النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١
اِلُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٧ -١٠
٢- (غيابت) وهي قراءة الباقين، ووقف بالهاء: ابن كثير، وأبو عمرو،
والكسائي. ووقف الباقون بالتاء.
الإعراب:
﴿ءَايَتُ لِلِسَّآئِلِينَ﴾ ﴿َايَتُ﴾ جمع آية، وآية على وزن (فَعِلة)) بكسر العين،
فتقلب العين ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، فتصير آية ((ليوسف .. وأخوه))
مبتدأ وخبر.
﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ مبتدأ وخبر، والواو حالية.
﴿أَرْضًا﴾ منصوب على أنه ظرف مكان، وتعدَّى إليه. ﴿اُطْرَحُوهُ﴾ وهو
لازم؛ لأنه ظرف مكان مُبْهَم، وليس له حدود تحصره ولا نهاية تحيط به، لأنه
نكرة، فنصبت كالظروف المبهمة. أو انتصب على إسقاط حرف الجر.
﴿يَخْلُ لَكُمْ﴾ جواب الأمر. ﴿وَتَكُونُواْ﴾ مجزوم بالعطف على ﴿يَخْلُ﴾ أو
منصوب بإضمار (أن).
المفردات اللغوية:
﴿ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَيِّهِ=﴾ أي في خبرهم وقصتهم، وهم أحد عشر وإخوته
العشرة هم: يهوذا، وروبيل، وشمعون، ولاوي، وربالون، ويشجر، ودينة،
ودان، ونفتالى، وجاد، وآشر. والسبعة الأولون كانوا من ((ليا)) بنت خالة
يعقوب، والأربعة الآخرون من سُرِّيِّتين (أمتَين): زلفة وبلهة، فلما توفيت
(ليا)) تزوج يعقوب أختها ((راحيل)) فولدت له بنيامين ويوسف(١).
﴿ءَايَتُ﴾ عبر، أو علامات ودلائل على قدرة الله تعالى وحكمته في كل
(١) الكشاف: ١٢٤/٢
٥٤٢
لُرُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٧-١٠
شيء لمن سأل عنهم وعرف قصتهم، والظاهر أنها الدلالات على صدق
الرسل. ﴿لِلِسَّابِلِينَ﴾ عن خبرهم. ﴿إِذْ قَالُواْ﴾ اذكر حين قال بعض إخوة
يوسف لبعضهم. ﴿وَأَخُوهُ﴾ بنيامين. ﴿عُصْبَةُ﴾ جماعة رجال ما بين الواحد
والعشرة. ﴿لَفِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ خطأ بيِّن، بإيثارهما علينا وتفضيله المفضول، أو
لترك العدل في المحبة. روي أن یوسف کان أحب إلى أبيه، لما یری فيه المخایل،
وكان إخوته يحسدونه، فلما رأى الرؤيا ضاعف له المحبة، بحيث لم يصبر عنه،
فتبالغ حسدهم حتی حملهم على التعرض له.
﴿ اقْتُلُواْ يُوسُفَ﴾ من جملة المحكي بعد قوله: إذ قالوا، كأنهم اتفقوا على ذلك
الأمر إلا من قال: لا تقتلوا يوسف. ﴿أَرْضًا﴾ أي بأرض بعيدة من العمران.
﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِكُمْ﴾ يصْفُ لكم، فيقبل عليكم ولا يلتفت إلى غيركم.
﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ من بعد يوسف أو من بعد قتله أو طرحه. ﴿صَلِحِينَ﴾ تائبين إلى
الله تعالى عما جنيتم، بأن تتوبوا، أو صالحين مع أبيكم، أو في أمر دنياكم.
﴿قَالَ فَآئِلٌ مِّنْهُمْ﴾ هو يهوذا، وكان أحسنهم فيه رأياً، وقيل: روبيل ﴿لَا
نَقْئُلُواْ يُوسُفَ﴾ فإن القتل عظيم. ﴿وَأَلْقُوهُ فِى غَيَدَبَتِ الْجُبِّ﴾ في قعره سمي به
لغيبوبته عن أعين الناظرين. ﴿السَّيَّارَةِ﴾ المسافرين، الذين يسيرون في
الأرض. ﴿إِن كُنتُمْ فَعِلِينَ﴾ ما أردتم من التفريق بينه وبين أبيه، أو فاعلين
بمشورتي، فاكتفوا بذلك.
المناسبة:
هذه بداية قصة يوسف مع إخوته، بعد أن قدم الله تعالى لها بمقدمتين:
الأولى - وصف القرآن، وأنه تنزيل من عند الله بلسان عربي مبين، دال على
رسالة النبي ◌َّه، ورتب عليه: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾. والثانية - الكلام
على رؤيا يوسف وتأثيرها في نفس يعقوب، وبنى عليها العبرة منها وهي
﴿يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُءْيَىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّ حَقًّا﴾.
٥٤٣
لِلُعُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٧-١٠
التفسير والبيان:
تالله، لقد كان في قصة يوسف مع إخوته لأبيه عبرة ومواعظ للسائلين
الذين سألوا عنهم، دالة على قدرة الله تعالى وحكمته في كل شيء لكل سائل
عن أحداث القصة، ودالة على صدق الرسول يوسف وغيره، وعلى ما أظهر
الله في قصة يوسف من عواقب البغي عليه، وصدق رؤياه، وصحة تأويله،
وضبط نفسه وقهرها، حتى قام بحق الأمانة (١). فذلك خبر عجيب يستحق أن
يخبر عنه.
إنه لعبرة حين قالوا: والله ليوسف وأخوه بنيامين شقيقه أحب إلى أبينا منا،
فهو يفضلهما علينا في الحب، وهما صغيران، ونحن جماعة عشرة رجال. حلفوا
فيما يظنون، و﴿أَحَبُّ﴾ أفعل تفضيل أي أكثر حباً منا. والعصبة: ما بين
الواحد إلى العشرة.
إن أبانا لفي خطأ واضح مجاف الصواب في ذلك، بإيثار يوسف وأخيه
علينا بالمحبة، وتركه العدل والمساواة في المحبة، فكيف يفضِّل صغيرين ضعيفين
لا كفاية فيهما ولا منفعة، على رجال أشداء، نقوم بكل ما يحتاج إليه من
منافع معاشية ودفاعية، وكيف يجب الاثنين أكثر من الجماعة؟!
وهذا في الحقيقة خطأ منهم لا من أبيهم؛ لأن يوسف وأخاه صغيران
يتيمان ماتت أمهما، ولأنه كان يرى في يوسف إرهاصات النبوة والعقل
والحكمة، وتأكد توقعه بما فهم من رؤياه.
ومع ذلك يطلب الاحتياط في معاملة الأولاد والتسوية بينهم في المحبة
والمعاملة ولو في القبلة، وتجنب ما يثير التحاسد والتباغض بينهم، كما أوصى
النبي ◌َّ فيما يرويه البخاري ومسلم وأصحاب السنن إلا ابن ماجه عن
النعمان بن بشير: ((اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم)) وما يرويه الطبراني عن
(١) البحر المحيط: ٢٨٢/٥
٥٤٤
الُُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٧-١٠
النعمان بن بشير أيضاً: ((اعدلوا بين أولادكم في النُّحُل، كما تحبون أن يعدلوا
بینکم في البر واللطف)».
ثم ذكر الله تعالى مؤامرتهم بقوله: ﴿أُقْئُلُواْ﴾ أي ومما قالوا، أي قال بعض
إخوة يوسف لبعض: ﴿أَقْئُلُواْ يُوسُفَ﴾ حسماً للمشكلة، أو انبذوه في أرض
مجهولة عن العمران، فلا يستطيع الرجوع إلى أبيه، فإن فعلتم ذلك تستريحوا
منه، ويصْف لكم وجه أبيكم، وتخلوا أنتم مع أبيكم، والمراد سلامة محبته لهم
ممن يشاركهم فيها وينازعهم إياها، وتكونوا من بعد يوسف أو بعد قتله أو
طرحه أرضاً قوماً تائبين إلى الله مما جنيتم عليه، أو يصلح ما بينكم وبين
أبيكم بعذر تمهدونه، أو تصلح دنياكم وتنتظم أموركم بعده، بخلوّ وجه
أبيكم، فيرضى عنكم ربكم وأبوكم.
﴿قَالَ فَآئِلٌ مِنْهُمْ﴾ أي قال أكبرهم وهو يهوذا، وقيل: روبيل: لا تقدموا
على قتله، فإن القتل جريمة عظيمة، وهو أخوكم، ولكن ألقوه في أسفل البئر،
يلتقطه بعض المسافرين الذين يسيرون في الأرض للتجارة، فتستريحوا منه
بهذا، ويتحقق غرضكم وهو إبعاده عن أبيه، ولا حاجة إلى قتله، إن كنتم
فاعلين، أي عازمين على ما تقولون، وفاعلين ما هو الصواب، فهذا هو
الرأي. وقوله: ﴿اقْنُلُواْ يُوسُفَ﴾ فيه حذف، أي قال قائل منهم: اقتلوا.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - في قصة يوسف وإخوته دلالة على صدق الرسل، وعبرة تمخضت عنها
وهي التنبيه على عاقبة البغي والحسد، وفضيلة ضبط النفس، والتصديق بتعبير
الرؤيا وصحة تأويلها إن كانت من نبي أو عالم ناصح.
أَ - لقد دفع التباغض والتحاسد والغيرة إخوة يوسف على تدبير مؤامرة
٥٤٥
الُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٧-١٠
لقتله أو إلقائه في بادية بعيدة عن الناس حتى يهلك، أو يأخذه بعض التجار
المسافرين ويتملكونه؛ لأن خبر المنام بلغهم، فتآمروا على كيده، أو لمجرد
الغيرة الشديدة من عاطفة أبيهم نحو يوسف وأخيه.
◌َّ - إن تفضيل بعض الأولاد على بعض يورث الحقد والحسد، ويورث
الآفات، لكن يعقوب عليه السلام العالم بذلك لم يفضل ولديه يوسف وأخيه
إلا في المحبة، والمحبة ليست في وسع البشر، فكان معذوراً فيه، ولا لوم عليه.
٤ - دل قوله: ﴿وَتَكُونُواْ مِنْ بَعْدِهِ، قَوْمًا صَلِيَ أي تائبين، بأن تحدثوا
توبة بعد ذلك، فيقبلها الله منكم، وهو دليل على أن توبة القاتل مقبولة؛ لأن
الله تعالى لم ينكر هذا القول منهم، كما ذكر القرطبي(١).
٥ - علق محمد بن إسحاق على مؤامرة أولاد يعقوب على أخيهم يوسف
فقال فيما رواه ابن أبي حاتم: لقد اجتمعوا على أمر عظيم من قطيعة الرحم،
وعقوق الوالد، وقلة الرأفة بالصغير الضرع الذي لا ذنب له، وبالكبير الفاني
ذي الحق والحرمة والفضل، وخطره عند الله، مع حق الوالد على ولده،
ليفرقوا بينه وبين أبيه وحبيبه، على كبر سنه، ورقة عَظْمه، مع مكانه من الله،
ممن أحبه طفلاً صغيراً، وبين الأب وابنه على ضعف قوته، وصغر سنه،
وحاجته إلى لطف والده، وسكونه إليه، يغفر الله لهم، وهو أرحم الراحمين،
فقد احتملوا أمراً عظيماً (٢).
أَ - أفعال إخوة يوسف المتقدمة تدل على أن إخوة يوسف ما كانوا أنبياء،
لا أولاً ولا آخراً؛ لأن الأنبياء لا يدبرون في قتل مسلم، بل كانوا مسلمين،
فارتكبوا معصية ثم تابوا. ومما يرد قول من قال إنهم أنبياء: أن الأنبياء
(١) تفسير القرطبي: ١٣١/٩
(٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٧٠
٥٤٦
لِلُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٧-١٠
معصومون من الكبائر. وقيل: ما كانوا في ذلك الوقت أنبياء، ثم نبأهم الله(١).
وقد سبق بيان الرأي الأصح في هذا عن ابن كثير وغيره.
حكم الالتقاط:
الالتقاط: تناول الشيء من الطريق، ومنه اللقيط واللُّقْطَة. أما اللقيط:
فالأصل فيه الحرية، لغلبة الأحرار على العبيد، فهو قضاء بالغالب، وهو
مسلم أخذاً بالغالب أيضاً، فإن كان في قرية فيها نصارى ومسلمون، قال ابن
القاسم، ◌ُحکم بالأغلب؛ فإن وجد عليه زيّ اليهود فهو يهودي، وإن وجد
عليه زِيّ النصارى فهو نصراني، وإلا فهو مسلم، إلا أن يكون أكثر أهل
القرية على غير الإسلام.
وقال غير ابن القاسم: لو لم يكن في القرية إلا مسلم واحد، قضي للقيط
بالإسلام، تغليباً لحكم الإسلام الذي يعلو، ولا يُعلى عليه.
أما النفقة عليه: فقال أبو حنيفة: إذا أنفق الملتقط على اللقيط فهو متطوع،
إلا أن يأمره الحاكم.
وقال مالك: إذا أنفق عليه الملتقط، ثم أقام رجل البينة أنه ابنه، فإن
الملتقط يرجع على الأب، إن كان طرحه متعمداً، وإن لم يكن طرحه، ولكنه
ضل منه فلا شيء على الأب، والملتقط متطوع بالنفقة.
وقال الشافعي: إن لم يكن للقيط مال وجبت نفقته في بيت المال، فإن لم
يكن ففيه قولان: أحدهما - يستقرض له في ذمته. والثاني - يقسط على
المسلمين من غير عوض.
والخلاصة: اتفق العلماء على أنه إذا لم يكن للقيط مال: إن شاء تبرع
(١) تفسير القرطبي: ١٣٣/٩
٥٤٧
◌ِلُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٧-١٠
الملتقط بالإنفاق عليه، وإن شاء رفع الأمر إلى الحاكم، لينفق منه على حساب
بيت المال المعدّ لحوائج المسلمين. وإن كان للقيط مال، بأن وجد معه مال،
فتكون النفقة من مال اللقيط؛ لأنه غير محتاج إليه.
ولو أنفق عليه الملتقط من مال نفسه: فإن أنفق بإذن القاضي، فله أن يرجع
على الملتقط بعد بلوغه، وإن أنفق بغير إذن القاضي، يكون متبرعاً، ولا يرجع
على اللقيط بشيء.
وأما اللقطة والضوالّ - وهما بمعنى واحد على الأصح(١) - فأجمع العلماء
على أنها ما لم تكن تافهاً يسيراً، أو شيئاً لا بقاء لها، فإنها تعرَّف حولاً كاملاً،
وأجمعوا أن صاحبها إن جاء فهو أحق بها من ملتقطها إذا ثبت له أنه
صاحبها، وأجمعوا أن ملتقطها إن أكلها بعد الحول، وأراد صاحبها أن
يضمِّنه، فإن ذلك له، وإن تصدق بها فصاحبها مخيّر بين التضمين وبين الرضا
بالثواب أو الأجر على التصدق بها، وليس لملتقطها التصدق بها أو التصرف
قبل الحول. وأجمعوا أن ضالّة الغنم المخوف عليها، له أكلها.
وللعلماء آراء في الأفضل من ترك اللقطة أو أخذها، فقال المالكية: إن
شاء أخذها وإن شاء تركها، ونقل عن مالك وأحمد كراهة الالتقاط، ودليلهم
حديث أصحاب الكتب الستة عن زيد بن خالد الجهني في الشاة: ((هي لك أو
لأخيك، أو للذئب)) ولا تلزم صاحبها بيِّنة عندهم وعند الحنابلة، ويكفي بيان
علاماتها، من وعاء ووکاء مثلاً.
وذهب الحنفية، والشافعية في الأصح إلى أنه يجوز الالتقاط، لحفظ اللقطة
لصاحبها، صيانة لأموال الناس، ومنعاً من ضياعها ووقوعها في يد خائنة.
ولكن لا تدفع لصاحبها إلا إذا أقام البيِّنة أنها له.
(١) وقيل: إن الضالة لا تكون إلا في الحيوان، واللقطة في غير الحيوان، وأنكر أبو عبيد القاسم
ابن سَلام ذلك.
٥٤٨
لُعُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٧-١٠
وكذلك للعلماء آراء في النفقة على الضوالّ، فقال المالكية: للملتقط
الرجوع بالنفقة على صاحبها، سواء أنفق عليها بأمر السلطان أو بغير أمره.
وقال الشافعية والحنابلة: لا يرجع الملتقط بشيء من النفقة؛ لأنه متطوع.
وكذا قال الحنفية: إن أنفق الملتقط على اللقطة بغير إذن الحاكم فهو متبرع أو
متطوع، وإن أنفق عليها بإذن الحاكم، كان ما ينفقه ديناً على المالك، فيرجع
علیه.
وأما تملك اللقطة بعد تعريفها سنة، فقال الحنفية: إذا كان الملتقط غنياً، لم
يجز له أن ينتفع باللقطة، وإنما يتصدق بها على الفقراء، وإذا كان فقيراً فيجوز
له الانتفاع بها بطريق التصدق، لقوله عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه البزار
والدارقطني عن أبي هريرة: ((فليتصدق به)).
وقال الجمهور: يجوز للملتقط أن يتملك اللقطة، وتكون كسائر أمواله،
سواء أكان غنياً أم فقيراً، فإن عرف صاحبها في المستقبل ضمنها له.
٥٤٩
الُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ١١-١٨
- ٢ -
تنفيذ إخوة يوسف مؤامرتهم
وتدليسهم الأمر على أبيهم
﴿ قَالُواْ يَتَأَبَنَا مَا لَكَ لَا تَأْمَئِنَا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَكُ لَصِحُونَ (9) أَرْسِلْهُ مَعَنَا
قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِىَ أَنْ تَذْهَبُواْ بِهِ،
غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ
قَالُواْ لَيِنْ أَكَلَهُ الذِّثْبُ
وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَفِلُونَ
فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ، وَأَجْمَعُوْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِى
وَنَحْنُ عُصْبَةُ إِنَّا إِذَا لَّخَسِرُونَ
غَتِ الْجُنَّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَيِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُونَ ﴿ وَجَاءُ وّ
أَبَاهُمْ عِشَآءَ يَبْكُونَ ﴿ قَالُواْ يَأَبَنَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ
ثَ وَجَاءُو عَلَى
مَتَعِنَا فَأَكَلَهُ اٌلذِّتْبُ وَمَآ أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَدِقِينَ
فَمِيصِهِ، بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ
١٨
عَلَى مَا تَصِفُونَ
القراءات:
﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾:
قرئ:
١- (يرتعٍ ويلعبْ) وهي قراءة نافع.
٢- (نرتعٍ ونلعبْ) وهي قراءة ابن كثير.
٣- (نرتعْ ونَلعبْ) وهي قراءة أبي عمرو، وابن عامر.
٤- (يرتعْ ويلعبْ) وهي قراءة الباقين.
٥٥٠
الجُرُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ١١-١٨
﴿ لَيَحْزُنُنِىّ أَنْ﴾:
قرئ:
١- (ليُحْزِنُني) وهي قراءة نافع.
٢- (ليَحْزُنُنِيَ) وهي قراءة ابن كثير.
٣- لِيَحْزُنُنْ) وهي قراءة الباقين.
الذِئبُ ﴾ :
وقرأ ورش، والسوسي، والكسائي، وحمزة وقفاً (الذيب).
{غَيَبَتِ﴾:
تقدمت في القراءات للآيات ٧-١٠
الإعراب:
﴿لَا تَأْمَنَا﴾: أصله: تأمننا، فاجتمع حرفان متحركان من جنس واحد،
فاستثقلوا اجتماعهما فسكنوا الأول منهما وأدغموه في الثاني، وبقي الإشمام
يدل على ضمة الأولى. والإشمام: ضم الشفتين من غير صوت، وهذا يدركه
البصير دون الضرير.
﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ العين في ﴿يَرَّتَعْ﴾ ساكنة للجزم على وزن ((يفعل))، ويقرأ
بكسر العين، وأصله يَرْتَعِي على وزن يفتعِل، من الرَّعْي، إلا أنه حُذفت الياء
للجزم.
﴿أَنْ تَذْهَبُواْ بِهِ، وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ أن الأولى وصلتها: في تأويل
مصدر فاعل (يحزنني) وأن الثانية وصلتها: في تأويل مصدر مفعول
﴿وَأَخَافُ﴾. والواو في قوله ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةُ﴾ للحال.
٥٥١
الُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ١١-١٨
﴿فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ﴾ جواب ((لما)) محذوف، وتقديره: فلما ذهبوا به حفظناه.
(عِشَآءُ﴾ أي ليلاً، وهو ظرف في موضع الحال.
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾: إما مبتدأ وخبره محذوف، أي فصبر جميل أمثلُ من
غيره، أو خبر مبتدأ محذوف، أي فصبري صبر.
البلاغة:
﴿يِدَمٍ كَذِبٍ﴾ الدم لا يوصف بالكذب، والمراد: بدم مكذوب فيه،
وجيء بالمصدر على طريق المبالغة.
المفردات اللغوية:
﴿ لَنَصِحُونَ﴾ لقائمون بمصالحه، والناصح: المشفق المحب للخير، أي ونحن
نشفق عليه ونريد له الخير، أرادوا استنزاله عن رأيه في حفظه منهم، لما تنسم
من حسدهم ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا﴾ إلى البرية أو الصحراء، والغد: اليوم التالي
ليومك ﴿يَرَّتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ يرتع: يتسع في أكل الفواكه ونحوها، من الرتعة:
وهي الخصب، والرتْع: التوسع في الملاذ، والأكل من الفاكهة حيث شاء.
ويلعب: ينشط ويلعب بالاستباق والانتضال بالسهام ﴿لَحَفِظُونَ﴾ أن يناله
مكروه ﴿لَيَحْزُنُنِيّ أَنْ تَذْهَبُواْ بِهِ﴾ ذهابكم، لشدة مفارقته أو فراقه علي وقلة
صبري عنه، والحزن: ألم في النفس لفقد محبوب أو وقوع مكروه. والخوف: ألم
في نفس مما يتوقع من مكروه.
﴿أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ المراد به الجنس، وكانت أرضهم مذأبة كثيرة
الذئاب ﴿غَفِلُونَ﴾ مشغولون عنه بالرتع واللعب، أو لقلة اهتمامكم بحفظه.
﴿لَبِنْ أَكَلَهُ﴾ اللام لام قسم، وجوابه ﴿ إِنَّا إِذَا لَّخَسِرُونَ﴾. ﴿وَنَحْنُ
عُصْبَةٌ﴾ جماعة ﴿لَّخَسِرُونَ﴾ عاجزون أو ضعفاء مغبونون، أو مستحقون
٥٥٢
الُرُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ١١-١٨
لأن يدعى عليهم بالخسار ﴿وَأَجْمَعُواْ﴾ أي وعزموا على إلقائه في البئر: بئر بيت
المقدس أو بئر بأرض الأردن أو بين مصر ومدين، بأن نزعوا قميصه بعد
ضربه وإهانته وإرادة قتله، وأدلوه إلى البئر، فلما وصل إلى نصف البئر، ألقوه
ليموت، فسقط في الماء، ثم أوى إلى صخرة، فنادوه فأجابهم ظاناً رحمتهم،
فأرادوا رضخه بصخرة، فمنعهم يهوذا.
﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ﴾ في البئر، أي ألهمناه، وله سبع عشرة سنة أو دونها تطميناً
لقلبه ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾ لتخبرنهم بعد اليوم ﴿بِأَمْرِهِمْ﴾ بصنيعهم ﴿وَهُمْ لَا
يَشْعُونَ﴾ بك حال الإنباء أنك يوسف، لعلو شأنك وبعده عن أوهامهم
[عِشَآءُ﴾ وقت المساء، آخر النهار ﴿يَبْكُونَ﴾ متباكين ﴿نَسْتَبِقُ﴾ نتسابق في
العَدْو أو في الرمي ﴿مَنَعِنَا﴾ ثيابنا ﴿بِمُؤْمِنٍ﴾ بمصدِّق. ﴿وَلَوْ كُنَّا
صَدِقِينَ﴾ أي ولو ثبت صدقنا لا تهمتنا، فكيف وأنت تسيء الظن بنا؟! أو
ولو صدقنا لسوء ظنك بنا وفرط محبتك ليوسف.
﴿وَجَآءُو عَلَى قَمِصِهِ،﴾ محله نصب على الظرفية، أي فوقه ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾
أي ذي كذب، بمعنى مكذوب فيه، بأن ذبحوا سخلة ولطخوه بدمها، وذهلوا
عن شقه، وقالوا: إنه دمه ﴿قَالَ﴾ أي يعقوب، لما علم كذبهم ﴿بَلْ سَوَّلَتْ)
زينت ﴿لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ ففعلتموه به ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ لا جزع فيه، وهو
مالا شكوى فيه إلى الخلق ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ﴾ المطلوب منه العون ﴿عَلَى مَا
تَصِفُونَ﴾ تذكرون من أمر يوسف أو من هذه المصيبة وهلاكه.
المناسبة:
الكلام مرتبط بما قبله، مبين مكيدة إخوة يوسف له، وخداعهم أباهم،
وإظهارهم أنهم في غاية المحبة ليوسف والشفقة عليه، وهم يعلمون أن أباهم
كان يجب يوسف محبة شديدة، ويحرص عليه، ويحب تطبيب قلبه، فأرسله
معهم، وهو غير مقتنع بكلامهم ويخافهم عليه.
٥٥٣
اِلُعُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ١١-١٨
التفسير والبيان:
لما تواطأ إخوة يوسف على أخذه وطرحه في البئر، كما أشار به عليهم
أخوهم يهوذا أو روبيل، جاؤوا أباهم يعقوب عليه السلام، فقالوا: ما بالك
لا تأتمنا على يوسف، وتخافنا عليه، ونحن له ناصحون، أي نحبه، ونشفق
عليه، ونريد الخير له، ونخلص له النصح؟ وهم يريدون خلاف ذلك،
لحسدهم له، بعدما علموا من رؤيا يوسف، وأدركوا حب أبيه له، لما يتوسم
فيه من الخير العظيم وشمائل النبوة.
أرسله معنا، أي ابعثه معنا في الغد حين نخرج كعادتنا إلى المرعى في
الصحراء، يرتع أي يأكل ما يطيب له من الفاكهة والبقول، ويلعب أي
ويسعى وينشط ويشاركنا في السباق بالسهام، وإنا له لحافظون من أي أذى
ومكروه يصيبه، ونحفظه من أجلك. فأجابهم يعقوب بقوله: إني ليحزنني
ويؤلمني ذهابكم به وفراقه لي على أي نحو، وأخشى أن تشتغلوا عنه برميكم
ورعيكم، فيأتيه ذئب، فيأكله وأنتم غافلون عنه لا تحسون به.
وبه يتبين أنه اعتذر إليهم بشيئين: أن فراقه إياه مما يحزنه، وخوفه علیه من
الذئب إذا غفلوا عنه برعيهم أو لعبهم، لقلة اهتمامهم به، وكأنه لقنهم
الحجة، وشدة الحذر دفعته لقول ذلك.
فأجابوه في الحال: والله لئن أكله الذئب، ونحن جماعة أشداء ندافع عن
الحرمات، لكنا خاسرين، أي هالكين عاجزين لا خير فينا ولا نفع.
ثم بدؤوا تنفيذ المؤامرة بالفعل، فلما ذهبوا به من عند أبيه بعد مراجعتهم له
في ذلك، صمموا على مرادهم، وعزموا عزماً لا تردد فيه على إلقائه في قعر بئر
وأسفله، وهو البئر المعروف لديهم، ليذهب حيث شاء، أو يهلك، فيستريحوا
منه.
٥٥٤
لُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ١١-١٨
ولكنّ الله تعالى ذو القدرة الشاملة، والإرادة النافذة، والرحمة واللطف،
وإنزاله اليسر بعد العسر، والفرج بعد الكرب، أوحى إليه وحي إلهام على
الأظهر، مثل قوله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨/١٦] وقوله:
﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَىّ﴾ [القصص: ٧/٢٨] تطميناً لقلبه وتثبيتاً له ألا تحزن مما
أنت فيه، فإن لك فرجاً ومخرجاً، وسينصرك الله عليهم، وستخبرهم بما فعلوا
معك من هذا الصنيع السيء وهم لا يعرفون ولا يشعرون بأنك يوسف. وهو
وعد بالخلاص من هذه المحنة، والنصر عليهم، وصيروتهم تحت سلطانه.
ثم جاء دور الاعتذار بالأعذار الكاذبة لأبيهم يعقوب عليه السلام،
فحينما رجعوا إليه في آخر اليوم وقت العشاء في ظلمة الليل، أخذوا يتباكون
ويظهرون الأسف والجزع على يوسف، وقالوا معتذرين عما زعموا: إنا ذهبنا
نتسابق ونترامى بالنبال، وتركنا يوسف عند ثيابنا وأمتعتنا، حارساً لها، فأكله
الذئب، وهذا الذي كان قد جزع منه وحذر عليه، ونحن نعلم أنك لا تصدقنا
- والحالة هذه - لو كنا صادقين موثوقين عندك، فكيف وأنت تتهمنا في
ذلك؟! وأنت معذور في هذا لغرابة ماوقع، وعجيب ما حدث. والحاصل أنا
وإن كنا صادقين، لكنك لا تصدقنا؛ لأنك تتهمنا في يوسف، لشدة محبتك
إياه، ولظنك أنا قد كذبنا.
وهذا إيماء بعدم قناعتهم بما يقولون، وإحساسهم بالكذب ضمناً.
وزاد في التلبيس والتدليس أنهم جاؤوا بقميصه ملطّخاً بدم مكذوب
مفترى، أخذوه من دم سخلة ذبحوها، ولطخوا ثوب يوسف بدمها، موهمين
أن هذا قميصه الذي أكله فيه الذئب، لذا قال: ﴿عَلَى قَمِيصِهِ،﴾ ولكن إرادة
الله أبت إلا أن يظهر آثار جريمتهم، فنسوا أن يخرقوا الثوب ويشقُّوه؛ إذ لو
كان من افتراس الذئب لتمزق القميص، فلم يصدقهم يعقوب وأعرض عنهم
وعن كلامهم إلى ما وقع في نفسه من لَبْسهم عليه، فقال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ﴾
٥٥٥
اِلُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ١١-١٨
أي بل زينت أو سهلت وهونت لكم أنفسكم السيئة أمراً منكراً غير ما تصفون
وتذكرون، فسأصبر صبراً جميلاً على هذا الأمر الذي اتفقتم عليه، وأستعين
بالله حتى يفرج الكرب بعونه ولطفه، فالصبر الجميل أولى بي، يروى أن النبي
* سئل عن الصبر الجميل فقال: ((هو الذي لا شكوى معه)). والله المستعان
على ما تذكرون من الكذب، وهو المعين على شر ما تصفون من الحدث الأليم.
روي أن يعقوب قال استهزاء: ما أحلمك ياذئب تأكل ابني ولا تشق
قميصه؟!
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - نجح إخوة يوسف في حبك المؤامرة، وخداع أبيهم، والمؤمن غِرّ (غير
مجرِّب) كريم، وتلك حيلة يلجأ إليها الأولاد عادة؛ لأن لعب الصبيان المباح
وتنشيطهم مرغوب فيه، ولا سيما أنهم قد أظهروا شفقتهم عليه وحبهم له،
وتعهدوا بحفظه ورعايته من المخاوف.
أَ - كانت إجابة يعقوب لأولاده متضمنة بحكم العاطفة الأبوية المألوفة
تحذيراً من التقصير، وتنبيهاً على شدة الصون والحفظ، وإشعاراً بحب ابنه
يوسف وعدم تحمله الصبر على فراقه، وهذا أمر طبيعي.
◌َّ - مؤَّه إخوة يوسف على أبيهم الحقيقة، وأظهروا كاذبين أنهم حماة
يصونون أخاهم، فهم عصبة أقوياء، وجماعة أشداء، يخشى الناس بأسهم،
أفلا يقدرون على مطاردة ذئب يهاجم أخاً لهم.
٤ - كان إخوة يوسف في أشد ما يكونون قسوة وشدة على أخ لهم من
أبيهم، فرموه في البئر، ونزعوا عنه قميصه، ووجد عند كل واحد من الغيظ
والحسد والظلم أشد مما عند الآخر.
٥٥٦
لِلُرُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ١١-١٨
ة - إن رحمة الله ولطفه قريب من المحسنين، فلا يدع سبحانه مظلوماً حتى
ينصره، ولا مفجوعاً حتى يسلي قلبه ويطمئنه، ويبشره بالسلامة، فألهم يوسف
أنه سينجو مما هو فيه، وأنه سينصره عليهم، وأنه سيخبرهم بسوء ما يصنعون
به ويوبخهم على ما صنعوا، وسیکونون تحت قهره وسلطانه، وهم لا يدرون
أنه یوسف.
وهذا يدل على أن الوحي ليوسف بعد إلقائه في الجب كان تقوية لقلبه،
وتبشيراً له بالسلامة.
٩ - إنما جاؤوا عشاء، أي ليلاً ليكونوا أقدر على الاعتذار في الظلمة،
ولذا قيل: لا تَطْلبِ الحاجة بالليل، فإن الحياء في العينين، ولا تعتذرْ بالنهار
من ذنب فتتلجلج في الاعتذار.
لاً - ودلت آية ﴿يَبْكُّونَ﴾ على أن بكاء المرء لا يدل على صدق مقاله؛
لاحتمال أن يكون تصنّعاً، فمن الخلق من يقدر على ذلك، ومنهم من لا
يقدر، وقد قيل: إن الدمع المصنوع لا يخفى.
٨ - الاستباق مباح في السهام أو الرمي، وعلى الفرس، وعلى الأقدام؛
والغرض من المسابقة على الأقدام تدريب النفس على العَدْو؛ لما له من فائدة في
قتال الأعداء، ومطاردة الذئاب. قال ابن العربي: إن المسابقة شِرْعة في
الشريعة، وخصلة بديعة، وعَوْن على الحرب، وقد فعلها النبي رَّ بنفسه
وبخيله؛ فروي أنه سابق عائشة فسبقها، فلما كبر رسول الله وَلهو سابقها
فسبقته، فقال لها: هذه بتلك(١). وتسابق النبي أيضاً مع أبي بكر وعمر رضي
الله عنهما، فسبقهما.
وسابق سَلَمة بن الأكوع - فيما رواه مسلم - رجلاً لما رجعوا من ((ذي
(١) أحكام القرآن: ١٠٦٣/٣ وما بعدها.
٥٥٧
الُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ١١-١٨
قَرَد)) إلى المدينة، فسبقه سَلَمة. وروى مالك عن ابن عمر أن رسول الله وَلهم
سابق بين الخيل التي قد أُضمرت(١)، وسابق بين الخيل التي لم تضمَّر، وأن
عبد الله بن عمر کان ممن سابق بها.
وكذلك المسابقة بالنّصال والإبل، أخرج النسائي عن أبي هريرة أن رسول
الله ◌َّ قال: ((لا سَبَق(٢) إلا في نَصْل أو خُفّ أو حافر)). وروى البخاري عن
أنس قال: كان للنبي وَل﴿ ناقة تسمى العَضْباء، لا تُسبَق، فجاء أعرابي على
قَعُود فسبقها، فشقَّ ذلك على المسلمين حتى عرفه؛ فقال: ((حق على الله ألا
يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه)).
وأجمع المسلمون على أن السَّبَق على وجه الرهان المباح الآتي بيانه لا يجوز
إلا في الخف والحافر والنصل. قال الشافعي: ما عدا هذه الثلاثة فالسَّبَق فيها
قمار. وقد زاد أبو البَخْتَرِي القاضي في الحديث السابق: ((أو جناح)) لإرضاء
الرشيد، فترك العلماء حديثه لذلك ولغيره من موضوعاته؛ فلا يكتب العلماء
حديثه بحال.
ولا يجوز السَّبَق في الخيل والإبل إلا في غاية معلومة وأمد معلوم، وكذلك
الرمي لا يجوز السَّبَق فيه إلا بغاية معلومة، ورَشْق معلوم، ونوع من الإصابة.
والسبق الجائز اثنان: ما يخصصه الوالي أو غيره من ماله تطوعاً، وما .
يخرجه أحد المتسابقين دون صاحبه، فإن سبقه صاحبه أخذه، وإلا بقي له.
والسبق غير الجائز أو الحرام: هو ما يكون من الطرفين المتسابقين، بأن يخرج
كل واحد منهما شيئاً مثل ما يخرجه صاحبه، فأيهما سبق أحرز سَبقه وسبق
(١) تضمير الخيل: هو علف الخيل حتى تسمن، ثم لا تعلف إلا قوتاً لتخف.
(٢) السَبق: ما يجعل للسابق على سبقه من المال، أي لا يحل أخذ المال بالمسابقة إلا في هذه
الثلاثة. والسَّبْق بالسكون: مصدر. والصحيح رواية الفتح.
٥٥٨
الْجُزْءُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ١١-١٨
صاحبه. ولا يجوز هذا الوجه إلا بمحلِّل لا يأمنان أن يسبقهما، فإن سبق
المحلِّل أحرز السَّبَقين جميعاً وأخذهما وحده، وإن سبق أحد المتسابقين، أحرز
سبقه وأخذ سبق صاحبه، ولا شيء للمحلِّل فيه، ولا شيء عليه. وإن سبق
الثاني منهما الثالث كان كمن لم يسبق واحد منهما.
وسمي محلِّلاً لأنه يحلل السَّبَق للمتسابقين أَوْ: له.
واتفق العلماء على أنه إن لم يكن بينهما محلِّل، واشترط كل واحد من
المتسابقين أنه إن سبق أخذ سبقه وسبق صاحبه، أنه قمار، ولا يجوز. وفي سنن
أبي داود عن أبي هريرة عن النبي وَلّه قال: ((من أدخل فرساً بين فرسين، وهو
لا يأمن أن يَسبق، فليس بقمار، ومن أدخله وهو يأمن أن يَسْبق فهو قِمار)»
وفي الموطأ عن سعيد بن المسيب قال: ليس برِهان الخيل بأس إذا دخل فيها
محلِّل، فإن سبق أخذ السَّبَق، وإن سُبق لم يكن عليه شيء. وهذا قول الجمهور.
ولا يكون سباق الخيل والإبل إلا لمحتلم، أو لأربابها، وهو أولى.
١ - استفاد أولاد يعقوب الحجة من قول أبيهم: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ
اٌلذِّئْبُ﴾ لأنه كان أظهر المخاوف علیه.
٠ ١ - لم يصدقهم يعقوب، لما ظهر له منهم من قوة التهمة وكثرة الأدلة على
خلاف ما قالوه.
وأحسَّوا هم بضعف حجتهم حينما قالوا: ﴿وَلَوْ كُنَّا صَدِقِينَ﴾ أي
ولو كنا عندك من أهل الثقة والصدق ما صدقتنا، ولا تتهمنا في هذه القضية؛
لشدة محبتك ليوسف.
١١ - دلسوا على أبيهم بالدم المكذوب فيه، فهو دم ظبية، كما قال قتادة،
ولما أرادوا أن يجعلوا الدم علامة على صدقهم، قرن الله بهذه العلامة علامة
تعارضها، وهي سلامة القميص من التمزيق المعتاد عند اعتداء الذئب على
٥٥٩
لُعُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ١١-١٨
إنسان. قال ابن عباس: لما نظر إليه، قال: كذبتم؛ لو كان الذئب أكله لخرق
القميص.
حكى الماوردي أن في القميص - أي في جنسه - ثلاث آيات: حین جاؤوا
عليه بدم كذب، وحين قُدّ قميصه من دُبُر، وحين أُلقي على وجه أبيه، فارتد
بصيراً.
١٢ - استدل الفقهاء بقصة القميص الملوث بالدم على جواز الاعتماد على
الأمارات، في مسائل فقهية كالقسامة وغيرها، وأجمعوا على أن يعقوب عليه
السلام استدل على كذبهم بصحة القميص وسلامته من التخرق. وهكذا على
الناظر ملاحظة الأمارات والعلامات، ويقضي بالراجح منها.
١٣ - الاعتصام بالصبر، والاستعانة بالله، على التزوير والظلم والكذب
والمصيبة وفي المحنة والشدة، فذلك مؤذن بالفرج بعد الكرب، وباليسر بعد
العسر، وهو دليل الإيمان بأن لهذا الكون رباً يفعل فيه ما يشاء.
١٤ - الصبر الجميل: هو الذي لا شكوى معه، وهو أن يعرف أن منزل
البلاء هو الله تعالى، ثم يعلم أن الله سبحانه مالك الملك، ولا اعتراض على
المالك في أن يتصرف في ملك نفسه.
ولا يكون الصبر جميلاً مالم يكن فيه رضا بقضاء الله وقدره.
والضابط في جميع الأفعال والأقوال والاعتقادات: أن كل ما كان لطلب
عبودية الله تعالى، كان حسناً، وإلا فلا.
والجمع بين الصبر والاستعانة في كلام يعقوب دال على أن إقدامه على
الصبر لا يمكن إلا بمعونة الله تعالى، للتغلب على الجزع أو الحزن بسبب
الدواعي القوية إليه.
٥٦٠
لِلُعُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ١٩-٢٠
الفصل الثالث من قصة يوسف
نجاة يوسف وإكرامه في بيت العزيز
- ١ -
تعلق يوسف بالدلو ومسيره مع السيارة
﴿وَجَآءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَةٌ قَالَ يَبُشْرَى هَذَا غُلَمْ وَأَسَرُوهُ
بِضَعَةٌ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنِ ◌َخْسِ دَرَهِمَ مَعْدُودَةٍ
وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّهِدِينَ
٢٠
القراءات:
﴿يَبُشْرَى﴾:
قرئ:
١- (يا بشرى) وهي قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (يا بشراي) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿يَبُشْرَى﴾ منادى مفرد، كأنه جَعَل (بُشرى) اسمَ المنادى أي هذه آونتك
كقولك: يازيد، ومن قرأ (يابُشْرايّ) كان منادىّ مضافاً.
﴿وَأَسَرُوهُ بِضَعَةٌ﴾ المراد بالواو: التجار، والمراد بالهاء: يوسف، أخفوه من
الرفقة، وقيل: أخفوا أمره ووجدانهم له في البئر، وقالوا لهم: دفعه إلينا أهل
الماء، لنبيعه لهم بمصر. وعن ابن عباس: أن الضمير لإخوة يوسف قالوا
للتجار: هذا غلام لنا قد أبَق، فاشتروه منا، وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه.
وذلك لأن يهوذا كان يأتيه بالطعام كل يوم، فأتاه يومئذ، فلم يجده، فأخبر
إخوته، فأتوا الرفقة، وساوموهم على بيعه لهم، فاشتروه منهم.