النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١ إِلُ (١٢) السورة (١٢) يُوسُفَ) فلسطين، وأرسل يعقوب أولاده مع الجمال والحمير لحمل الطعام من مصر، فلما قدموا عرفهم يوسف ولم يعرفوه، إذ أصبح في سن الأربعين، وطلب منهم أن يأتوه بأخ لهم من أبيهم مرة أخرى، وأعطاهم الطعام بلا ثمن، ليأتوه بأخيهم، دون أن يعلموا أنه ردّ عليهم الثمن، ووضع نقودهم في أوعيتهم؛ لأنهم سيعودون بها إليه؛ لأنهم لا يقبلون ما ليس لهم. ولما اشتد القحط بأهل فلسطين، سمح يعقوب بسفر ابنه (بنيامين) مع إخوته، فلما قدموا أحسن يوسف ضيافتهم واستقبالهم في حفل غداء ظهراً، ولكنه لم يأكل معهم جرياً على عادة المصريين الذين يعتبرون الأكل مع العبرانيين نجاسة، وأخبروا خادماً ليوسف أنهم عادوا بالفضة ثمن الطعام سابقاً، وبفضة أخرى لشراء القمح. حيلة يوسف في إبقاء أخيه عنده: أمر يوسف بتجهيز إخوته من الطعام، وأمر أن توضع فضة كل واحد في عدله، وأن يوضع صواع الملك في رحل أخيه بنيامين، وعندما عزموا على المسير، نودوا بأنهم سرقوا سقاية الملك، وأن من سرقه فهو فداؤه في قانون الملك. ففتشت أعدالهم، ثم أخرج الصواع من عدل بنيامين، فتوسطوا لدى الملك واسترحموا أن يأخذ أحدهم بدلاً عنه؛ لأن له أباً شيخاً كبيراً، فأبى، فقالوا: إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل، فأسَرَّها يوسف في نفسه، وقال لهم: أنتم شرّ مكاناً من هذا السارق. وسرقة يوسف المزعومة: أن أمه ماتت وهو صغير، فكفلته عمته، ولما أراد أبوه أن يأخذه منها، ألبسته منطقة لإبراهيم كانت عندها، وأخفتها تحت ثيابه، ثم أظهرت أنها سرقت منها، ثم أخرجتها من تحت ثيابه، وطلبت بقاءه عندها يخدمها مدة، جزاء له بما صنع. ٥٢٢ الُ (١٢) السورة (١٢) يُوسُفَ فلما قدم إخوة يوسف على أبيهم يعقوب ما عدا أكبرهم وأصغرهم، أخبروه بما حدث، فازداد حزناً حتى ابيضت عيناه، وتذكر يوسف فقال: يا أسفا على يوسف. تعارف الإخوة ولقاء الأسرة: ثم جاء إخوة يوسف إلى مصر في المرة الثالثة، وطلبوا إمدادهم بالطعام، لما تعرضوا له من الضّ (الجوع) قائلين: وجئنا ببضاعة مزجاة أي قليلة، كما طلبوا إطلاق سراح أخيهم، فذكرهم يوسف بإساءتهم القديمة قائلاً: ﴿هَلّ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُمُ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَهِلُونَ﴾ فعرفوا أنه يوسف: ﴿قَالُواْ أَِنَّكَ لَأَنَتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَأْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِىٌّ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَآَ﴾. وأعطاهم قميصه لإلقائه على وجه أبيهم، والإتيان بأهله أجمعين إليه، فلما وصلوا فلسطين ألقوا القميص على وجه يعقوب، فارتد بصيراً، وبشره البشير بسلامة يوسف وأخيه. فجاء يعقوب وآله إلى مصر، فآوى يوسف إليه أبويه: يعقوب وزوجه خالة يوسف، لموت أمه وهو صغير، وسجد له أبوه وأمه وإخوته الأحد عشر سجود تحية وتعظيم، لا سجود عبادة، وتلك هي تأويل رؤياه السابقة بسجود أحد عشر كوكباً له مع الشمس والقمر، وكان هذا اللقاء فرحة كبرى للأسرة برئاسة يعقوب، استوجبت من يوسف إعلان شكر الله تعالى على نعمه علیه، من العلم والملك، وطلب من الله تعالى أن يتولاه في الدنيا والآخرة، وأن يتوفاه مسلماً أي مطيعاً لله، غير عاص، وأن يلحقه بالصالحين من آبائه الأنبياء. العبر والعظات المستفادة من قصة يوسف: يمكن استخلاص عبر كثيرة وعظات عديدة، وأخلاق وفضائل سامية من قصة يوسف عليه السلام، منها : ٥٢٣ الُ (١٢) السورة (١٢) يُوسُفَ اً - قد تؤدي النقمة إلى النعمة، فقد بدأت قصة يوسف بالأحزان والمفاجآت المدهشة، من الإلقاء به في البئر، ثم بيعه عبداً لرئيس شرطة مصر، ثم كانت محنته الشديدة مع النساء، فُجّ به في غياهب السجون، ثم آل الأمر به إلى أن يصبح حاكم مصر الفعلي. ٣ - قد توجد ضغائن وأحقاد بين الإخوة ربما تدفع إلى الموت أو الهلاك. ٣ - كانت نشأة يوسف في بيت النبوة نشأة صالحة، تربى فيها على الأخلاق الكريمة، والخصال الرفيعة، فشب على تلك الأوصاف الكاملة التي ورثها من آبائه وأجداده الأنبياء، وقد أفاده ذلك في مختلف الأحداث الكبرى التي مرّ بها، وانتصر بها على المحن، وجاءه الفرج بعد الشدة، والعز والنصر بعد الذل والانكسار. ٤َ - إن العفة والأمانة والاستقامة مصدر الخير كله، للرجال والنساء، على حدّ سواء، وإن الاستمساك بالدين والفضيلة مصدر الاحترام وحسن السمعة، وإن الحق وإن استتر زمناً لا بدّ من أن يظهر ولو بعد حين. ه - إن مثار الفتنة هو خلوة الرجل بالمرأة، لذا حرمها الإسلام، وحرم سفر المرأة لمسافة قصيرة بغير محرم، ولو بوسائط النقل السريعة الحديثة، لما يطرأ لها من عثرات ومضايقات ملحوظة ومشكلات تصاحب الأسفار، ثبت في الحديث الذي أخرجه الترمذي والنسائي: ((لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان)). ٦ - الإيمان بالمبدأ، وصلابة الاعتقاد سبيل لتخطي الصعاب، والترفع عن الدنايا، وذلك هو الذي جعل ليوسف نفساً كريمة، وروحاً طاهرة، وعزيمة صماء لا تلين أمام الشهوات والمغريات. لاً - الاعتصام بالله عند الشدة، واللجوء إليه عند الضيق، فلم يأبه يوسف ٥٢٤ 7 الُُ (١٢) السورة (١٢) يُوسُفَ) عليه السلام بتوعد امرأة العزيز له بالسجن، وإنما لجأ إلى الله قائلاً: ﴿رَبِّ اُلْسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِّ إِلَيْهِ﴾ ٠ ٨ - المحنة لا تثني المؤمن عن واجبه في الدعوة إلى الله تعالى، فإن يوسف عليه السلام بالرغم من كونه في السجن، انتهز فرصة تأويل رؤيا سجينين معه، فبادر إلى الدعوة إلى التوحيد ودين الله، لعل الموجودين معه يؤمنون بدعوته، وقد أسلم فعلاً الملك، ومستعبر الرؤيا الساقي، والشاهد فيما يقال. ـة - الفطنة لاستغلال الأحداث والاتصاف بالإباء والشمم، فلم يبادر يوسف عليه السلام إلى الخروج من السجن، حتى تعلن براءته، وتظهر طهارته، وشرف نفسه، حتى لا يوصف بأنه مجرم، أودع السجون بجرمه. ١٠ً - إظهار فضيلة الصبر، فقد كان يوسف متدرعاً بدرع الصبر على الأذى، لاجتياز العقبات والصعاب والمصائب التي تعرَّض لها وهي ما ذكر، والصبر مفتاح الفرج، ونصف الإيمان، وطريق تحقيق النصر، وقد نصره الله كما نصر باقي الرسل بعد الاستيئاس. وتوَّج نصره بالعفو عن إخوته وکرمه في العفو الذي أصبح مضرب الأمثال، حتى قال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَّ · يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾. ١١ - أسفرت قصة يوسف عن براءته المطلقة، كبراءة الذئب من دمه، فقد تضافرت شهادات عديدة على براءته، كما ذكر الرازي(١): أولها - شهادة رب العالمين: فقد شهد الله تعالى ببراءته عن الذنب بقوله: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ الشُّوَءَ وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ شهد تعالى في هذه الآية على طهارته أربع مرات، بقوله: ﴿لِنَصْرِفَ﴾ واللام للتأكيد والمبالغة، وقوله: ﴿وَاَلْفَحْشَآءَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ وقوله: ﴿ اَلْمُخْلَصِينَ﴾. (١) تفسير الرازي: ١١٦/١٨ وما بعدها. ٥٢٥ لُعُ (١٢) السورة (١٢) يُفَ وثانيها - شهادة الشيطان ببراءته بقوله: ﴿فَبِعِزَّنِكَ لَأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا [ص: ٨٢/٣٨-٨٣] فأقر بأنه لا يمكنه إغواء ٢٨٣ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ المخلصين، ويوسف من المخلصين، الآية السابقة. وثالثها - شهادة يوسف عليه السلام بقوله: ﴿هِىَ رَوَدَتْنِى عَنْ نَفْسِىَّ﴾ وقوله: ﴿رَبِّ السّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىّ إِلَيْهِ﴾. ورابعها - شهادة امرأة العزيز: فإنها اعترفت ببراءته وطهارته، فقالت للنسوة: ﴿وَلَقَدْ رَوَدَتُهُ عَن نَّفْسِهِ، فَأَسْتَعْصَمَ﴾ وقالت: ﴿الْثَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَأْ رَوَدَثُمُ عَن نَّفْسِهِ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِّقِينَ﴾. وخامسها - الشهود من أهل العزيز: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَذِبِينَ، وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ (6) الآية. مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّدِقِينَ وسادسها - شهادة النسوة اللائي قطّعن أيديهن بقولهن: ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن ٠ سوء كل تلك الشهادات قاطعة ببراءة يوسف عليه السلام، فمن أراد أن يتهمه بالهمّ على السوء - علماً بأن الهمَّ أمر نفسي لا عقاب عليه - فهو من دعاة السوء، وأهل الجهالة والغباوة، وأدنى من الشيطان الذي شهد كما أوضحنا بطهارة يوسف. ١٢ - أرشدت قصة يوسف إلى أنه لا دافع لقضاء الله تعالى، ولا مانع من قدر الله تعالى، وأنه تعالى إذا قضى للإنسان بخير ومكرمة، لم يمنعه عنه أحد ولو اجتمع العالم عليه. ١٣ - دلت القصة على أن الحسد سبب للخذلان والخسران. ٥٢٦ لُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ /١-٣ ١٤ - الصبر مفتاح الفرج، فإن يعقوب عليه السلام لما صبر فاز بمقصوده، وكذلك يوسف عليه السلام لما صبر فاز كما تقدم بيانه. عربية القرآن ومنزلة القصص القرآني ﴿الّرِ تِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ الْمُبِينِ ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ٢ نَحْنُ نَقُضُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اُلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِن كُنْتَ مِن قَبْلِهِ، لَمِنَ الْغَفِينَ القراءات: ﴿قُرْءَنَا﴾، ﴿اَلْقُرْءَانَ﴾: وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً (قراناً، القران). الإعراب: (تِلْكَ ءَايَتُ﴾ مبتدأ وخبر. ﴿قُرْءَانًا﴾ حال من هاء. ﴿أَنزَلْنَهُ﴾ أي أنزلناه مجموعاً. وكذلك ﴿عَرَبِيًّا﴾ حال أخرى. ﴿أَحْسَنَ اُلْقَصَصِ﴾ ﴿أَحْسَنَ﴾ منصوب نصب المصدر؛ لأنه مضاف إلى المصدر، وأفعل: إنما يضاف إلى ما هو بعضٌ له، فينزل منزلة المصدر، فصار بمنزلة قولهم: سِرت أشدَّ السير، وصُمْت أحسن الصيام . ﴿هَذَا الْقُرْءَانَ﴾ ﴿هَذَا﴾ مفعول به، و﴿ اَلْقُرْءَانَ﴾ بدل أو عطف بيان أو نعت. ﴿وَإِن كُنتَ﴾ إن مخففة من الثقيلة، واللام: هي التي تفرق بينها وبين النافية، وضمير ﴿قَبْلِهِ،﴾ راجع إلى قوله ﴿ربِمَا أَوْحَيْنَا﴾ والمعنى: وإن الشأن والحديث كنت من قبل إيجائنا إليك من الغافلين عنه. ٥٢٧ الُعُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ /١-٣ البلاغة: ﴿تِلْكَ ءَايَتُ﴾ أشار إلى القرآن بالبعيد لبيان علو منزلته وبعد مرتبته في الكمال. المفردات اللغوية: ج ﴿الّر﴾ البدء بالحروف المقطعة إشارة إلى إعجاز القرآن، فمن هذه الحروف العربية الأبجدية ونحوها التي تكونت منها لغة العرب، تألفت آيات الكتاب المعجز، كما بينا في أول سورة البقرة وآل عمران وغيرهما من السور المتقدمة. ﴿يتِلْكَ﴾ إشارة إلى آيات السورة. ﴿اَلْكِنَبِ الْمُبِينِ﴾ أي السورة، أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة آيات السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب وتبكيتهم، أو الواضحة معانيها لنزولها بلسان العرب، أو المبينة لمن تدبرها أنها من عند الله، لا من عند البشر. و﴿الْمُبِينِ﴾ الموضّح المفصل ما يريد. ﴿أَنزَلْنَهُ﴾ أي الكتاب الذي فيه قصة يوسف. ﴿قُرُءَنًا عَرَبِيًّا﴾ مجموعاً بلغة العرب، وسمي بعض القرآن قرآناً؛ لأن القرآن اسم جنس، يقع على كله وبعضه، وصار علماً للكل بالغلبة. ﴿لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ علة لإنزاله بهذه الصفة، أي أنزلناه مجموعاً أو مقروءاً بلغتكم كي تفهموه وتحيطوا بمعانيه. ﴿اَلْقَصَصِ﴾ إما مصدر بمعنى الاقتصاص، وإما اسم مفعول بمعنى المقصوص من الخبر والأحاديث. وقص الخبر: حدثه على وجهه الصحيح. و﴿أَحْسَنَ اُلْقَصَصِ﴾ لأنه اقتص على أبدع الأساليب، أو أحسن ما يقص؛ لاشتماله على العجائب والحكم والآيات والعِبَر. ﴿بِمَّ أَوْحَيْنَا﴾ أي بإيجائنا إليك هذا القرآن، يعني السورة. ﴿لَمِنَ اٌلْغَفِلِينَ﴾ عن هذه القصة، الجاهلين بها، فلم يكن لك فيها علم قط، ولا عرفت شيئاً منها. ٥٢٨ ٠ ٠٠ الُعُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ /١-٣ سبب النزول: نزول الآية (٣): ﴿نَحْنُ نَقُصُ﴾: روى ابن جرير عن ابن عباس قال: قالوا: يا رسول الله، لو قصصت علينا؟ فنزلت: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اٌلْقَصَصِ﴾. التفسير والبيان: تشبه فاتحة هذه السورة فاتحة سورة يونس، لكن وصف القرآن هنا بالمبين وهناك بالحكيم، والسبب أن سورة يوسف تعبر عن أحداث جسام مرَّ بها نبي كريم صبور فناسبها الوصف بالبيان، وأما سورة يونس فموضوعها إثبات أصول الدين من توحيد الله، وإثبات الوحي والنبوة، والبعث والجزاء، وهذه يناسبها الوصف بالحكمة. والمعنى: تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة آيات السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب، وهذا تفسير الزمخشري. وقال أبو حيان: والظاهر أن المراد بالكتاب: القرآن، و﴿اَلْمُبِينِ﴾ إما البيِّن في نفسه، الظاهر أمره في إعجاز العرب وتبكيتهم، وأما المبين الحلال والحرام، والحدود والأحكام، وما يحتاج إليه من أمر الدين، أو المبين الهدى والرشد والبركة. وعلى أي حال، فإن الكتاب اسم جنس يطلق على البعض وعلى الكل، فسواء قلنا: إن المراد به هذه السورة، أو كل القرآن، فالمقصود إثبات صفة القرآن، وصفاته لا تختلف بين السور جميعها، فكلها واضحة جلية تفصح عن أشياء مبهمة، وآياتها تبين وتفسر غوامض الأمور، وتوضح أحكام الشريعة، وترشد إلى ما هو خير في الدنيا والآخرة. قال القرطبي وابن كثير: هذه آيات الكتاب وهو القرآن المبين، أي الواضح الجلي الذي يفصح عن الأشياء المبهمة ويفسرها ويبينها، يعني ٥٢٩ الُرُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ١-٣ بالكتاب المبين: القرآن المبين، أي المبين حلاله وحرامه، وحدوده وأحكامه، وهُداه وبر كته. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَهُ﴾ أي إنا أنزلنا هذا القرآن على النبي محمد العربي، بلغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس، لتتعلموا ما لم تكونوا تعلمون من قصص وأخبار، وآداب وأخلاق، وأحكام وتشريعات، ومناهج حياة سليمة في السياسة والاجتماع والاقتصاد وشؤون الدولة، ولتتدبروا ما فيها من معانٍ وأهداف،. تبني الفرد والجماعة على أقوم الأسس. قال ابن كثير: فلهذا أنزل أشرف الكتب، بأشرف اللغات، على أشرف الرسل، بسفارة أشرف الملائكة، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض، وابتدئ إنزاله في أشرف شهور السنة، فكمل من كل الوجوه. ولهذا قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُضُ﴾ أي نحن نخبرك بأحسن الأخبار، بسبب إيجائنا إليك هذا القرآن، الذي جاء تاماً كاملاً مفصلاً كل شيء، وجاءت قصة يوسف كاملة تامة مفصلة ذات أهداف سامية وعبر كثيرة. وإن كنت من قبل ما أوحينا أي من قبل إيحائنا إليك من الغافلين عما عرفناك به، أي من الجاهلين به، فلا علم لك به قط، شأنك شأن قومك، لا يعلمون من قصص الماضين وأخبارهم شيئاً. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يلي: اً - القرآن الكريم كتاب مبين، أوضح الحلال والحرام، والحدود والأحكام، والشرائع والأخلاق، ليكون هدى للعالمين، وبركة وخيراً للناس أجمعين، فهو معجزة بيِّنة لمحمد وَله. ٥٣٠ الُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ١-٣ ◌َ - القرآن العظيم نزل بلسان عربي مبين، يقرأ بلغة العرب، فكان معشر العرب أولى الناس بالإيمان به، وفهم ما فيه، وتعلم معانيه. ◌َّ - القرآن بيان جلي متضمن أحسن القصص، وأثبت الأخبار، وأجدى الآثار وتواريخ الأمم الماضية. والمراد بأحسن القصص: أنه اقتص على أبدع طريقة وأعجب أسلوب، أي إن المراد من الحسن حسن البيان وكون الألفاظ بالغة بالفصاحة حد الإعجاز. ٤ - قصة يوسف عليه السلام أحسن القصص، والسبب في تسمية هذه السورة أحسن القَصَص من بين سائر الأقاصيص هو ما تضمنته هذه القصة من العِبر والحكم، وما اشتملت عليه من التوحيد والفقه والسِّيَر وتعبير الرؤيا، والسياسة والمعاشرة وتدبير المعاش، وجميل الفوائد التي تصلح للدين والدنيا، وذكر الأنبياء والصالحين، والملائكة والشياطين، والجنّ والإنس، والأنعام والطير، وأخبار الملوك والممالك، والتجار والعلماء والجهَّال، والرجال والنساء وحيلهن ومكرهن. فهي قصة جامعة شاملة للدين والدنيا والحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأدبية الملأى بالعبر والعظات، ولعل من أهمها الصبر على الأذى والعفو عند المقدرة. ٥٣١ الجُرُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ /٤-٦ الفصل الأول من قصة يوسف عليه السلام رؤيا يوسف وتعبير يعقوب الرؤيا ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِهِ يَأَبَتِ إِنِّ رَأَيْثُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَاُلْقَمَرَ قَالَ يَبُنَّ لَا نَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَىَّ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ رَأَيْنُهُمْ لِ سَجِدِينَ [® كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَنِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ وَكَذَلِكَ يَجْنَبِكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِزُ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىَّ ءَالِ يَعْقُوبَ كُمَّ أَتَمَّهَا عَلَّ أَبَوَبِّكَ مِن قَبْلُ إِبَهِيَمَ وَإِشْحَقَّ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ القراءات: ﴿يَأَبَتِ﴾ : وقرأ ابن عامر (يا أبتَ). : يُبنَىَّ وقرأ باقي السبعة (يا بُنِيِّ). ﴿رُوْيَاكَ﴾ : وقرأ السوسي (روياك). الإعراب: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِهِ﴾ ﴿إِذْ﴾ في موضع نصب على الظرف، وعامله (الغافلين) وهو بدل اشتمال من ﴿أَحْسَنَ اُلْقَصَصِ﴾ لأن الوقت مشتمل على القصص وهو المقصوص، أو بإضمار ((اذكر)). ٥٣٢ الُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ /٤-٦ و﴿ يُوسُفُ﴾ ممنوع من الصرف للعلمية (التعريف) والعجمة، ووزنه يُفْعُل، وليس في كلام العرب يُفْعُل. ﴿يَأَبَتِ﴾ من قرأ بكسر التاء، جعلها بدلاً عن ياء الإضافة، ويوقف عليها بالهاء عند سيبويه؛ لأنه ليس ثم ((ياء)) مقدرة. وذهب الفراء إلى أن الياء في النيّة، والوقف عليها بالتاء، وعليه أكثر القراء اتباعاً للمصحف. ومن قرأ بفتح التاء ففيه وجهان: إما أصله ((يا أبتي)) فأبدل من الكسرة فتحة، ومن الياء ألفاً؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت الألف فصارت (يا أبَتَ). وإما أنه محمول على قول من قال: يا طلحة بفتح التاء، كأنه قد رّم، ثم ردَّ التاء وفتحها، تبعاً لفتح الحاء، فقال: يا طلحة. ﴿رَيْنُهُمْ لِ سَجِدِينَ﴾ أجرى الكواكب والشمس والقمر مجرى العقلاء؛ لأن السجود من صفات من يعقل، فوصفها بصفات من يعقل. و(سَجِدِينَ} حال من الهاء والميم في ﴿رَأَئِنُهُمْ] ﴿فَيَكِيدُواْ﴾ منصوب بأن مضمرة، وعدي باللام مع أنه متعد بنفسه، لتضمينه معنى فعل يتعدى باللام، للتأكيد والمبالغة في التخويف. البلاغة: ﴿إِنِّ رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ فيها استعارة؛ لأن الكواكب والمذكور معها مما لا يعقل، فكان الأصل أن يقال: ساجدة، فلما وصفها بصفات العقلاء وهو السجود، أطلق عليها فعل من يعقل على طريق الاستعارة. ﴿ كَمَآ أَتَّمَّهَا عَلَىَ أَبَوَيَّكَ﴾ تشبيه مرسل مجمل. المفردات اللغوية: ﴿إِذْ قَالَ﴾ أي اذكر، أو بدل من أحسن القصص بدل اشتمال إن جعل ٥٣٣ لُزُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ /٤-٦ ﴿أَحْسَنَ﴾ مفعولاً به . ﴿لِأَسِهِ﴾ هو يعقوب، روى أحمد والبخاري أن النبي وَل قال: ((الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم)). ﴿إِّ رَأَيَتُ﴾ في المنام من الرؤيا لا من الرؤية. ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوَكَبًا﴾ هم إخوة يوسف، وكانوا أحد عشر، والشمس والقمر: أبوه وأمه . ﴿رَأَيْنُهُمْ لِ سَنِدِينَ﴾ إما تأكيد، أو استئناف لبيان حالهم التي رآهم عليها، فلا تكرار. وإنما أجريت مجرى العقلاء لوصفها بصفاتهم، وهو السجود الذي هو من صفات العقلاء. والسجود المراد هنا: هو الانحناء، مبالغة في الاحترام، وليس سجود عبادة؛ لأن سجود العبادة لا يكون إلا بنية التقرب لمن يعتقد أن له عليه سلطاناً غيبياً فوق السلطان المعتاد. ﴿لَا نَقْصُصْ رُءْيَاكَ﴾ قص الرؤيا: الإخبار بها، والرؤيا كالرؤية، غير أنها مختصة بما يكون في النوم، ففرق بينهما بتاء التأنيث المربوطة، كالقربة والقربى. والرؤيا: انطباع الصورة المنحدرة من الخيال إلى الحس المشترك، فتصير مشاهدة.﴿فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا﴾ يحتالون في هلاكك حسداً. ﴿عَدُوٌ ◌ُبِيرٌٌ﴾ ظاهر العداوة؛ لما فعل بآدم وحواء. ﴿ وَكَذَلِكَ﴾ ومثل ذلك الاجتباء. ﴿يَجْنَبِيكَ﴾ يختارك ويصطفيك، أي وكما اجتباك ربك لمثل هذه الرؤيا العظيمة الدالة على شرف وعز، كذلك يحتبيك ربك لأمور عظام. ﴿ وَيُعَلِّمُكَ﴾ كلام مبتدأ غير داخل في حكم التشبيه، كأنه قيل: وهو يعلمك ويتم نعمته عليك. ﴿مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ تعبير الرؤيا: أي الإخبار بما يؤول إليه الشيء في الوجود، وسميت الرؤيا أحاديث باعتبار حكايتها والتحديث بها، وتعبير الرؤيا يميز بين أحاديث الملَك الصادقة وبين أحاديث النفس والشيطان الكاذبة. ﴿وَيُنِؤُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بالنبوة. ﴿وَعَلَى ءَالِ يَعْقُوبَ﴾ أي أهله وأولاده .. ٥٣٤ لِلُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٤-٦ والآل: خاص بمن لهم شرف وخطر. ﴿كَمَا أَتَمَّهَا﴾ بالنبوة. ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي من قبلك أو من قبل هذا الوقت. ﴿عَلِيمٌ﴾ بخلقه وبمن يستحق الاجتباء. ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه بهم، يفعل الأشياء على ما ينبغي. المناسبة: هذا شروع في بيان أحسن القصص، وهذه بداية مثيرة مجملة في حلقات أو فصول قصة يوسف، تجتذب ذهن القارئ والسامع لتعرف ما هو المصير، وكيف يتم حل اللغز المبهم المبدوء بقصّ يوسف رؤياه الغريبة على أبيه وهو صغير، وما أجابه به، من إخفاء الرؤيا على إخوته حتى لا يحسدوه ويكيدوا له. وهذا الأسلوب يحتذيه واضعو القصص، إذ يبدؤون القصة بلغز أو نبأ مثير، ثم يتدرجون في حل اللغز وبيان أبعاد النبأ وحقيقته. هل أبناء يعقوب أنبياء؟ يفسر بعض المفسرين الأسباط في آية ﴿قُولُواْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [البقرة: ١٣٦/٢] بأنهم إخوة يوسف وأنهم أنبياء. والصحيح كما ذكر ابن كثير أن الأسباط ليسوا أولاد يعقوب، وإنما هم القبائل من ذرية يعقوب؛ لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم: الأسباط، كما يقال للعرب قبائل، وللعجم شعوب(١). التفسير والبيان: اذكر يا محمد لقومك قصة يوسف حين قال لأبيه يعقوب: إني رأيت في منامي أن أحد عشر كوكباً والشمس والقمر تسجد لي، سجود احترام وانحناء وخضوع وتواضع، لا سجود عبادة، وقد وصف فعل غير العاقل بوصف (١) تفسير ابن كثير: ٤٦٩/٢ - ٤٧٠ ٥٣٥ لِلْزُعُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٤-٦ العاقل وهو السجود، للدلالة على أنها رؤيا إلهام، لا مجرد أضغاث أحلام. قال ابن عباس: رؤيا الأنبياء وحي. والرؤيا الصالحة جزء من النبوة، ونوع من الإخبار بالغيب إذا رآها صالح وتأولها عالم صالح. وتكون بارتسام الوقائع على الروح الصافية، وتظهر غالباً موافقة لحديث النفس. والأحد عشر كوكباً هم إخوته الأحد عشر نفراً، والكواكب هم الإخوة، والشمس والقمر أبوه وأمه. وهذا رأي جماعة من المفسرين؛ لأن الكواكب لا تسجد في الحقيقة، فيحمل الكلام على الرؤيا، ولقول يعقوب عليه السلام: ﴿لَا نَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَىَّ إِخْوَيِكَ﴾ وذكر ابن جرير الطبري عن جابر قال: أتى النبي وَله رجل من يهود، يقال له: بستانة اليهودي، فقال له: يا محمد، أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف أنها ساجدة له، ما أسماؤها؟ قال؛ فسكت النبي وَّ ساعة، فلم يجبه بشيء، ونزل عليه جبريل عليه السلام، فأخبره بأسمائها، قال: فبعث رسول الله وَله إليه، فقال: ((هل أنت مؤمن إذا أخبرتك بأسمائها؟)) فقال: نعم، قال: ((جريان، والطارق والذيال، وذو الكنفات، وقابس، ووثاب، وعمودان، والفليق، والمصبح، والضروح، ودو الفرغ، والضياء والنور)) فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها(١). ﴿ قَالَ يَبُنَّ﴾ قال يعقوب لابنه يوسف حين قص عليه ما رأى من هذه الرؤيا المتضمنة خضوع إخوته له وتعظيمهم إياه إجلالاً واحتراماً وإكراماً: لا تخبر إخوتك بما رأيت، حتى لا يحسدوك، ويحتالوا لك حيلة توقعك في مكروه، فإن الشيطان عدو لآدم وبنيه، ومن دأبه إيقاع الفتنة بين الناس، كما (١) ورواه البيهقي في الدلائل عن الحكم بن ظهير، والحافظان أبو يعلى الموصلي وأبو بكر البزار في مسنديهما، وابن أبي حاتم في تفسيره (تفسير ابن كثير: ٤٦٨/٢) لكن الحكم بن ظهير ضعيف. ٥٣٦ المُعُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ /٤-٦ قال يوسف نفسه: ﴿مِنْ بَعْدٍ أَن نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِ وَبَيْنَ إِخْوَنَّ﴾ [يوسف: ١٠٠/١٢] . وثبت في السنة عن رسول الله وَله قال: ((إذا رأى أحدكم ما يحب، فليحدِّث به، وإذا رأى ما يكره، فليتحول إلى جنبه الآخر، وليتفل عن يساره ثلاثاً، وليستعذ بالله من شرها، ولا يحدث بها أحداً، فإنها لن تضره))(١). وروى الإمام أحمد وبعض أهل السنن عن معاوية بن حَيَدة القشيري أنه قال: قال رسول الله وَّهُ: ((الرؤيا على رِجْلٍ طائر ما لم تعبّر، فإذا عبرت وقعت)). ﴿وَكَذَلِكَ يَجْنَبِيكَ﴾ أي كما اختارك ربك، وأراك هذه الكواكب مع الشمس والقمر ساجدة لك، يختارك لنفسه ويصطفيك لنبوته على آلك وغيرهم، ويعلمك تعبير الرؤيا. وتعبير الرؤيا: الإخبار بما تؤول إليه في الوجود. وتعليم الله يوسف التأويل: إلهامه الصواب فيها، أو صدق الفراسة، كما قال يوسف لأبيه: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُوْيَتَىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّ حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠/١٢] وقال لصاحبي السجن: ﴿لَا يَأْتِكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ، إِلَّا نَّأْتَكُمَا بِتَأْوِيلِهِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِّ﴾ [يوسف: ٣٧/١٢]. ﴿وَبُنِّةُّ نِعْمَتَهُ, عَلَيْكَ﴾ أي بإرسالك والإيحاء إليك، وعلى آل يعقوب، أي أبيك وإخوتك وذريتهم، وآل الإنسان: أهله، وهو خاص بمن لهم مجد وشرف، کآل النبي ێ. ( كَمَآ أَتَتَّهَا﴾ أي كإتمام تلك النعمة من قبل هذا الوقت على جدك إسحاق، وجد أبيك إبراهيم، وقُدِّم إبراهيم؛ لأنه الأشرف، إن ربك عليم بخلقه وبمن يستحق الاجتباء والاصطفاء، فهو أعلم حيث يجعل رسالته، كما في آية أخرى، حكيم في صنعه وتدبيره، يفعل الأشياء على ما ينبغي. (١) رواه البخاري عن أبي سَلَمة. ٥٣٧ الُرُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٤-٦ فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يلي: اً - رؤيا الأنبياء حق، ورؤيا الصالحين جزء من النبوة، والكواكب هي إخوة يوسف، والشمس والقمرأبوه وأمه، وهذا هو الأصح. قال الحكماء: إن الرؤيا الرديئة يظهر تعبيرها عن قريب، والرؤيا الجيدة إنما يظهر تعبيرها بعد حین. والرؤيا حالة شريفة ومنزلة رفيعة، قال ◌َله فيما رواه البخاري عن أبي هريرة: ((لم يبق بعدي من المبشِّرات: الرؤيا الصالحة الصادقة، يراها الرجل. الصالح، أو تُرى له)) وقال في رواية لحديث عند الشيخين عن أبي هريرة: ((أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً)) وحكم وَ لر فيما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري بأنها جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، وهو أصح الروايات. وإنما كانت الرؤيا جزءاً من النبوة؛ لأن فيها ما يعجز ويمتنع، كالطيران، وقلب الأعيان، والاطلاع على شيء من علم الغيب. والرؤيا الصادقة من الله، وهي التي خلصت من الأضغاث(١) والأوهام، قال ◌َّ فيما رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن أبي قتادة: ((الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان)). والتصديق بالرؤيا الصالحة حق. أما رؤيا الكافر والفاجر والفاسق والكاذب، وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات لا تكون من الوحي ولا من النبوة؛ إذ ليس كل من صدَق في حديث عن غيب، يكون خبره ذلك نبوة. ومن المعلوم أن الكاهن وغيره قد يخبر بكلمة الحق فيصدق، لكن ذلك نادر وقليل، فكذلك رؤيا هؤلاء. (١) سميت الرؤيا الكاذبة أو الحُلْم ضغثاً: لأن فيها أشياء متضادة، وهي من الشيطان. ٥٣٨ لُعُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٤-٦ وحقيقة الرؤيا: هي إدراك حقيقة في أثناء النوم، وأكثر ما تكون في آخر الليل، لقلة غلبة النوم، وتسمى أحلام اليقظة، فيخلق الله للرائي علماً ناشئاً. ولا يرى الرائي في المنام إلا ما يصح إدراكه في اليقظة، فلا يرى المستحيل، وإنما يرى الجائزات المعتادات. ويمثل الله في الرؤيا للرائي صورة محسوسة، قد توافق الواقع، وقد تكون لمعانٍ معقولة غير محسوسة، وفي الحالتين قد تكون مبشِّرة أو مُنذرة. ٣ - لا تقص الرؤيا على غير عالم ولا محب ولا ناصح، ولا على من لا يحسن التأويل فيها، أخرج الترمذي حديثاً: ((الرؤيا معلّقةَ برِجْل طائر، ما لم يحدِّث بها صاحبها، فإذا حدّث بها وقعت، فلا تحدّثوا بها إلا عاقلاً أو مُحبّاً أو ناصحاً». ٣ - يطلب كتمان النعمة أمام من تخشى غائلته حسداً وكيداً، حتى توجد وتظهر، كما ورد في حديث أخرجه الطبراني والبيهقي وغيرهما عن عمر: ((استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود)). - يباح أن يحدِّر المسلم أخاه المسلم ممن يخافه عليه، ولا يكون داخلاً في معنى الغيبة؛ لأن يعقوب (إسرائيل) عليه السلام قد حذّر يوسف عليه السلام أن يقص رؤياه على إخوته، فيكيدوا له كيداً. ه - في الآية دليل واضح على معرفة يعقوب عليه السلام بتأويل الرؤيا، فإنه عرف أن يوسف سيظهر على إخوته، فسّه ذلك ودل على أن محبته له كانت مبنية على مقومات فيه، والرجل يودّ أن يكون ولده خيراً منه، أما الأخ فلا يودّ ذلك لأخيه. ودلت الآية أيضاً على أن يعقوب عليه السلام كان أحسَّ من بنيه حسد يوسف وبغضه، فنهاه عن قص الرؤيا عليهم خوف المكيدة والحسد، والعمل على هلاكه. ودل هذا وفعلهم بيوسف يدل على أنهم كانوا غير أنبياء؛ لأن ٥٣٩ ◌ِلُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٤-٦ الأنبياء معصومون من الحسد الدنيوي، ومن عقوق الآباء، وتعريض مؤمن للهلاك، وتآمر على قتله. ٦ - اشتمل كلام يعقوب مع ابنه يوسف على عدة بشائر، فأخبره أنه كما أكرمه الله بالرؤيا، فإن الله يجتبيه ويحسن إليه بتحقيق الرؤيا، بالسجود له. والاجتباء: اختيار معالي الأمور للمجتَبَى، ويعلمه كيفية تعبير الرؤيا وتأويل أحاديث الأمم والكتب ودلائل التوحيد، وهي إشارة إلى النبوة، ويتم نعمته عليه بالنبوة، كما أتم تلك النعمة على أجداده: إسحاق وإبراهيم، فجعل الله إبراهيم خليلاً ونبياً ونجاه من النار، وجعل إسحاق نبياً أيضاً، وفي قول غير راجح: إنه الذبيح، والنعمة: الذبح. والخلاصة: إن القول الصحيح في تفسير النعمة على يوسف وغيره هي النبوة؛ لأن النعمة التامة في حق البشر ليست إلا النبوة، وكل ما سواها فهي ناقصة بالنسبة إليها. وإن يعقوب وعد يوسف بدرجات ثلاث: هي الاجتباء أو الاصطفاء، وتعبير الرؤيا أو تأويلها، والنبوة. ٥٤٠ لُرُ (١٢) - يُوسُفَ: ١٢ / ٧-١٠ الفصل الثاني من قصة يوسف يوسف وإخوته - ١ - اتفاقهم على إلقائه في البئر لَّقَدْ كَانَ فِ يُوسُفَ وَإِخْوَبِّهِ مَايَتُ لِلِسَّآيِلِينَ ﴿ إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ أَقْتُلُواْ يُوسُفَ ٨ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِنَا مِنَّا وَنَّحْنُ عُصْبَةُ إِنَّ أَبَنَا لَفِى ضَلٍ مُبِينٍ أَوِ الْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِكُمْ وَتَكُونُواْ مِنْ بَعْدِهِ، قَوْمًا صَلِحِينَ ﴿ قَالَ قَآِلٌ مِّنْهُمْ لَا نَقْتُلُوْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِ غَيَبَتِ الْجُبِّ يَلْنَفِظْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنْتُمْ فَعِلِينَ القراءات: ﴿ءَايَتُ لِلِسَّآيِلِينَ﴾: وقرأ ابن كثير (آية للسائلين). ﴿قُبِينٍ ، آقْتُلُواْ﴾: بكسرِ التنوين وصلاً قرأ أبو عمرو، وابن ذكوان، وعاصم، وحمزة. وبضمه قرأ الباقون. ﴿غَيَبَتِ﴾ : قرئ: ١- (غيابات) وهي قراءة نافع.