النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ الجُزُ (١٢) - جُودٍ: ١١/ ٢٥-٣١ ١٤ - كونهم خاسرين في الآخرة: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ ٢٢ قصة نوح عليه السلام ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُِّيٍ ﴿َ أَنْ لَّا نَعَبُدُوْاْ إِلَّ اللَّهُ ﴿ فَقَالَ الْعَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ، مَا إِنِّيِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ( نَرَكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَكَ أَتَّبَعَكَ إِلَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ الرَّأَعِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَذِينَ ﴾ قَالَ يَقَوْمٍ أَرَءَيْتُ إِن كُنْتُ عَلَى بِنَةٍ مِّن رٍَّ وَءَانَمِنِى رَحْمَةً مِّنْ عِنِدِهِ، فَعُمَِّتْ عَلَيْكُمْ أَنْزِ ئُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَا وَيَقَوْمِ لَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالَا إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَآ أَنَاْ كَرِهُونَ ٢٨ بِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّهُم مُّلَقُواْ رَبِهِمْ وَلَكِنِّى أَرَنَكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى وَقَوْمِ مَن يَنصُرُنِ مِنَ اللَّهِ إِن طَيِّتُهُمَّ أَفَلاَ نَذَكَّرُونَ خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَآَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَّ أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌ وَلَّ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىّ أَعْيُّئُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِىّ أَنْفُسِهِمّ إِنِّىَ إِذَا لَّمِنَ الَِّمِينَ ٣١ القراءات: ﴿إِ لَكُمُ قرئ: ١- (إنّ لكم) وهي قراءة نافع، وابن عامر، وعاصم، وحمزة. ٢- (أنّي لكم) وهي قراءة الباقين. ﴿إِنَّ أَخَافُ﴾: وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (إني أخاف). ٣٦٢ إِلٌعُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ٢٥-٣١ ﴿بَادِىَ الرَّأْىِ﴾: وقرأ السوسي: (بادئ الرأي). ﴿فَعُمِّيَتْ﴾ : قرئ: ١- (فَعُمِّيَت) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف. ٢- (فَعَمِيت) وهي قراءة الباقين. ﴿أَجْرِىَ إِلَّا﴾ : قرئ: ١- (أجريَ إلا) وهي قراءة نافع، وأبي عمرو، وابن عامر، وحفص. ٢- (أجريْ إلا) وهي قراءة الباقين. ﴿ وَلَكِنِّي أَرَّكُمْ﴾: وقرأ نافع، والبزي، وأبو عمرو (ولكنيَ أراكم). ﴿ نَذَكَّرُونَ﴾ : قرئ: ١- (تَذَكَّرون) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف. ٢- (تَذَّرون) وهي قراءة الباقين. ﴿إِنّ إِذَا﴾ : وقرأ نافع، وأبو عمرو (إنيَ إذاً). ٣٦٣ لُحُ (١٢) - جُوٍّ: ١١/ ٢٥-٣١ الإعراب: ﴿أَنْ لَّ نَعْبُدُوّا﴾ بدل من ﴿إِ لَكُمْ﴾ أو مفعول ﴿ُّيُ﴾ ويجوز أن تكون (أن) مفسرة متعلقة بأرسلنا أو بنذير. ﴿مَا نَرَئِكَ﴾ الكاف: مفعول أول. ﴿اُلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلْنَا﴾ فاعل ﴿ أَتَبَعَكَ﴾، و﴿أَتَبَعَكَ﴾ وفاعله: مفعول ثان لنراك إذا كان من رؤية القلب، وفي موضع الحال إذا كان من رؤية العين. ﴿بَادِىَ الَّأَيِ﴾ منصوب على الظرف، أو في بادي الرأي، والعامل فيه: ﴿فَرَكَ﴾ أي ما قبل إلا؛ لأنه يتوسع في الظروف ما لا يتوسع في غيرها. و﴿بَادِىَ﴾ بغير همز: اسم فاعل من بدا يبدو: إذا ظهر، أي: ظاهر الرأي. وقرئ بالهمز: من بدأ يبدأ، أي أولُ الرأي. ﴿ أَنْزِمُكُمُوهَا﴾ أنلزم: يتعدى إلى مفعولين، الأول: الكاف والميم، والثاني: الهاء والألف، وأثبت الواو في: ﴿أَنْزِمُكُمُوهَا﴾، رداً إلى الأصل؛ لأن الضمائر ترد الأشياء إلى أصولها، كقولك: المال لك وله. وحيث اجتمع ضميران وليس أحدهما مرفوعاً، وقدم الأعرف منهما، جاز في الثاني الفصل والوصل. ﴿وَأَنْتُمْ لَا كَرِهُونَ﴾ جملة اسمية في موضع الحال، و﴿لَهَا﴾: في موضع نصب لأنه يتعلق بـ (كارهون). ﴿تَزْدَرِىّ﴾ تقديره: تزدريهم، فحذف المفعول من الصلة وهو العائد، مثل: ﴿أَهَذَا الَّذِى بَعَنَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١/٢٥] أي بعثه الله. وأصله: تَزْتري على وزن تفتعل، ثم أبدل من التاء دالاً لقرب مخرجهما. البلاغة: ﴿فَعُِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ شبّه من لا يهتدي بالحجة لخفائها عليه بمن سلك الصحراء لا يعرف طرقها على سبيل الاستعارة التمثيلية. ٣٦٤ الزُرُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١ / ٢٥-٣١ ﴿أَفَلاَ نَذَكَّرُونَ﴾ استفهام للإنكار والتقريع. المفردات اللغوية: ﴿إِ لَكُمْ﴾ أي بأني لكم. ﴿نَذِيرٌ مُِّينَ﴾ بَيِّن الإنذار، أبيِّن لكم موجبات العذاب ووجه الخلاص.﴿أَنْ لَّا نَعْبُدُوّأْ﴾ أي بألا تعبدوا. ﴿إِنِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ إن عبدتم غيره ﴿عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ مؤلم في الدنيا والآخرة، وهو في الحقيقة صفة المعذّب، لكن يوصف به العذاب وزمانه على طريقة: جدّ جده، ونهاره صائم للمبالغة. (آلْمَلَأُ﴾ الأشراف والزعماء. ﴿إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا﴾ لا فضل لك علينا، ولا مزية لك علينا تخصك بالنبوة ووجوب الطاعة. ﴿أَرَازِلُنَا﴾ أسافلنا وأخساؤنا وأصحاب الحرف الخسيسة والفقراء، جمع أرذُل الذي هو جمع رذْل، مثل كلب وأكلب وأكالب . ﴿بَادِىَ الرََِّ﴾ ظاهر الرأي من غير تعمق، من البدو، أو أول الرأي أو ابتداء الرأي من غير تفكر فيك، من البدء، أي في بدء الحكم عليك من أول وهلة ووقت حدوث أول رأيهم. وهو منصوب على الظرف، أي وقت حدوث أول رأيهم . ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾ أي زيادة تؤهلكم للنبوة واستحقاق المتابعة. ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَذِبِينَ﴾ في ادعاء الرسالة والنبوة، وهذا الخطاب أدرجوا قومه معه فيه، وغلب المخاطب على الغائبين. ﴿أَرَءَيْتُ﴾ أخبروني. ﴿إِن كُنتُ عَلَى بَيِنَةٍ مِّن رَّبِ﴾ أي على حجة شاهدة بصحة دعواي الرسالة أو معجزة. ﴿ وَءَانَئِنِى رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ،﴾ أي النبوة. ﴿فَعُمِيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ خفيت عليكم فلم تهدكم، وحقه أن يقال: فَعُمِّيَتَا، ولكن أفرد الضمير إما لأن البينة في نفسها هي الرحمة، أو لأن حذفها للاختصار أو الاقتصار على ذكره مرة، أو لأنه لكل واحدة من البينة والرحمة . ﴿أَنْلِمُكُمُوهَا﴾ يعني أنجبركم أو أنكرهكم على قبولها والاهتداء بها. ﴿ وَأَنْتُمْ لَمَا كَرِهُونَ﴾ لا تختارونها ولا تتأملون فيها، أي لا نقدر على ذلك. س ٣٦٥ لِلُُُ (١٢) - جُوَّدٍ: ١١/ ٢٥-٣١ ﴿لَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي على التبليغ، وهو وإن لم يذكر فمعلوم مما ذكر. ﴿مَالَا﴾ جُعْلاً تعطونيه. ﴿إِنْ أَجْرِىَ﴾ أي ما ثوابي المأمول. ﴿وَمَآ أَنَا بِطَارِدِ ج الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ جواب لهم حين سألوا طردهم. ﴿إِنَّهُم مُّلَقُواْ رَبِهِمْ﴾ بالبعث، فيجازيهم ويأخذ لهم ممن ظلمهم وطردهم . ﴿تَجْهَلُونَ﴾ عاقبة أمركم. ﴿مَن يَنْصُرُنِ مِنَ اللَّهِ﴾ أي يمنعني من عذابه، أي لا ناصر لي إن طردتهم. ﴿أَفلاً} فهلا .﴿نَذَكَّرُونَ﴾ تتعظون، فإن طردهم ليس بصواب. خَزَآئِنُ اللَّهِ﴾ أي خزائن رزقه أو أمواله حتى جحدتم فضلي. ﴿ وَلَّ أَعْلَمُ اُلْغَيْبَ﴾ عطف، أي ولا أقول لكم: أنا أعلم الغيب حتى تكذبوني، أو حتى أعلم أن هؤلاء اتبعوني بادي الرأي من غير بصيرة ولا تصميم قلبي . ﴿ وَلَآَ أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌ﴾ بل أنا بشر مثلكم. ﴿تَزْدَرِىّ﴾ تحتقر شأنهم لفقرهم. ﴿لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ أي فإن ما أعد الله لهم في الآخرة خير مما آتاكم في الدنيا. ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾ قلوبهم. ﴿إِنَّ إِذَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي إن قلت شيئاً من ذلك. المناسبة: بعد أن أثبت الله تعالى بعثة النبي وَلّه، وأن القرآن وحي من الله تعالى، وبعد أن ذكر حال فريقي المؤمنين والكافرين المكذبين، وحض على الاعتبار والاتعاظ بالحالين بقوله: ﴿أَفَلاَ نَذَكَّرُونَ﴾ ذكر مجموعة من قصص الأنبياء للعظة والتذكر، وبيان اشتراك النبي ◌ّلّ مع من قبله من الأنبياء في الدعوة إلى أصول واحدة مشتركة بين الأنبياء، وهي عبادة الله وحده والإيمان بالبعث والجزاء، وتنبيهاً له على ملازمة الصبر على أذى الكفار إلى أن يكفيه الله أمرهم. التفسير والبيان: أول هذه القصص المذكورة هنا هي قصة نوح عليه السلام، وكان قد ذكر ٣٦٦٠ لِلٌُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ٢٥-٣١ تعالى هذه القصة في سورة يونس، وأعاد ذكرها هنا لما فيها من عظات وفوائد، أهمها إعلام الكفار أن محمداً وي لو كغيره من الرسل، جاء للدعوة إلى توحيد الله وإثبات البعث والحساب والجزاء. وتضمنت قصة نوح هنا عدة عناصر هي: وصف دعوته إجمالاً، ومناقشة قومه والردّ عليهم، واستعجالهم العذاب، وكيفية صنع نوح السفينة، وإغراقهم بالطوفان، ونجاة نوح ومن آمن معه، والتماس نوح إنجاء ابنه معه. وكان نوح عليه السلام أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض من المشركين عبدة الأصنام. والمعنى: تالله لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه المشركين، فقال لهم: إني لكم نذير من الله ظاهر الإنذار، أنذركم عذابه وبأسه إن أنتم عبدتم غير الله، فآمنوا به وأطيعوا أمره، ولا تعبدوا غيره، ولا تشركوا به شيئاً؛ لأني أخاف عذاب يوم القيامة، الذي هو عذاب شديد الألم. ثم ذكر الله تعالى أجوبة قومه له وهي أربع شبهات: الأولى - ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي قال السادة الكبراء من الكافرين منهم: ما أنت إلا بشر مثلنا، أي لست بملك، ولكنك بشر مشابه لنا في الجنس، فلا مزية تمتاز بها علينا تستوجب الطاعة. الثانية - ﴿وَمَا نَرَكَ أَتَبَعَكَ﴾ أي ولم يتبعك إلا أراذل القوم الأخساء أصحاب الحرف الخسيسة كالزرّاع والصنَّاع، وهم الفقراء والضعفاء، في بادئ الأمر وظاهره دون تأمل ولا تفکر ولا تدبر في عواقب الأمور. ولو كنت صادقاً لاتبعك الأشراف والأكياس من الناس، كقوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَأَتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١/٢٦]. الثالثة - ﴿وَمَا نَرَّ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾ أي ما رأينا لكم علينا امتيازاً ٣٦٧ إِلُعُ (١٢) - جُودٍ: ١١/ ٢٥-٣١ ظاهراً في فضيلة أو قوة أو ثروة أو علم أو عقل أو جاه أو رأي، يحملنا على اتباعكم: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَآَ إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١/٤٦]. الرابعة - ﴿بلّ نُنگُمْ گَذِیین﴾ أي بل یترجح لدینا كذبکم في ادعائكم الصلاح والسعادة في الدار الآخرة. ويلاحظ أنهم أشركوا معه أتباعه في هذه الإجابة، وكان الخطاب لنوح ومن آمن معه. ثم أخبر الله تعالى عن ردود نوح عليه السلام على قومه الذين أثاروا تلك الشبهات، وغيرها مما لم يحكها القرآن وطواها، أو لم يقولوها ولكن كلامهم يستلزمها. ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَيْتُ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ﴾ قال نوح: يا قومي، أخبروني ماذا أفعل وما ترون؟ إن كنت على يقين وحجة ظاهرة فیما جئتكم به من ربي، يتبين لي بها أني على حق من عنده، وآتاني رحمة من عنده وهي النبوة والوحي، فعمِّيت عليكم أي خفيت عليكم، فلم تهتدوا إليها، ولا عرفتم قدرها، بل بادرتم إلى تكذيبها وردها، أنكرهكم على قبولها ونغصبكم عليها، وأنتم لها كارهون، معرضون عنها، فلا يعقل الإكراه في الدين. وهذا دليل النبوة والترفع عن آراء الجهال والسنَّج. ﴿وَيَقَوْمِ لَآ أَسْئَلُكُمْ﴾ أي لا أطلب منكم على نصحي لكم مالاً أي أجراً آخذه منكم، وإنما أجري على الله عز وجل. وهذا قول تكرر صدوره من جميع الأنبياء بعد نوح، مثل هود وصالح وشعيب ومحمد عليهم السلام. ﴿ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي ليس من شأني طرد المؤمنين وتنحيتهم من مجلسي. ويظهر من هذا أن أكابر الكفار كانوا يبغون تخصيصهم ببعض المزايا والامتيازات، كتخصيص مجلس خاص بهم، لا يلتقون فيه مع الضعفاء : ٣٦٨ الُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ٢٥-٣١ والفقراء، أنفة منهم وكبراً وترفعاً، كما حدث تماماً بين النبي محمد وَل وبين قومه قريش، فقال تعالى: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْهِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٦/ ٥٢]. ﴿ إِنَّهُم مُلَقُواْ رَبِّهِمْ﴾ إن هؤلاء الأتباع سيلقون ربهم وسيحاسبهم على أعمالهم، كما يحاسبكم، ويعاقب من طردهم، ولكني أراكم قوماً تجهلون الحقائق وتترددون في ظلمات الجهل في استرذالكم لهم، وسؤالكم طردهم، فإن تفضيل الناس بعضهم على بعض إنما هو بالعمل الطيب والخلق الفاضل، لا بالثروة والمال والجاه كما تزعمون. ﴿وَقَوْمِ مَن يَنصُرُنِ﴾ أي يا قوم من ينصرني من عذاب الله إن طردتهم، فذلك ظلم عظيم، كما قال تعالى: ﴿فَتَطَّرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الطَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢/٦] أفلا تذكّرون، أي أفلا تتعظون وتتفكرون فيما تقولون؟! ﴿وَلَآَ أَقُولُ لَكُمْ﴾ أي لا تعني النبوة والرسالة أني أملك خزائن رزق الله تعالى، وأقدر على التصرف فيها، وإنما أنا بشر كغيري من الناس مؤيد بالمعجزات، أدعو إلى عبادة الله بإذنه، ولا أعلم من الغيب إلا ما أطلعني الله عليه، ولست ملكاً من الملائكة، ولا أستطيع القول لهؤلاء الذين تحتقرونهم وتزدرونهم: لن ينالهم خير، وليس لهم ثواب على أعمالهم، وهو ما وعدهم الله به على الإيمان من سعادة الدنيا والآخرة، الله أعلم بما في صدورهم، فإن كان باطنهم كظاهرهم في الإيمان، فلهم الحسنى، وإن حكم إنسان على سرائرهم، كان ظالماً قائلاً ما لا علم له به. والمقصود بالآية أن نوحاً عليه السلام أخبرهم بتذلله وتواضعه لله عز وجل. وفي هذا دلالة على الخط الفاصل بين الأنبياء وبين الزعماء، الأولون يهتمون بإرشاد الناس إلى ما فيه سعادتهم الدنيوية والأخروية دون إغراء بمال أو عطاء نفعي، والآخرون يعتمدون في كسب الأتباع على الوعود بالمنافع المادية وبذل الأموال رخيصة من أجل كسب تأييدهم. ٣٦٩ المُعُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ٢٥-٣١ وفيه دلالة على أن النبي بشر لا مَلَك، وأنه لا يعلم الغيب وإنما علمه عند الله، كقوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفَعًا وَلَا ضَرَّا إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَلْغَيْبَ لَأَسْتَكْثَرْتُ مِنَ اْلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ أَلْسُّوْءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨/٧]. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: اً - دعوة نوح قومه كدعوة سائر الأنبياء إلى عبادة الله وإطاعته وحده لا شريك له، وترك عبادة الأصنام. - الاستمرار على الكفر أو عبادة الأصنام يوجب العذاب الأليم الموجع الشاق في الدار الآخرة. ٣ - إن الغالب في إعراض قوم نوح من الأشراف والسادة والكبراء كإعراض كل المكذبين الجاحدين مبني على أعذار واهية، رأسها الاستكبار والاستعلاء على بقية الناس من الفقراء والضعفاء الذين يتبعون الحق غالباً، كما قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا ﴾ [الزخرف: ٢٣/٤٣]. وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىَّ ءَاتَِهِم ◌ُقْتَدُونَ وهكذا يكون الغالب على ضعفاء الناس اتباع الحق، والغالب على الأشراف والكبراء مخالفته، كما ذكرت الآية: ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ ولما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان صخر بن حرب عن صفات النبي أو قال له فيما قال: أشراف الناس اتبعوه أو ضعفاؤهم؟ قال: بل ضعفاؤهم. فقال هرقل: هم أتباع الرسل. ٤ - قولهم: ﴿بَادِىَ الرَّأَيِ﴾ ليس بمذمة ولا عيب في الواقع؛ لأن الحق إذا وضح، لا يبقى للرأي ولا للفكر مجال، بل لا بد من اتباع الحق حينئذ لكل ذي عقل وذكاء، ولا يفكر عندئذ بالبعد عنه إلا غبي أو عييّ، والرسل عليهم ٣٧٠٠ لِلْزُ (١٢) - جُوّدٍ: ١١ / ٢٥-٣١ السلام إنما جاؤوا بأمر جلي واضح. جاء في الحديث أن رسول الله وَ ل# قال: ((ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر، فإنه لم يتلعثم» أي ما تردد ولا تروى؛ لرؤيته أمراً عظيماً واضحاً، فبادر إليه وسارع. ٥ - الأنبياء يتمسكون عادة بما ثبت لديهم يقيناً من وحي الله تعالى، والنبوة والرسالة، ولو عارضهم أكثر الناس. ٦ - لا يلجأ الأنبياء عادة إلى إكراه أحد من الناس على قبول دعوتهم: ﴿ أَنْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَلِهُونَ﴾ وهو استفهام بمعنى الإنكار، أي لا يمكنني أن أضطركم إلى الإيمان والمعرفة بها، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، أو النبوة والرحمة الإلهية أو البيئة. وهذا أول نص يمنع الإكراه على الدين. ٧ - لا يصح عقلاً وذوقاً وأدباً طَرْدُ الأنبياء من يؤمنون بهم، لا لشيء إلا لأنهم فقراء ضعفاء، فلو فعل ذلك أحدهم فَرَضاً لخاصموه عند الله، وجازاهم على إيمانهم، وجازى من طردهم، ولا يجد من ينصره ويمنعه من عذاب الله إن طردهم لأجل إيمانهم، ويكون طرد المؤمنين بصفة دائمة لطلب مرضاة الكفار من أصول المعاصي، ولا يقدم عليه نبي. والمقصود هو الطرد المطلق على سبيل التأبيد. ٨ - خزائن الرزق في تصرف الله تعالى، والغيب لا يعلمه إلا الله عز وجل، ولا يقول نبي: إن منزلته عند الناس منزلة الملائكة. ٩ - احتج بعض العلماء بآية: ﴿ وَلََّ أَقُولُ إِ مَلَكُ﴾ على أن الملائكة أفضل من الأنبياء؟ لدوامهم على الطاعة، واتصال عباداتهم مذ خلقوا إلى يوم القيامة. ١٠ - الفضائل الحقيقية الروحانية ليست إلا ثلاثة أشياء: الاستغناء المطلق فلا أدعيه: ﴿وَلَآَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ اللَّهِ﴾ والعلم التام: ﴿وَلَّ أَعْلَمُ ٣٧١ لِلُرُ (١٢) - هُوَّدٍّ: ١١/ ٣٢-٣٥ اُلْغَيْبَ﴾ والقدرة التامة الكاملة: ﴿وَلَّ أَقُولُ إِى مَلَكٌ﴾ والملائكة أكمل المخلوقات في القدرة والقوة. والمقصود من ذكر هذه الأمور الثلاثة أنه ما حصل لنوح عليه السلام إلا ما يليق بالقوة البشرية والطاقة الإنسانية، وأما الكمال المطلق فلا يَدَّعيه. ١١ - إن استحقاق المؤمن ثواب الله تعالى لا يمنعه اعتراض أحد: ﴿لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ أي ليس لاحتقاركم لهم تبطل أجورهم، أو ينقص ثوابهم، الله أعلم بما في أنفسهم فيجازيهم عليه ويؤاخذهم به. استعجال قوم نوح العذاب ويأسه منهم ﴿قَالُواْ يَنُوحُ قَدْ جَدَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَلَنَا فَأَنْنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ قَالَ إِنَّمَا يَأْتِكُمْ بِهِ اللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِينَ (®َ وَلَا يَنَفَعُكُمْ الصَّدقِينَ نُصْحِىّ إِنْ أَرَدَتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿ أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَةٌ قُلْ إِن أَفْتَرَيَّتُهُ فَعَلَىَّ إِجْرَامِ وَأَنَا بَرِىّءٌ مِّمَّا : ٣٥ ◌ُجْرِمُونَ القراءات: ﴿ نُصْحِىّ إِنْ﴾: وقرأ نافع، وأبو عمرو (نصحيَ إن). الإعراب: ﴿إِنْ أَرَدَتُ﴾ شرط، وجواب الشرط دل عليه: ﴿ وَلَا يَنَفَعُكُمْ نُصْحِىَ﴾ وتقدير الكلام: إن كان الله يريد أن يغويكم، فإن أردت أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي. ٣٧٢ الْخُرُ (١٢) - جُوّدٍ: ١١ / ٣٢-٣٥ البلاغة: ﴿فَعَلَّ إِجْرَامِ﴾ مجاز بالحذف، أي عقوبة إجرامي، على سبيل الفرض، بدليل استعمال كلمة ﴿إِن﴾ الدالة على الشك. وأما إجرامهم فهو محقق : ﴿وَأَنَاْ بَرِىٌّ مِّمَا تُحُرِمُونَ﴾. المفردات اللغوية: (جَدَلْتَنَا﴾ خاصمتنا. ﴿فَأَكْثَرَّتَ جِذَالَنَا﴾ فأطلته أو أتيت بأنواعه. ﴿فَأَنِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ به من العذاب. ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ في دعوى النبوة، والوعيد، فإن مناظرتك لا تؤثر فينا. ﴿إِن شَآءَ﴾ تعجيله لكم، أو تأجيله، فإن أمره إليه لا إلي. ﴿ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِرِينَ﴾ بدفع العذاب أو الهرب منه فلستم بفائتين الله تعالى. ﴿نُصْحِىّ﴾ النصح: قصد الخير للمنصوح وإخلاص القول والعمل له. ﴿أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ أي إغواءكم أي الإيقاع في الغيِّ والفساد، وقيل: المراد أن يهلككم . ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ خالقكم والمتصرف فيكم على وفق إرادته . ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيجازيكم على أعمالكم. ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ بل أيقول كفار مكة. ﴿أَفْتَرَهُ﴾ اختلق محمد القرآن. ﴿فَعَلَّىَّ إِجْرَامِى﴾ أي عقوبة ذنبي ووباله. ﴿وَأَنَأْ بَرِىّءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ﴾ أي من إجرامكم في إسناد أو نسبة الافتراء إلي. المناسبة: بعد أن أجاب نوح قومه على شبهاتهم، أوردوا عليه أمرين: الأول - أنهم وصفوه بكثرة المجادلة، والثاني - أنهم استعجلوا العذاب الذي كان يتوعدهم به. ثم ذكر تعالى يأسه منهم، واعتراضاً في القصة وهو براءة محمد من نسبة افترائهم إليه. ٣٧٣ لِلُزُ (١٢) - جُودٍ: ١١/ ٣٢-٣٥ التفسير والبيان: قال قوم نوح له: قد حاججتنا فأكثرت من ذلك، ونحن لا نتبعك، فأتنا بما تعدنا به من العذاب المعجل في الدنيا، إن كنت صادقاً في دعواك أن الله يعذبنا على عصيانه في الدنيا قبل الآخرة، وهذا كقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِ [نوح: ٧١ /٥-٦] . فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَلِىّ إِلَّا فِرَارًا ٥ دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلًا وَنَهَارًا قال لهم نوح: إنما الذي يعاقبكم ويعجل تعذيبكم الله الذي لا يعجزه شيء، إن شاء عقابكم عاجلاً أو آجلاً، فما أنتم بمعجزين أي بفائتي الله ولا بمستطيعي الهرب من عذابه؛ لأنكم في قبضته وملكه وسلطانه. ولا يفيدكم نصحي واجتهادي في إيمانكم، إن أراد الله إغواءكم أي إيقاعكم في الغي والضلال والفساد، ودماركم وهلاككم، هو ربكم أي خالقكم والمتصرف في أموركم، والحاكم العادل الذي لا يجور، وإليه ترجعون في الآخرة، فيجازيكم بما كنتم تعملون من خير أو شر. ومعنى إرادة الله إغواءهم وإضلالهم: ربط الأسباب بالمسببات، لا خَلْقه للغواية والشقاوة فيهم، فإن ذلك منوط بالعمل والكسب، والنتائج متوقفة على المقدمات. ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنٌ هذا كلام معترض في وسط قصة نوح، مؤكد لها، مقرر لها، وهي حكاية لقوله مشركي مكة في تكذيب هذه القصص: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَةٌ﴾ بل يقول هؤلاء الكافرون الجاحدون في مكة: إن محمداً افترى القرآن، أي اختلقه من قبل نفسه، ومنه ما أخبر به عن نوح وقومه، فرد الله معلماً نبيه أن يقول لهم: إن افتريته فعلي عقوبة إثمي، وعذاب ذنبي، والإجرام: اقتراف المحظورات واكتسابها، وأنا بريء من آثامكم وذنوبكم، وسيجزيكم الله على ٣٧٤ الزُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١ / ٣٢-٣٥ أعمالكم، فجرمكم ليس مفتعلاً ولا مفترى؛ لأني أعلم ما عند الله من العقوبة لمن كذب عليه، فكل إنسان مسؤول عن ذنبه، كما قال تعالى: ﴿أَمَ لَمْ وَإِبْرَهِيمَ الَّذِى وَفَّ ﴿ أَلَّا نَزِرُ وَزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى يُنَبَّأْ بِمَا فِى صُحُفِ مُوسَى ® ٣٨١ وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى ٣٩ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ﴿٤ ثُمَّ يُجْزَئِهُ الْجَزَاءَ الْأَوْنَى (٤)﴾ [النجم: ٣٦/٥٣-٤١]. ونظير الآية: ﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِ عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُم بَرِعُونَ مِمَّآَ ﴾ [يونس: ١٠/ ٤١]. أَعْمَلُ وَأَنَأْ بَرِىٌّ مِّمَا تَعْمَلُونَ والأظهر أن قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ آَفْتَرَنَةٌ﴾ هو من محاورة نوح لقومه، كما قال ابن عباس؛ لأنه ليس قبله ولا بعده إلا ذكر نوح وقومه، والخطاب منهم ولهم. وأنهم يقولون: افترى ما أخبركم به من دين الله وعقاب من أعرض عنه. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى الآتي: اً - إن عناد الكفار وغباءهم وحماقتهم استوجب كل ذلك التنكر لدعوة النبي نوح عليه السلام، مهما أتى به من الأدلة المثبتة لتوحيد الله ووجوب طاعته وعبادته، وورَّطهم في طلب تعجيل نقمة الله وعذابه وسخطه، والبلاء موكل بالمنطق. أَ - الجدال في الدين لتقرير الأدلة وإزالة الشبهات أمر محمود، وهو حرفة الأنبياء، ولهذا جادل نوح والأنبياء قومهم حتى يظهر الحق، فمن قبله نجا، ومن ردّه خاب وخسر. ◌َّ - التقليد والجهل والإصرار على الباطل حرفة الكفار، والجدال لغير الحق حتى يظهر الباطل في صورة الحق أمر مذموم، وصاحبه في الدارين ملوم. ٣٧٥ الُ (١٢) - جُودٍ: ١١/ ٣٢-٣٥ ٤ - قوله تعالى: ﴿إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ﴾ رد على المعتزلة والقدرية ومن وافقهما الذين زعموا أن الله تعالى لا يريد أن يَعصي العاصي، ولا يَكْفُر الكافر، ولا يغوي الغاوي، وأنه يفعل ذلك، والله لا يريد ذلك. والواقع أن الله هو الهادي والمضل، وإرادة الله يصح تعلقها بالإغواء، والمعنى أن الله يبين للناس طريق الهداية وطريق الضلال، ويختار الإنسان ما يشاء مع إرادة الله. وكلام نوح عليه السلام دليل على أنه تعالى ما أغواهم، بل فوض الاختيار إليهم من وجهين: الأول - لو أراد الله تعالى إغواءهم، لما بقي في النصح فائدة، ولما أمر الله نوحاً بأن ينصح الكفار، وأجمع المسلمون على أن نبينا كغيره من الأنبياء مأمور بدعوة الكفار ونصيحتهم. الثاني - لو ثبت الحكم عليهم بأن الله تعالى أغواهم أو خلقهم غاوين ضالين، لصار هذا عذراً لهم في عدم إيمانهم، ولصار عمل نوح غير ذي موضوع ولا هدف، ولا داعي له، ولا فائدة منه؛ لأنه يسهل عليهم الاعتذار بذلك، والرد عليه بعدم جدوى دعواه. والخلاصة: إن مبدأ أهل السنة أن الله تعالى قد يريد الكفر من الإنسان، ولكن لا يأمره بذلك، وإنما يأمره بالإيمان، وإذا أراد الكفر من العبد فإنه يمتنع صدور الإيمان منه. ٥ - كل إنسان مسؤول عن نفسه، فإن افترى أو اختلق نبي الوحيَ والرسالة كما يزعم قومه المعادون له، فعليه عقاب إجرامه، وإن كان محقاً فيما يقول، وهو الحق الأكيد، فعليهم عقاب تكذيبهم وسيئاتهم. ٣٧٦ لُُ (١٢) - جُوَّدٍ: ١١ / ٣٦-٤١ نهي نوح عن الاغتمام بهلاك قومه وأمره بصنع السفينة ﴿ وَأُوْجِىَ إِلَى نُوجِ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ فَلَا نَبْتَبِسْ بِمَا وَأَصْنَعِ اُنْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْهِنَا وَلَا تُخَطِبْنِ فِى الَّذِينَ ظَلَمُوَّا كَانُواْ يَفْعَلُونَ () إِنَّهُم مُغْرَقُونَ وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَزَ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّنْ قَوْمِهِ، سَخِرُواْ مِنَّةٌ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْنِهِ حَتََّ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ النَّنُّورُ قُلْنَا عَذَابٌ يُخْزِيِ وَيَجِلُ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمُ أَحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوَّلُ وَمَنْ ءَامَنَّ وَقَالَ أَرْكَبُواْ فِهَا بِسْمِ اللَّهِ بَجْرِئِهَا وَمُرْسَهَاً ٤٠ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُ، إِلَّا قَلِيلٌ ٤١ إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ القراءات: ﴿جَآءَ أَمْرُنَا﴾: بإسقاط الهمزة الأولى مع المد والقصر، قرأ: قالون والبزي، وأبو عمرو. وبتسهيل الهمزة الثانية قرأ ورش، وقنبل. وبتحقيقهما قرأ الباقون. ﴿مِن ككُلٍ زَوْجَيْنِ﴾: قرئ: ١- (من كلِّ زوجين) وهي قراءة حفص. ٢- (من كلِّ زوجين) وهي قراءة الباقين. ٣٧٧ لُُّ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ٣٦-٤١ مجرنهَا ﴾ : قرئ: ١- (تَجْراها) مع الإمالة، هي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف. ٢- (مجراها) وهي قراءة الباقين. الإعراب: منصرف؛ لأنه خفيف، وإن كان فيه العجمة والتعريف. نوچ ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ﴾ ﴿مِن﴾ فاعل ﴿يُؤْمِنَ﴾ ﴿مَن يَأْنِيهِ﴾ ﴿مَن﴾ موصولة، مفعول العلم. ﴿أَثْنَيْنِ﴾ في موضع نصب لأنه مفعول ﴿أَحْمِلَ﴾. و﴿ وَأَهْلَكَ﴾ معطوف عليه. ﴿ مَن سَبَقَ﴾ منصوب على الاستثناء من ﴿ وَأَهْلَّكَ﴾. ﴿وَمَنْ ءَامَنُ﴾ في موضع نصب؛ لأنه معطوف على اثنين، أو على أهلك. [مَجْرِبِهَا﴾ فيه ثلاثة أوجه: الأول - أن يكون منصوباً على تقدير حذف ظرف مضاف إلى ذلك . ﴿وَمُرْسَهَا﴾ عطف عليه، وتقديره: باسم الله وقت إجرائها وإرسائها، أي اركبوا فيها متبركين باسم الله تعالى في هذين الوقتين. و﴿ بِسْمِ اللَّهِ﴾ متعلق بمحذوف في موضع نصب على الحال من واو ﴿أَرْكَبُواْ﴾. و﴿ بِسْمِ اللَّهِ﴾ هو العامل في ﴿مَجْرِئِهَا﴾ .. الثاني - أن يكون ﴿يَجْرِئِهَا﴾ مبتدأ، و﴿بِسُمِ اٌللَّهِ﴾ خبره، وتقديره: بسم الله إجراؤها وإرساؤها، والجملة حال من ضمير ﴿فِهَا﴾. ٣٧٨ لُزُعُ (١٢) - هُوّدٍ: ١١ / ٣٦-٤١ والثالث - أن يكون ﴿مَجْرِئِهَا﴾ في موضع رفع بالظرف، والظرف حال من هاء: ﴿فِهَا﴾. ومن قرأ ﴿يَجْرِئِهَا وَمُرْسَهَا﴾ جعله اسم فاعل من أجراها الله فهو مُجْرِ، وأرساها فهو مُرْسٍ، وهو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو مجريها ومرسيها. ﴿إِلَّا قَلِيلٌ﴾ مرفوع بفعل: ﴿ءَامَنَ﴾. ولا يجوز نصبه على الاستثناء؛ لأن الكلام قبله لم يتم. والتعبير حصر بهم. البلاغة: ﴿ وَأَصْنَعِ اُلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ كناية عن الرعاية والحفظ. المفردات اللغوية: ﴿فَلَ نَبْتَكِسْ﴾ تحزن، أي لا تغتم بهلاكهم، وهذا يعني أن الله أيأسه أو أقنطه من إيمانهم، ونهاه أن يغتم بما فعلوه من التكذيب والإيذاء . ﴿بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ من الشرك، فدعا عليهم بقوله: ﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ اَلْكَفِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦/٧١] فأجاب الله دعاءه. ﴿اُلْفُلْكَ﴾ السفينة، ويطلق على الواحد والجمع. (بِأَعْيُنِنَا﴾ بحفظنا وعنايتنا ورعايتنا، على طريق التمثيل. ﴿وَوَحْيِنَا﴾ إليك كيف تصنعها. (﴿الَّذِينَ ظَلَمُوَأْ﴾ كفروا بترك إهلاكهم والمقصود: لا تَدْعُني برفع العذاب عنهم. ﴿ إِنَّهُم ◌ُّغْرَقُونَ﴾ محكوم عليهم بالإغراق، فلا سبيل إلى كفه. ﴿ وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾ حكاية حال ماضية. ﴿مَلَأُ﴾ جماعة. (سَخِرُواْ مِنْهُ﴾ استهزؤوا به لعمله السفينة، فإنه كان يعملها في برية بعيدة عن الماء، فكانوا يضحكون منه ويقولون له: صرت نجاراً بعدما كنت نبياً . ﴿قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ أي سنهزأ بكم إذا أخذكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة، ونجونا وتركناكم. وقيل: المراد بالسخرية: الاستجهال. ﴿عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ يذله ويفضحه. ﴿وَيَحِلُّ﴾ ينزل. ﴿عَذَابٌ مُقِيمُ﴾ دائم وهو عذاب النار. ٣٧٩ اِلُُّ (١٢) - جُوّدٍ: ١١ / ٣٦-٤١ ﴿حَتَّىَ إِذَا﴾ ﴿حَتَّىَ﴾ هي التي يبتدأ بعدها الكلام، دخلت على الجملة من الشرط والجزاء. فإن كانت غاية فهي غاية للصنع، أي لقوله: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾ أي وكان يصنعها إلى أن جاء وقت الموعد. ويكون ما بعد ﴿وَيَصْنَعُ﴾ من الكلام حالاً من ﴿ وَيَصْنَعُ﴾ كأنه قال: يصنعها، والحال أنه كلما مر عليه ملأ من قومه، سخروا منه. وجواب ﴿وَكُلَّمَا﴾ إما ﴿سَخِرُواْ﴾ وإما ﴿قَالَ﴾ و﴿سَخِرُواْ﴾ بدل من ﴿مَرَّ﴾ أو صفة لملأ. ﴿جَآءَ أَمْرُنَا﴾ بإهلاكهم. ﴿ وَفَارَ النَّنُّورُ﴾ أي نبع الماء فيه وارتفع كالقدر تفور، و﴿النَُّّورُ﴾ تنور الخبز، ابتدأ منه النبع، على خرق العادة، وكان ذلك علامة لنوح. وكان في الكوفة في موضع مسجدها، أو في الهند، أو بعين وردة بأرض الجزيرة. وقيل: ﴿النَّنُورُ﴾ وجه الأرض .. ﴿أَحِلْ فِيهَا﴾ في السفينة. ﴿مِن كُلٍ زَوْجَيْنِ﴾ أي ذكر وأنثى، أي من كل أنواعهما . ﴿أَثْنَيْنِ﴾ ذكراً وأنثى. جاء في القصة: إن الله حشر لنوح السباع والطير وغيرهما، فجعل یضرب بیدیه في کل نوع، فتقع یده الیمنی علی الذكر، واليسرى على الأنثى، فيحملها في السفينة. ﴿ وَأَهْلَكَ﴾ أي زوجته وأولاده. ﴿إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ أي منهم بالإهلاك والإغراق، وهو ولده كنعان وزوجته، وأخذ معه سام وحام ويافث وزوجاتهم الثلاث. ﴿إِلَّا قَلِيلٌ﴾ قيل: كانوا ثمانين، نصفهم رجال ونصفهم نساء، وقيل: كانوا تسعة وسبعين: زوجته المسلمة، وبنوه الثلاثة (سام وحام ويافث) ونساؤهم، واثنان وسبعون رجلاً وامرأة من غيرهم. ﴿يَجْرِهَا وَمُرْسَهَا﴾ أي جريها ومنتهى سيرها. ﴿إِنَّ رَبِىِ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي لولا مغفرته للسيئات ورحمته بالعباد، لما أنجاكم، فهو رحيم حيث لم يهلكنا. ٣٨٠ إِلُحُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ٣٦-٤١ المناسبة: الآيات تتمة لما ذكر قبلها، تتضمن الإعداد لإغراق قوم نوح وإهلاكهم، ومقابلة السخرية والتهكم بالتخطيط للنجاة وغرق القوم. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى أنه أوحى إلى نوح أنه لن يؤمن أحد من قومك بدعوتك إلا من قد آمن سابقاً، فلا تحزن عليهم ولا يهمنك أمرهم، فدعا عليهم نوح عليه السلام بقوله: ﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦/٧١]. واصنع الفلك أي السفينة أداة النجاة بأعيننا أي بمرأى منا وبرعايتنا وحفظنا وحراستنا، وبتعليمك بوحينا كيفية الصنع، حتى لا تخطئ، فقوله ﴿وَوَحْيِنَا﴾ يعني تعليمنا لك ما تصنعه، ويكون جمع الأعين للعظمة لا للتکثیر. واستعمل القرآن تعبير الأعين لكمال العناية وتمام الرعاية في قوله تعالى لموسى: ﴿وَلِنُصْنَعَ عَلَى عَيْنِىّ﴾ [طه: ٣٩/٢٠] وقوله للنبي محمد رَّ: ﴿وَأَصْبِرُ ◌ِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨/٥٢]. ﴿وَلَا تُخَطِبْنِ﴾ أي ولا تراجعني يا نوح ولا تَدْعُني في شأن قومك ودفع العذاب عنهم بشفاعتك، فقد وجب عليهم العذاب، وتم الحكم عليهم بالإغراق. والمقصود ألا تأخذك بهم رأفة ولا شفقة. وبدأ يصنع السفينة، وكلما مر عليه جماعة من أشراف قومه، استهزؤوا منه ومن عمله السفينة، وكذبوا بما توعدهم به من الغرق. قال نوح متوعداً بوعيد شديد وتهديد أكيد: إن تسخروا منا لصنع ما نصنع مما لا يفيد شيئاً في ظنكم، فإنا نسخر منكم في المستقبل حين الغرق، كما تسخرون منا الآن، أي نسخر منكم سخرية مثل سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا، والحرق