النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ الجزء (١١) - يُونَ: ١٠ / ١٠٤-١٠٧ المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى الأدلة على صحة الدين ووحدانية الخالق وصدق النبوة، أمر رسوله بإظهار دينه، وبإظهار المفارقة بينه وبين الشرك وما عليه المشركون من عبادة الأوثان والأصنام التي لا تضر ولا تنفع، وأن النافع الضار هو الله الذي خلقهم، فتخرج عبادة الله من حالة السر إلى الإعلان. التفسير والبيان: يأمر الله تعالى رسوله وَله بأن يقول لأهل مكة وغيرهم من الناس إلى يوم القيامة: إن كنتم لا تعرفون ديني، فأنا أبينه لكم على سبيل التفصيل، وإن كنتم في شك من صحة ما جئتكم به من الدين الحنيف الذي أوحاه الله إلي، فاعلموا وصفه وأنه لا مجال للشك فيه، وهو أني لا أعبد الذين تعبدون من دون الله، من حجارة وغيرها؛ لأنها لا تضر ولا تنفع، بل أعبد الله وحده لاشريك له، الذي يتوفاكم كما أحياكم، ثم إليه مرجعكم، وأن أكون من المؤمنين إيماناً حقاً بالله، العارفين به تمام المعرفة. وفي هذا تعريض بأن الدين الحق لا يُشك فيه، ويستحسنه ذوو العقول الصحيحة والفطر السليمة، وأما عبادة الأصنام فمقطوع ببطلانها؛ لأنها لا تعقل ولا تضر ولا تنفع، ويستنكرها كل عاقل، فإنها أحجار !!. ويلاحظ أنه تدرج من نفي عبادة غير الله؛ لأن الإزالة في كل شيء بقصد إصلاحه مقدمة على الإثبات، والتخلي مقدم على التحلي، ثم انتقل إلى إثبات عبادة الله، ليبين أنه يجب ترك عبادة غير الله أولاً، ثم يجب الاشتغال بعبادة الله، ثم انتقل إلى ذكر الإيمان والمعرفة بعد العبادة التي هي عمل جسدي، ليدل على وجوب تطابق العمل مع الاعتقاد، فإنه لا جدوى لعمل ما لم ينبع من اعتقاد صحيح يتجلى فيه نور الإيمان والمعرفة. وفي هذا التدرج من نفي عبادة ٣٠٢ الجُرُ (١١) - يُونَ: ١٠ / ١٠٤-١٠٧ الأصنام إلى إثبات من يعبده وهو الذي يتوفاكم، وفي ذكر هذا الوصف الدال على التوفي دلالة على البدء وهو الخلق وعلى الإعادة(١). ﴿ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ﴾ أي وأمرت أن أكون من المؤمنين وأن أقيم وجهي للدين القيم، أي بالاستقامة في أمر الدين بالتزام الأوامر واجتناب النواهي، وبأن أخلص العبادة لله وحده، حنيفاً أي مائلاً عن الشرك والباطل إلى الدين الحق، ولهذا قال: ﴿ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي ممن يشرك في عبادة الله إلهاً آخر، وهو معطوف على قوله: ﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي قيل لي: كن من المؤمنين وأقم وجهك ولا تشرك. فقوله ﴿أَفِمْ وَجْهَكَ﴾ معناه استقم إليه ولا تلتفت يميناً ولا شمالاً. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا [الأنعام: ٧٩/٦] . وَمَا أَتَأْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ٦ وهذا يدل على وجوب التوجه في العبادة والدعاء إلى الله وحده، دون التفات إلى شيء سواه، فمن توجه بقلبه إلى غير الله في عبادة أو دعاء فهو عابد غير الله. لذا قال تعالى: ﴿ وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنَفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ أي لا تدع ولا تعبد أيها الرسول متجاوزاً الله تعالى ما لا ينفعك في الدنيا ولا في الآخرة إن دعوته، ولا يضرك أصلاً إن تركت دعاءه. فإن فعلت هذا وعبدت ودعوت غير الله، كنت حينئذ من الظالمين نفسك؛ لأنه لا ظلم أكبر من الشرك بالله تعالى، ومن الظلم وضع العبادة في غير موضعها. (١) البحر المحيط: ١٩٥/٥ .. ٣٠٣ الُرعُ (١١) - يُونَ: ١٠ / ١٠٤-١٠٧ ثم أكد الله تعالى سلب صلاحية النفع والضر عن غير الله، فقال: ﴿وَإِن يَمْسَسُكَ اللَّهُ بِضٍُ﴾ أي وإن تتعرض لضرر يمسّ جسمك أو مالك من مرض أو فقر أو ألم، فلا كاشف أو لا رافع له إلا الله، وإن يردك أو يخصك الله بخير منه في دينك أو دنياك من نصر ورخاء ونعمة وعافية، فلا دافع لفضله إلا الله؛ إذ لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه ولا مانع لفضله أحد، وهو القادر على كل شيء، يمنح ويمنع، ويعطي ويحرِم، يفعل كل. ذلك بحكمة وعلم. والفضل الإلهي يكون عادة عاماً بعموم الرحمة، أما الضرر فإنه لا يقع إلا بسبب، فإن البلاء لا يقع إلا بذنب، ولا يرتفع إلا بتوبة: ﴿ وَمَا أَصَبَكُم مِّن ﴾ [الشورى: ٣٠/٤٢]. ٣٠ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ وهو سبحانه الغفور الرحيم لمن تاب إليه، ولو من أي ذنب کان، حتى من الشرك به، فإنه يتوب عليه، فتعرضوا لرحمته بالطاعة، ولا تيأسوا من غفرانه بالمعصية. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على أمرين: تخصيص العبادة بالله تعالى ونبذ الشرك، وبيان أن الضار والنافع هو الله تعالى، مما يوجب استحقاقه العبادة. أما تخصيص العبادة وإخلاصها بنحو كامل نقي الله عز وجل فيتطلب ضوابط أو قيوداً ستة مفهومة من الآيات الثلاث الأولى وهي ما يأتي: اً - الامتناع النهائي البات المطلق عن عبادة غير الله بمختلف الأشكال. أَ - عبادة الله تعالى وحده دون سواه؛ لأنه المحيي المميت وإليه المرجع والمآب. ◌ّ - التصديق أو الإيمان الكامل الذي لا يخالجه أي شك بآيات الله. ٣٠٤ اِلُ (١١) - يُوذَ: ١٠ / ١٠٤-١٠٧ ٤ - الاستقامة على أمر الدين بأداء الفرائض واجتناب القبائح، والميل التام عما سوى الدين والشرع القويم، فقوله: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ كما قال الرازي: إشارة للاستغراق في نور الإيمان والإعراض بالكلية عما سواه. ٥ - تجنب كل مظاهر الشرك الحقيقي الظاهر من عبادة الأوثان ونحوها، وهذا صار مفهوماً من آية ﴿فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وتجنب ما يسمى بالشرك الخفي وهو الرياء، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ اٌلْمُشْرِكِينَ﴾. ٩ - الامتناع من عبادة أي شيء سوى الله، مما لا يضر ولا ينفع، ولا يغني من الحق شيئاً، ولا يفيد شيئاً عند الله، ولا ينفع عابده أو داعيه، فمثل تلك العبادة والتعظيم لغير صاحب العظمة والجلال ظلم بحت بوضع العبادة في غير موضعها، وضياع وإهدار للجهود، وعدم إثمارها شيئاً ما. وأما النفع والإضرار وجلب الخير ودفع الشر: فلا يؤمل الخير من غير الله تعالى، ولا يدفع الشر بغير الله تعالى، ولا يمنح الفضل سوى الله، ولا يكشف السوء غير الله عز وجل، وهو سبحانه في كل الأحوال غفور لمن استغفره، رحيم بمن تاب إليه وأناب، ولو من أعظم المعاصي والجرائم وهو الشرك. ففي قوله تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ﴾ الآية بيان أن الخير والشر والنفع والضر إنما هو راجع إلى الله تعالى وحده، لا يشاركه في ذلك أحد، فهو الذي يستحق العبادة وحده لاشريك له، وتكون هذه الآية مؤكدة للآيات السابقة، ومكملة لها، ومبرهنة لكل ذي عقل أن المعبود بحق هو الله الذي يكشف الضر والسوء، ويمنح الفضل والخير. روى الحافظ ابن عساكر عن أنس بن مالك أن رسول الله وَلي قال: ((اطلبوا الخير دهرَكم كله، وتعرضوا لنفَحات ربكم، فإن لله نفحات من رحمته، یصیب بها من يشاء من عباده، واسألوا أن يستر عوراتكم، ويؤمن روعاتكم». ٣٠٥ الُ (١١) - يُونَ): ١٠ / ١٠٨-١٠٩ لاً - المغفرة والرحمة تشملان كل من تاب وأناب، ولو من أي ذنب كان، حتى من الشرك به، فإن الله يتوب عليه. الإسلام دين الحق ووجوب اتباعه ﴿ قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن زَيِّكُمْ فَمَنِ أَهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى ١) وَأَتَّبِعْ مَا يُوحَى ١١٠٨ لِنَفْسِةِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ إِلَيْكَ وَأَصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ ١٠٩ الإعراب: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ﴾ مبتدأ وخبر. البلاغة: ﴿فَمَنِ أُهْتَدَى﴾ ﴿وَمَن ضَلَّ﴾ بينهما طباق. ﴿يَحْكُمَ اَللَّهُ﴾ و﴿الْحَكِمِينَ﴾ بينهما جناس اشتقاق. المفردات اللغوية: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ أي أهل مكة وغيرهم. ﴿قَدْ جَآءَكُمُ اُلْحَقُ﴾ أي رسوله والقرآن، ولم يبق لكم عذر. ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ﴾ لأن نفعه وثواب اهتدائه له. ﴿وَمَن ضَلَّ﴾ بالكفر بالقرآن والرسولِ وَله. ﴿فَإِنَّمَا يَضِلُ عَلَيْهَا﴾ لأن وبال الضلال عليها.﴿وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ بحفيظ موكول إلي أمركم، وإنما أنا بشير ونذير. ﴿وَأَشَّعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ من ربك بالامتثال والتبليغ. ﴿وَأَصْبِرْ﴾ على دعوتهم وأذاهم. ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اَللَّهُ﴾ فيهم بأمره بالنصرة أو بالأمر بالقتال. ﴿وَهُوَ خَيْرُ ٣٠٦ الجزء (١١) - يُونَ: ١٠/ ١٠٨-١٠٩ الْحَكِمِينَ﴾ أعدلهم؛ إذ لا يمكن الخطأ في حكمه، لاطلاعه على السرائر اطلاعه على الظواهر. المناسبة: هذه خاتمة عظيمة موجزة أجملت ما في السورة من مبدأ اتباع شريعة الله ووحيه إلى نبيه، فبعد أن قرر سبحانه وتعالى دلائل التوحيد والنبوة والمعاد، وزيّن آخر هذه السورة بالبيان الدال على استقلاله تعالى بالخلق والابداع، ختمها بهذه الخاتمة الشريفة العالية، وهي إكمال الشريعة أو دين الحق، وأزال علة التنكر لها، وأوجب اتباعها، وأوضح للناس كافة طريق الرؤية الصحيحة: ﴿فَمَنِ أُهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْنَدِى لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾. التفسير والبيان: قل أيها الرسول للناس قاطبة، من حضر ومن ستبلغه هذه الدعوة: قد جاء الحق المبين من ربكم، يبين حقيقة هذا الدين، وكمال هذه الشريعة، على لسان رجل منكم. فالله تعالى يأمر رسوله وهو أن يخبر الناس أن الذي جاءهم به من عند الله تعالى هو الحق الذي لا شك فيه. فمن اهتدى به، وصدق القرآن ورسول الله، واتبعه، فإنما يهتدي لنفسه، أي يعود نفعه وثواب اهتدائه واتباعه على نفسه، ومن ضل عنه وحاد عن منهجه، فإنما يضل على نفسه، أي يرجع وبال ذلك علیه. ﴿وَمَّ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي وما أنا بموكّل بكم من عند الله بأموركم حتى أجعلَكُم مؤمنين وأُكْرِهَكُمْ على الإيمان، وإنما أنا نذير منذر لكم عذاب الله لمن أعرض وكذب، وبشير مبشر من اهتدى، والهداية على الله تعالى. ٣٠٧ الُرُ (١١) - يُوذَرَ: ١٠ / ١٠٨-١٠٩ ﴿ وَأَتَّبِعْ مَا يُوحَىّ إِلَيْكَ﴾ أي اتبع يا محمد ما أنزل الله عليك وأوحاه إليك، وتمسك به أشد التمسك، واصبر على دعوتك وأذى قومك ومخالفة من خالفك من الناس، حتى يحكم الله، أي يقضي بالفصل بينك وبينهم، أي المكذبين فينصرك عليهم ويحقق لك الغلبة، وهو خير الحاكمين أي أعدل الحكام وأحكمهم، يقضي بالعدل التام والحكمة الصحيحة والواقع الحقيقي. وقد أنجز الله وعده لنبيه وَّي فنصره مع الجند المؤمنين، على فئات المشركين، واستخلفهم في الأرض، وجعلهم الأئمة الوارثين. وفي هذا تسلية للنبي وَّر عما لقيه من أذى قومه، ووعد للمؤمنين أنصاره، ووعيد للكافرين أعدائه. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيتان إلى ما يأتي من الأحكام: اً - الإسلام دين الحق وشريعة الله الكاملة، والقرآن مصدر هذا الحق والشرع، والرسول ◌َّ هو المعبِّر عن الدين الحق المبلغ له. أَ - الإسلام منهج الهداية الربانية ومعقد الأمل والنجاة والسعادة في الدنيا والآخرة، فمن أبصر الحق واتبع سبيل الهداية الإلهية بما فيها من اعتقاد حق صحيح، وتشريع عادل، ونظام سديد، فاز ونجا وأسعد نفسه، ومن تنكب طريق الحق، وترك الرسول ول* والقرآن، واتّبع الأصنام والأوثان، وسار مع الأهواء وتقليد الآباء والأجداد، هلك ووبال ذلك على نفسه. ٣ - ما الرسول إلا مبلغ وحي الله، مبشر من أطاعه بالجنة، منذر من عصاه بالنار، لا يملك إكراه أحد على الإيمان بدعوته، واتباع رسالته. ٤ - الرسول كغيره من الرسل والمؤمنين يجب عليه اتباع ما أوحى الله له، والصبر على الطاعة وعن المعصية، فإن أصابه مكروه بسبب نشر دعوته، ٣٠٨ لُرعُ (١١) - يُونَ: ١٠ / ١٠٨-١٠٩ فليصبر عليه إلى أن يحكم الله فيه وله بالنصر على أعدائه والغلبة على المكذبين. قال ابن عباس: لما نزلت جمع النبي ◌َّ الأنصار ولم يجمع معهم غيرهم، · فقال: ((إنكم ستجدون بعدي أَثَرة(١)، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)). ة - لا يحكم الله عز وجل إلا بالحق والعدل، وحكمه مطابق يقيناً للواقع؛ لأنه يعلم السرائر والبواطن كما يعلم الظواهر. تم الجزء الحادي عشر ولله الحمد (١) أي حب الذات والمؤاثرة عليكم، فيفضل غيركم مثلاً في نصيبه من الفيء، وتكون الأولوية للأتباع والأشياع، لا للذين سبقوا إلى الإيمان ونصرة الإسلام. النّفُ المُنْزَ ـه في العقيدة والشريعة والمنهج الجُزُ الثَّانِي ◌َشَيْنْ ٣١١ المُ (١٢) السورة (١١) جُّد! بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ سُورَةٌ هُودٍ مڪية وهي مئة وثلاث وعشرون آية تسميتها: سميت سورة هود لاشتمالها على قصة هود عليه السلام مع قومه: ((عاد)» في الآيات [٥٠ - ٦٠] وهي كغيرها من قصص القرآن تمثل صراعاً حاداً عنيفاً بين هود عليه السلام وبين قومه الذين دعاهم إلى عبادة الله تعالى، وهجر عبادة الأصنام والأوثان، فلما أصروا على كفرهم وتكذيبه، عذبهم الله بعذاب غليظ شامل وهو الربح العقيم الصرصر، التي سلطها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً: ﴿وَلَمَا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَيْنَا هُودًا وَلَّذِينَ ءَامَنُوْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَيَّنَهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِظِ ﴿َ﴾ [هود: ٥٨/١١] ﴿وَمَّا عَادٌ فَأَهْلِكُواْ بِرِيج سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَرَى الْقَوْمَ صَرْصَرٍ عَائِيَةٍ ٨ فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّنْ بَاقِيَةٍ ٧ فِيَهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ [الحاقة: ٦/٦٩-٨]. نزولها وشأنها ومناسبتها لما قبلها: هذه السورة مكية أي نزلت في مكة إلا الآيات الثلاث التالية وهي: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكُ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ [١٢] كما قال ابن عباس ومقاتل، ٣١٢ لُ (١٢) السورة (١١) هُودٍ وقوله: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن زَّبِّهِ، وَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِن قَبْلِهِ، كِنَبُ مُوسَىّ إِمَامًا وَرَحْمَةً أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ،﴾ [١٧] فإنها نزلت في ابن سَلام وأصحابه، وقوله: ﴿وَأَقِ الصَّلَوةَ طَرَفَ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ الَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَِّّئَاتِ﴾ [١١٤] فإنها نزلت في نبهان التمار. وقد نزلت بعد سورة يونس، وهي متفقة معها في معناها وموضوعها ج وافتتاحها بـ ﴿الّر﴾ واختتامها بوصف الإسلام والقرآن والنبي الذي جاء بالحق من الله، والدعوة إلى الإيمان بما جاء به الرسول وَله، وتفصيلها ما أجمل في سورة يونس من أمور الاعتقاد من إثبات الوحي والتوحيد والبعث والمعاد والثواب والعقاب والحساب، وإعجاز القرآن وإحكام آياته، ومحاجَّة المشركين في ذلك وتحديهم بالقرآن، وذكر قصص بعض الأنبياء كنوح وإبراهيم وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم السلام. وتمتاز هذه السورة بما فيها من القوارع والزواجر التي اشتملت عليها قصص هؤلاء الأنبياء، والدعوة الشديدة إلى الاستقامة، مبتدأة بالنبي وَّ، روى أبو عيسى الترمذي عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يارسول الله، قد شِبْت، قال: ((شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس کورت)». وسئل النبي ◌ُّل عما شيبه من سورة هود، فقال: قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾. ومن فضائلها: ما أسنده أبو محمد الدارمي في مسنده عن كعب قال: قال رسول الله : ((اقرؤوا سورة هود يوم الجمعة)). وعن رسول الله وَله: ((من قرأ سورة هود، أعطي من الأجر عشر حسنات .. )). ٣١٣ الْجُعُ (١٢) السورة (١١) جُودٍ ما اشتملت عليه السورة: تضمنت هذه السورة كسورة يونس أصول الدين العامة وهي التوحيد، والرسالة، والبعث والجزاء، وتوضيح هذه العناصر إجمالاً فيما يأتي: ١ - إثبات كون القرآن من عند الله، من طريق إحكام آياته وإتقانها بنظمها نظماً رصيناً محكماً لا نقص فيه ولا خلل، كالبناء المحكم، ثم تفصيلها في الحال دون تراخ، ببيان دلائل التوحيد والنبوة والأحكام والمواعظ والقصص والتفرقة بين الحق والباطل، ومن طريقٍ إعجاز القرآن وتحديه العرب بأن يأتوا بعشر سور مثله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَّهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ، مُفْتَرَيَتٍ وَأَدْعُواْ مَنِ أُسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾ [هود: ١٣/١١] وبعد ١٣ أن عجزوا عن محاكاته والإتيان بمثله أو بمثل أقصر سورة منه، أعلن الله تعالى إفلاسهم وعجزهم فقال: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَأَعْلَمُوْ أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ الَّهِ﴾ [هود: ١٤/١١] . ٢ - توحيد الله: وهو نوعان: أ - توحيد الألوهية: وهو عبادة الله وحده وعدم عبادة أحد سواه، كما قال تعالى في مطلع هذه السورة: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوْ إِلَّا اللَّهَ﴾ فعبادة كل من سواه کفر وضلال. ب - توحيد الربوبية: أي الاعتقاد بأن الله وحده هو الخالق المدبر لهذا الكون، والمتصرف فيه على مقتضى حكمته ونظام سنته. وكان عرب الجاهلية يؤمنون بأن الله هو الرب الخالق: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتُهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١/٢٩] ولكنهم كانوا يقولون بتعدد الآلهة. وورد في القرآن الكريم آيات كثيرة تثبت توحيد الربوبية، مثل المذكور في هذه السورة: ﴿وَهُوَ الَّذِىِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ﴾ [٧] والخلْق: التقدير المحكم الذي تكون فيه الأشياء على مقادير متناسبة، ثم أريد به الإيجاد التقديري. ٣١٤ الُ (١٢) السورة (١١) هُوْا ٣ - إثبات البعث والجزاء: للإيمان بهما وللترغيب والترهيب، كما في قوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْ جِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُ ﴾﴾ [٤] وقوله: ﴿وَلَيِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُونُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ [٧]. ٤ - اختبار البشر لمعرفة إحسان أعمالهم: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [٧]. ٥ - الموازنة بين طبع المؤمن والكافر في أحوال الشدة والرخاء، فالمؤمن صابر وقت الشدة، شاكر وقت الرخاء، والكافر فرح فخور حال النعمة، يؤوس كفور حال المصيبة [الآيات ٩ - ١١]. ٦ - استعجال البشر الخير والنفع، والعذاب الذي يُنْذِرُ به الرسل: ﴿وَلَيِنْ أَخَرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمٍَّ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ:﴾ [٨] وقال تعالى في سورة يونس المتقدمة: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١/١٠] ٧ - طبائع البشر مختلفة حتى في قبول الدين إلا من رحم ربك: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [١١٨ - ١١٩] أي أن لهذا الاختلاف فوائد علمية وعملية، كما أن فيه مضارّ إذا أدى إلى التفرق في الدين والاختلاف في أصول الحياة والمصالح العامة. ٨ - إيراد قصص الأنبياء بالتفصيل تسلية للنبي وَلفي على ما يتعرض له من أذى قريشٍ وصدودهم عن دعوته: ﴿ وَكُلَّا نَّقُصُ عَلَكَ مِنْ أَثْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُشَيِّتُ بِهِ، فُؤَادَكَ﴾ [١٢٠]، وفي كل قصة عبرة وعظة أيضاً للمؤمنين. وقد ذكر الله قصة نوح أبي البشر الثاني وأمره له بصناعة الفلك، لنجاته ومن معه من المؤمنين، وإغراق قومه بالطوفان الذي عم الأرض، ونوح أطول الأنبياء عمراً، وأكثرهم بلاءً وصبراً [الآيات: ٢٥ - ٤٩] وتبين من قصته أن أتباع ٣١٥ اِلُ (١٢) السورة (١١) هُوْا الرسل عادة هم الفقراء، كما حكى تعالى عن قوم نوح: ﴿وَمَا نَزَئِكَ أَتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ الرََّيِ﴾ [هود: ٢٧/١١]. ثم ذكر الله تعالى قصة هود الذي سميت السورة باسمه، ودعوته قومه ((عاد)) الأشداء العتاة المتجبرين إلى عبادة الله تعالى، فاغتروا بقوتهم وقالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَةٌ﴾ فأهلكهم الله بريح صرصر عاتية في بحر أسبوع: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧/٦٩] وعبر عن ذلك بأنه عذاب غليظ، بسبب الكفر والجحود بالآيات الإلهية: ﴿ وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِئَايَتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَأَتَّبَعُواْ أَقْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (﴾﴾ [الآيات: ٥٠ - ٦٠]. ثم ذكر سبحانه قصة صالح مع قومه ثمود [الآيات: ٦١ - ٦٨] وأشار إلى قصة ضيوف إبراهيم من الملائكة [الآيتان: ٦٩ - ٧٠] ثم قصة لوط [الآيات: ٧٠ - ٨٣] ثم قصة شعيب [الآيات: ٨٤ - ٩٥] ثم قصة موسى مع فرعون [الآيات: ٩٦ - ٩٩]. ٩ - التعقيب المباشر على ما في تلك القصص من عبر وعظات، بإهلاك الظالمين، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُضُهُ, عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمَّ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَنْهُمُ ١٠٠ وَحَصِيدٌ الَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَىْءٍ﴾ [الآيات: ١٠٠ - ١١١]. ١٠ - الأمر بالاستقامة في الدين [الآية: ١١٢] وهو أمر ثقيل شديد على النفس، يتطلب جهاد النفس، والصبر على أداء الواجبات، وحمايتها من الموبقات المهلكات. ١١ - الطغيان سبيل الدمار، والركون إلى الظلم موجب عذاب النار: ﴿وَلَا تَطْغَّوْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، وَلَا تَزْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [الآية: ١١٣]. ٣١٦ لُرُ (١٢) - هُوّرٍ: ١١ / ١-٤ ١٢ - الأمر بإقامة الصلاة في أوقاتها ليلاً ونهاراً؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات [الآية: ١١١] والصبر على الطاعة، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين [الآية: ١١٥]. ١٣ - محاربة الفساد في الأرض من أجل حفظ الأمة والأفراد من الهلاك: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوُلُواْ بَغِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِى الْأَرْضِ﴾ [الآية: ١١٦]. ١٤ - لا إهلاك ولا عذاب للأمم في حال الإصلاح [الآية: ١١٧]. ١٥ - تهديد المعرضين عن دعوة الحق بالعذاب، وجعل العاقبة للمتقين. ويلاحظ أن التهديد والترغيب أمران متلازمان مفيدان في إصلاح الأفراد والجماعات، وبناء الأمة وتحقيق غلبتها على خصومها، لذا اقترنا غالباً في القرآن. ١٦ - ختمت السورة بما بدئت به من الأمر بعبادة الله وحده والاتكال عليه، والتحذير من عقابه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، ليتناسق البدء مع الختام. إحكام القرآن ودعوته إلى عبادة الله والتوبة إليه والإيمان بالبعث ﴿الَّرِ كِتَبُّ أُخْكِمَتْ ءَايَنُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴿ أَلَا تَعْبُدُوْاْ إِلَّا وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُنْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَنِعَكُم مَّنَعًا اللهَّ إِنَّنِى لَكُ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ حَسَنَّا إِلَى أَجَلِ مُسَقَّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِيٍ فَضْلٍ فَضْلَهُ, وَإِن تَوَلَّوْ فَإِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴿ إِلَى اللَّهِ مَرْ جِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُ ٣١٧ اِلُُ (١٢) - جُوّدٍ: ١١/ ١-٤ الإعراب: كِتَبْ أُخْكِمَتُ﴾ كتاب: خبر مبتدأ محذوف، و﴿أَحْكِمَتُ﴾ صفة له، وقال الرازي: ﴿الَّرَ﴾ اسم السورة وهو مبتدأ، و﴿كِنَبُ﴾ خبره، وذكر البيضاوي الوجهين. ﴿ مِن لَُّنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ صفة ثانية، ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر، وأن يكون صلة لأحكمت وفصلت، أي من عنده إحكامها وتفصيلها. ﴿أَّا تَعْبُدُواْ﴾ إما أن تكون (أن) مفسرة بمعنى أي؛ لأنّ في تفصيل الآيات معنى القول؛ كأنه قيل: قال: ألا تعبدوا إلا الله، أو آمركم ألا تعبدوا إلا الله، مثل قوله تعالى: ﴿أَنْ أُمْشُواْ﴾ [ص: ٦/٣٨] أي امشوا. وإما أن تكون مفعولاً لأجله، على معنى: لئلا تعبدوا إلا الله. ﴿ وَأَنِ اُسْتَغْفِرُواْ﴾ معطوف على ﴿أَلَّا تَعْبُدُواْ﴾ على الوجهين السابقين. ﴿إِنَنِى لَكُ مِنْهُ نَذِيْرٌ وَبَشِيرٌ﴾ اعتراض وقع بين المعطوف والمعطوف عليه. (يُمِنِّعَّكُمْ﴾ مجزوم؛ لأنه جواب الأمر، وهو قوله: ﴿ وَأَنِ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾ وجزم جواب الأمر؛ لأنه جواب الشرط مقدَّر. ﴿وَإِن تَوَلَّوْا﴾ أصله: تتولَّوْا، فحُذفت إحدى التاءين، لاجتماع حرفين متحركين من جنس واحد، فاستثقلوا اجتماعهما، فحذفوا إحداهما تخفيفاً. البلاغة: ﴿أُخْكِمَتُ﴾ و﴿فُصِّلَتْ﴾ بينهما طباق حسن؛ لأن المعنى: أحكمها حكيم، وفصلها أي بينها وشرحها خبير عالم بكيفيات الأمور. وكذلك بين ﴿نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ طباق أيضاً. ﴿عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ إضافة العذاب إلى اليوم الكبير وهو يوم القيامة للتهويل. ٣١٨ المُعُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١ / ١-٤ المفردات اللغوية: ج . ﴿الّر﴾ تقرأ بأسمائها ساكنة، كما ذكر في أول سورة يونس، فيقال: ألِفْ، لامْ، رَا، وهي للتحدي والإلزام للعرب الفصحاء، لإثبات إعجاز القرآن وكونه من عند الله، أو هي حروف تنبيه مثل: ألا، لما سيلقى بعدها. والسور المفتتحة بمثل تلك الحروف مكية إلا سورتي البقرة وآل عمران. والسور المكية تعنى بإثبات التوحيد والبعث والوحي وإعجاز القرآن، وفيها غالباً قصص الأنبياء. ﴿أَحْكِمَتْ ءَئُهُ﴾ نظمت نظماً محكماً لا خلل فيه من جهة اللفظ والمعنى ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ بينت الأحكام والقصص والمواعظ، وبالإحكام والتفصيل يصبح القرآن كامل الصورة والمعنى. وقال الزمخشري: ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ كما تفصل القلائد (أي عقود النساء) بالفرائد من دلائل التوحيد والأحكام والمواعظ والقصص، أو جعلت فصولاً سورة سورة، وآية آية، أو فرقت في التنزيل ولم تنزل جملة واحدة، أو فصل بها ما يحتاج إليه العباد، أي بيِّن وخص(١). وقوله: ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ ليس معناها التراخي في الوقت، ولكن في الحال، كما تقول: هي محكمة أحسن الإحكام، ثم مفصلة أحسن التفصيل، وفلان كريم الأصل ثم كريم الفعل(٢). ﴿مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ أي من عند الله الحكيم الصنع في أقواله وأفعاله وأحكامه، العليم بأحوال الناس والكون، في الظاهر والباطن، الخبير بعواقب الأمور. (١) الكشاف: ٨٩/٢ (٢) الكشاف: ٩٠/٢ ٣١٩ لُعُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١/ ١-٤ (نَذِيرٌ﴾ بالعذاب إن كفرتم أو أشركتم ﴿وَبَشِيرٌ﴾ بالثواب إن آمنتم أو التزمتم عقيدة التوحيد ﴿وَأَنِ أُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾ من الشرك والمعاصي ﴿ثُمَّ تُوبُوّأْ إِلَيْهِ﴾ ارجعوا بالطاعة ﴿يُمَنِّعَّكُمْ﴾ في الدنيا ﴿مَّنَعًا حَسَنًا﴾ بطيب عيش وسعة رزق. والمتاع: كل ما ينتفع به في المعيشة. ﴿إِلَى أَجَلِ مُسَنَّى﴾ هو الموت أو العمر المقدّر ﴿ وَبُّؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ أي يعط كل محسن ذي فضل في العمل جزاءه ﴿وَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ أصله: تتولوا، فحذفت إحدى التاءين، أي تعرضوا ﴿عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ هو يوم القيامة أو يوم الشدائد، وقد ابتلي مشركو مكة بالقحط حتى أكلوا الجيف. ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِمَّكُمْ﴾ رجوعكم في ذلك اليوم ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ﴾ القادر على كل شيء، ومنه الثواب والعذاب، وكأنه تقرير لكبر ذلك اليوم. التفسير والبيان: موضوع هذه الآيات تقرير أصول الدين وهي إحكام القرآن وتفصيله، والدعوة إلى عبادة الله وتوحيده والإنابة إليه، والإيمان بالبعث والجزاء في عالم الآخرة. والمعنى: هذا كتاب عظيم الشأن جليل القدر، محكم النظم والمعنى، لا خلل فيه ولا نقص، فهو كامل الصورة والمعنى؛ لأنه صادر من عند الله الحكيم في أقواله وأحكامه، الخبير بجوائج عباده وبعواقب الأمور. ففي هذه السورة كغيرها من السور تبيان حقائق الاعتقاد وتفنيد أباطيل الكافرين، وتوضيح أسلم الأحكام التشريعية للحياة، وأقوم المناهج والفضائل والمواعظ من خلال القصص القرآني والتنبيه إلى غرر الشمائل والأخلاق. ﴿أَلَّا تَعْبُدُواْ﴾ أي أن هذا الكتاب المحكم نزل بألا تعبدوا غير الله ولا ٣٢٠ الُعُ (١٢) - جُوّدٍ: ١١ / ١-٤ تشركوا به شيئاً، أو إنه نزل هذا القرآن المحكم المفصل لعبادة الله وحده لا شريك له، أو لئلا تعبدوا إلا الله، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنْ فَأَعْبُدُونِ ٢٥) ﴾ [الأنبياء: ٢٥/٢١] وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ أُعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ اُلّطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٦/١٦ ﴿إِنَِّى لَكُ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ أي، وقل للناس: إنني كائن لكم من جهة الله، نذير من العذاب، إن خالفتموه، وبشير بالثواب إن أطعتموه، كما جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله وَ لتر صعد الصفا، فدعا بطون قريش الأقرب ثم الأقرب، فاجتمعوا، فقال: ((يا معشر قريش، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً تصبحكم، ألستم مصدِّقيَّ؟)) فقالوا: ما جربنا عليك كذباً، قال: ((فإني نذير لكم بين يدي عذاب شَديد)). وهذا بيان مهمة الرسول وله ووظيفته وهي الإنذار لمن عصاه بالنار، والتبشير لمن أطاعه بالجنة. ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوْ رَبَّكُمْ﴾ أي: وآمركم بالاستغفار من الذنوب السالفة، أي أن تطلبوا المغفرة من الشرك والكفر والمعاصي، وأن تتوبوا منها إلى الله عز وجل بالندم على ما مضى، والعزم على عدم العودة إلى الذنوب في المستقبل، والاستمرار على ذلك، فإن استغفرتم وتبتم من الذنوب، يمتعكم متاعاً حسناً في الدنيا، أي يطوّل نفعكم في الدنيا بمنافع حسنة مرضية، من عيشة طيبة ورزق واسع ونعمة متتابعةٍ ﴿ إِلَى أَجَلِ مُسَتَّى﴾ أي إلى أن يتوفاكم، كقوله تعالى: ﴿فَلَنُحْبِيَنَّهُ، حَيَوَةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧/١٦]. والجمع بين الاستغفار والتوبة للدلالة على أنه لا سبيل إلى طلب المغفرة من عند الله إلا بإظهار التوبة، والاستغفار مطلوب بالذات، والتوبة مطلوبة لكونها من متممات الاستغفار، هذا على أساس أنهما معنيان متباينان؛ لأن الاستغفار طلب مےے