النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
الُرُ (١٢) - جُوَّدٍ: ١١/ ١٠٣-١٠٩
١ - الله تعالى عادل أيضاً في حق الكفار، فيوفيهم ثواب أعمالهم الحسنة في
الدنيا، ولا يكون لهم ثواب عليها في الآخرة؛ لأن قبول الأعمال حينئذ منوط
بالإيمان، ولقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوْصٍ﴾ أي إنهم وإن
كفروا وأعرضوا عن الحق فإنا موفوهم نصيبهم من الرزق والخيرات الدنيوية.
ويحتمل أن يكون المراد: ما وُعدوا به من خير أو شر، كما قال ابن عباس
رضي الله عنهما، ويحتمل أيضاً إرادة أنه يوفيهم نصيبهم من العذاب، وربما
كان الكل مراداً.
أهداف القصة في القرآن:
قد يتكرر إيراد القصة الواحدة في القرآن بأساليب مختلفة، لمناسبات
متعددة، وتأثير نفسي متفاوت، وإيحاء متنوع الهدف. ويظهر لنا من بيان
قصص الأمم السابقة في هذه السورة وغيرها من السور المكية غالباً أنها تهدف
إلى تحقيق أغراض معينة أهمها ما يأتي:
اً - الإخبار عن تواريخ بعض الأمم الماضية، وإلقاء الأضواء على
حوادث غيبية مهمة جداً، لم يكن يدري بها النبي ◌ٍَّ ولا أحد من قومه ﴿ ذَلِكَ
مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَتَكُونَ
[يوسف: ١٠٢/١٢]، فيكون ذلك دليلاً على صدق نبوته، وأن هذا القرآن من
عند الله، وليس افتراء منه، كما زعم المشركون إذ قالوا كما حكى القرآن
الكريم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِنْ هَذَا إِلَّ إِفْكُ أَفْتَرَهُ وَأَنَهُ عَلَيْهِ قَوْمُ ءَآخَرُونٌ
فَقَدْ جَاءُوْ ظُلْمًا وَزُورًا ﴿ وَقَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ أَكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ
بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴿ قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ السِرَّ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ إِنَّهُ
[الفرقان: ٤/٢٥-٦](١).
كَانَ غَفُورًا رَحِيًّا (جَ)
(١) أساطير الأولين: القصص والأكاذيب القديمة، وكانت العرب لجهلها تزعم ذلك.

٤٨٢
لُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ١٠٣-١٠٩
أَ - إخبار الناس جميعاً عن جهود الأنبياء والرسل في سبيل نشر دعوتےم،
وصراعهم مع أقوامهم، ومجادلاتهم ومناقشاتهم السديدة المتنوعة لإظهار الحق
وإبطال الباطل، ومدى استجابة أقوامهم لهم وإعراضهم عنهم، وتسلية لنبينا
** عما كان يؤلمه من صدود الناس عن الإيمان برسالته، كما قال تعالى:
﴿وَكُلَّا نَّقُصُ عَلَيَكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُشَيِّتُ بِهِ، فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِى هَذِهِ الْحَقُّ
وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ
كونهم الأسوة
﴾ [هود: ١٢٠/١١] وفيها بيان
١٢٠
الحسنة للجهاد والصبر الشديد على الدعوة: ﴿فَأَصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوُلُواْ الْعَزْمِ مِنَ
الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل ◌َهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥/٤٦].
٣ - إظهار كون الأنبياء متفقين في أصول رسالتهم، وتأييد بعضهم بعضاً
في الدعوة إلى توحيد الله، والإيمان بالبعث والجزاء واليوم الآخر، وتبيان
أصول الخير المشترك من الفضائل والأخلاق والقيم العليا: ﴿لَقَدْ كَانَ فِى
قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِ الْأَلْبَبِّ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىْ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِى
﴾ [يوسف:
بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
١١١/١٢] .
٤ - القصة عنصر مشوق، جذاب محبب، مرغوب فيه في التربية والتعليم
وإثبات البراهين العقلية بالوقائع الحسية، لا يختلف في التأثر بأسلوبها وحكاية
عناصرها الكبار والشباب، والنساء والفتيات، وذلك يؤدي إلى غرس بذور
الإيمان، والترغيب في الطاعة، والترهيب من المعصية، مما يجعل القصة
مدرسة إلهية للمؤمنين، أساتذتها الأنبياء، وواقعها الأقوام، وتاريخها قديم
عريق، وموضوعها إهلاك الظالمين، وغايتها التهذيب والإصلاح والتربية
الحسنة.
٥ - تهدف القصة القرآنية في المرتبة الأولى إلى إثبات توحيد الله وتقرير
وجوده، وإثبات النبوة، والبعث، ويتخللها أحكام تشريعية هادفة مفيدة للفرد
والجماعة، وللأمة والدولة، ولكل الشعوب والحكام.

٤٨٣
إِلُعُ (١٢) - جُوَّدٍ: ١١/ ١٠٣-١٠٩
أَ - تبين القصة أن مهمة النبي مجرد تبليغ الوحي، وإعلام الناس
بالإنذارات الإلهية بوقوع العذاب قريباً أم بعيداً، دون أن يكون لديه سلطان
ما في التأخير والتغيير، والنفع والضر.
٧ - تظهر القصة أيضاً مدى التماثل في طباع البشر، ومدى استعدادهم
الإيمان والكفر، والخير والشر.
٨ - في القصة إظهار سلطان الله وقدرته وقوته القاهرة في تعجيل العذاب،
الذي هو أنموذج عن عذاب الآخرة.
٩ - تتضمن القصة التأييد الإلهي للرسل، وإظهار آيات الله ومعجزاته
وحججه على الناس، مما يحمل على الإقناع بصحة الدعوة الإلهية، والإيمان
بأصحابها الرسل.
٠ ١ً - كان لكل قصة مواعظ وعبر خاصة، تختلف باختلاف أصحابها،
فقصة قوم نوح مثلاً تمثل الغرور المستحكم والإصرار على الوثنية، وقصة قوم
عاد تظهر مدى الاعتداد بالبطش والقوة والتجبر والعتو، وقصة قوم لوط تدل
على انحطاط المستوى الإنساني، والشذوذ الجنسي، والفحش الأخلاقي، وقصة
قوم شعيب مظهر من مظاهر الانحراف الاجتماعي أو الظلم الاجتماعي
وأخذ حقوق الناس وأكل أموالهم بالباطل، وقصة قوم فرعون مثل بارز
للاعتماد على السلطان والثروة والجاه، تهز عروش وكيان المتفرعنين الجبابرة
في كل زمان ومكان، وجميع تلك القصص لمقاومة الوثنية والفوضى في نظام
المجتمع، فإن كل أولئك الأمم كانوا وثنيين عبدة أصنام، وكانت جهود
الأنبياء المكثفة مركزة على تخليص الناس من عبادة الأوثان والأصنام.
راً - القصة في الجملة عظة وعبرة، وعلاج للنفوس، واعتبار بما حل
بالعصاة والكفار المتمردين، مما يذهل العقل، ويشيب الرأس، ويقطّع نياط
القلب، ويجعل الإنسان في دهشة وخوف ورعب.

٤٨٤
الُُُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ١٠٣-١٠٩
١٢ - إن إخبار نبي أمي غير كاتب ولا قارئ، ولا راوٍ ولا حافظ، وهو
نبينا عليه الصلاة والسلام، عن تلك القصص، دليل قاطع على نبوته، وسمو
رسالته، وحرصه على نشر العلوم والمعارف، وخفق ألوية الهدى والرشاد،
ودليل قبل كل شيء على أن هذا القرآن كلام الله ودستوره لبني البشر إلى يوم
القيامة.
١٣ - تضمنت القصص صلابة كل نبي على مبدئه ودعوته، وإن تعرض
للإساءة وتسفيه الرأي، والتصميم أحياناً على قتله أو إبعاده، والأمثلة كثيرة،
منها: ما حكاه القرآن عن نوح عليه السلام: ﴿قَالَ يَقَوْرِ أَرَءَ يْتُ إِن كُنتُ عَلَى
بَلْنَةٍ مِّن رَّبِّ وَءَانَمِنِى رَحْمَةً مِّنْ عِنِدِهِ، فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنْلِ مُّكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَرِهُونَ
٣٨
﴾ [هود: ٢٨/١١] وتكرر مثل ذلك على لسان شعيب [هود: ٨٨/١١] وغيره
من الأنبياء.
ومنها ما حكاه عن هود: ﴿قَالَ اٌلْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ: إِنَا
لَنَرَئِكَ فِى سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَذِنَ ﴿لَ قَالَ يَقَوْمِ لَيْسَ بِى
[الأعراف: ٦٦/٧ -٦٧] .
TV
سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ
ومنها ما قال قوم شعيب: ﴿قَالُواْ يَشْعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا
لَتَرَئِكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْتَكٌ وَمَآ أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيرٍ
[هود:
٩١/١١] .
١٤ - تكرار القصة الواحدة في سور القرآن أكثر من مرة إنما هو لتحقيق
مقاصد وأهداف ومعان كثيرة، لتكون ماثلة أمام الأعين في كل جيل. ولكن
تكرارها لم يكن مملاً وإنما كان بأساليب متنوعة تجتذب الأنظار، وتنبه
العقول، وتطرد السآمة والملل من نفس القارئ والسامع.

٤٨٥
الْلُُ (١٢) - جُودٍ: ١١/ ١١٠-١١١
التذكير بعاقبة الاختلاف في التوراة
﴿ وَلَقَدْ ءَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ فَأَخْتُلِفَ فِيَّةٍ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّيِّكَ
وَ إِنَّ كُلَّا لَّمَا لَيُوَفِيَنَّهُمْ رَبُّكَ
لَقُضِىَ بَيْنَهُمّ وَإِنَّهُمْ لَفِى شٍَّ مِنْهُ مُرِيبٍ (®
١١١
أَعْمَلَهُمَّ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
القراءات:
﴿وَإِنَّ كُلَّا لَّمَا﴾
٠
قرئ:
١- (وإنْ كلّاً لمَا) وهي قراءة نافع، وابن كثير.
٢- (وإنَّ كلاًّ لمَا) وهي قراءة أبي عمرو، والكسائي.
٣- (وإنَّ كلاًّ لمَّا) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
: اسمها
﴿وَإِنَّ كُلَّا لَّمَا﴾ إن بالتشديد هو الأصل فيها، و
المنصوب. ومن قرأ (إنْ) بالتخفيف، أعمل (إن) المخففة، كما أعملها مشددة،
كما يعمل الفعل تاماً ومخففاً. وأما ﴿لَّمَّا﴾ بالتشديد فهو مشكل، إذ ليست هنا
بمعنى الزمان، ولا بمعنى إلا، ولا بمعنى لَمْ، وقيل فيها بأوجه منها: أن
الأصل فيها ((لَنْ ما)) ثم أدغم النون في الميم، فاجتمع ثلاث ميمات، فحذفت
الميم المكسورة، وتقديره: وإن كلاً لمنْ خَلَقَ ليوفينهم. ومنها: أن تكون ((ما))
زائدة، وتحذف إحدى الميمات، وتقديره: لخلق ليوفينهم. ومن خفف الميم من
(لَا)) جعل ((ما)) زائدة، أتى بها ليفصل بين اللام التي في خبر (إنّ) ولام القسم

٤٨٦
◌ِلُجُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ١١٠-١١١
التي في ﴿لَيُّوَفِيَنَّهُمْ﴾. وقال الزمخشري: ﴿وَإِنَّ كُلَّ﴾ التنوين عوض من
المضاف إليه، يعني وإن كلهم، وإن جميع المختلفين فيه. و﴿ لَيُوَفِيَنَهُمْ﴾ جواب
قسم محذوف واللام في ﴿لَّمَّا﴾ موطئة للقسم، وما: مزيدة للفصل، والمعنى:
وإن جميعهم والله ليوفينهم، ولام ﴿لَيُوَفِيَنَّهُمْ﴾ للتأكيد.
البلاغة:
﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ﴾ الكلمة هنا كناية عن القضاء والقدر.
المفردات اللغوية:
﴿ اَلْكِتَبَ﴾ التوراة ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ بالتصديق والتكذيب فآمن به قوم
وكفر به قوم، كما اختلف مشركو مكة في القرآن ﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن
رَّبِّكَ﴾ بتأخير الحساب والجزاء للخلائق يوم القيامة ﴿لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدنيا
فيما اختلفوا فيه، بإنزال ما يستحقه المبطل، ليتميز به من المحق ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ وإن
كفار مكة، أو المكذبين بالتوراة ﴿لَفِى شَّكِّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ لفي شك في القرآن أو
في التوراة، موقع في الريبة.
﴿وَإِنَّ كُلَّا﴾ إن بالتشديد والتخفيف، أي وإن كل المختلفين، المؤمنين منهم
والكافرين، والتنوين: بدل المضاف إليه ﴿لَّمَّا﴾ ما: زائدة، واللام موطئة
لقسم محذوف مقدر، واللام الثانية التي في ﴿ لَيُوَفِيَنَّهُمْ﴾ للتأكيد، أو بالعكس،
وما: مزيدة للفصل بين اللامين. ﴿ لَيُّوَفِيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَلَهُمَّ﴾ أي جزاءها ﴿ إِنَّهُ
بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ عالم ببواطن العمل كظواهره.
المناسبة:
بعد أن ذكَّر الله تعالى مشركي مكة بمصير الأمم الهالکة لکفرهم، ذگّرهم
هنا أيضاً بقوم موسى الذين اختلفوا في التوراة، بين مؤمن وكافر، فعاقبهم الله
وجازاهم بسوء أعمالهم. وهو يدل على أن سيرة الكفار الفاسدة مع كل

٤٨٧
لِلْزُ (١٢) - جُوّدٍ: ١١/ ١١٠-١١١
الأنبياء واحدة، فكما أنكر كفار مكة التوحيد، أنكروا أيضاً نبوة محمد وَإِ
وكذبوا بكتابه، شأنهم في ذلك شأن وعادة الكفار من قبلهم.
التفسير والبيان:
والله لقد آتينا موسى الكتاب الذي هو التوراة، فاختلف فيه بنو إسرائيل
من بعده، ظلماً وبغياً، وتنازعاً على الزعامة والمصالح المادية، فآمن به قوم
وكفر به آخرون، مع أن الكتاب نزل لتوحيد الكلمة وجمع الناس على منهج
واحد، فلا تبال يامحمد باختلاف قومك في القرآن، فلك بمن سلف من
الأنبياء قبلك أسوة، فلا تجزع لتكذيبهم.
ولولا كلمة من ربك أي لولا سبق القضاء والقدر بتأخير العذاب إلى أجل
مسمى، لقضي بينهم في الدنيا، بإهلاك العصاة، وإنجاء المؤمنين، كما حدث
لأمم آخرين.
وإن المكذبين لفي شك موقع في الريبة والقلق، والظاهر عود الضمير في
قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ وقوله: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ على قوم موسى عليه السلام؛ إذ هم
المختلفون في الكتاب، الشاكون في التوراة، كما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْرِثُواْ
اَلْكِنَبَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِى شَكٍ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى: ١٤/٤٢] والذين أورثوا
الكتاب: هم اليهود والنصارى، والتوراة قد فقدت مع إحراق البابليين لهیکل
سليمان، وقيل: يعود الضمير على المختلفين في الرسول من معاصريه. قال ابن
عطية: وأن يعمهم اللفظ أحسن عندي. وهذه الجملة من جملة تسليته واليوم(١).
وإن كلاً من المؤمنين والكافرين المختلفين في كتاب الله ليوفينهم الله جزاء
أعمالهم، وما وعدوا به من خير أو شر؛ لأنه خبير بتلك الأعمال كلها، ولا
يخفى عليه شيء منها. وهذا أيضاً تسلية للنبي ◌َّر، وتهديد ووعيد لقومه.
(١) البحر المحيط لأبي حيان: ٢٦٦/٥

٤٨٨
الْجُرُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ١١٠-١١١
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيتين ما يأتي:
اً - عادة الناس واحدة مع كل الأنبياء، فمنهم من يقبل دعوتهم، ويؤمن
برسالتهم، ومنهم من ينكرها، وكفار قوم موسى وغيرهم أنكروا التوحيد،
وأصروا على إنكار النبوات، والتكذيب بالكتب السماوية، وكذلك كفار مكة
وغيرهم من قوم محمد رَّ وغيرهم مثل من تقدمهم فيما ذكر، فيكون جزاؤهم
واحداً.
لاً - الاختلاف في الكتاب الإلهي كالتوراة والقرآن، بأن يؤمن به بعضهم
ويكفر به بعضهم الآخر، موجب للعقاب والعذاب في الآخرة.
ءَّ - حكم الله عز وجل أن يؤخر عقاب الكافرين كبني إسرائيل لانقسامهم
بالنسبة إلى التوراة بين مكذب بها ومصدِّق بها، إلى يوم القيامة، لما علم في
حكم التأخير من الصلاح؛ ولولا التأخير، لقضي بينهم أجلهم، بأن يثيب
المؤمن ويعاقب الكافر، وينزل عذاب الاستئصال عليهم، لكن المتقدم من
قضاء الله أخر العذاب عنهم في دنياهم.
٤ - إن أولئك المختلفين في التوراة من اليهود لفي شك من كتاب موسى،
وهم في شك أيضاً من القرآن.
٥ - إن كل الأمم والأفراد، المؤمن منهم والكافر، يرون في الآخرة جزاء
أعمالهم، سواء من أقوام الأنبياء السابقين أو من قوم محمد عليهم السلام،
فمن عجلت عقوبته ومن أخّرت، ومن صدّق الرسل ومن كذب، حالهم سواء
في أنه تعالى يوفيهم جزاء أعمالهم في الآخرة، وهو مأخوذ من الآية
﴿ لَيُوَفِيَنَهُمْ﴾ التي جمعت بين الوعد والوعيد، فإن إيفاء جزاء الطاعات وعد
عظيم، وإيفاء جزاء المعاصي وعيد عظيم.

٤٨٩
الُعُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١/ ١١٢-١١٣
وتأكد الوعد والوعيد بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ لأنه تعالى لما
كان عالماً بجميع المعلومات، كان عالماً بمقادير الطاعات والمعاصي، وعالماً
بالقدر المناسب لكل عمل من الجزاء، فلا يضيع شيء عنده من الحقوق
والجزاءات.
وأكد الله تعالى توفية الجزاءات على المستحقين في الآية المذكورة: ﴿وَإِنَّ
كُلَّا لَّمَّا لَيُوَفِيَنَّهُمْ﴾ بسبعة أنواع من المؤكدات: وهي إنّ، وكل، واللام
الداخلة على خبر إن، وحرف ((ما)) إذا جعلناه على قول الفراء موصولاً،
والقسم المضمر، فإن تقدير الكلام: وإن جميعهم والله ليوفينهم، واللام الثانية
الداخلة على جواب القسم، والنون المؤكدة في قوله: ﴿لَيُوَفِيَنَّهُمْ﴾ فكل هذه
الألفاظ السبعة الدالة على التوكيد، تدل على أن أمر الربوبية والعبودية لا يتم
إلا بالبعث والقيامة وأمر الحشر والنشر، ثم أردفه بقوله: ﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ
خَبِيرٌ﴾ كما تقدم، وهو من أعظم المؤكدات(١).
الاستقامة على أوامر الله تعالى
١١٢
فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْفَوْاْ إِنَّهُ بِمَا نَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
وَلَا تَزْكَنُوْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ
ثُمَّ لَا نُصَرُونَ
١٣
الإعراب:
﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ مرفوع بالعطف على ضمير (استقم) وجاز العطف على
الضمير المرفوع؛ لأن الفصل بالظرف، وهو قوله تعالى: ﴿كَمَا أُمِرْتَ﴾ ينزل
منزلة التأكيد، فجاز العطف. ويجوز أن يكون ﴿ وَمَن تَابَ﴾ في موضع نصب؛
لأنه مفعول معه.
(١) تفسير الرازي: ٧٠/١٨

٤٩٠
الُعُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ١١٢-١١٣
﴿وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ الواو للحال.
المفردات اللغوية:
﴿فَاسْتَقِمْ﴾ على العمل بأمر ربِّك والدُّعاء إليه، والاستقامة شاملة
للاستقامة في العقائد والأعمال، من تبليغ الوحي وبيان الشرائع كما أُنزلت،
والقيام بوظائف العبادات من غير إفراط ولا تفريط. والاستقامة في غاية
العسر، لذا قال عليه الصّلاة والسّلام: ((شيَّبتني سورة هود)).
﴿وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾ أي وليستقم من تاب معك، بأن تاب من الشرك والكفر
وآمن معك .﴿ وَلَا تَطْفَوْ﴾ لا تجاوزوا حدود الله، والطغيان: مجاوزة الحدّ
بالإفراط أو التفريط.(﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فهو مجازيكم عليه، وهو في
معنى التّعليل للأمر والنّهي.
﴿وَلَا تَرْكَنُواْ﴾ لا تميلوا إليهم أدنى ميل، والرّكون: الميل اليسير. ﴿إِلَى الَّذِينَ
ظَلَمُواْ﴾ لا تميلوا إلى الظالمين بمودة أو مداهنة أو رضىَ بأعمالهم.﴿فَتَمَسَّكُمُ
النَّارُ﴾ فتصيبكم النّار بركونكم إليهم. ﴿وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ أي غيره.
﴿مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾ ﴿مِنْ﴾: زائدة، و﴿أَوْلِيَآءَ﴾ مناصرون يحفظونكم منه، أو
أنصار يمنعون العذاب عنكم .﴿ثُمَّ لَا نُصَرُونَ﴾ تمنعون من عذابه، ولا
ينصركم الله إذ سبق في حكمه أن يعذبكم ولا يبقي عليكم. و﴿ثُمَّ﴾:
لاستبعاد نصره إياهم بعد أن أوعدهم بالعذاب على فعلهم، وأوجبه.
المناسبة:
لما بَيَّن الله تعالى أمر المختلفين في التّوحيد والنّبوة، وأطنب في بيان وعدهم
ووعيدهم، أمر رسوله وَله بالاستقامة مثلما أمر بها غيره، وهي كلمة شاملة
لكل ما يتعلَّق بالعقيدة والعلم والعمل والأخلاق.
التفسير والبيان:
فالزم يا محمد ومن آمن معك طريق الاستقامة في الاعتقاد والأعمال
١

٤٩١
لِلُ (١٢) - جُوَّدٍ: ١١ / ١١٢-١١٣
والأخلاق، دون إفراط ولا تفريط. فالاستقامة تقتضي توحيد الله في ذاته
وصفاته، والإيمان بالغيب من جنّة ونار وبعث وحساب وجزاء، وملائكة
وعرش، والتزام ما أمر به القرآن في نطاق العبادات والمعاملات. وهي درجة
عليا وعسيرة إلا على من جاهد نفسه، وترقَّع عن أهوائه وشهواته، وقد أمر
بها موسى وهارون بقوله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتِ ذَعْوَتُكُمَا فَأُسْتَقِيمَا وَلَا نَتَّبِعَآنٍ
سَكِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٨٩/١٠]، وكان جزاؤها تطمين الملائكة
بعدم الخوف والحزن، والتّبشير بالجنّة، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا
اللَّهُ ثُمَّ اُسْتَقَدِمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ
[فصلت: ٣٠/٤١]. وأجاب النبي ◌ُّ سائلاً
بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُتُمْ تُوعَدُونَ
- هو سفيان الثقفي فيما رواه مسلم - قال: يارسول الله، قل لي في الإسلام
قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك؟ فقال: (( قل آمنت بالله ثم استقم)).
ولا يعني أمر الرّسول بالاستقامة أنه لم يكن مستقيماً، وإنما كان على
العكس في غاية الاستقامة، والمقصود بهذا الأمر الدّوام والاستمرار على ما
هو عليه. فالله تعالى يأمر رسوله وعباده المؤمنين بالثبات والدّوام على
الاستقامة، وذلك من أكبر العون على النّصر على الأعداء. وخطاب الرّسول
وحر ومن معه من المؤمنين بالاستقامة للتّثبيت على الاستقامة.
وفي الآية دليل على وجوب اتِباع النّصوص الشَّرعية من غير تصرّف
وانحراف، ولاتقليد وعمل برأي فاسد غير صحيح، ومن حاد عن منهج
السَّلف زاغ وضلَّ، فكانوا كقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ
بِشِيَعًّا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
(يَتَ﴾ [الروم: ٣٢/٣٠].
وطريق رفع الخلاف الرّد إلى القرآن والسُّنّة، فقال تعالى: ﴿فَإِن نَنَزَعْنُمْ فِي
شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩/٤].
وبعد أن أمر الله تعالى بالاستقامة، نهى عن ضدّها وهو الطُّغيان، أي
البغي وتجاوز حدود الله، فإنه مزلقة إلى الهلاك، فقال تعالى: ﴿ وَلَا تَطْفَوْا﴾.

٤٩٢
لُحُ (١٢) - هُوّدٍ: ١١ / ١١٢-١١٣
ثمّ حذّر الله تعالى من المخالفة، فقال: ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي إنه
تعالى بصير بأعمال العباد، لا يغفل عن شيء، ولا يخفى عليه شيء، فيجازي
عليها.
والدَّعوة إلى الاستقامة وتجُّب الطُّغيان هو هدف القرآن الكريم المتكرر فيه،
فقال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرَتِّ وَلَا نَبِعْ أَهْوَءَ هُمْ وَقُلْ
ھیلے
ءَامَنْتُ بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتَبِّ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمّ لَنَ
أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمَّ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَّا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
[الشورى: ٤٢ /١٥] .
١٥
ثم نَبَّه الله تعالى إلى خطر الميل مع الظالمين، فقال: ﴿ وَلَا تَرْكَنُوا﴾ أي ولا
تميلوا إلى الظالمين بمودة أو مداهنة أو رضىّ بأعمالهم، أو استعانة بهم، أو
اعتماد عليهم، فتصيبكم النّار بركونكم إليهم، فالرّكون إلى الطّالمين ظلم،
وليس لكم من غير الله أنصار أبداً ينفعونكم، ويمنعون العذاب عنكم، ثم لا
ينصركم الله، أي لا تجدون من ينصركم من تلك الواقعة؛ لأنه تعالى لا ينصر
الظَّالمين: ﴿وَمَا لِلَّلِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠/٢]، ﴿وَمَا لِلَّلِينَ مِن
تَصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١/٢٢]، [فاطر ٣٥/ ٣٧].
والآية تدلّ على عاقبة الرّكون، وعلى أن الميل إلى الظَّالمين موقع عادة في
الظّلم، ومزلقة تستدعي إقرارهم على ما يفعلون، والرّضى بما هم عليه من
الظّلم، واستحسان طريقتهم، وتزيينها عندهم وعند غيرهم، ومشاركتهم في
أعمالهم الّالمة. قال البيضاوي: ولعل الآية أبلغ ما يتصوّر في النّهي عن
الظّلم والتّهدید علیه.
وإذا كان الرّكون إلى الظّلم مُوجِباً عذاب النّار، فكيف يكون حال الظَّالم
في نفسه؟!

٤٩٣
الُعُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١ / ١١٢-١١٣
فقه الحياة أو الأحكام:
تدلّ الآيتان على الأمر بالاستقامة والثّبات والدَّوام عليها، وعلى تحريم
ضدّها وهو الظُّغيان، أي تجاوز حدود الله تعالى، وعدم الاعتماد على الظّلمة
والرِّضا بظلمهم.
والاستقامة: امتثال أمر الله، وليست تلك مهمة سهلة وإنما هي شاقّة
عسيرة تستدعي الطّاعة الدَّائمة، ومراقبة الإنسان نفسه، والحذر من المخالفة،
قال ابن عباس: ما نزل على رسول الله وَّ ر آية هي أشدّ ولا أشقّ من هذه
الآية عليه، ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له: لقد أسرع إليك الشَّيب!
فقال: ((شيبتني هود وأخواتها)). وروي عن أبي علي السّرِي قال: رأيت النَّبي
29 في المنام، فقلت: يا رسول الله! روي عنك أنك قلت: ((شيَّبتني هود)»،
فقال: ((نعم))، فقلت: ما الذي شيَّك منها؟ قصص الأنبياء وهلاك الأمم!
فقال: ((لا، ولكن قوله تعالى: ﴿فَأُسْتَقِمْ كِمَا أُمِرْتَ﴾)).
والاستقامة تقتضي اتِّباع نصوص القرآن والسُّنّة، والبُعد عن التّأويلات
الباطلة، والعمل بالرّأي الفاسد المخالف روح الشّريعة ومبادئها العامة.
ثم حذّرت الآية من الاعتماد على الظّلمة، والرّضا بظلمهم، والاستعانة
بهم، والتعاون معهم، وودِّهم وإطاعتهم؛ لأن ودَّهم يستدعي إطراءهم
وتمّقهم، وتزييف الحقائق، وكتمان الحقّ، والسُّكوت عن المنكر، وعدم
الأمر بالمعروف.
والظّلم: يشمل الشّرك وكل أنواع القبائح والمعاصي والمنكرات، والآية
دالّة على هجران أهل الكفر والمعاصي من أهل البدع وغيرهم، فإن صحبتهم
كفر أو معصية، إذ الصّحبة لا تكون إلا عن مودّة. أما صحبة الظّالم على
التّقيَّة، فهي مستثناة من النّهي بحال الاضطرار.

٤٩٤
لُعُ (١٢) - جُوّدٍ: ١١ / ١١٤-١١٥
روى الإمام أحمد وأصحاب السُّنن عن أبي بكر أنه قام، فحمد الله، وأثنى
عليه، ثم قال: أيُّها النَّاس، إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ
أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾ ألا وإن النّاس إذا رأوا الظّالم، فلم
يأخذوا على يديه، أوشك الله أن يعمّهم بعقابه، ألا وإنِي سمعت رسول الله
وَله يقول: ((إنّ النّاس إذا رأوا المنكر بينهم، فلم ينكروه، يوشك أن يعمَّهم
الله بعقابه)).
وقد تضمّنت الآية صراحة بيان عاقبة الرّكون إلى الظَّلمة، وهي الإحراق
بالنّار، بسبب مخالطتهم ومصاحبتهم وممالأتهم على ما هم عليه، وموافقتهم
في أمورهم.
والطّلمة: هم أعداء المؤمنين، من المشركين، أو كل ظالم، سواء أكان
كافراً أم مسلماً، والرّأي الثّاني أصح؛ لأن الأخذ بعموم الكلام أولى.
ويلاحظ من اختلاف التّعبيرين: ﴿فاستقُمْ﴾ و﴿ وَلَا تَرْكَنُواْ﴾ أن الأوامر
بأفعال الخير أُفردت للنَّبِي ◌َِّ، وإن كانت عامة في المعنى: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَّ
أُمِرْتَ﴾ وقوله في الآية التالية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ﴾، ﴿وَأَصْبِرُ﴾. أما المنهيّات
فقد جمعت الأمة: ﴿وَلَا تَطْغَوْاْ﴾، ﴿ وَلَا تَرْكَنُوْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾.
الأمر بالصَّلاة والصَّبر
﴿ وَأَقِمِ الصَلَوَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الَّيْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ اُلسَّيِّئَاتِ
وَأَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَّكِرِينَ ﴿٦
١١٥
الإعراب:
﴿َطَرَفِ النَّهَارِ﴾ منصوب على الظَرف؛ لأنه مضاف إليه.

٤٩٥
المُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١ / ١١٤-١١٥
البلاغة:
﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ بينهما طباق.
﴿ذَلِكَ ذِّكْرَى لِلَّكِرِينَ﴾ بينهما جناس اشتقاق.
لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ عدول عن المضمر، ليكون كالبرهان على
المقصود، ودليلاً على أن الصَّبر والصَّلاة إحسان، وإيماء بأنه لا يعتدّ بهما دون
الإخلاص.
المفردات اللغوية:
﴿َطَرَفَِ اٌلَّهَارِ﴾ أي في الغداة والعشي، أي الصّبح والظّهر والعصر كما
قال الحسن وقتادة والضَّحَّاك، وطرف الشيء: الطَّائفة منه من النّهاية والبداية.
﴿وَزُلَغَا مِنَ الَّيْلِ﴾ جمع زلفة أي طائفة وجزء من أول الليل قريب من النّهار،
وذلك يشمل صلاة المغرب وصلاة العشاء، كما قال الحسن البصري.
﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ يكفرنها، وفي الحديث الذي أخرجه أبو
نعيم عن أنس: ((الصلوات الخمس كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر))
والحسنات كالصلوات الخمس وغيرها من أعمال البر، والسيئات: الذنوب
الصغائر. ﴿ذِكْرَى لِلَّكِرِينَ﴾ عظة للمتعظين.
وَأَصْبِرْ﴾ على الطاعات وعن المعاصي . ﴿لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾
بالصبر على الطاعة.
سبب النزول:
روى الشيخان، وابن جرير، عن ابن مسعود أن رجلاً أصاب من امرأة
قبلة، فأتى النبيِ نَّه، فأخبره، فأنزل الله: ﴿وَأَقِ الصَّلَوةَ طَرَفَ النَّهَارِ وَزُلَفًا
مِنَ الَتْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ فقال الرجل: إلي هذه؟ قال: لجميع
أمتي کلهم.
ء

٤٩٦
الُهُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ١١٤-١١٥
وأخرج الترمذي وغيره عن أبي اليَسَر قال: أتتني امرأة تبتاع تمراً، فقلت:
في البيت أطيب منه، فدخلت معي البيت، فأهويتُ إليها فقبلتها، فأتيت
رسول الله وَ﴿، فذكرت ذلك له، فقال: أخْلَفْتَ غازياً في سبيل الله في أهله
بمثل هذا؟! وأطرق طويلاً، حتى أوحى الله إليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَيِ
النَّهَارِ﴾ إلى قوله: ﴿لِلَّكِرِينَ﴾.
وروي ذلك من حديث أبي أمامة ومعاذ بن جبل وابن عباس وبريدة
وغيرهم. ومنه يفهم أن ذنب الرجل لا حدّ فيه، وإنما هو ذنب يكفره العمل
الصالح، من إقامة الصلاة وإحسان القول والعمل.
ورواية الترمذي عن ابن مسعود هي: قال: جاء رجل إلى النبي ◌ُّ فقال:
إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن أمسَّها، وأنا
هذا، فاقضٍ فيَّ ما شئت. فقال له عمر: لقد سترك الله! لو سترت على
نفسك؛ فلم يردّ عليه رسول الله وَ ل﴾ شيئاً، فانطلق الرجل، فأتبعه رسول الله
وَّه رجلاً فدعاه، فتلا عليه: ﴿وَأَقِ الصَّلَوةَ طَرَفَ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ الَيْلِ إِنَّ
إلى آخر الآية؛ فقال
١١٤)
اٌلْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَّكِرِينَ
رجل من القوم: هذا له خاصة؟ قال: ((لا، بل للناس كافة)) قال الترمذي:
حديث حسن صحيح.
المناسبة:
بعد أن أمر الله تعالى رسوله والمؤمنين بالاستقامة، وعدم تجاوز حدود
الدين، وعدم الركون إلى ذوي الظلم، أردفه بالأمر بالصلاة والصبر، وهو
يدل على أن أعظم العبادات بعد الإيمان بالله هو الصلاة، ويليها الصبر، فإنه
نصف الإيمان، فهما عدة الامتثال، والصلاة أساس العبادات، وعمود
الدین.

٤٩٧
◌ِلُزُ (١٢) - جُودٍ: ١١/ ١١٤-١١٥
التفسير والبيان:
موضوع هاتين الآيتين: الاستعانة بالصلاة والصبر، كما قال تعالى في آية
أخرى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أُسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ إِنَّ اللََّ مَعَ الصَّبِينَ
[البقرة: ٢ /١٥٣] .
١٥٣
أما بالنسبة إلى الصلاة فالآية في تحديد أوقاتها، ومعناها: أدّ الصلاة تامة
كاملة الأركان والشروط والأوصاف، باعتبارها صلة بين العبد والرب،
مطهرة للنفس، مرضاة للرب، مانعة عن الفحشاء والمنكر، وأداؤها في جميع
أجزاء اليوم، فقوله: ﴿طَرَفَ النَّهَارِ﴾ يشمل ثلاث صلوات هي الصبح
والظهر والعصر، وقوله: ﴿وَزُلَفًا مِّنَ الَيْلِ﴾ يشمل صلاتي المغرب والعشاء.
فتكون الآية شاملة جميع أوقات الصلاة، كما جاء في آيات أخر هي:
اً - ﴿أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ
اُلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (ِهَا﴾ [الإسراء: ٧٨/١٧].
أَ - ﴿فَسُبْحَنَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ
وَلَهُ اُلْحَمْدُ فِى
[الروم: ١٧/٣٠-١٨] فصلاة
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ
الصبح عند الإصباح، وبقية الصلوات تدخل تحت تعبير المساء؛ لأنه يشمل
ما بين الظهر والغروب فما بعده.
◌َّ - ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَيِّكَ قَبْلَ طُلُوع الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِهَا وَمِنْ ءَانَآَفِى الَّيْلِ
فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠/٢٠] والتسبيح يكون بالصلاة
وغيرها.
ثم ذكر الله تعالى فائدة الصّلاة بقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ﴾ أي إِنّ فعل الخيرات
أو الأعمال الحسنة، ومنها الصَّلوات الخمس، تكفِّر الذَّنوب السَّالفة،
والسَّيئات الصَّغائر، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السُّنة

٤٩٨
الفُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١ / ١١٤ -١١٥
عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال: كنت إذا سمعت من رسول الله وَلده
حديثاً نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه، وإذا حدّثني عنه أحد، استحلفته،
فإذا حلف صدّقته، وحدَّثني أبو بكر - وصدق أبو بكر - أنه سمع رسول الله
وَلو يقول: ((ما من مسلم يذنب ذنباً، فيتوضأ، ويصلِّ ركعتين، إلا غُفِر له)).
وفي الصَّحيحين عن أمير المؤمنين عثمان بن عفّان: أنه توضأ لهم كوضوء
رسول الله وَ لهثم قال: هكذا رأيت رسول الله وَلؤل يتوضأ، وقال: ((من توضأ
وضوئي هذا، ثم صلَّ ركعتين، لا يحدّث فيهما نفسه، غُفِر له ما تقدّم من
ذنبه)).
والحسنات: جميع الأعمال الصَّالحة، حتى ترك السَّيئة، والسَّيئات:
الذُّنوب الصَّغائر؛ لأن الكبائر لا يكفِّرِها إلا الثَّوبة؛ لقوله تعالى: ﴿إِن
تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا
﴾ [النساء: ٣١/٤]، ولما رواه مسلم: ((الصَّلوات الخمس كفّارة لما
کریمًا
بینھن، إذا اجتنبت الكبائر)).
وأمّا شروط التَّوبة الصَّادقة فهي أربعة: الإقلاع عن الذَّنب، والنَّدم عليه،
والعزم على عدم العود إلى مثله في المستقبل، والعمل الصَّالح الذي يساعد على
محو أثر الذَّنب، ومنه ردّ الحقوق لأصحابها، وطلب السَّماح ممن آذاه.
﴿ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَّكِينَ﴾ أي إنّ النّصح السَّابق بفعل الحسنات والاستقامة،
وعدم تجاوز حدود الدِّين، وعدم الرّكون إلى الظَّلَمة، عظة للمتّعظين الذي
يعقلون الأحداث ويقدّرون مخاطرها ويخشون الله عزّ وجلّ.
﴿ وَأَصْبِرْ﴾ أي الزم الصَّبر على الطّاعة ومشاقّها، وعن المعصية ومغرياتها،
وابتعد عن المنكر والمحرَّمات، وفي حال الشّدائد والمصائب، فإن الله لا يهدر
ثواب المحسنين أعمالاً، الصَّابرين على مراد الله وقدره. وهذا دليل على أن
الصَّبر إحسان وفضيلة.

٤٩٩
الجُزءُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١ / ١١٤-١١٥
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيتان إلى ما يأتي:
اً - الأمر بالصَّلوات المفروضة وإيجابها، وخصّت بالذّكر هنا؛ لأنها ثانية
الإيمان، وإليها يفزع في النّوائب، وكان النَّبي ◌َّ إذا حَزَبَه(١) أمر، فزع إلى
الصّلاة.
أَ - الآية دليل على قول أبي حنيفة رحمه الله في أنّ التّنوير بالفجر أفضل،
وفي أنّ تأخير العصر أفضل؛ لأنّ ظاهر هذه الآية يدلّ على وجوب إقامة
الصّلاة في طرفي النّهار، وطرفا النّهار: الزّمان الأوّل لطلوع الشَّمس والزّمان
الثاني لغروبها، وبما أنّ ظاهر الآية غير مراد بالإجماع، فوجب حمله على
المجاز، وهو إقامة الصَّلاة في الوقت الذي يقرب من طرفي النّهار؛ لأنّ ما
يقرب من الشيء يجوز أن يطلق عليه اسمه. وإقامة صلاة الفجر عند التّنوير
أقرب إلى وقت الظُّلوع من إقامتها عند التَّغليس، وكذلك إقامة صلاة العصر
عندما يصير ظلّ كل شيء مثليه أقرب إلى وقت الغروب من إقامتها عندما
يصير ظلّ كل شيء مثله، والمجاز كلما كان أقرب إلى الحقيقة كان حمل اللفظ
عليه أولى.
ءَّ - أوضحت الآية أوقات الصَّلوات الخمس المفروضة؛ لأنّ طرفي النّهار
يشملان صلاة الصّبح، وصلاة الظّهر والعصر، والزّلف من الليل يقتضي
الأمر بإقامة صلاتي المغرب والعشاء. والزُّلَف: الساعات القريبة بعضها من
بعض، وزلف الليل تشمل المغرب والعشاء.
٤ - الحسنات وهي الأعمال الصَّالحة ومنها الصَّلوات الخمس، وقول
الرّجل: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، والأولى حمل
(١) حزبه: نزل به مهمّ، أو أصابه غم ..

٥٠٠
لكُءُ (١٢) - هُودٍ: ١١ / ١١٤-١١٥
اللفظ على عمومه. وأما السَّيئات فهي الذّنوب الصَّغائر، للحديث المتقدّم:
((ما اجتنبت الكبائر)).
٥ - دلّت الآية على أنّ المعصية لا تضرّ مع الإيمان؛ لأنّ الإيمان أشرف
الحسنات وأجلُّها وأفضلها. وعلى أنّ الحسنات يذهبن السَّيئات، فالإيمان
الذي هو أعلى الحسنات درجة، يذهب الكفر الذي هو أعلى درجة في
العصيان، فلأن يقوى على المعصية التي هي أقل السَّيئات درجة، كان أولى،
فإن لم يفد إزالة العقاب بالكليّة، فلا أقل من أن يفيد إزالة العذاب الدائم.
٩ - دلّت الآية مع الأحاديث الواردة في سبب نزولها على أن القبلة
واللَّمس الحرام لا يجب فيهما الحدّ. واختار ابن المنذر أنه لا يجب فيهما أدب
أو تعزیر.
لاً - القرآن الكريم موعظة وتوبة لمن اتَّعظ وتذكَّر، وخصَّ الذَّاكرين
بالذّكر؛ لأنهم المنتفعون بالذّكرى.
٨ - الصَّبر على الصّلاة كما قال تعالى: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ وَأَصْطَيِّرُ
عَلَيْهَا﴾ [طه: ٢٠/ ١٣٢]، والصَّبر على الطّاعات، وعلى ما يلقاه المؤمن من أذى
الأعداء، وعلى الشَّدائد والمصائب، الصَّبر على كل ذلك إحسان وفضيلة، وله
ثواب عظيم، وقد قال النَّبي ◌َ ﴿ فيما رواه أبو نعيم في الحلية والبيهقي في
شعب الإيمان: ((الصَّبر نصف الإيمان، واليقين: الإيمان كله)) إلا أنه ضعيف.