النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٦١ الُزُجُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ٩٦-٩٩ [١٠٤ - ١٠٥] وفي سورة الشعراء [١٧ - ٢٨] وفي سورة طه [٤٨ - ٥٥] وفي سورة القصص [٣٨] وفي سورة غافر [٣٦ - ٣٧]. والعبرة منها واضحة وهي نجاة موسى ومن آمن معه، وهلاك فرعون وأشراف قومه، واللعنة عليهم في الدنيا والآخرة، مثل كفار أولئك الأقوام. الظالمين الذين أعرضوا عن دعوة أنبيائهم، كما تقدم، ولكن عذاب فرعون وملئه وهو الغرق في البحر لم يعمّ جميع قومه. التفسير والبيان: تالله لقد أرسلنا موسى بآياتنا التسع ودلالاتنا الباهرة الدالة على توحيد الله إلى فرعون ملك القبط وملئه، وفيها السلطان الواضح الجلي أي الدلالة القاطعة المؤيدة بالحس المشاهد، على صدق نبوته. وقيل: المراد من الآيات: التوراة مع ما فيها من الشرائع والأحكام. وقيل: المراد بها الآيات التسع البينات وهي المعجزات، وهي العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، ونقص من الثمرات والأنفس. ومنهم من أبدل بنقص الثمرات والأنفس إظلال الجبل، وفلق البحر. وفي هذه الآيات سلطان مبين لموسى على صدق نبوته. ﴿فَعُوْ أَمْرَ فِرْعَوْنٌ﴾ أي تبع الملأ منهج فرعون ومسلكه وطريقته في الغيّ والضلال، من الكفر بموسى، وظلم بني إسرائيل بتقتيل أبنائهم واستحياء نسائهم. وإنما خصّ الملأ بالذكر؛ لأنهم القادة والرؤساء المستشارون والمنفذون وغيرهم تبع لهم. ﴿وَمَآ أَقْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أي وما شأنه وتصرفه ومنهجه بصالح معقول، فليس فيه رشد ولا هدى، وإنما هو جهل وضلال، وكفر وعناد، وظلم وفساد. ٤٦٢ اِلُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١ / ٩٦-٩٩ وجزاؤهم في الآخرة: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَّ﴾ أي يتقدم فرعون كبير قومه وقائدهم إلى نار جهنم يوم القيامة، فيدخلهم فيها؛ لأنه كما اتبعوه في الدنيا وكان مقدمهم ورئيسهم، كذلك هو يقدم يوم القيامة إلى النار، فأوردهم إياها، وله فيها الحظ الأوفر من العذاب الأكبر، كما قال ﴾ [المزمل: ١٦/٧٣] ١٦ تعالى: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَهُ أَخْذًا وَبِيلًا وكذلك شأن المتبوعين يكونون موفرين في العذاب يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿لِكُلِّ ضِعْفٌ وَلَكِن لَّا نَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨/٧] وأخبر تعالى عن الكفرة أنهم يقولون في النار: ﴿رَبَّنَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنَّا كَبِيرًا (®)﴾ [الأحزاب: ٦٨/٣٣] وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَالله: (امرؤ القيس حامل لواء شعراء الجاهلية إلى النار)). وورد في القرآن أن آل فرعون يعرضون على النار منذ ماتوا صباحاً ومساء كل يوم، كما قال تعالى: ﴿وَحَاقَ بِثَالِ فِرْعَوْنَ سُوَءُ الْعَذَابِ، النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ◌ُلْعَذَابِ ٤٦ [غافر: ٤٥/٤٠ -٤٦] . ﴿وَبِئْسَ أَلْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ أي وبئس المورد الذي يردونه النار وبئس المدخل المدخول فيه وهو النار؛ لأن وارد الماء يرده للتبريد وإطفاء حرّ الظمأ، ووارد النار يزداد احتراقاً بلهبها ويتلظى بسعيرها. والورد قد يكون بمعنى الورود مصدراً، وقد يكون بمعنى الوارد، والمورود: الماء الذي يورد، والموضع الذي یورد. ﴿وَأُتْبِعُواْ فِ هَذِهِ، لَغْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ أي ألحق الله بهم زيادة على عذاب النار لعنة عظيمة في الدنيا من الأمم الآتية بعدهم، وكذلك يوم القيامة يلعنهم أهل الموقف جميعاً، وهم من المقبوحين، فعليهم لعنتان في الدنيا والآخرة فوق عذابهم، كما قال تعالى: ﴿ وَأَتْبَعْنَهُمْ فِى هَذِهِ الدُّنْيَا لَغْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم ٤٦٣ لالُ (١٢) - هُوَّيّ: ١١ / ٩٦-٩٩ مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ [القصص: ٤٢/٢٨] قال مجاهد: زيدوا لعنة يوم القيامة، ٤٢ فتلك لعنتان. ﴿بِئْسَ الْرِفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ أي بئس العون المعان والعطاء المعطى هذه اللعنة اللاحقة بهم في الدنيا والآخرة، فقد سميت اللعنات رفداً تهكماً بهم، والرفد: هو العطية. قال ابن عباس عن هذه الجملة: هز اللعنة بعد اللعنة. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات المذكورة من قصة موسى مع فرعون وقومه إلى العظات التالية : اً - تتابعت آيات الله من التوراة وما فيها من شرائع وأحكام، ومن المعجزات الدالة على وحدانية الله تعالى، إلى فرعون وقومه، فما أفادتهم الآيات، وعصوها، واتبعوا منهج فرعون ومسلكه في الغي والضلال. ٣ - ليس مسلك فرعون وغيره من الفراعنة المتألهين بسديد يؤدي إلى الصواب، ولا بمرشد إلى خير، وإنما هو غيّ وضلال، وكفر وفساد. ٣ - كل قائد إلى الضلال في الدنيا قائد إلى النار يوم القيامة، وله عذاب مضاعف. ٤ - لفرعون وآله فوق عذاب جهنم لعنتان: في الدنيا والآخرة، وهم معذبون في قبورهم عذاباً شديداً، ويعرضون فيها على النار صباحاً ومساء. ٥ - بئست عاقبة الكافرين، وبئس العطاء المعطى لهم وهو نار جهنم، الموصوفة في قوله تعالى: ﴿فَلَّذِينَ كَفَرُوْ قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن ثَارِ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ، يُصْهَرُ بِهِ، مَا فِ بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ﴿ وَلَمُ مَّقَمِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَا أَرَادُوْ أَنْ يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ اَلْحَرِقِ (ب)﴾ [الحج: ١٩/٢٢-٢٢]. ٤٦٤ الُعُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١ / ١٠٠-١٠٢ العبرة من قصص الأمم الظالمة في الدنيا وَمَا ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُضُهُ, عَلَيْكَ مِنْهَا قَآَبِمٌ وَحَصِيدٌ (9َ ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوْ أَنفُسَهُمَّ فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ الَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِنْ شَىْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَقْرُ رَبِّكٌ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَنْبِيبٍ ﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ اُلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَةُ إِنَّ أَخْذَهُ: أَلِمٌ شَدِيدٌ القراءات: شٌ﴾: تقدم في القراءات للآيات (٣٦-٤١). الإعراب: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ﴾ مبتدأ وخبر، أو على إضمار مبتدأ أي الأمر ذلك، وذلك: يشار به إلى الواحد والاثنين والجماعة.﴿نَقُصُهُ عَلَيْكَ﴾ خبر بعد خبر، أي ذلك النبأ بعض أنباء القرى المهلكة مقصوص عليك. ﴿مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ جملة مستأنفة لا محل لها، أي بعضها باق وبعضها عافي الأثر کالزرع القائم على ساقه والذي حصد. ﴿وَهِىَ ظَلِمَّةُ﴾ حال من القرى. البلاغة: ﴿مِنْهَا قَآَبِهُ وَحَصِيدٌ﴾ استعارة مكنية، شبه الباقي من آثار القرى بعد تدميرها بالزرع القائم على ساقه، وشبه ما دمّر مع أهله بالزرع المحصود. ﴿وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوْ أَنْفُسَهُمْ﴾ بينهما طباق السلب. ٤٦٥ اْلُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١/ ١٠٠-١٠٢ ﴿إِذَا أَخَذَ الْقُرَى﴾ مجاز مرسل، أطلق المحل وأراد الحالّ وهو أهل القرى. المفردات اللغوية: ﴿ذَلِكَ﴾ النبأ المذكور سابقاً. ﴿ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى﴾ المهلكة. ﴿ نَقْصُهُ, عَلَيْكَ﴾ مقصوص عليك يا محمد. ﴿مِنْهَا﴾ أي من تلك القرى. ﴿فَابِرٌ﴾ باق كالزرع القائم، وهلك أهله دونه . ﴿وَحَصِيدٌ﴾ أي ومن القرى زال أثره وهلك بأهله، فلا أثر له كالزرع المحصود بالمناجل. ﴿وَمَا ظَلَمْنَهُمْ﴾ بإهلاكهم بغير ذنب. ﴿ وَلَكِن ظَلَمُوْ أَنْفُسَهُمْ﴾ بالشرك الذي عرضوها به للعذاب . ﴿فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ﴾ فما نفعتهم ولا قدرت أن تدفع عنهم، بل ضرتهم. ﴿ءَاِهَتُهُمُ الَّتِى يَدْعُونَ﴾ التي يعبدون. ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي غيره. ﴿مِن شَىْءٍ﴾ من صلة زائدة. ﴿لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ حين جاءهم عذابه ونقمته . ﴿وَمَا زَادُوهُمْ﴾ بعبادتهم لها. ﴿غَيِّرَ تَنْبِيبٍ﴾ غير هلاك أو تخسير. (وَكَذَلِكَ﴾ ومثل ذلك الأخذ. ﴿ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى﴾ أي أهلها. ﴿وَهِىَ ظَلِمَةُ﴾ بالذنوب، فلا يغني عنهم من أخذهم شيء. ﴿إِنَّ أَخْذَهُ، أَلِمٌ شَدِيدٌ﴾ وجيع غير مرجوّ الخلاص منه، وهو مبالغة في التهديد والتحذير. المناسبة: المناسبة ظاهرة بين هذه الآيات وما قبلها من الآيات، فبعد أن ذكر الله تعالى قصص الأنبياء مع الأمم السابقة (وهي سبع: قصة نوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب، وموسى عليهم السلام) قال منبهاً إلى ما فيها من العظة والعبرة: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقْضُهُ, عَلَيْكَ مِنْهَا قَآَبِمٌ ١٠٠ ٠٠ وَحَصِيدٌ فيتعلم منها الإنسان أسلوب الجدال ومقارعة الحجة بالحجة، وتأييد الأدلة العقلية بالقصص الواقعية، ويتهيأ السامع والقارئ للاستفادة من عبرها ٤٦٦ لُزُرُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ١٠٠-١٠٢ وعظاتها، فيلين قلبه، وترق نفسه، وتخشع جوارحه لذكر الله ويرهب عذابه للعصاة، ويعلم أن المؤمن يخرج من الدنيا مع الثناء الجميل فيها، والثواب الجزيل في الآخرة، وأن الكافر يخرج من الدنيا مع اللعن فيها، والعقاب في الآخرة. وهي دليل على صدق نبوة محمد بَّله، لإخباره عن تلك القصص من غير مطالعة كتب، ولا مدارسة مع معلم، ولا تلمذة لأحد، وهي معجزة عظيمة تدل على النبوة، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [يوسف: ١١١/١٢](١). التفسير والبيان: لما أخبر الله تعالى عن الأنبياء وما جرى لهم مع أممهم، وكيف أهلك الكافرين، ونَجَّى المؤمنين قال: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى﴾ أي ذلك النبأ المذكور بعض أنباء القرى المهلكة مقصوص عليك يا محمد، لتخبر به الناس، ويتلوه المؤمنون إلى يوم القيامة تبليغاً عنك. وقوله ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى الغائب، والمراد به هنا الإشارة إلى القصص المتقدمة، وهي حاضرة، كما في قوله: ﴿ذَلِكَ اُلْكِتَبُ لَا رَيْبَ فِهِ﴾ [البقرة: ٢/٢]. من تلك القرى ما له أثر باق كالزرع القائم على ساقه، كقوم صالح، ومنها ما عفا أثره ودَرَس حتى لم يعد له أثر كالزرع المحصود، مثل قرى قوم لوط. وما ظلمناهم بإهلاكهم من غير ذنب، ولكن ظلموا أنفسهم بتكذيبهم رسلنا وكفرهم بهم، وشركهم وإفسادهم في الأرض، وثقتهم أن آلهتهم المزعومة تدفع عنهم المخاوف والمخاطر والمحاذير . ﴿فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ﴾ فما نفعتهم شيئاً ولا دفعت عنهم بأس الله، بل ضرتهم أوثانهم التي كانوا (١) تفسير الرازي: ٥٥/١٨ ٤٦٧ لُعُ (١٢) - جُوّدٍ: ١١/ ١٠٠-١٠٢ يعبدونها ويدعونها من دون الله أو غيره، فما نفعوهم ولا أنقذوهم بإهلاكهم. وفي قوله تعالى: ﴿الَّتِى يَدْعُونَ﴾ حذف، أي التي كانوا يدعون أي يعبدون. وقوله: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ﴾ فيه إضمار ومضاف محذوف أي ما زادتهم عبادة الأصنام. وما زادوهم غير تخسير وهلاك؛ لأن سبب هلاكهم ودمارهم إنما كان باتباعهم تلك الآلهة، فخسروا الدنيا والآخرة. ومثل ذلك الأخذ بالعذاب، وكما أهلكنا أولئك القرون الظالمة المكذبة الرسلنا، كذلك نفعل بأشباههم، فنأخذ القرى ونهلكها وهي في حالة الظلم الشديد، إن أخذه وجيع شديد لا يرجى منه الخلاص. وهو إنذار وتحذير من سوء عاقبة الظلم. وفي قوله: ﴿وَهِىَ ظَلِمَّةُ﴾ مضاف محذوف أي وأهلها ظالمون، مثل ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢/١٢]. ومعنى: إن أخذه أليم شديد أي عقوبته لأهل الشرك موجعة غليظة. ورد في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَهيلة: ((إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه، لم يفلته، ثم قرأ رسول الله وجليقول : ﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اُلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ﴾ الآية)). فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يأتي: اً - فائدة القصص القرآني العظة والاعتبار، فإن كل من يشاهد آثار تلك القرى المهلكة، أو يعلم بما حدث لها من غير وجود أثر ظاهر، يأخذه الخوف والوجل والرهبة، ويخشى أن يتعرض لما تعرض له الأقدمون من عذاب مخيف. ٣ - إن الله تعالى كما أخذ الأمم المتقدمة كقوم نوح، وعاد ثمود، يأخذ جميع الظالمين على النحو ذاته، كما أفاده قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ﴾ ثم زاده ٤٦٨ الجُزُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ١٠٣-١٠٩ تأكيداً وتقوية بقوله: ﴿إِنَّ أَخْذَهُ: أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ فوصف العذاب بالإيلام والشدة، والألم وشدته سبب المنغصة في الدنيا والآخرة. والآية تفيد أن كل من شارك المتقدمين في فعل ما لا ينبغي، فلا بد وأن يشاركهم في الأخذ الأليم الشدید. ءَّ - لم يكن عقاب تلك الأمم الظالمة إلا بما بدر منهم من ظلم وهو الكفر والمعاصي، وكان عقابهم عدلاً وحكمة. ٤ - كل من أقدم على ظلم، يجب عليه أن يتدارك ظلمه بالتوبة والإنابة، لئلا يقع في الأخذ الذي وصفه الله تعالى بأنه ألیم شدید. ة - لم تنفع المشركين والكافرين آلهتهم المزعومة بل أضرت بهم، وما زادتهم عبادة الأصنام إلا خسارة ثواب الآخرة. العبرة في قصص القرآن بجزاء الآخرة ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْأَخِرَةَّ ذَلِكَ يَوْمٌ تَجْمُوعُ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسُ وَهَا نُؤَخِرُهُ: إِلَّا لِأَجَلِ مَعْدُودٍ ﴾ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِىِ النَّارِ لَهُمْ فِهَا زَفِيْرٌ ١٠٥ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَمِنْهُمْ شَفِىٌ وَسَعِيدٌ خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ وَشَهِيقُ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِى الْجَنَّةِ خَلِينَ فِيَهَا مَا دَامَتِ فَعَالٌ لِّمَا يُرِيدُ اُلتَمَوَثُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ عَطَاءَ غَيْرَ مَجْذُونٍ ﴿ فَلَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءٍ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ ءَآبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَقُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيِّرَ مَنقُوصٍ القراءات: ﴿وَمَا نُؤَخِرُهُ: ٤٦٩ الُ (١٢) - جُودٍ: ١١/ ١٠٣-١٠٩ وقرأ ورش، وحمزة وقفاً (وما نوَخِّره) ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾: - قرأ ورش، والسوسي وصلاً (يوم ياتي). - وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً (يوم يات). - وقرأ قالون، والدوري، والكسائي وصلاً، وابن كثير وصلاً ووقفاً (يوم يأتي). - وقرأ الباقون وصلاً ووقفاً (يوم يأت). ﴿ سُعِدُواْ﴾: قرئ: ١- (سُعِدُوا) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف. ٢- (سَعِدوا) وهي قراءة الباقين. الإعراب: ﴿تَجْمُوعُ لَّهُ النَّاسُ﴾ ﴿تَجْمُوٌ﴾ خبر المبتدأ أو نعت ليوم، وقوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ﴾ مبتدأ وخبر، و﴿ النَّاسُ﴾ مرفوع لمجموع، أي يجمع له الناس، لأن اسم المفعول بمنزلة اسم الفاعل في العمل لِشبْه الفعل. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِى النَّارِ﴾ ابتداء وخبر. ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ فيه ضمير يعود إلى قوله: ﴿يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾. و﴿لَا تَكَلَّمُ﴾ إما صفة ليوم، أي يوم يأتي لا تكلم نفس فيه، كقوله تعالى: ﴿يَوْمًا لَّا تَجْرِى نَفْسُ﴾ [البقرة: ٤٨/٢] أي فيه، وإما حال من ضمير ﴿يَأْتِ﴾ أي يوم يأتي اليوم ٤٧٠ الجُزءُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١ / ١٠٣-١٠٩ المشهود غير متكلم فيه نفس، وتكلم: حذف منه إحدى التاءين. ويوم: منصوب بما دل عليه قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ﴾ أي شقي حينئذ من شقي، وسَعِد من سعد. ﴿مَا دَامَتِ اُلسَّمَوَتُ﴾ ﴿مَا﴾ ظرفية زمانية مصدرية في موضع نصب، تقديره: مدة دوام السماوات والأرض. ﴿إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ ﴿مَا﴾ في موضع نصب؛ لأنه استثناء منقطع. ﴿عَطَاءَ﴾ منصوب على المصدر المؤكد، أي أعطوا عطاء، أو منصوب على الحال من ﴿اَلْجَنَّةِ﴾. ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ حال من النصيب. البلاغة: ﴿ شَفِىٌّ وَسَعِيدٌ﴾ بينهما طباق. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ﴾ ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ﴾ فيه لف ونشر مرتب. المفردات اللغوية: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ المذكور من القصص أو ما نزل بالأمم الهالكة . ﴿لَيَةً﴾ لعبرة. ﴿لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْأَخِرَةِ﴾ أي يعتبر بتلك القصص من خاف العذاب الأخروي، لعلمه بأن ما نزل بتلك الأقوام أنموذج مما أعد الله للمجرمين في الآخرة. ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ﴾ أي يوم القيامة، دل عليه عذاب الآخرة. ﴿يَوْمٌ تَجْمُوعُ لَهُ النَّاسُ﴾ أي يجمع له الناس، واستعمل صيغة ﴿تَجْمُوعُ﴾ للدلالة على ثبات معنی الجمع لليوم، وأنه من شأنه لا محالة، وأن الناس لا ینفکون عنه، فهو أبلغ من قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمَّعْ﴾ [التغابن: ٩/٦٤] ومعنى الجمع له: الجمع لما فيه من الحساب والجزاء . ﴿ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ يشهده جميع ٤٧١ الُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١/ ١٠٣-١٠٩ الخلائق، والمعنى الأدق: مشهود فيه أهل السماوات والأرضين، ولو جعل اليوم مشهوداً في نفسه، لبطل المقصود من تعظيم اليوم وتمييزه، فإن سائر الأيام كذلك. ﴿وَهَا نُؤَخِّرُهُ﴾ أي اليوم. ﴿إِلَّا لِأَجَلِ مَعْدُودٍ﴾ أي لوقت معلوم عند الله، فهو على حذف مضاف، أي إلا لانتهاء مدة معدودة متناهية . ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ ذلك اليوم والجزاء . ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ بإذن الله تعالى. ﴿فَمِنْهُمْ﴾ أي من الخلق أهل الموقف . ﴿شَفِىٌّ﴾ وجبت له النار بمقتضى الوعيد، فالشقي: من استحق النار الإساءته . ﴿وَسَعِيدٌ﴾ وجبت له الجنة، بموجب الوعد، والسعيد: من استحق الجنة لعمله مع فضل الله ورحمته . ﴿فَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ﴾ في علم الله تعالى. ﴿زَفِيْرٌ﴾ صوت شديد. ﴿وَشَهِيقٌ﴾ صوت ضعيف، والمراد بهما الدلالة على شدة كربهم وغمهم. وأصل الزفير: إخراج النَّفَس، الشهيق: إدخال النفس مع السرعة والجهد. ﴿خَلِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ﴾ أي مدة دوامهما في الدنيا، وليس المراد ارتباط دوامهم في النار بدوام السماوات والأرض، فإن النصوص دالة على تأبيد دوامهم، وانقطاع دوامهما. والمقصود التعبير عن التأبيد بما كانت العرب يعبرون به على سبيل التمثيل. والمفهوم لا يقاوم المنطوق . ﴿إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ غير ما شاء الله من الزيادة على مدتهما، مما لا منتهى له، والمعنى: خالدين فيها أبداً. أو أن هذا استثناء من الخلود في النار؛ لأن بعضهم وهم فسَّاق الموحدين يخرجون منها. والخلاصة: إن خلود أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار ثابت بنصوص القرآن العديدة، وأما الاستثناء بالمشيئة هنا، فيراد به الدلالة على الثبوت والاستمرار، وعبر بذلك لبيان أن هذه القضايا بمشيئة الله تعالى ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالُ لِّمَا يُرِيدُ﴾ أي من غير اعتراض أحد. ٤٧٢ اِلُ (١٢) - هُوّدٍ: ١١ / ١٠٣-١٠٩ ﴿عَطَآءَ غَيْرَ مَجْذُونٍ﴾ غير مقطوع، وهو تصريح بأن الثواب لا ينقطع. ﴿ فَلَ تَكُ﴾ يا محمد. ﴿فِى مِرْيَةٍ﴾ شك. ﴿مِّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ من الأصنام، ٠٠ور إنا نعذبهم، كما عذبنا من قبلهم، وهذا تسلية للنبي ءَآبَاؤُهُم﴾ أي كعبادتهم، والاستثناء بقوله: ﴿إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ﴾ معناه تعليل النهي عن المرية، أي هم وآباؤهم سواء في الشرك . ﴿نَصِيبَهُمْ﴾ حظهم من العذاب . ﴿غَيِّرَ مَنْقُوصِ﴾ أي تاماً. بَيُّ .﴿كَمَا يَعْبُدُ المناسبة: الآيات متصلة بما قبلها من أجل بيان العبرة من قصص الأمم الظالمة، فبعد أن ذكر الله تعالى العبرة من إهلاك الأمم الظالمة في الدنيا، ذكر هنا العبرة بجزاء الآخرة لكل من الأشقياء والسعداء، وهي إقامة الدليل على صدق الأنبياء وصدق وعد الله في الآخرة، والترهيب من عصيان الله والكفر به، لئلا يكون الإنسان من الأشقياء الذين يصْلَون النار، والترغيب بالإيمان وطاعة الله ليصير المؤمن الطائع مع السعداء الذين يتمتعون بالجنة. التفسير والبيان: إن في ذلك القصص المتقدم المتضمن إهلاك الكافرين وإنجاء المؤمنين لدليلاً واضحاً وحجة قوية على صدق وعد الله في الآخرة، لمن يؤمن بها ويخاف عذابها، فيتقي الكفر والظلم والعصيان في الدنيا؛ لأنه يعلم أن ما أخبر به الأنبياء من البعث والجزاء صدق لا شك فيه، وأن من عذب الظالمين في الدنيا قادر أن يعذبهم في الآخرة، وأن ما أصاب المجرمين في الدنيا ما هو إلا أنموذج لعذاب الآخرة. قال الزمخشري: قوله: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما قص الله من قصص الأمم الهالكة بذنوبهم وقوله: ﴿لَيَةً﴾ أي لعبرة لمن خاف عذاب الآخرة؛ ٤٧٣ الزُ (١٢) - جُوَّدٍ: ١١/ ١٠٣-١٠٩ لأنه ينظر إلى ما أحل الله بالمجرمين في الدنيا، وما هو إلا أنموذج مما أعدّ لهم في الآخرة، فإذا رأى عِظَمه وشدته، اعتبر بعظم العذاب الموعود، فيكون له عبرة وعظة ولطفاً في زيادة التقوى والخشية من الله تعالى، ونحوه: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ [النازعات: ٢٦/٧٩] .. (١) لَعِبْرَةً لِّمَنْ يَخْشَ ذلك اليوم يوم عذاب الآخرة يجمع فيه الناس جميعاً أولهم عن آخرهم، ليحاسبوا على أعمالهم، ثم يجازوا عليها، كقوله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَهُمْ فَمَ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧/١٨] وذلك يوم مشهود، أي عظيم تحضره الملائكة، ويجتمع فيه الرسل، وتحشر فيه الخلائق بأسرهم من الإنس والجن والطير والوحوش والدواب، ويحكم فيه العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها. والتصرف في الخلائق، سواء في الدنيا بإهلاك تلك الأمم وأمثالها، أو في الآخرة، إنما هو بإرادة الله واختياره لتربية الأمم، لا بالطبيعة كما يزعم الماديون الذين قالوا: إن الطوفان أو الغرق، والصاعقة، وخسف الأرض أو الزلازل أمور طبيعية غير إلهية. وأبسط رد عليهم أن تلك العقوبات حدثت بعد إنذار الرسل لأقوامهم، وحددوا لهم وقتاً معلوماً، كما قال صالح عليه السلام: ﴿تَمَتَّعُواْ فِىِ دَارِكُمْ ثَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدُّ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥/١١] وقال لوط: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود: ٨١/١١]. ثم أخبر الله تعالى عن تأخير يوم القيامة وعذابه إلى أجل معين: ﴿وَمَا ﴾ أي ما نؤخر إقامة القيامة إلا لانتهاء مدة ١٠٤ تُؤَخِرُهُ إِلَّا لِأَجَلِ مَعْدُودٍ محدودة في علمنا، لا يزاد عليها ولا ينقص منها، وهي عمر الدنيا، لإعطاء الفرصة الكافية للناس لإصلاح أعمالهم، وتصحيح عقيدتهم، كقوله تعالى: (١) الكشاف: ١١٥/٢ ٤٧٤ اِلُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١ / ١٠٣-١٠٩ ﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوْ لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابِّ بَل ﴾ [الكهف: ٥٨/١٨] . (٥٨) لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوپِلًا ﴿يَوْمَ بَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسُ﴾ أي يوم يأتي يوم القيامة، لا يتكلم أحد إلا بإذن الله تعالى، فهو صاحب الأمر والنهي، ولا يملكٍ أحد فيه قولاً ولا فعلاً إلا بإذنه، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُُّعُ وَالْمَلَتِكَةُ صَفَّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (﴿٤﴾ [النبأ: ٣٨/٧٨] وقوله سبحانه: ﴿يَوْمَِذٍ يَتَّبِعُونَ الَّاعِىَ لَا ◌ِوَجَ لَهِّ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّ هَسًْا (٦َ﴾ ) ﴾ [طه : ٢٠ /١٠٨] . ﴿فَمِنْهُمْ شَفِىٌّ﴾ أي فمن أهل الجمع من الناس في ذلك اليوم شقي معذَّب لكفره وعصيانه، ومنهم سعيد منعّم في الجنان لإيمانه واستقامته، كما أخبر تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِى الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧/٤٢] فمن أريد له الشر فعمل الشر فهو من أهل الشقاوة، ومن أريد له الخير فعمل الخير، فهو من أهل السعادة، وكل ميسر لما خلق له. روى الترمذي والحافظ أبو يعلى في مسنده عن عمر قال: لما نزلت: ﴿فَمِنْهُمْ شَفِىٌّ وَسَعِيدٌ﴾ سألت النبي ◌َّ، فقلت: يا رسول الله، علامَ نعمل؟ على شيء قد فُرغ منه، أم على شيء لم يُفرغ منه؟ فقال: ((على شيء قد فُرِغ منه يا عمر، وجرت به الأقلام، ولكن كلٌّ ميسَر لما خلق له، وقرأ: ﴿فَأَمَّا ﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَأَسْتَغْنَى فسنَيسِرَهُ لِلْيُسْرَى مَنْ أَعْطَى وَنَّقَى (®َ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى [الليل: ٩٢ /٥ -١٠] )). فَسَنْيَسِرُ لِلْعُسْرَى وَكَذَبَ بِالْحُسْنَى ٨ ثم بيَّن الله تعالى حال الأشقياء وحال السعداء فقال عن الفريق الأول: ﴿ فَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ﴾ أي فأما الأشقياء فهم في جهنم مستقرهم ومثواهم، بسبب اعتقادهم الفاسد وعملهم الشّيء لهم من الهم والكرب وضيق الصدر زفير وشهيق، تنفسهم زفير، وإخراجهم النَّفَس شهيق، لما هم فيه من العذاب، كما ذكر ابن كثير، مع أن الزفير في العادة هو إخراج النَّفَس، والشهيق: ردّه. ٤٧٥ ◌ِلُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١/ ١٠٣-١٠٩ ﴿خَلِينَ فِيَهَا﴾ أي ماكثين فيها على الدوام، مدة بقاء السماوات والأرض، والمراد التأبيد ونفي الانقطاع، على سبيل التمثيل وقول العرب: أفعل كذا أو لا أفعله ما أقام ثبير، وما لاح كوكب، وما تغنَّت حمامة. ويجوز أن يكون المراد سماء الآخرة وأرضها، وهي دائمة مخلوقة للأبد، والدليل على أن للآخرة سماوات (ماهو فوق الخلائق) وأرضٍ (ماهم مستقرون عليه) قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ اُلْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨/١٤] وقوله: ﴿ وَأَوْرَثَنَا اُلْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ﴾ [الزمر: ٧٤/٣٩] ولأنه لابد لأهل الآخرة مما يقلّهم ويظلهم، وكل ما أظلك فهو سماء. قال ابن عباس: لكل جنة أرض وسماء. ﴿إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ يراد بهذا الاستثناء الدلالة على الثبوت والاستمرار؛ لأنه ثبت خلود أهل الجنة والنار فيهما إلى الأبد من غير استثناء، والمقصود بذلك بيان أن الخلود بمشيئة الله تعالى، ولا يخرج شيء في الدنيا والآخرة عن المشيئة الإلهية. وهو كقوله تعالى: ﴿النَّارُ مَثْوَنَّكُمْ خَلِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨/٦] وقوله: ﴿قُل لَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلَا ج ضَرَّ إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٨٨/٧] وقوله: ﴿سَنُفْرِتُكَ فَلاَ تَنَسَّ ◌َ إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦/٨٧-٧] والمراد بذلك كله تقييد الأحكام بمشيئة الله تعالى فقط، لا لإفادة عدم عمومها. وهذا هو الظاهر الراجح. قال ابن جرير: من عادة العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبداً قالت: هذا دائم دوام السماوات والأرض، وكذلك يقولون: هو باق ما اختلف الليل والنهار. وللعلماء المفسرين أحد عشر قولاً ذكرها القرطبي (١)، قال الزمخشري: هو استثناء من الخلود في عذاب النار، ومن الخلود في نعيم الجنة، وذلك أن أهل (١) تفسير القرطبي: ٩٩/٩ وما بعدها، تفسير الرازي: ٦٥/١٨ وما بعدها. ٤٧٦ ◌ِلُُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ١٠٣-١٠٩ النار لا يخلدون في عذاب النار وحده، بل يعذبون بالزمهرير وبأنواع من العذاب سوى عذاب النار، بما هو أغلظ منها كلها، وهو سخط الله عليهم وإهانته إياهم. وكذلك أهل الجنة لهم سوى الجنة ماهو أكبر منها، وأجلّ موقعاً منهم وهو رضوان الله، ولهم ما يتفضل الله به عليهم سوى ثواب الجنة، مما لا يعرف كنهه إلا هو، فهو المراد بالاستثناء، والدليل عليه قوله: عَطَةُ غَيْرَ تَجْذُونٍ﴾ (١). أي إنهم خالدون في كل من الجنة والنار إلا ما شاء ربك من تغيير هذا النظام المعدّ، أو الإضافة أو النقص منه، ويكون المراد أن كل شيء في قبضته وتحت تصرفه، إن شاء أبقاه وإن شاء منعه. وقال أبو حيان: والظاهر أن قوله ﴿إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ استثناء من الزمان الدال عليه قوله: ﴿خَلِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ﴾ والمعنى إلا الزمان الذي شاءه الله تعالى، فلا يكون في النار ولا في الجنة، ويمكن أن يكون هذا الزمان المستثنى هو الزمان الذي يفصل الله بين الخلق يوم القيامة، إذا كان الاستثناء من الكون في النار والجنة؛ لأنه زمان يخلو فيه الشقي والسعيد من دخول النار أو الجنة. وأما إن كان الاستثناء من الخلود، فيمكن ذلك بالنسبة إلى أهل النار، ويكون الزمان المستثنى هو الزمان الذي فات أهل النار العصاة من المؤمنين الذين يخرجون من النار، ويدخلون الجنة، فليسوا خالدين في النار؛ إذ قد أخرجوا منها، وصاروا في الجنة. وأما بالنسبة إلى أهل الجنة فلا يتأتى منهم ما تأتى في أهل النار؛ إذ ليس منهم من يدخل الجنة، ثم لا يخلد فيها(٢). (١) الكشاف: ١١٦/٢ (٢) البحر المحيط: ٢٦٣/٥ ٤٧٧ الُعُ (١٢) - جُودٍ: ١١/ ١٠٣-١٠٩ ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالُ لِّمَا يُرِيدُ﴾ أي يفعل ما يشاء، على وفق علمه ومقتضى حكمته، فهو يفعل بأهل النار ما يريد من العذاب، كما يعطي أهل الجنة عطاءه الذي لا انقطاع له. ثم ذكر الله تعالى جزاء الفريق الثاني وهم السعداء: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ أي وأما أهل السعادة وهم أتباع الرسل، فمأواهم الجنة، خالدين فيها، أي ماكثين فيها أبداً، مدة دوام السماء والأرض، بمشيئة الله تعالى، عطاء غير منقطع ولا ممنوع، ولكنه ممتد إلى غير نهاية، كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرُ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الانشقاق: ٢٥/٨٤]. قال ابن كثير: معنى الاستثناء ههنا أن دوامهم فيما هم فيه من النعيم ليس أمراً واجباً بذاته، بل هو موكول إلى مشيئة الله تعالى، فله المنة عليهم دائماً، ولهذا يلهمون التسبيح والتحميد، كما يلهمون النَّفَس(١). فكل من جزاءي أهل النار وأهل الجنة دائم بمشيئة الله تعالى، فعذاب أهل النار في النار دائماً مردود إلى مشيئته تعالى، وأنه بعدله وحكمته موافق لأعمالهم، وثواب أهل الجنة في الجنة بحسب مشيئته تعالى أيضاً جزاء بما كانوا يعملون، إلا أنه تعالى أورد فرقاً في ختام آية كل من الفريقين، فقال عقب بيان حال الأشقياء: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالُ لِّمَا يُرِيدٌ﴾ كما قال: ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ﴿عَطَاءَ ﴾ [الأنبياء: ٢٣/٢١] وقال عقب بيان حال السعداء: ٢٣ وَهُمْ يُسْتَلُونَ غَيّرَ مَجْذُونٍ﴾ لتطبيب القلوب، والإشارة إلى أن جزاء المؤمنين هبة منه تعالى وإحسان دائم، قال رسول الله و * فيما أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة: «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله قالوا: ولا أنت يارسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته)). (١) تفسير ابن كثير: ٤٦٠/٢ ٤٧٨ إِلَزْعُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ١٠٣-١٠٩ وجاء في الصحيحين: ((يؤتى بالموت في صورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: ياأهل الجنة، خلود فلا موت، ويا أهل النار، خلود فلا موت)) وفي الصحيح أيضاً: ((فيقال: يا أهل الجنة، إن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تصحّوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تَنْعَموا، فلا تيأسوا أبداً)). وبعد ذكر أحوال الأشقياء والسعداء، أنذر الله تعالى أعداء النبي وَل بتعذيبهم كما عذب الأمم المهلكة المتقدمة، فقال: ﴿فَلَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ﴾ أي إذا علمت يا محمد كل ما ذكر، وعرفت سنة الله في عباده، فلا تك في شك في عاقبة ما يعبد المشركون، وفي نهايتهم، فكل ما يعبدون باطل وجهل وضلال، وعذابهم محقق لا شك فيه، وفي هذا تسلية للنبي وَّل ووعيد لقومه. إنهم يعبدون الأوثان والأصنام مثلما يعبد آباؤهم، فهم مثلهم في الجهل، وهم مقلدون لهم، فليس لهم مستند فيما هم فيه إلا اتباع الآباء في الجهالات، وسيجزيهم الله على ذلك أتم الجزاء، فيعذبهم عذاباً لا يعذبه أحداً، أما حسنات أعمالهم في الدنيا فقد وفاهم الله إياها في الدنيا قبل الآخرة تماماً غير منقوص، فإذا كانوا محسنين فيها كِبر الوالدين وصلة الأرحام، والإحسان إلى الفقراء، وفعل الخير، فإن الله تعالى يوفيهم جزاءهم عليها في الدنيا بسعة الرزق والصحة، والسرور، ودفع الضرر، وهو جزاء عاجل زائل، وتمام غير نقص؛ بمقتضى العدل الإلهي، فلا يغترن أحد بما يراه في الكفار أحياناً من نعمة ورخاء في الدنيا، فإن لهم الدنيا فقط، ويحرمون من نعيم الآخرة، وليس لهم فيها إلا العذاب الشديد بسبب كفرهم بالله تعالى. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على الأحكام التالية: اً - الأنبياء على صدق تام فيما أخبروا به من أخبار الماضين، ومغيبات ٤٧٩ لِلُ (١٢) - جُوَّدٍ: ١١/ ١٠٣-١٠٩ المستقبل، سواء في عالم الدنيا، أو في عالم الآخرة، من وقوع العذاب والعقاب، والحشر والحساب: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ﴾ أي لعبرة وموعظة لمن يخشى عذاب القيامة. وقوله: ﴿مَّحْمُوٌ لَّهُ النَّاسُ﴾ يدل على إثبات الحشر، فالجمع: الحشر، أي يحشرون ليوم القيامة. وهو يوم يشهده البر والفاجر، ويشهده أهل السماء. اً - البعث حق، ولكن اقتضت حكمة الله تأخير يومه لأجل معلوم معدود سبق به قضاؤه. ◌َّ - السلطان المطلق في يوم القيامة لله عز وجل، فلا يتكلم فيه أحد بحجة ولا شفاعة إلا بإذنه تعالى. قال قوم: ذلك اليوم طويل، وله مواطن ومواقف، في بعضها يمنعون من الكلام، وفي بعضها يطلق لهم الكلام. وهذا يدل على أنه لا تتكلم نفس إلا بإذنه. ◌َ - الناس يوم القيامة صنفان: شقي وسعيد، الأشقياء في النار، والسعداء في الجنة، وكلاهما خالد مخلد فيما هم فيه، من العذاب أو الثواب، بمشيئة الله وإرادته. وهذا الحكم من الله لا يتغير ولا يتبدل، فمن حكم الله عليه بحكم، وعلم منه عمله وأمره، امتنع أن يصير بخلافه، وإلا لزم أن يصير خبر الله تعالى كذباً، وعلمه جهلاً، وذلك محال، فثبت أن السعيد لا ينقلب شقياً، وأن الشقي لا ينقلب سعيداً. ٥ - اتفق الجمهور الأعظم من الأمة على أن عذاب الكافر دائم؛ لأن الخلود المذكور في الآية المرتبط بدوام السماوات والأرض يقصد به الدوام، على نحو تعبير العرب الذين يعبرون عن الدوام والأبد بقولهم: ما دامت السماوات والأرض، وقولهم: ما اختلف الليل والنهار، وما طما البحر، وما أقام الجبل. أو أن المراد سماوات الآخرة وأرضها، وفي الآخرة سماء ٤٨٠ ◌ِلُزُ (١٢) - جُود: ١١ / ١٠٣-١٠٩ وأرض، بدليل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ عَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَثٌ [إبراهيم: ٤٨/١٤] وقوله: ﴿وَأَوْرَتَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ) [الزمر: ٧٤/٣٩] وأيضاً لابد لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم، وذلك هو الأرض والسماوات. أَ - قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ يدل على أن خلود أهل النار فيها وخلود أهل الجنة فيها حاصل بمشيئة الله تعالى، ولا يخرج شيء في الدنيا والآخرة عن المشيئة الإلهية، والمراد بالآية الدلالة على الثبوت والاستمرار. واستدل الرازي بالآية على أنه تعالى يخرج الفساق المؤمنين من أهل الصلاة من النار، وهو المراد بهذا الاستثناء في ترجيحه المشابه له ترجيح أبي حيان، فالآية استثناء من الخلود، وهي في الذين زال حكم الخلود عنهم وهم عصاة المؤمنين. وأما الاستثناء بالنسبة لأهل السعادة فيراد به في وجه ذكره الرازي رفع المنازل، فقد يرفع الله من الجنة إلى العرش، وإلى المنازل الرفيعة التي لا يعلمها إلا الله تعالى، قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَمَسَكِنَ طَيِّبَةً فِى جَنَّتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٩/ ٧٢]. ٧ - نعيم أهل الجنة دائم غير منقطع ولا ممنوع، لقوله تعالى: ﴿عَطَاءَ غَيْرَ ◌َجْذُونٍ﴾ وقوله: ﴿لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمَنُوْعَةٍ (٣٢)﴾ [الواقعة: ٣٣/٥٦]. ٨ - إن عبادة المشركين أوثانهم وأصنامهم لا دليل عليها من العقل والمنطق، وإنما صادرة عن محض الجهل وتقليد الآباء والأسلاف، كما قال تعالى: ﴿فَلَ تَكُ فِى مِرْبَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ الآية، أي فلا تك في شك من حال ما يعبدون في أنها لا تضر ولا تنفع، وأن الله عز وجل ما أمرهم بعبادتها، وإنما يعبدونها كما كان آباؤهم يفعلون تقليداً لهم.