النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١
الُُ (١٢) - جُود: ١١ / ٦٩-٧٦
قصة إبراهيم عليه السلام
بشارته بإسحاق ويعقوب
﴿ وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَا إِبَهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلَمًّا قَالَ سَلَهٌّ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَآءَ
فَلَمَّا رَءَّا أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةٌ
٦٩
بِعِجْلٍ حَنِيدٍ
قَالُواْ لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمِ لُوطٍ
وَأَمْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَهَا
◌ِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ
فَ قَالَتْ يَوَتِلَ ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِى
شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَىْءُ عَجِيبٌ
، قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِّ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَتُهُ.
عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِّ إِنَّهُ حَمِدٌ نَجِدٌ
﴿ فَلَّا ذَهَبَ عَنْ إِنَزَهِيَمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ
اٌلْبُشْرَى يُجَدِّلْنَا فِ قَوْمِ لُوطٍ ﴿ إِنَّ إِبْرَهِيَمَ لَحَلِيمٌ أَوَّةٌ مُنِيبٌ (
يَاِبَهِيمُ أَغْيِضْ
٧٥
عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَيِِّكٌ وَإِنَّهُمْ ءَاتِهِمْ عَذَابٌ غَيِّرُ مَنْ دُودٍ
القراءات:
﴿رُسُلُنَا﴾:
وقرأ أبو عمرو (رُسْلنا).
﴿ قَالَ سَلَّ﴾:
وقرأ حمزة (سِلْم).
﴿ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ﴾ :
بتسهيل الهمزة الأولى مع المد والقصر وصلاً قرأ: قالون، والبزي.
وقرأ بإسقاطها مع القصر والمد وصلاً أبو عمرو.
وقرأ بتسهيل الثانية وصلاً: ورش، وقنبل.
٤٢٢
الزُرُ (١٢) - جُوّدٍ: ١١ / ٦٩-٧٦
وقرأ الباقون بتحقيقهما.
﴿ وَأَمْرَتُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ
٧١
قرئ:
١- (يعقوبَ) وهي قراءة حفص، وحمزة، وابن عامر.
٢- (يعقوبُ) بالرفع على الابتداء، وهي قراءة الباقين.
﴿رَحْمَتُ﴾:
رسمت بالتاء، فوقف عليها بالهاء: ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي.
ووقف الباقون بالتاء.
﴿رَجَ أَمْرُ﴾:
حكمها حكم: جاء أمرنا. وتقدم في القراءات للآيات (٣٦-٤١).
الإعراب:
﴿ وَلَقَدْ﴾ اللام لتأكيد الخبر، ودخلت (قد) هاهنا؛ لأن السامع لقصص
الأنبياء يتوقع قصة بعد قصة، وقد للتوقع.
﴿قَالُواْ سَلَمَّا قَالَ سَلَمٌ﴾ الأول منصوب بقالوا أو على المصدر، والثاني
مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف أي هو سلام، أو مبتدأ محذوف الخبر، أي
وعليكم سلام، أو مرفوع على الحكاية.
﴿أَنْ جَآءَ﴾ إما في محل نصب على تقدير حذف حرف الجرّ، أي عن جاء،
وإما في محل رفع على أنه فاعل ﴿لَبِثَ﴾ أي فما لبث مجيئه، أي ما أبطأ مجيئه
بعجل حنيذ، أي مشوي.
٤٢٣
الُعُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ٦٩-٧٦
﴿وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾ منصوب بتقدير فعل دل عليه (بشرناها) أي
بشرناها بإسحاق، ووهبنا له يعقوب، أو معطوف على موضع قوله:
﴿بِإِسْحَقَ﴾. ويقرأ بالضم مبتدأ، أو مرفوعاً بالجار والمجرور، ويقرأ بالجر
معطوفاً على ﴿إِسْحَقَ﴾.
﴿شَيْئًا﴾ حال من معنى اسم الإشارة أو التنبيه، ويقرأ بالرفع إما خبراً
بعد خبر أو بدلاً من ﴿بَعْلِى﴾ أو يكون ﴿بَعْلِى﴾ بدلاً من هذا، وشيخ خبر
عن هذا، أو شيخ خبر مبتدأ آخر، أي هذا شيخ، ونظيره في هذه الأوجه
الأربعة قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ﴾ [الكهف: ١٠٦/١٨].
﴿أَهْلَ اُلْبَيْتِّ﴾ منصوب على المدح أو النداء بقصد التخصيص، والأصح
أنه منصوب على الاختصاص.
﴿فَلَمَّا ذَهَبَ﴾ لما ظرف زمان، جوابه محذوف، أي أقبل يجادلنا. وجملة
يُجَدِلْنَا﴾ حال من ضمير (أقبل) وهو ضمير إبراهيم.
﴿ءَاتِهِمْ عَذَابٌ﴾ مرفوع باسم الفاعل الذي جرى خبراً، فجرى مجرى
الفعل، أي فإنه يأتيهم.
البلاغة:
ءَالدُ﴾ استفهام معناه التعجب.
﴿ذَهَبَ عَنْ إَِّهِيَمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ﴾ بينهما طباق.
﴿ََّ أَمْرُ رَيِّكَّ﴾ كناية عن العذاب الذي حكم به الله عليهم.
المفردات اللغوية:
﴿رُسُلُنَا﴾ الملائكة، قيل: كانوا تسعة، وقيل: ثلاثة: جبريل وميكائيل
٤٢٤
لِلْزُ (١٢) - جُوّدٍ: ١١ / ٦٩-٧٦
وإسرافيل ﴿بِالْبُشِّرَى﴾ ببشارة الولد، وقيل: بهلاك قوم لوط ﴿قَالُواْ سَلَمًا﴾
سلمنا عليك سلاماً، أو منصوب بقالوا أي ذكروا سلاماً ﴿قَالَ سَلَمٌ﴾ أمركم
سلام أو جوابي سلام أو وعليكم سلام، وقد أجابهم بالرفع بأحسن من
تحيتهم ﴿فَمَا لَبِثَ﴾ أبطأ ﴿حَنِيذٍ﴾ مشوي بالرَّضْف أي بالحجارة المحماة ﴿لَا
تَصِلُ إِلَيْهِ﴾ أي لا تمتد للتناول ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أنكر ذلك منهم، ضد عرفه
﴿ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةٌ﴾ أحسّ منهم خوفاً في نفسه ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمِ
لُوطٍ ﴾ إنا ملائكة مرسلة إليهم بالعذاب، وإنما لم نمدّ إليه أيدينا؛ لأنا لا نأكل.
ولوط: النبي الكريم ابن أخي إبراهيم وأول من آمن به.
﴿ وَأَمْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ﴾ وراء الستر، تسمع محاورتهم، أو تقوم بالخدمة.
﴿فَضَحِكَتْ﴾ سروراً بزوال الخوف، أو بهلاك أهل الفساد ﴿وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ
يَعْقُوبَ﴾ أي وهبناها من بعد إسحاق يعقوب ﴿يَوَيِلَىَ﴾ أصله يا ويلي
وهلاكي أي يا عجبا، وهي كلمة تقال عند التعجب من بلية أو فجيعة أو
فضيحة. ﴿بَعْلِى﴾ زوجي، وأصله القائم بالأمر، ويجمع على بعولة ﴿شَيْخًا﴾.
ابن مئة أو مئة وعشرين ﴿وَأَلِّدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ﴾ ابنة تسعين أو تسع وتسعين، فهي
عقيم ﴿إِنَّ هَذَا لَشَىْءُ عَجِيبٌ﴾ يعني الولد من هرمین، وهو تعجب من حيث
العادة لا القدرة الإلهية ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ قدرته وحكمته، فإن خوارق العادات
باعتبار أهل بيت النبوة ومهبط المعجزات، وتخصيصهم بمزيد النعم
والكرامات، ليس ببدع ولا حقيق بأن يستغربه عاقل، فضلاً عمن نشأت
وشبت في ملاحظة الآيات.﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ﴾ تحمد أفعاله ﴿فَجِيدٌ﴾ كثير الخير
والإحسان ﴿الرَّعُ﴾ الخوف والرعب ﴿وَجَآءَتَّهُ اٌلْبُشْرَى﴾ بدل الروع.
﴿ يُحَدِّلْنَا فِ قَوْمِ لُوطٍ﴾ يجادل رسلنا في شأنهم قائلاً: إن فيها لوطاً.
﴿ لَحَلِيمٌ﴾ غير عجول على الانتقام من المسيء إليه ﴿أَوَّهُ﴾ كثير التأوه من
الذنوب والتأسف على الناس ﴿مُنِيبٌ﴾ راجع إلى الله، والمقصود من ذلك بيان
الحامل له على المجادلة وهو رقة قلبه وفرط رحمته.
٤٢٥
الُعُ (١٢) - جُودٍ: ١١/ ٦٩-٧٦
يَكَإِنَرَاهِيمُ﴾ على إرادة القول، أي قالت الملائكة: يا إبراهيم ﴿أَغْرِضِ﴾ عن
هذا الجدال ﴿إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ قدره بمقتضى قضائه الأزلي بعذابهم وهو
أعلم بحالهم ﴿غَيِرُ مَرْدُورٍ﴾ غير مصروف بجدال ولا دعاء ولا غير ذلك.
المناسبة:
هذه هي القصة الرابعة من القصص المذكورة في هذه السورة، وقد ذكرت
قصة إبراهيم في سورة البقرة، وذكر إبراهيم في القرآن كثيراً، ذكر مع أبيه
وقومه، وذكر هنا مع الملائكة مبشرين له بإسحاق ويعقوب، مخبرين له بهلاك
قوم لوط، وذكر مع إسماعيل خاصة في موضع آخر، وكانت قرى لوط بنواحي
الشام، وإبراهيم ببلاد فلسطين، فلما أنزل الله الملائكة بعذاب قوم لوط،
مروا بإبراهيم ونزلوا عنده، وكان كل من نزل عنده يحسن ضيافته.
التفسير والبيان:
والله لقد جاءت رسلنا الملائكة وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل، وقيل مع
جبريل سبعة ملائكة آخرون، وذلك مروي عن عطاء وغيره من التابعين،
جاءت الرسل إبراهيم بالبشرى تبشره بالولد إسحاق لقوله تعالى هنا:
﴿فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ﴾ وقوله: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَمِ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨/٥١].
وقيل: البشرى بهلاك قوم لوط وسلامة لوط. قالوا: سلاماً عليك، قال:
سلام عليكم، وهذا أحسن مما حيوه لأن الرفع بقوله ﴿سَلَمٌ﴾ يدل على
الثبوت والدوام، كما ذكر علماء البيان.
فمالبث أي فما أبطأ وذهب سريعاً، فأتاهم بالضيافة بعجل (وهو فتى
البقر) مشوي على الرَّضْف (جمع رَضْفة) وهي الحجارة المحماة بالنار أو
بالشمس، كما قال تعالى: ﴿فَرَاعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ
فَقَرَّبَهُ: إِلَيْهِمْ
٢٦
قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (يَا﴾ [الذاريات: ٢٦/٥١-٢٧].
٤٢٦
إِلُهُ (١٢) - هُودٍ: ١١ / ٦٩ -٧٦
فلما رأى إبراهيم أيديهم لا تمتد إلى الطعام، أنكر ذلك منهم، ووجد في
نفسه خوفاً وفزعاً منهم، إذ أدرك أنهم ليسوا بشراً، وربما كانوا ملائكة
عذاب.
قالوا له: لا تخف، فنحن لا نريد سوءاً بك، وإنما أرسلنا لإهلاك قوم
لوط، وكانت ديارهم قريبة من دياره.
ونحن نبشرك بغلام عليم، يحفظ نسلك، ويبقي ذكرك، وهو إسحاق، ثم .
يعقوب من بعده وهو الذي من ذريته أنبياء بني إسرائيل.
وكانت امرأة إبراهيم قائمة وراء ستار بحيث ترى الملائكة، أو كانت واقفة
تخدم الملائكة، فضحكت سروراً بزوال الخوف وتحقيق الأمن، أو استبشاراً
بهلاك قوم لوط لكراهتها لأفعالهم المنكرة، وغلظ كفرهم وعنادهم، فجوزيت
بالبشارة بالولد بعد الإياس: ﴿فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ﴾ أي فبشرناها بولد هو
إسحاق، وسيلد لإسحاق ولد هو يعقوب كما في قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ:
إِسْحَقَ وَيَعْقُوبٌ﴾ [الأنعام: ٨٤/٦]. وفسر مجاهد وعكرمة: (ضحكت) أي
حاضت، وكانت آيسة، تحقيقاً للبشارة. وهو تفسير غريب مخالف لرأي
الجماهير.
وذلك لأنه لما ولد لإبراهيم إسماعيل من هاجر، تمنّت سارّة أن يكون لها
ابن، وأيست لكبر سنّها، فبشرت بولد يكون نبياً، ويلد نبياً، فكان هذا
بشارة لها بأن تری ولد ولدها.
قالت سارّة لما بشرت بالولد: عجباً كيف ألد وأنا عجوز كبيرة شيخة
عقيم، وزوجي في سن الشيخوخة لا يولد لمثله، إن هذا الخبر لشيء عجيب
غريب عادة.
فأجابتها الملائكة: كيف تعجبين من قضاء الله وقدره، أي لا عجب من أن
٤٢٧
لُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١ / ٦٩-٧٦
يرزقكما الله الولد، وهو إسحاق، فإن الله لا يعجزه شيء في الكون وهو على
كل شيء قدير: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُمْ كُنْ فَيَكُونُ
٨٢
[يس: ٨٢/٣٦].
فإن رحمة الله الواسعة وبركاته الكثيرة عليكم يا أهل بيت النبوة، وقد
تُوورثت النبوة في نسل إبراهيم إلى يوم القيامة، إنه تعالى المحمود في جميع أفعاله
وأقواله، المستحق لجميع المحامد، المجد في صفاته وذاته، الكثير الخير
والإحسان، فهو محمود ماجد.
ثم أخبر الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه لما ذهب عنه الخوف من
الملائكة حين لم يأكلوا، وبشروه بعد ذلك بالولد، وأخبروه بهلاك قوم لوط،
وعلم أنهم ملائكة العذاب لقوم لوط، أخذ يجادل الملائكة وهم رسل الله في
قوم لوط، وجعلت مجادلتهم مجادلة لله؛ لأنهم جاؤوا بأمره.
لأن إبراهيم حليم غير متعجل بالانتقام من المسيء إليه، كثير التأوه مما
يسوء الناس ويؤلمهم، ويرجع إلى الله في كل أموره، أي إن رقة قلبه وفرط
رحمته حملته على المجادلة.
فأجابته الملائكة: يا إبراهيم أعرض عن الجدال في أمر قوم لوط، إنه قد
جاء أمر ربك بتنفيذ القضاء والعذاب فيهم، وإنهم آتيهم عذاب غير مصروف
ولا مدفوع عنهم أبداً، لا بجدال ولا بدعاء ولا بشفاعة ونحوها.
فقه الحياة أو الأحكام
أرشدت القصة إلى مايلي :
١ - تبادل السلام بين الملائكة وبين الأنبياء، فقد سلم الملائكة على
إبراهيم عليه السلام بقولهم: سلاماً، كما تقول: قالوا خيراً، فرد عليهم
بتحية أحسن، فقال: سلام عليكم.
٤٢٨
الزُ (١٢) - هُوّد: ١١ / ٦٩-٧٦
أَ - دلت الآية أن من أدب الضيف أن يُعجَّل قِراه، فيقدم الموجود الميسر
في الحال، ثم يتبعه بغيره إن كان لديه شيء وسعة، ولا يتكلف المفقود غير
المستطاع الذي يتضايق به.
والضيافة من مكارم الأخلاق، ومن آداب الإسلام، ومن خلق النبيين
والصالحين. وهي سنة وليست بواجبة، لقوله وَ لقر فيما رواه البخاري عن أبي
شريح، وأحمد وأبي داود عن أبي هريرة: ((الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم
وليلة، فما كان وراء ذلك، فهو صدقة)). وقوله وَليّ فيما رواه الشيخان
والنسائي وابن ماجه عن أبي شريح وأبي هريرة: ((من كان يؤمن بالله واليوم
الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)).
والمخاطب بالضيافة أهل المدن أو الحضر والبادية في رأي الشافعي، وقال
مالك: ليس على أهل الحضر ضيافة، لحديث القضاعي عن ابن عمر قال:
قال رسول الله وَهو: ((الضيافة على أهل الوَبَر، وليست على أهل المدَر)) لكنه
حديث لا يصح، كما قال القرطبي.
والسنة إذا قُدِّم للضيف الطعام أن يبادر المقدَّم إليه بالأكل؛ فإن تكريم
الضيف من مضيفه تعجيل التقديم، وتكريم صاحب المنزل من ضيفه المبادرة
بالقبول. فلما قبض الملائكة أيديهم، تخوف إبراهيم، أن يكون وراءهم مكروه
يقصدونه.
ومن أدب الطعام: أن ينظر المضيف في ضيفه، هل يأكل أو لا؟ وذلك
بلمح نظر سريع، لا بتأكيد النظر. روي أن أعرابياً أكل مع سليمان بن عبد
الملك، فرأى سليمان في لقمة الأعرابي شعرة، فقال له: أزل الشعرة عن
لقمتك؛ فقال له: أتنظر إلي نظر من يرى الشعرة في لقمتي؟! والله لا أكلت
معك.
مَّ - مشاركة الزوجة لعواطف زوجها أمر مستحسن، فإن سارّة ضحكت
٤٢٩
لِلْزُ (١٢) - حُورٍ: ١١ / ٦٩-٧٦
استبشاراً بتعذيب قوم لوط، لكراهتها خبائثهم، قال الجمهور: هو الضحك
المعروف. وأنكر بعض اللغويين أن يكون في لغة العرب: ضحكت بمعنى
حاضت.
٤ - من السنة قيام المرأة بخدمة الرجال الضيوف بنفسها، وترجم البخاري
لحديث في ذلك: ((باب قيام المرأة على الرجال في العُرْسِ وخدمتهم بالنفس))
قال القرطبي: ويحتمل أن يكون هذا قبل نزول الحجاب.
٥ - امتنع الملائكة من الطعام؛ لأنهم ملائكة، والملائكة لا يأكلون ولا
يشربون، وإنما أتوا إبراهيم في صورة الأضياف ليكونوا على صفة يحبها، وهو
كان مشغوفاً بالضيافة.
٦ - ذكر الطبري أن إبراهيم عليه السلام لما قدّم العجل قالوا: لا نأكل
طعاماً إلا بثمن؛ فقال لهم: ((ثمنه أن تذكروا الله في أوله، وتحمدوه في آخره)»
فقال جبريل لأصحابه: بحق اتخذ الله هذا خليلاً.
ودل هذا على أن التسمية في أول الطعام، والحمد في آخره مشروع في الأمم
قبلنا.
لاً - إن رحمة الله متكاثرة، وبركاته على أهل بيت النبوة متعاقبة، فكان
التبشير بولادة ولد لزوجين عجوزين معجزة خارقة للعادة، وتخصيصاً لبيت
النبوة بكرامة عالية رفيعة، والله تعالى قادر على كل شيء، وإنه حميد مجيد، فلا
عجب بعدئذ.
٨ - إن جدل إبراهيم في شأن إهلاك قوم لوط ليس من الذنوب، بدليل
إيراد المدح العظيم عقبه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيَمَ لَحَلِيمٌ أَوَّةٌ مُنِيبٌ
®) أي
إن رقة قلبه وفرط رحمته وسعة حلمه حملته على المجادلة، التي كان المراد منها
سعي إبراهيم في تأخير العذاب عن قوم لوط، رجاء إقدامهم على الإيمان
والتوبة من المعاصي.
٤٣٠
لُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ٧٧-٨٣
و - دلت آية ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَنُمُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ على أن زوجة
الرجل من أهل البيت، وأن أزواج الأنبياء من أهل البيت، فعائشة رضي الله
عنها وغيرها من جملة أهل بيت النبي وَّر؛ وممن قال الله فيهم: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ
تَظْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣/٣٣].
قصة لوط عليه السلام مع قومه
﴿ وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلْنَا لُوَطَّا سِىّءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمُ عَصِيبٌ
وَجَّهُ قَوْمُ يُّهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيْئَاتِ قَالَ يَقَوْمِ هَؤُلَاءِ
VV)
بَنَاتِى هُنَّ أَظْهَرُ لَكُمْ فَتَّقُواْ اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِ ضَيْفِىّ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ
VA
قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِ بَنَاتِكَ مِنْ حَقِّ وَإِنَّكَ لَنَعْلَمُ مَا نُرِدُ ﴿﴾ قَالَ لَوْ أَنَّ لِ
قَالُوْ يَلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكٌ
بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِي إِلَى زُْنٍ شَدِيدٍ
فَأَشْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الَّلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدُّ إِلَّ أَقْرَأَنَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا
مَآ أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ
﴿ فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا
عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ مَنْضُودٍ
مُسَوَّمَةً عِندَ
(٨٢)
١٨٣
رَبِّكَّ وَمَا هِىَ مِنَ الظَِّلِينَ بِبَعِيدٍ
القراءات:
(رُسُلُنَا﴾ :
. وقرأ أبو عمرو: (رُسْلنا).
سیءَ﴾ :
قرأ نافع، وابن عامر، والكسائي بإشمام كسرة السين الضم. وقرأ الباقون
بالكسرة الخالصة.
1
المُزُ (١٢) - جُودٍ: ١١/ ٧٧-٨٣
٤٣١
﴿ضَيْفِىّ﴾.
وقرأ نافع، وأبو عمرو (ضيفيَ).
﴿فَأَشْرٍ﴾ :
قرأ نافع، وابن كثير (فاشر).
﴿إِلَّا أَمْرَأَنَكَ﴾:
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (إلا امرأتُك).
﴿جَآءَ أَمْرُنَا﴾:
تقدم في القراءات للآيات (٣٦-٤١)
الإعراب:
يُهْرَعُونَ﴾ في موضع الحال.
﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِ هُنَّ أَظْهَرُ لَكُمْ﴾ ﴿هَؤُلَاءِ﴾ مبتدأ، و﴿ بَنَاتِ﴾ عطف بيان،
و﴿هُنَّ﴾ ضمير فصل، و﴿ أَظْهَرُ﴾ خبر المبتدأ.
﴿فِي ضَيْفِىّ﴾ وحَّدَ الضيف وإن كان جمعاً في المعنى؛ لأن ضيفاً في الأصل
مصدر يصلح للواحد والاثنين والجماعة.
﴿لَوْ أَنَّ لِ بِكُمْ قُوَّةً﴾ ﴿لَوْ﴾ حرف امتناع لامتناع، وجوابه محذوف
تقديره: لُلْت بينكم وبين ما هممتم به من الفساد، والحذف هاهنا أبلغ؛ لأنه
يوهم تعظيم الجزاء. و﴿ءَاوِيَ﴾ منصوب بأن، ليكون الفعل معها بتأويل
المصدر معطوفاً على ﴿قُوَّةً﴾ وتقديره: لو أن لي بكم قوة أو آوي. مثل قول
ميسون بنت الحارث أم يزيد بن معاوية:
ولبس عباءة وتقرّ عيني أحبُّ إلى من لبس الشفوف
٤٣٢
لُ (١٢) - جُوّدٍ: ١١ / ٧٧-٨٣
أي: وأن تقرَّ عيني.
﴿إِلَّا أَقْرَأَكَ﴾ مستثنى منصوب من قوله: (فَأَسْرِ بِأَهْلَكَ ... إلاَّ امْرَأْتَكَ)
ويرفع على البدل من ﴿أَحَدٌ﴾. والمراد بالنهي ﴿ وَلَا يَلْنَفِتْ﴾ في رأي المبرد
المخاطب، ولفظه لغيره، كما تقول لغلامك: لا يخرج فلان، أي لا تدعه
يخرج.
البلاغة:
﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ استفهام معناه التعجب والتوبيخ.
﴿أَوْ ءَاوِىّ إِلَى رَكْنِ شَدِيدٍ﴾ استعارة، والمراد بها قومه وعشيرته؛ لأن
الإنسان يلجأ إليهم ويستند كالاستناد إلى ركن.
﴿عَلِيَهَا سَافِلَهَا﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿ِّءَ بِهِمْ﴾ ساءه مجيئهم وحزن بسببهم؛ لأنهم جاؤوا في صورة غلمان،
فظن أنهم أناس، فخاف أن يقصدهم قومه، فيعجز عن مدافعتهم . ﴿وَضَاقَ
بِهِمْ ذَرْعًاً﴾ أي ضاق صدره بمجيئهم وكرهه، وهو كناية عن شدة الانقباض،
للعجز عن مدافعة المكروه، يقال: مالي به ذرع أي مالي به طاقة ﴿عَصِيبٌ﴾
شديد الأذى. ﴿يُهْرَعُونَ﴾ يسرعون، يقال: هُرع وأُهرِع: إذا حمل على
الإسراع ﴿وَمِن قَبْلُ﴾ قبل مجيئهم ﴿كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ الفواحش وهي
إتيان الرجال في الأدبار. ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِ﴾ فتزوجوهن ﴿هُنَّ أَظْهَرُ لَكُمْ﴾
أنظف فعلاً أو أقل فحشاً، وقال أبو حيان: الأحسن أن تكون الإضافة
مجازية أي بنات قومي، أي البنات أطهر لكم؛ إذ النبي يتنزل منزلة الأب
لقومه. وفي قراءة ابن مسعود: ((النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه
أمهاتهم، وهو أب لهم)) ويدل عليه: أنه فيما قيل: لم يكن له إلا بنتان، وهذا
٤٣٣
◌ِلُعُ (١٢) - جُوْمٍ: ١١ / ٧٧-٨٣
بلفظ الجمع، وأيضاً فلا يمكن أن يزوج ابنتيه من جميع قومه. وقيل: أشار إلى
بنات نفسه، وندبهم إلى النكاح؛ إذ كان من سنتهم تزويج المؤمنة بالكافر.
وقيل: (أحل وأطهر) ليس أفعل التفضيل؛ إذ لا طهارة في إتيان الذكور.
﴿ وَلَا تُخْزُونِ﴾ تفضحوني، من الخزي، أو لا تخجلوني من الخزاية بمعنى الحياء
﴿فِي ضَيْفِىّ﴾ أضيافي، يطلق الضيف على الواحد والجمع ﴿رَّشِيدٌ﴾ ذو رشد
وعقل يهتدي إلى الحق ويرعوي عن القبيح ﴿مِنْ حَقِّ﴾ من حاجة ﴿لَنَعْلَمُ مَا
◌ُرِيدٌ﴾ من إتيان الرجال.
﴿لَوْ أَنَّ لِ بِكُمْ قُوَّةً﴾ طاقة، أي لو قويت بنفسي على دفعكم ﴿أَوْ ءَاوِىّ إِلَى
زُكْنِ شَدِيدٍ﴾ قوي أمتنع به عنكم، أو عشيرة تنصرني، لبطشت بكم ﴿لَنَ
يَصِلُواْ إِلَيْكٌ﴾ بسوء ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعِ﴾ طائفة أو بقية من الليل،
والشُرى: السير ليلاً ﴿ وَلَا يَلْنَفِتْ مِنكُمْ أَحَدُ﴾ ولا يتخلف أو ولا ينظر إلى
ورائه، والنهي في اللفظ لأحد، وفي المعنى للوط، وسبب النهي ألا يرى
عظيم ما ينزل بهم ﴿إِلَّا أَمْرَأَكَ﴾ فلا تسر بها ﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ﴾ تعليل
بطريقة الاستئناف، قيل: إنه لم يخرج بها، وقيل: خرجت والتفتت فقالت:
واقوماه، فجاءها حجر فقتلها . ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ كأنه علة الأمر
بالإسراء، أو قد سألهم عن وقت هلاكهم، فأخبروه بذلك.
﴿ فَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا﴾ عذابنا أو أمرنا به ﴿جَعَلْنَا عَلِيَهَا﴾ أي قراهم
(سَافِلَهَا﴾ بأن رفعها جبريل إلى السماء وأسقطها مقلوبة إلى الأرض ﴿مِّن
سِجِيلٍ﴾ طين طبخ بالنار، بدليل آية أخرى ﴿لِتُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ
[الذاريات: ٣٣/٥١] أي طين متحجر.
﴿مَنصُودٍ﴾ متتابع منظم ومعدّ لعذابهم ﴿مُسَوَّمَةً﴾ معلمة للعذاب، أي لها
علامة خاصة عند ربك أي في خزائنه ﴿وَمَا هِىَ﴾ الحجارة أو بلادهم ﴿مِنَ
اَلِّمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ أي أهل مكة وأمثالهم، وهذا وعيد لكل ظالم، روي عن
٤٣٤
الزُرُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١ / ٧٧ -٨٣
النبي ◌ُّ أنه سأل جبريل عليه السلام، فقال: يعني ظالمي أمتك، مامن ظالم
منهم إلا وهو بمعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة.
المناسبة:
هذه هي القصّة الخامسة من القصص المذكورة في هذه السّورة، وهي قصة
لوط عليه السّلام، وقوم لوط: أهل سدوم في الأردن. قال ابن عباس:
انطلقوا من عند إبراهيم إلى لوط (ابن أخي إبراهيم) وبين القريتين أربع
فراسخ، ودخلوا عليه على صورة شباب مُرْد من بني آدم، وكانوا في غاية
الحسن، ولم يعرف لوط أنهم ملائكة الله.
التفسير والبيان:
ولما جاءت رسلنا من الملائكة لوطاً، بعدما أعلموا إبراهيم بهلاكهم هذه
الليلة، وكانوا في أجمل صورة بهيئة شباب حسان الوجوه، ابتلاء من الله،
فساءه شأنهم ومجيئهم، وضاقت نفسه بسببهم؛ لأنه ظنّ أنهم من الإنس،
فخاف عليهم خبث قومه، وأن يعجزوا عن مقاومتهم، وقال: هذا يوم
عصيب أي شديد البلاء.
﴿ وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ﴾ وجاء لوطاً قومه عندما سمعوا بالضّيوف
وقدومهم، بإخبارامرأته قومها، يسرعون ويهرولون من فرحهم بذلك، الإتيان
الفاحشة، وليس ذلك غريباً، فإنهم كانوا قبل مجيئهم يعملون السَّيئات
ويرتكبون الفواحش، فلم يزل هذا من سجيَّتهم، حتى أخذوا وهم على تلك
الحال، كما حكى الله عنهم: ﴿أَبِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ
وَتَأْتُونَ فِ نَادِيَكُمُ الْمُنكَرِّ﴾ [العنكبوت: ٢٩/٢٩] أي ظلوا يقترفون
الفاحشة إلى وقت الهلاك.
﴿قَالَ يَقَوْمِ هَؤُلَاءٍ﴾ قال لوط: يا قوم، هؤلاء البنات فتزوّجوهنّ، والمراد
٤٣٥
الذُّهُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١/ ٧٧-٨٣
بنات القوم ونساؤهم؛ فإن النَّبي للأمّة بمنزلة الوالد، كما قال ابن عباس،
فأرشدهم إلى ما هو أنفع لهم في الدُّنيا والآخرة، كما قال لهم في الآية
﴿ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبِّكُم مِّنْ
الأخرى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ اٌلْعَلَمِينَ
أَزْوَِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (®﴾ [الشعراء: ١٦٥/٢٦-١٦٦]، قال مجاهد وقتادة
وغير واحد: لم يكنَّ بناته، ولكن كنّ من أمته، وكل نبي أبو أمته. وقال ابن
جريج: أمرهم أن يتزوّجوا النّساء، لم يعرض عليهم سفاحاً. وقال سعيد بن
جبير: يعني نساءهم هنّ بناته، وهو أب لهم.
﴿فَاتَّقُوْ اَللَّهَ﴾ أي فاخشوا الله، واقبلوا ما آمركم به من الاقتصار على
نسائكم، ولا تفضحوني أو لا تخجلوني في ضيوفي، فإن إهانتهم إهانة لي.
أليس منكم رجل فيه رشد وحكمة وعقل وخير يقبل ما آمر به ويترك ما
أنهى عنه، ويهديكم إلى الطريق الأقوم.
قالوا: لقد علمت سابقاً ألا حاجة لنا في النّساء ولا نشتهيهنّ، فلا فائدة
فيما تقول، وليس لنا غرض إلا في الذّكور، وأنت تعلم ذلك منا، فأي فائدة
في تكرار القول علينا في ذلك؟ والمراد أنهم صمموا على ما يريدون.
قال لوط لقومه متوعِّداً: لو كان لدي قوة تقاتل معي، أو عشيرة تؤازرني
وتنصرني عليكم، وتدفع الشّرّ عني، لكنت قاتلتكم وحُلْتُ بينكم وبين ما
تريدون.
وبعد هذه المخاوف من الفضيحة التي أقلقت لوطاً على ضيفانه، بشرته
الملائكة بنجاته منهم وهلاكهم بالعذاب: ﴿قَالُواْ يَلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ أي
قالت الملائكة للوط: إنا رسل ربِّك أرسلنا لنجاتك من شرّهم، وإهلاکھم،
لن يصلوا بسوء إليك ولا إلى ضيوفك، وحينئذٍ طمس الله أعينهم، فلم
يعودوا يبصرون لوطاً ومن معه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ،
[القمر: ٣٧/٥٤] .
٣١
فَطَمَسْنَا أَعْيَُّهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابِ وَنُذُرٍ
٤٣٦
الزُعُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ٧٧-٨٣
﴿فَأَشْرِ بِأَهْلِكَ﴾ أي فاخرج من هذه القرية في جزء من الليل يكفي
فَمَا
٣٥
لتجاوز حدودها، كما قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيَهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
﴾ [الذاريات: ٣٥/٥١-٣٦].
٣٦
وَجَدْنَا فِيَهَا غَيِّرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ
﴿ وَلَا يَكْنَفِتْ﴾ أي ولا ينظر أحد منكم إلى ما وراءه أبداً، حتى لا يصيبه
شيء من العذاب، أو يتعاطف معهم، وامضوا حيث تؤمرون.
﴿إِلَّا أَقْرَأَنَكَ﴾ أي امضِ بأهلك إلا امرأتك فلا تأخذها معك، إنه
مصيبها ما أصابهم من العذاب؛ لأنها كانت كافرة خائنة.
ثم ذكر علّة الإسراء ليلاً، فقال: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ أي إن موعد
ج
عذابهم وبدأه هو الصُّبح من طلوع الفجر إلى شروق الشَّمس، كما قال تعالى:
{فَخَذَتْهُمُ الْضَيْحَةُ مُشْرِقِينَ
[الحجر: ١٥/ ٧٣] .
أليس موعد الصُّبح بموعد قريب، وسبب اختيار هذا الوقت كونهم
متجمعين في مساكنهم. روي أنهم لما قالوا للوط عليه السّلام: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ
الصُبْحُ﴾ قال: أريد أعجل من ذلك، بل الساعة، فقالوا: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ
بِقَرِيبٍ﴾ قال المفسّرون: إن لوطاً عليه السّلام لما سمع هذا الكلام، خرج بأهله
في الليل.
فلما جاء أمرنا بالعذاب، وكان ذلك عند طلوع الشّمس، ونفذ قضاؤنا،
جعلنا عاليها وهي سدوم سافلها، وخسفنا بهم الأرض، وأمطرنا عليهم
حجارة من طين متحجّر، منضّد بعضها فوق بعض وتتابع في النّزول عليهم،
مسؤَّمة أي معلَّمة للعذاب، عليها علامة خاصة عند ربّك أي في خزائنه،
كقوله تعالى: ﴿وَاُلْمُؤْنَفِكَةَ أَهْوَى
﴿ فَفَشَنَهَا مَا غَشَى ﴿3﴾ [النجم: ٥٣/٥٣-٥٤]
. فمن لم يمت حتى سقط للأرض، أمطر الله عليه، وهو تحت الأرض
الحجارة، حجارة من سجيل، أي طين متحجّر قوي شديد.
٤٣٧
إِلُعُ (١٢) - جُوّدٍ: ١١/ ٧٧-٨٣
وفي التّفسير: أمطرنا في العذاب، ومطرنا في الرّحمة.
ثم ذكر الله تعالى العبرة من القصة متوعّداً بها كل ظالم فقال: ﴿وَمَا هِىَ مِنَ
الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ أي وما هذه النّقمة أو تلك القرى التي وقعت فيها ممن
تشبه بهم في ظلمهم كأهل مكة ببعيد عنه، والمقصود أنه تعالى يرميهم بها. قال
أنس: سأل رسول الله وَل جبريل عن هذا، فقال: يعني عن ظالمي أمتك، ما
من ظالم منهم، إلا وهو بمعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة. وفي
هذا عبرة للظالمين في كل زمان ومكان. وجاء ﴿بِبَعِيدٍ﴾ مذكَّراً على معنى
بمکان بعید.
وَبِلَيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
ونظير الآية: ﴿وَإِنَّكُمْ لَمُونَ عَلَتِهِم مُصْبِحِينٌ (َ
﴾ [الصافات: ١٣٧/٣٧ -١٣٨]، أي وإنكم لتمرّون على ديارهم في أسفاركم
نهاراً أو ليلاً، أفلا تعقلون وتتدبَّرون بما نزل بهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت قصة لوط عليه السّلام مع قومه على ما يأتي:
اً - إنّ المؤمن يغار على حرمات الله، ويستبق وقوع الحوادث استعداداً
للبلاء قبل نزوله، لذا استاء لوط عليه السّلام من مجيء وفد الملائكة (ملائكة
العذاب الذين بشَّروا إبراهيم بالولد) وضاق صدره بمجيئهم وكرهه، وقال:
هذا يوم شديد في الثّر.
لما خرجت الملائكة من عند إبراهيم، وكان بين إبراهيم وقرية لوط أربعة
فراسخ، بصرت بنتا لوط - وهما تستقيان - بالملائكة، ورأتا هيئة حسنة؛
فقالتا: ما شأنكم؟ ومن أين أقبلتم؟ قالوا: من موضع كذا نريد هذه القرية،
قالتا: فإن أهلها أصحاب الفواحش؛ فقالوا: أَبِها من يضيفنا؟ قالتا: نعم!
هذا الشيخ، وأشارتا إلى لوط؛ فلما رأى لوط هيئتهم خاف قومه عليهم.
٤٣٨
الُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ٧٧-٨٣
أَ - كان مجيء القوم مسرعين بقصد ارتكاب الفاحشة دليلاً مادياً محسوساً
للملائكة وغيرهم على استحقاقهم العذاب الأليم والعقاب السريع. وكان
سبب إسراعهم ما روي أن امرأة لوط الكافرة، لما رأت الأضياف وجمالهم
وهيئتهم، خرجت حتى أتت مجالس قومها، فقالت لهم: إنّ لوطاً قد أضاف
اللیلة فِتْیة، ما رئي مثلهم جمالاً؛ وكذا وكذا، فحينئذٍ جاؤوا مُهرعون إليه.
ويذكر أن الرُّسل لما وصلوا إلى بلد لوط، وجدوا لوطاً في حرث (بستان)
له. وقيل: وجدوا ابنته تستقي ماء من نهر سَدُوم .. إلخ ما ذكر سابقاً.
٣ - كان قوم لوط يعملون السَّيئات، أي كانت عادتهم إتيان الرّجال،
فلما جاؤوا إلى لوط، وقصدوا أضيافه قام إليهم لوط مدافعاً، وقال: هؤلاء
بناتي، أي أرشدهم إلى التّزوج بالنّساء، وإيثار البنات على الأضياف.
وقيل: ندبهم في هذه الحالة إلى النكاح، وكانت سنّتهم جواز نكاح الكافر
المؤمنة؛ وقد كان هذا في أول الإسلام جائزاً ثم نُسخ؛ فزوّج رسول الله وَل
بنتاً له من عُقْبة بن أبي لهب، والأخرى من أبي العاص بن الرّبيع قبل البعثة
والوحي، وكانا کافِرَیْن.
وقال جماعة من المفسّرين كمجاهد وسعيد بن جبير: أشار بقوله: ﴿بَنَاتِ﴾
إلى النّساء جملة؛ إذ نبي القوم أب لهم، ويؤيِّد هذا أن في قراءة ابن مسعود:
((النَّبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجه أمهاتهم، وهو أبٌّ لهم))، والظاهر
أن هذا هو أمثل الآراء وأقربها إلى الصحة.
٤ - إن الكريم الشّهم الأبي هو الذي يحافظ على كرامة ضيوفه، لذا قال
لوط: ﴿فَتَّقُواْ اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِ ضَيْفِىّ﴾ أي لا تهينوني ولا تذلّوني.
ثم وتَّهم بقوله: ﴿أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ أي شديد يأمر بالمعروف
وينهى عن المنكر، أو ذو رشد، أو راشد أو مرشد أي صالح أو مصلح.
والرّشد والرّشاد: الهدى والاستقامة.
٤٣٩
الُزُ (١٢) - جُوَّدٍ: ١١ / ٧٧-٨٣
- من ألف الفساد والفحش بَعُد عن الصّلاح والطّهر، لذا قال قوم
لوط: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍ﴾ أي ليس لنا إلى بناتك رغبةً ولا هنّ
نقصد، ولا لنا عادة نطلب ذلك، فإن نكاح الإناث أمر خارج عن مذهبنا أو
طريقنا الذي نحن عليه، ولا حاجة لنا بالبنات، أو لأنك لا ترى مناكحتنا،
وما هو إلا عرض لا جدِّية فيه، فقوله: ﴿مِنْ حَقِّ﴾ أي ما لنا في بناتك من
حاجة ولا شهوة.
ثم أعلنوا عن شهوتهم فقالوا: ﴿وَإِنَّكَ لَنَعْلَمُ مَا نُرِدٌ﴾ إشارة إلى الأضياف،
والرّغبة في إتيان الذّكور، وما لهم فيه من الشّهوة.
أَ - لم يجد لوط عليه السّلام سبيلاً للرّدع والإرهاب إلا التّهديد وإظهار
الغضب والضَّجر من موقف قومه، واستمرارهم في غيِّهم، وضعفه عنهم
وعجزه عن دفعهم، فتمنى لو وجد عوناً على ردِّهم، وقال على جهة التّفجع
والاستكانة: ﴿لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَةً﴾ أي أنصاراً وأعواناً، لرددت أهل الفساد،
وحلت بينهم وبين ما يريدون، أو لو أجد ملجأ ألجأ وأنضوي إليه من قبيلة أو
عشيرة تؤازرني ضدّ البغي والبغاة، والظّلم والظّالمين، والفسق والفاسقين.
وهو دليل على أن لوطاً كان في غاية القلق والحزن بسبب إقدام أولئك
الأوباش على ما يوجب الفضيحة في حقّ أضيافه.
لاً - لما رأت الملائكة حزن لوط عليه السّلام واضطرابه ومدافعته، عرّفوه
بأنفسهم: ﴿قَالُواْ يَلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَيِّكَ﴾ فلما علم أنهم رسلٌ، مكّن قومه من
الدُّخول، فأمرَّ جبريل عليه السّلام يده على أعينهم فعموا، وعلى أيديهم
فجفّت.
وطمأنوه بقولهم: ﴿لَنْ يَصِلُواْ إِلَيْكٌ﴾ بمكروه، وكان كلام الملائكة متضمّناً
أنواعاً خمسة من البشارات هي: أنهم رسل الله، وأن الكفار لن يصلوا إلى ما
هموا به، وأنه تعالى يهلكهم، وأنه تعالى ينجيه مع أهله من ذلك العذاب، وأن
ركنه شديد، وأن ناصره هو الله تعالی.
٤٤٠
لُ (١٢) - جُوَّدٍ: ١١ / ٧٧-٨٣
٨ - اقتضت رحمة الله تعالى وعدله إنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين، وتلك
معجزة للنّبي وتكريم لمن آمن معه، وردع للّالمين وإرهاب للكافرين. فأنقذ الله
لوطاً وأهله وهم بنتاه إلا امرأته، وأهلك قومه.
ـة - كان إهلاك قوم لوط ما بين طلوع الفجر إلى شروق الشمس بقلب
جبريل عليه السّلام قرى قوم لوط وجعل عاليها سافلها، وهي خمس: سَدُوم
(وهي القرية العظمى) وعامورا، ودادوما، وضعوة، وقتم.
أي أن العذاب له وصفان: الأول: قوله تعالى: ﴿جَعَلْنَا عَلِيَهَا
سَافِلَهَا﴾، ثم قلبها دفعة واحدة وضربها على الأرض، والثاني قوله تعالى:
﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ﴾.
وكان هذا العمل معجزة قاهرة من وجهين:
أحدهما - أن قلع الأرض وإصعادها إلى قريب من السماء فعل خارق
للعادة.
والثاني - أن ضربها من ذلك البعد البعيد على الأرض، بحيث لم تتحرك
سائر القرى المحيطة بها بتاتاً أمر عجيب.
ثم إن عدم وصول الآفة إلى لوط عليه السّلام وأهله، مع قرب مكانهم من
ذلك الموضع معجزة قاهرة أيضاً.
. ١ - وصف الله تعالى الحجارة التي رمي بها قوم لوط بصفات ثلاث هي:
الأولى - كونها من سجِّيل، أي الشّديد الكثير، أو الطين المتحجِّر.
الثانية - قوله تعالى: ﴿فَنصُورٍ﴾ أي متتابع، أو مصفوف بعضه على
بعض، أو مرصوص.
الثالثة - ﴿مُسَوَّمَةً﴾ أي معلّمة، من السِّيما وهي العلامة، أي كان عليها
أمثال الخواتيم.
٠