على المصدر، يقال: عاذ يعوذ مَعاذاً وعوذاً وعِياذاً.
﴿رَبِّ﴾ في موضع نصب على البدل من هاء ﴿ إِنَّهُ﴾ وهي اسم إن.
﴿ أَحْسَنَ مَثْوَىٌ﴾ فعل ومفعول، ومن قرأ (أحسنُ) فهو خبر إنّ، أي إن
ربي أحسن مثواي.
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ﴾ الهاء ضمير الشأن والحديث. وجملة ﴿لَا يُفْلِحُ اَلَّالِمُونَ﴾
جملة فعلية خبر إن.
﴿لَوْلَا أَنْ رَّءَا﴾ ﴿لَوْلَا﴾ حرف يمتنع له الشيء لوجود غيره. و﴿أَن رََّا﴾ في
موضع رفع لأنه مبتدأ. ولا يجوز إظهار خبره بعد ﴿لَوْلًا﴾ لطول الكلام
بجوابها، وقد حذف خبر المبتدأ هنا والجواب معاً، والتقدير: لولا رؤية برهان
٥٧٣
لُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٢٣-٢٩
ربه موجودةٌ لهمَّ بها. ولا يجوز أن يكون ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ جواب ﴿لَوْلًا﴾ لأن
جواب ﴿لَوْلًا﴾ لا يتقدم عليه.
كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ﴾ الكاف من ﴿كَذَلِكَ﴾ يجوز أن تكون رفعاً، بأن
تكون خبر مبتدأ محذوف، التقدير: البراهين كذلك، ويجوز أن تكون نعتاً
لمصدر محذوف، أي أريناه البراهين رؤية كذلك.
البلاغة:
فَصَدَفَتْ﴾ و﴿فَكَذَبَتْ﴾ و﴿ الصَّدِقِينَ﴾ و﴿ اَلْكَذِبِينَ﴾ بين كلٍّ طباق.
﴿مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ من باب تغليب الذكور على الإناث.
المفردات اللغوية:
﴿ وَرَوَدَتْهُ﴾ طلبت منه زليخا مواقعتها برفق ولين ومخادعة، ومنه قوله:
﴿سَنُزَوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾ [يوسف: ٦١/١٢] أي نحتال عليه ونخدعه عن إرادته،
ليرسل أخاه بنيامين معنا، ومنه الرائد: الذاهب لطلب شيء. والمراد من آية
﴿وَرَوَدَتْهُ﴾ تحايلت لمواقعته إياها، ولم تجد منه قبولاً. ﴿ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَبَ﴾
أحكمت إغلاق أبواب البيت، قيل: كانت سبعة، والتشديد: للتكثير أو
للمبالغة في الإيثاق . ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ أي هلم وأقبل وبادر، أو تهيأت، وهِي
لغة عرب حوران والكلمة: اسم فعل مبني على الفتح، ولام ﴿لَكَ}
للتبیین، کالتي في ((سقيا لك)).
﴿قَالَ مَعَاذَ اَللَّهِ﴾ أعوذ بالله وأتحصن من الجهل والفسق. ﴿إِنَّهُ رَّةَ﴾ إن
الذي اشتراني سيدي قطفير، أو إن الشأن ﴿أَحْسَنَ مَتْوَاىَ﴾ مقامي، أي
أحسن تعهدي، إذ قال لكِ: ﴿أَكْرِمِى مَثْوَنُهُ﴾ فلا أخونه في أهله. وقيل:
إن الضمير الله تعالى، أي إنه الذي خلقني وأحسن منزلتي بأن عطف علي قلب
سيدي، فلا أعصيه . ﴿إِنَّهُ﴾ أي الشأن ﴿لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ المجازون الحسن
بالشّيء وقيل: الزناة، فإن الزنى ظلم على الزاني والمزني بأهله.
٥٧٤
اِلُعُ (١٢) - يُوسُف: ١٢ / ٢٣-٢٩
﴿هَمَّتْ بِهِ﴾ قصدت منه الجماع ومخالطته أو أن تبطش به لعصيانه
أمرها، والهم بالشيء: قصده والعزم عليه ومنه الهمام: وهو الذي إذا هم
بشيء أمضاه . ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوَلَا أَنْ رََّا بُرْهَنَ رَبِّهٍ﴾ أي لولا وجود النبوة، أو
مراقبة الله تعالى وطاعته ورؤية ربه متجلياً عليه، لقصد مخالطتها، والمفهوم من
﴿لَؤْلَا﴾ أنه لم يقصد ذلك أصلاً، لوجود خشية الله في قلبه؛ لأن ﴿لَوْلًا﴾
حرف امتناع لوجود، فعندما تقول: لولا إتيان ضيف إلي البارحة لجئت
إليك، تعني تعذر المجيء لصاحبك بسبب مجيء ضيف يزورك، فالضيف مانع
من حصول المجيء، وكذلك هنا: لولا برهان النبوة ومراقبة الله لهمَّ بها.
﴿كَذَلِكَ﴾ أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه وأريناه البرهان. ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ
السُّوْءَ﴾ الخيانة ﴿وَالْفَحْشَاءُ﴾ الزنى ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ المختارين
الذين اجتباهم الله واختارهم لطاعته وعلى قراءة كسر اللام (المُخلِصينَ)
يكون المراد: المخلصين في الطاعة.
﴿ وَأَسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ أي تسابقا إلى الباب، فحذف الجار، أو ضمن الفعل
معنى الابتدار، أي أسرع كل منهما نحو الباب، وذلك أن يوسف فرّ منها
ليخرج، وأسرعت وراءه لتمنعه الخروج، فمبادرته كانت للفرار، ومبادرتها
كانت للتشبُّث فيه، فأمسكت ثوبه وجذبته إليها. ﴿وَقَدَّتْ﴾ شقت قميصه من
دبر، أي من الخلف والقد: الشق طولاً. ﴿ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَّدَا الْبَابِ﴾ وجدا
زوجها وصادفاه عند الباب. ﴿قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ أي
نزهت نفسها، وأوهمت زوجها أنها فرَّت منه تبرئة لساحتها عنده وإغراء به
للانتقام من يوسف. و﴿مَا﴾ نافية أو استفهامية، والمعنى: أي شيء جزاؤه إلا
السجن أي الحبس. ﴿أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم بأن يضرب. وتعبير ﴿وَأَسْتَبَقًا
الْبَابَ﴾ من اختصار القرآن المعجز، الذي يجمع المعاني الكثيرة في الألفاظ
القليلة.
٥٧٥
الُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٢٣-٢٩
﴿قَالَ هِىَ رَوَدَتْنِ﴾ قال يوسف: هي طالبتني بالمواتاة، دفاعاً عن نفسه لما
عرضت له من السجن أو العذاب، ولو لم تكذب عليه لما قال ذلك. ﴿وَشَهِدَ
شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآَ﴾ قيل: ابن عمها، أو ابن خالها، وكان صبياً في المهد،
أنطقه الله تعالى.
﴿مِن قُبُلٍ﴾ من قدام أو أمام. ﴿مِن دُبُرٍ﴾ من خلف. ﴿فَلَمَّا رَءَا﴾ زوجها
﴿قَالَ إِنَّهُ﴾ أي إن قولك: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَدَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ ﴿مِن
كَيْدِكُنَّ﴾ أي من حيلتكن أيها النساء، والخطاب لها ولأمثالها، أو لسائر
النساء . ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ أي إن كيد النساء ألصق وأعلق بالقلب، وأشد
تأثيراً في النفس، ولا قدرة للرجال عليه ولا يفطنون لحيلهن.
﴿ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ أي ثم قال زوجها: يا يوسف أعرض عن هذا
الأمر، ولا تذكره واكتمه لئلا يشيع الخبر بين الناس . ﴿ وَاُسْتَغْفِى﴾ يا زليخا.
﴿إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ أي الآثمين المذنبين، ولكن شاع الخبر.
واشتهر. والتذكير للتغليب.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى ما أكرم به يوسف من المكارم المادية بالإقامة في قصر
عزيز مصر، والمعنوية من النبوة أو العلم والحكمة، ذكر هنا محنته مع امرأة
العزيز، والتزامه العفة والنزاهة والطهارة، حتى إنه آثر دخول السجن على
ارتكاب الفاحشة، والتخلص من افتتان النساء به.
التفسير والبيان:
كان يوسف عليه السلام في غاية الحسن والجمال، وقد أوصى عزيز مصر
امرأته بإكرامه وحسن تعهده، فأحبته حباً شديداً لجماله وحسنه وبهائه،
فحملها ذلك على أن تجملت له، ودعته لمخالطتها، وتمحلت لمواقعته إياها ،
٥٧٦
الُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٢٣-٢٩
وأحكمت إغلاق الأبواب عليه قيل: كانت سبعة، وقالت: هيت لك، أي
هلم أقبل وبادر، وتهيأت لك، وزيدت كلمة ﴿لَكَ﴾ لبيان المخاطب، مثل:
سقياً لك ورعياً لك. وهذا أسلوب في غاية الاحتشام.
فامتنع من ذلك أشد الامتناع، وقال: أعوذ بالله معاذاً، وألتجئ إليه
﴿إِنَّهُ﴾
وأعتصم به مما تريدين مني، فهو يعيذني أن أكون من الجاهلين
(الضمير للشأن والحديث) ربي أي سيدي ومالكي (قطفير) ﴿أَحْسَنَ مَثْوَاىَ﴾
أي منزلي ومقامي وأحسن إلي، حين قال لك: ﴿أَكْرِمِى مَثْوَنَهُ﴾ فلا أقابله
بالخيانة، وإتيان الفاحشة في أهله، إنه لا يفلح الظالمون الذين يجازون
الإحسان بالإساءة، أو لا يظفر الظالمون بمطالبهم، ومنهم الخائنون المجازون
الإحسان بالسوء.
ولقد همت بالانتقام منه والتنكيل به، لعصيانه أمرها، وعدم نزوله عند
رغبتها، ومخالفته مرادها، وهي سيدته وهو عبدها، أو همت بمخالطته.
﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّءَا بُرْهَنَ رَبِّهِ،﴾ كثر كلام الناس وتعليقاتهم حول معنى
هذه الآية، والأمر فيها سهل يسير، لا يصح تفسير كلمة ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ وحدها
دون بقية الجملة، وإذا فسرت الجملة مع بعضها، تبين أنه لم يهمّ بها قط؛ لأن
رؤية برهان ربه قد منعه من ذلك، بدليل أن ﴿لَوْلَا﴾ حرف امتناع لوجود
وجوابها محذوف دائماً، وتقديره: لولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها ولخالطها؛
لأن قوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا ﴾ يدل عليه، كقولك: (هممت بقتله لولا أني خفت الله)
معناه: (لولا أني خفت الله لقتلته) ففي الكلام تقديم وتأخير، أي لولا أن
رأى برهان ربه همَّ بها.
ثم إن المراد بالهم: خطرات حديث النفس، والميل إلى المخالطة بحكم الطبيعة
البشرية، وهذا لا مؤاخذة فيه شرعاً، فلا يقال: كيف جاز على نبي الله أن
يكون منه هم بالمعصية وقصد إليها؟ ودليل رفع المؤاخذة على الهم الذي هو
٥٧٧
اْلُ (١٢) - يُوسُفَا: ١٢ / ٢٣-٢٩
مرتبة دون العزم والحزم ما أورده البغوي من حديث عبد الرزاق والصحيحين
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ له: ((يقول الله تعالى: إذا
هم عبدي بحسنة، فاكتبوها له حسنة، فإن عملها، فاكتبوها له بعشر أمثالها،
وإن هم بسيئة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإنما تركها من جرائي، فإن عملها
فاكتبوها بمثلها)).
والبرهان الذي رآه: هو برهان الله المأخوذ على المكلفين من وجوب
اجتناب المحارم، أو هو حجة الله تعالى في تحريم الزنى، والعلم بما على الزاني
من العقاب. وقيل: هو تطهير نفوس الأنبياء عليهم السلام عن الأخلاق
الذميمة، وقيل: هو النبوة المانعة من ارتكاب الفواحش، وجائز أن يراد كل
هذه المعاني؛ لأنها متقاربة غير متعارضة، تحقق هدفاً واحداً وهو طاعة الله عز
وجل.
والخلاصة: لم يرتكب يوسف عليه السلام المعصية قط، ولولا حفظ الله
ورعايته وعصمته لهمّ بها. وللعلماء في الآية تفسيران: الأول - إنه لم يهمّ بها
لرؤية برهان ربه، فهو الذي منعه من الهمّ، والثاني - إنه هم بمقتضى الطبيعة
البشرية، ثم تنبه للمانع من وقوع المعصية، ورأى برهان الله وتذكره، مثل قوله
تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تَبَّنْنَكَ لَقَدْ كِدتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا
٧٤
[الإسراء: ١٧ / ٧٤] .
وبه تبين وجود الفارق بين الهمين: همها به وهمه، فهي قد همت بالانتقام
منه والتنكيل به، شفاء لغيظها، أو همت بمخالطته، فكان همها المعصية، وهو
هم عزم وتصميم. وهو قد هم بالدفاع عن نفسه، والتخلص منها، حين رأى
بوادر الإقدام عليه، ولكنه رأى برهان ربه وعصمته التي جعلته يهم بالفرار من
هذا المأزق، فكان همه النجاة منها، وما هم بالسوء بها لما رأى برهان ربه؛
لعصمة الأنبياء، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَاَلْفَحْشَاءُ إِنَّهُ مِنْ
٥٧٨
الزُ (١٢) - يُوسُفَنَا: ١٢ / ٢٣-٢٩
عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ لذا أتبعه بقوله: ﴿وَأَسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ أي فبادر إلى الباب
هرباً، وبادرت هي إلى الباب صداً له عن الهرب. وأراد الله صرف السوء عنه
فقال: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ الشُّوْءَ وَاَلْفَحْشَآءَ﴾ أي مثل ذلك التثبيت على
العفة أمام دواعي الفتنة والإغراء ثبتناه، وكما أريناه برهاناً صرفه عما كان
فيه، كذلك نقيه السوء والفحشاء في جميع أموره. والسوء: المنكر والمعصية
وخيانة السيد، والفحشاء: الزنى والفجور.
﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ أي إن يوسف من عباد الله الذين اصطفاهم
واختارهم لوحيه ورسالته وصفاهم من الشوائب، فلا يستطيع الشيطان
(٤٧) ﴾ [ص:
إغواءهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ اْلْأَخْيَارِ
٤٧/٣٨] .
وحدثت المفاجأة الغريبة المحرجة بقدوم زوجها، وهما يتسابقان إلى الباب،
فقال تعالى: ﴿وَأَسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ أي وتسابقا إلى الباب، بناء على حذف الجارّ
وإيصال الفعل كقوله تعالى: ﴿وَأَخْثَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥/٧] أو بناء
على تضمين (استبقا) معنى: ابتدرا، والتسابق مختلف الغرض، فيوسف فرّ
منها مسرعاً يريد الباب ليخرج، وهي أسرعت وراءه لتمنعه الخروج.﴿ وَقَدَّتْ
قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ﴾ أي لحقته في أثناء هربه، فأمسكت بقميصه من الخلف،
فَقَطَعَتْهُ.
﴿ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا الْبَابٍ﴾ أي وحينئذ وجدا سيدها وهو زوجها عند
الباب، فحاولت بمكرها وكيدها التنصل من جرمها وإلصاق التهمة بیوسف،
فقالت: ما جزاء من أراد بأهلك فاحشة إلا أن يحبس، أو عذاب مؤلم
موجع، فيضرب ضرباً شديداً. وكانت نساء مصر تلقب الزوج بالسيد، ولم
يقل: سيدهما؛ لأن استرقاق يوسف غير شرعي .:
٥٧٩
الُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٢٣-٢٩
وهنا ذكر الرازي علامات كثيرة دالة على أن يوسف عليه السلام هو
الصادق وهي(١):
اً - إن يوسف عليه السلام كان في اعتبارهم عبداً، والعبد لا يتسلط على
مولاه إلى هذا الحد.
أَ - شوهد يوسف يعدو عدواً شديداً ليخرج، وطالب المرأة لا يفعل
ذلك.
◌َّ - زيَّنت المرأة نفسها على أكمل الوجوه، خلافاً لما كان عليه حال
یوسف.
٤ - لم تكن سيرة يوسف في المدة الطويلة دالة على حالة تناسب هذا الفعل
المنكر.
٥ - لم تصرح المرأة بنسبته إلى الفاحشة، بل أجملت كلامها، وأما يوسف
فصرح بالأمر.
أَ - إن زوج المرأة كان عاجزاً، فطلب الشهوة منها أولى.
لكل هذا لم تطلب عقوبة شديدة، وإنما أرادت أن يجبس يوماً أو أقل، على
سبيل التخفيف والتخويف؛ لأن حبها الشديد ليوسف حملها على أن تشفق
عليه، ولكنها من جانب آخر استحيت أن تقول: إن يوسف قصدني بالسوء،
وأرادت تَصَيُّد عذر ما، وحماية سمعتها وكرامتها أمام زوجها.
ذكر بعضهم: ما زال النساء يملن إلى يوسف مَيْل شهوة حتى نبأه الله،
فألقى عليه هيبة النبوة، فشغلت هيبته كل من رآه عن حسنه.
(١) المرجع السابق: ١٢٣/١٨
٥٨٠
لُزُرُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٢٣-٢٩
ثم جاء دور براءة يوسف: ﴿قَالَ هِىَ رَوَدَتْنِ﴾ قال يوسف بارّاً صادقاً
مدافعاً عن نفسه حينما اتهمته بقصد السوء: هي التي راودته عن نفسه، فامتنع
منها، وأنها تبعته وجذبته حتى قدت قميصه، ولم تترك حيلة إلا لجأت إليها
لمواقعتها.
﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا﴾ وللعلماء قولان في هذا الشاهد، هل هو
صغير أو كبير؟ وهل هو إنسان أو القميص؟، فصار في تعيين هذا الشاهد
ثلاثة أقوال :
الأول - أنه كان ابن عم لها كبير، وكان رجلاً حكيماً عاقلاً حصيف
الرأي، فقال: إن كان (١) شق القميص من قدامه فأنت صادقة والرجل
كاذب، وإن كان من خلفه فالرجل صادق وأنت كاذبة، فلما نظروا إلى
القميص، ورأوا الشق من خلفه، قال ابن عمها: ﴿إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾ أي
من عملكن، ثم قال ليوسف: أعرض عن هذا واكتمه، وقال لها: استغفري
لذنبك. وهذا قول طائفة كبيرة من المفسرين.
والثاني - وهو قول ابن عباس وجماعة: أن ذلك الشاهد كان صبياً أنطقه
الله تعالى في المهد. روى ابن جرير حديثاً مرفوعاً عن ابن عباس عن النبي وَل
قال: ((تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف،
وصاحب جريج، وعيسى بن مريم)).
والثالث - أن ذلك الشاهد هو القميص. قال الرازي: وهذا في غاية
الضعف؛ لأن القميص لا يوصف بهذا، ولا ينسب إلى الأهل.
(١) إن كان قميصه: كان في موضع جزم بالشرط، وفيه إشكال نحوي؛ لأن حروف الشرط ترد
الماضي إلى المستقبل، وليس هذا في كان، فقال المبرد: هذا لقوة كان، وأنه يعبر بها عن جميع
الأفعال. وقال الزجاج: المعنى: إن يكن، أي إن يُعلم، والعلم لم يقع.