النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
الْجُزْءُ (١١) - يُونَ: ١٠/ ٦١
الإعراب:
﴿وَمَا نَتْلُواْ مِنْهُ﴾ الهاء تعود على (الشأن) على تقدير حذف المضاف،
وتقديره: وما تتلو من أجل الشأن من قرآن، أي: يحدث لك شأن فتتلو
القرآن من أجله. ومن: تبعيضية، أو مزيدة لتأكيد النفي. وإضمار القرآن قبل
التصريح به تفخيم له أو لله عز وجل.
﴿وَلَّ أَصْغَرَ﴾ ﴿وَلَآَ أَكْبَرَ﴾ النصب فيهما على أن (لا) نافية، و﴿أَصْغَرَ﴾
اسمها، و﴿فِي كِتَبٍ﴾ : خبرها وهذا كلام مستقل بنفسه، مقرر لما قبله. ويجوز
الرفع على الابتداء ليكون كلاماً برأسه، أو على العطف على محل: ﴿مِن مِثْقَالٍ
ذَرَّةٍ﴾ وتقديره: وما يعزب عن ربك مثقال ذرة ولا أصغرُ ولا أكبر. ويجوز
الجر، مراعاة للفظ ﴿مِثْقَالِ﴾ لأن ﴿مِثْقَالِ ذَرَّةِ﴾ في اللفظ مجرور. و﴿ فِ كِنَبٍ
◌ُبِينٍ﴾ موضع الرفع لأنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو في كتاب مبين.
المفردات اللغوية:
﴿وَمَا تَكُونُ﴾ يا محمد، و(ما): نافية، أي لست في شأن من عبادة أو غيرها
إلا والربّ مطلع عليك. ﴿شَأَنٍ﴾ أمر مهم عظيم ﴿وَمَا نَتْلُواْ مِنْهُ﴾ من الشأن؛
لأن تلاوة القرآن شأن من شأن رسول الله صَلقر، بل هو معظم شأنه، أو ما
تتلو من التنزيل من قرآن؛ لأن كل جزء منه قرآن، والإضمار قبل الذكر
تفخيم له. أو من الله عز وجل ﴿ وَلَا تَعْمَلُونَ﴾ أنتم جميعاً أيها المؤمنون (الأمة
والنبي) وهو تعميم للخطاب بعد تخصيصه بمن هو رأسهم ﴿ شُهُودًا﴾ شاهدین
رقباء نحصي عليكم ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيدٍ﴾ أي تندفعون فيه وتخوضون أو تأخذون
في العمل ﴿وَمَا يَعْزُبُ﴾ وما يبعد عنه وما يغيب عن علمه ﴿مِثْقَالِ﴾ وزن
﴿ذَرَّةٍ﴾ أصغر نملة أو هباء ﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَآءِ﴾ أي في الوجود
والإمكان ﴿إِلَّا فِي كِتَبٍ مُبِينٍ﴾ بيِّن وهو اللوح المحفوظ.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى أن القليل من الناس شاكرون نعم الله بدوام طاعته

٢٢٢
الزُعُ (١١) - يُونِرَ: ١٠/ ٦١
وترك معصيته، ذكّرهم بأن علمه محيط بجميع شؤونهم وأعمالهم صغيرها
وكبيرها، وبكل الموجودات والكائنات كلها في السماوات والأرض، حتى
يحملهم ذلك على الطاعة والشكر والعبادة وتجنب المعصية؛ لأنه إذا كان الحق
تعالى عالماً بكل شيء، سرّ الطائعون، وهدِّد المذنبون.
التفسير والبيان:
يخبر اللّه تعالى نبيه وير أنه يعلم جميع أحواله وأحوال أمته وجميع الخلائق في
كل لحظة.
وما تكون أيها الرسول في أي أمر من أمورك الخاصة أو العامة، وما تتلو
من أجل ذلك الشأن من قرآن ينزل عليك، لنشر الدعوة بين الناس إلا ونحن
شهود علیکم.
وفي التعبير بالشأن دليل على أن جميع أموره وه لر كانت عظيمة، حتى
العادات؛ لأنه قدوة حسنة للمؤمنين. وبعد أن خصه الله بأمرين وهما ﴿وَمَا
تَكُونُ فِى شَأْنٍ﴾ و﴿وَمَا نَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ﴾ خاطب جميع الأمة التي هو رأسها.
وضمير ﴿مِنْهُ﴾ إما عائد إلى الشأن، وإما إلى القرآن أي وما تتلو من القرآن
من قرآن؛ لأن القرآن اسم للمجموع واسم لكل جزء من أجزاء القرآن،
والإضمار قبل الذكر يدل على التعظيم، وإما إلى الله أي وما تتلو من قرآن
نازل من عند الله.
﴿وَلَا تَعْمَلُونَ﴾ أي ولا تعملون أيتها الأمة أي عمل صغير أو كبير، خير
أو شر، وأي عمل كان، إلا كنا عليكم شاهدين رقباء مطلعين، نحصي
علیکم، وسنجازیکم علیه.
﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيةٍ﴾ أي تندفعون وتأخذون فيه، أي في ذلك الشيء.

٢٢٣
لِلُرُ (١١) - يُونَ: ١٠ / ٦١
وما يبعد عن الله ولا يغيب عن علمه أي شيء، ولو كان مثقال ذرة أي
وزن أصغر نملة أو هباء، وبه يضرب المثل في الصغر والخفة، ولا أصغر من
الذرة أي أجزاء الذرة، وهذا يشير إلى نظرية أو مبدأ تحطيم الذرة واكتشاف
جزيئاتها، ولا شيء أكبر من ذلك، كالعرش الذي هو أعظم المخلوقات، إلا
وهو معلوم له، ومحصىً معروف في كتاب عظيم الشأن وهو اللوح المحفوظ
الذي كتب فيه مقادير الموجودات كلها.
وفي هذا دلالة إلى سبق القرآن إلى الإشارة إلى أصغر الموجودات في الكون
مما لا يدرك بالعين المجردة، وإنما بالمكبِرات، كأجزاء الذرة والجراثيم،
ويحتاج تكبيره إلى مئات أو آلاف المرات. كما أن هناك أشياء كبيرة جداً، أكبر
من السماوات والأرض، وما فيهما، فإن بعض النجوم أكبر من الشمس
والأرض والقمر بملايين المرات، والعرش أعظم المخلوقات.
وَعِندَهُ مَفَاتِحُ اٌلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ
ونظير الآية قوله تعالى:
وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِّ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِى
◌ُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِ إِلَّا فِ كِنَبٍ مُِینٍ
[الأنعام: ٥٩/٦] أى
٥٩
أنه تعالى يعلم حركة الأشجار وغيرها من الجمادات، وكذلك الدواب
السارحة، وكل ماهو موجود في طبقات الأرض، وأجواء السماء.
فقه الحياة أو الأحكام:
إن كل من يتأمل في مدلول هذه الآية - ولا يتأمل فيها بحق إلا عالم مؤمن،
واسع العلم والأفق والنظر - فيجد سعة علم الله الشامل، ورصده لكل شيء
في الوجود، وأعمال جميع الكائنات الحية، والناس قاطبة في البر والبحر
والجو، يسيطر عليه الخوف والرهبة، ويمتلئ قلبه اليقين بعظمة الله تعالى،
ويدرك أن جميع أعماله محصية عليه، سواء أكانت صغيرة حقيرة أم كبيرة
جليلة.
٢
ولو قيل: إن شاشة كبيرة من التلفاز (الرائي) تصوّر جميع حركات الإنسان

٢٢٤
الُرُ (١١) - يُونَ): ١٠ / ٦٢ -٦٤
على أشرطة مسجلة في منزله وغيره، وفي تنقلاته كلها، وإن ما يرتسم على هذه
الشاشة وما يسجل فيها من أصوات، سيعرض على حاكم الدولة، وسيحاسبه
على أموره كلها، هل أدى واجبه أو قصر، وهل أدى الأمانة والمسؤولية الملقاة
على عاتقه أو خانها، وهل أحسن أو أساء إلى نفسه أو غيرها من الأهل
والجيران والمجتمع، لو قيل ذلك، وقدّر كل إنسان ما يرصد عليه في هذه
الشاشة في يوم أو شهر أو سنة أو في العمر كله، لفكّر تفكيراً دقيقاً جداً،
والتزم درب الاستقامة، حتى لا يعرّض نفسه إلى الإهانة.
وهكذا - ولله المثل الأعلى - رَضْد الله لحركاتنا، وعلمه بجميع أعمالنا،
بل اطلاعه على ما تكنه نفوسنا، يملأ النفس رهبة وخوفاً، فسبحانك يارب لا
يسعنا إلا سترك وعفوك ورحمتك، وكفى بهذه الآية باعثاً على الطاعة
والإيمان، ورادعاً عن المعصية والكفر، وكفى بالله حسيباً، وهو أسرع
الحاسبين.
أولياء الله: أوصافهم وجزاؤهم
الَّذِينَ
٦٣
﴿أَلَّ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُنَ
ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴿ لَهُمُ الْبُشْرَى فِىِ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا
نَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ اللَّهَ ذَلِكَ هُوَ اُلْفَوْزُ الْعَظِيمُ
٦٤
الإعراب:
﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ فيه ثلاثة أوجه: النصب على أنه صفة للأولياء أو بدل
منهم، أو النصب على المدح أي أخص أو أعني، أو الرفع على الابتداء،
وخبره: ﴿لَهُمُ اُلْبُشْرَى﴾.
ويجوز أن تكون ﴿اَلْبُشْرَى﴾ مبتدأ، و﴿لَهُمُ﴾ خبره، والجملة في موضع
رفع: خه ﴿الَّذِينَ﴾.

٢٢٥
◌ِلُزُ (١١) - يُونَرَ: ١٠ / ٦٢-٦٤
المفردات اللغوية:
﴿ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ﴾ أي أحبابه وأصفياؤه والمقرّبون إليه، الذين يتولونه بالطاعة
ويتولاهم بالكرامة، هم المؤمنون المتقون كما فسرتهم الآية، فكل من كان تقياً
كان الله ولياً . ﴿ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ بفوات مأمول.
﴿وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ الله بامتثال أمره ونهيه ﴿اَلْبُشْرَى﴾ الخبر السارّ، وهي ما
بشّر الله به المتقين في كتابه وعلى لسان نبيه وَعليه، وما يريهم في الرؤيا الصالحة،
كما في حديث صححه الحاكم: يراها الرجل أو تُرى له، وما يسنح لهم من
المكاشفات، وبشرى الملائكة عند النزع ﴿ وَفِى الْآَخِرَةِ﴾ الجنة والثواب
ج
وتلقي الملائكة إياهم مُسَلِّمين مبشرين بالفوز والكرامة . ﴿لَا نَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ
اللّهِ﴾ لا خلف لمواعيده ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى إحاطة علمه بأعمال العباد وبجميع الكائنات ليكون
ذلك باعثاً لهم على الشكر والعبادة، ذكر حال الشاكرين المتقين الذين حسن
جزاؤهم في الآخرة.
التفسير والبيان:
إن أولياء الله الذين يتولونه بالطاعة والعبادة، ويتولاهم بالكرامة هم الذين
آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكانوا يتقون الله بامتثال
أوامره واجتناب نواهيه، فكل من كان تقياً كان لله ولياً. وأولياء الله هم الذين
جمعوا بين الإيمان الصحيح والتقوى. فلا خوف عليهم في الدنيا من مكروه
يتوقع، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنُم ◌ُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٣/
١٧٥] أي لا تخافوا أولياء الشيطان وأنصاره.
ولا خوف عليهم في الآخرة مما يخاف منه الكفار والعصاة من أهوال
الموقف وعذاب القيامة، كما قال تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾
[الأنبياء: ١٠٣/٢١].

٢٢٦
الُرُ (١١) - يُونَ): ١٠/ ٦٢ -٦٤
ولاهم يحزنون في الدنيا من فوات مأمول، ولحوق مكروه، وذهاب
محبوب؛ لأنهم يؤمنون بالقضاء والقدر، ويبتغون رضوان الله، كما لا يحزنون
في الآخرة من مخاوف القيامة.
روى البزار عن ابن عباس قال: قال رجل: يارسول الله، من أولياء الله؟
قال: ((الذين إذا رُؤوا ذُكر الله)).
ولهم البشرى في الحياة الدنيا بالنصر والاستخلاف في الأرض ما داموا على
شرع الله ودينه، يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويأمرون بالمعروف وينهون
عن المنكر، كما قال تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزٌ
، اُلَّذِينَ إِن مَّكَّتَهُمْ فِى الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْ
بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِّ وَلِلَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ
[الحج: ٤٠/٢٢-٤١]
٤١
وقال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَهُمْ فِ
اُلْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥/٢٤].
ومن بشائر الدنيا لهم الرؤيا الصالحة، روى أحمد والحاكم عن أبي الدرداء
عن النبيِ وَِّ في قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ قال:
(«هي الرؤيا الصالحة، يراها المسلم أو تُرى له)).
ومن البشائر بشرى الملائكة لهم بحسن الحال وبالدرجة الرفيعة عند النزع:
﴿الَّذِينَ تَنَوَقَُّهُمُ الْمَلَئِكَةُ طَيِِّينُ يَقُولُونَ سَلَمُ عَلَيْكُمْ﴾ [النحل: ٣٢/١٦].
ولهم البشرى في الحياة الآخرة بحسن الثواب والنعيم المقيم في الجنة، كما
قال تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَتُهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَنٍ وَجَنَاتٍ لَهُمْ فِيَهَا نَعِيمٌ
مُقِيمُ
[التوبة: ٢١/٩] .
وتلقي الملائكة لهم يبشرونهم بالجنة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ
رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اُسْتَقَدّمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَتْبِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ
وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُمْ تُوعَدُونَ ﴿٣) نَحْنُ أَوْلِيَآؤَّكُمْ فِ الْحَيَوِ الذُّنْيَا وَفِ

٢٢٧
الجُزءُ (١١) - يُونَِّ): ١٠ / ٦٢-٦٤
اُلْآَخِرَةٌ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىَ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَذَّعُونَ
[فصلت: ٣٠/٤١-٣٢].
٣٦
مِنْ غَفُورٍ نَّحِيم
﴿لَا نَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ اٌللَّهَ﴾ أي لا تغيير لأقواله، ولا إخلاف لمواعيده،
اُلْقَوْلُ لَدَىّ﴾ [ق: ٢٩/٥٠] ومنها تبشير المؤمنين بالجنة.
﴿مَا
كقوله تعالى:
﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اٌلْعَظِيمُ﴾ أي ذلك المذكور وهو البشارة لهم في الدارين
بالسعادة هو الفوز العظيم الساحق الذي لا فوز غيره؛ لأنه ثمرة الإيمان
والعمل الصالح.
فقه الحياة أو الأحكام:
وضعت هذه الآية الحد الفاصل أمام الأدعياء، فأبانت أن أولياء الله هم
المؤمنون الأتقياء، روى سعيد بن جبير أن رسول الله وَ ل سئل: من أولياء
الله؟ فقال: ((الذين يُذكر الله برؤيتهم)). وقال عمر بن الخطاب - فيما رواه أبو
داود - سمعت رسول الله ﴿ يقول: ((إن من عباد الله عباداً ماهم بأنبياء ولا
شهداء، تغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة، لمكانهم من الله تعالى. قيل:
يارسول الله، خبّرنا من هم وما أعمالهم، فلعلنا نحبّهم؟ قال: هم قوم تحابّوا
في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطون بها، فوالله، إن وجوههم
النور، وإنهم على منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا
حزن الناس، ثم قرأ: ﴿أَّ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ
يَحْزَنُونَ (9))(١).
وما أعظم وأجدى هذه الحوافز للعمل الصالح والاتصاف بصفة أولياء
الله، التي ذكرتها هذه الآية، وهي المجموعة في قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِ
(١) قال ابن كثير: وهذا إسناد جيد إلا أنه منقطع بين أبي زرعة وعمر بن الخطاب، لكن رواه
أحمد عن أبي مالك الأشعري، ورواه ابن جرير عن أبي هريرة.

٢٢٨
الجُرُ (١١) - يُوذي): ١٠ / ٦٥-٦٧
اُلْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَفِي الْأَخِرَةِ﴾ وفي تلك البشرى إيماء إلى الوعد بنصرهم على
الأعداء.
والبشرى: هي الخبر السارُّ أو البشارة السارّة بالخير والفضل والمكافأة،
وقد جمعت هذه البشرى بين سعادتي الدنيا والآخرة، ففي الدنيا: النصر والعز
والثناء الحسن، وفي الآخرة: الفوز والنجاة والظفر بالجنة ونعيمها الأبدي
الخالد. ولا خلف لوعد الله، ولا تبديل لأخباره، فلا ينسخها شيء، ولاً
تكون إلا كما قال، فما أجلَّ ذلك، وما أكرم الله المبشِّر وأحبّه إلى عباده، وما
أسعد المبشرين! جعلنا الله منهم.
العزة والملك لله تعالى
وفائدة جعله الليل والنهار
﴿وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمُ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( أَلَاّ
إِنَ لِلَّهِ مَن فِي السَّمَوَتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِّ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن
دُونِ اللَّهِ شُرَكَآءً إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّ الظَّنَ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴿ هُوَ
الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُوْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ
لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ
القراءات:
﴿وَلَا يَحْزُنكَ﴾
وقرأ نافع ( ولا يُجْزِنك).
﴿شُرَكَاءُ إِن﴾ :
قرأ بتسهيل الهمزة الثانية وصلاً: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو.

٢٢٩
الُ (١١) - يُوذَرَ): ١٠ / ٦٥-٦٧
وبتحقيقها قرأ الباقون.
الإعراب:
﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ﴾ (ما): إما بمعنى الذي، وإما بمعنى النفي، وإما
بمعنى الاستفهام. فإن كانت بمعنى الذي فهي معطوفة بالنصب على ﴿مَنْ﴾
أي، ألا إن الله تعالى الأصنام الذين تدعونهم من دون الله شركاء، فحذف
العائد من الصلة. و﴿شُرَكَآءً﴾: حال من ذلك المحذوف.
وإن كانت نفياً وهو الظاهر كانت حرفاً، والتقدير: وما يتبع الذين يدعون
من دون الله شركاء إلا الظن. وانتصب شركاء بـ ﴿يَدْعُونَ﴾، والعائد إلى
﴿الَّذِينَ﴾ الواو في ﴿يَدْعُونَ﴾ ومفعول ﴿يَتَّبِعُ﴾ قام مقامه: ﴿إِن
يَتَبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾، ولا ينتصب الشركاء بـ ﴿يَتَّبِعُ﴾؛ لأنك تنفي عنهم
ذلك، والله تعالى قد أخبر به عنهم.
وإن كانت (ما) بمعنى الاستفهام، والمراد به الإنكار والتوبيخ، كانت اسماً
في موضع نصب بـ ﴿یَنَّعُ﴾، وتقديره: وأي شيء يتبع الذين يدعون.
البلاغة:
وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ استعارة، شبه النهار بالإنسان؛ لأن الناس يبصرون
فيه، فكأن ذلك صفة الشيء بما هو سبب له أي للإبصار على طريق المبالغة،
كما قالوا: ليل أعمى وليلة عمياء، إذا لم يبصر الناس فيها شيئاً لشدة
إظلامها.
المفردات اللغوية:
﴿وَلَا يَجْزُنكَ قَوْلُهُمْ﴾ إشراكهم وتهديدهم وتكذيبهم وقولهم لك: لست
مرسلاً ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ﴾ استئناف بمعنى التعليل، و﴿الْعِزَّةَ﴾: الغلبة والقوة
٦

٢٣٠
المُ (١١) - يُونَرَ): ١٠/ ٦٥ -٦٧
والمنعة ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم ﴿اُلْعَلِيمُ﴾ بعزماتهم وأفعالهم، فيجازيهم
عليها وينصرك عليهم.
﴿أَلَّ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِى السَّمَوَتِ وَمَنْ فِى الْأَرْضَِّ﴾ من الملائكة
والثقلين: الإنس والجن، ملكاً وخلقاً وعبيداً. قال البيضاوي: وإذا كان
هؤلاء الذين هم أشرف الممكنات عبيداً، لا يصلح أحد منهم للربوبية، فما لا
يعقل منها - وهي الأصنام - أحق ألا يكون له نداً وشريكاً، فهو كالدليل
على قوله .﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ يعبدون ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي غيره
أصناماً ﴿شُرَكَآءَ﴾ له على الحقيقة، تعالى الله عن ذلك ﴿إِن يَشَّبِعُونَ إِلَّا
اُلَّنَ﴾ أي ما يتبعون في ذلك يقيناً، وإنما يتبعون ظنهم أنها شركاء، أو أنها
آلهة تشفع لهم ﴿وَإِنْ هُمْ﴾ ماهم ﴿إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ أي يكذبون فيما ينسبون إلى
الله، فيستعمل الخرص بمعنى الكذب؛ لأنه يغلب فيه الحزر والتخمين،
والأصل في الخرص: الحزْر والتقدير، ويجوز أن يراد: يحزرون ويقدرون أنها
شركاء تقديراً باطلاً.
﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ أي ذا إبصار، وإسناد الإبصار إلى النهار مجاز؛ لأنه
يبصر الناس فيه، وإنما قال مبصراً، ولم يقل: لتبصروا فيه، تفرقة بين الظرف
المجرد والظرف الذي هو سبب ﴿ لَيَتِ﴾ دلالات على وحدانيته تعالى ﴿لِّقَوْمٍ
يَسْمَعُونَ﴾ سماع تدبر واعتبار أو اتعاظ.
المناسبة:
بعد أن أورد الله تعالى أنواع شبهات المشركين في هذه السورة، وأجاب
عنها، ذكر أنهم عدلوا إلى طريق آخر، وهو التهديد والتخويف بأنهم أصحاب
السلطة والمال، فأجابهم الله عن ذلك بقوله: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمُ﴾ تبشيراً
له بالنصر عليهم، كما أنه تعالى مهد لذلك في بيان صفة الأولياء وبشارتهم في
الآيات المتقدمة، إبماء إلى الوعد بالنصر على الأعداء في مكة المغترين بقوتهم،
المكذبين بوعد الله.

٢٣١
الُرُ (١١) - يُونِرَ): ٦٥/١٠-٦٧
التفسير والبيان:
ولا يحزنك أيها الرسول قول هؤلاء المشركين: لست مرسلاً، وغيره من
إشراك وتكذيب وتهديد بأنهم أصحاب القوة والمال، واستعن بالله عليهم،
وتوكل عليه، فإن العزة أي الغلبة والقوة والقهر لله تعالى جميعاً، أي جميعها
له، وأما إثبات العزة لرسوله وللمؤمنين ففي آية أخرى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ
وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨/٦٣] فالعزة كلها بالله، وإلى الله.
هو السميع لأقوال عباده، ومنها أقوالهم المتضمنة تكذيب الحق وادعاء
الشرك، العليم بأحوالهم وبما يفعلون من إيذاء وكيد، وسيجازيهم عليه، فلا
تأبه لقولهم ومكيدتهم. وفي هذا تسلية للنبي ◌ّ على ما يلقاه من أذى قومه،
وتبشير له بالنصر عليهم.
ثم أقام الدليل على انفراده بالعزة كلها بقوله: ﴿أَلَّ إِنَّ لِلَّهِ﴾ أي انتبهوا
أيها الناس، إن لله ملك السماوات والأرض وما بينهما، لا ملك لأحد فيهما
سواه، فكيف تصلح الأصنام آلهة؟ وهي مملوكة، والعبادة لا تكون إلا
للمالك، بل إنها لا تعقل ولا تملك شيئاً، لا ضراً ولا نفعاً، ولا دليل لهم على
عبادتها، بل إنما يتبعون في ذلك ظنونهم وأوهامهم.
﴿وَمَا يَتَسِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكَآءً﴾ أي لا يتبع هؤلاء
المشركون شركاء لله في الحقيقة، فليس لله شريك أبداً، وليس للشركاء
المزعومين قدرة على شيء من تدبير أمور العباد ودفع الضر عنهم، بل إنهم لا
يملكون دفع الضر عن أنفسهم، ولا يملكون جلب أي نفع لهم.
﴿إِن يَتَِّعُونَ إِلَّا الَّنَّ﴾ أي ما يتبع المشركون في الحقيقة فيما يزعمون
إلا الظن الفاسد والخطأ الفادح، وما هم في هذا الظن إلا متخرصون كاذبون
فيما ينسبون إلى الله، أو حازرون مقدّرون أن تكون شركاء تقديراً باطلاً.

٢٣٢
الجُرح (١١) - يُونش): ١٠ / ٦٥-٦٧
فهذه الجمل الثلاث بعد بيان استقلال الله بملكية ما في السماوات وما في
الأرض مؤكدات متوالية، تؤكد سلب صلاحية الملائكة والأصنام والمسيح
وغيرهم عن اتخاذها آلهة، ولا اتخاذها وسطاء أو شفعاء أو وسائل لله، كما
هو شأن حكام الدنيا والملوك الظالمين الذين لا يصل إليهم إلا الوسطاء،
فجميع من في السماوات والأرض مملوك لله تعالى: ﴿إِن كُلُّ مَن فِى
} [مريم: ٩٣/١٩] والمملوك لا شأن
٩٣
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ءَاتِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا
له أمام المالك.
ثم استدل تعالى على كون العزة لله جميعاً وانعدام أي دور للشركاء مع الله في
الخلق والتقدير والتصرف والتدبير بقوله: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ﴾ أي إنه
تعالى قسم الزمان قسمين وهما الليل والنهار، وجعل الليل للاستراحة
والسكّن والاطمئنان فيه بعد عناء النهار والاشتغال فيه، وجعل النهار مضيئاً
للمعاش والسعي والأسفار وقضاء المصالح، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ
﴾ [النبأ: ٩/٧٨-١١]
وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (
سُبَانًا ﴿ وَجَعَلْنَا الَِّلَ لِبَاسًا
وقوله سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَرَ ءَايَنَيْنِّ فَمَحَوْنَآ ءَايَةَ الَِّلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ
النَّهَارِ مُبْصِرَةٌ لِتَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوْ عَدَدَ السِّينَ وَالْحِسَابَ﴾
[الإسراء: ١٧ / ١٢].
ففي هذا تنبيه على كمال قدرته تعالى، وعظيم نعمته المتوحد هو بهما،
ليدلهم على تفرده باستحقاق العبادة، وأن يوحدوه بها، بأنه أظلم الليل للسكن
فيه من متاعب المعاش في النهار، وأضاء النهار لإبصار مطالب الأرزاق
والمكاسب. ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتِ﴾ أي إن في تخليق الليل والنهار وتعاقبهما
واختلافهما لدلائل واضحة دالة على أن الإله المعبود بحق هو خالق الليل
والنهار، لقوم يسمعون هذه الحجج والأدلة، فيعتبرون بها ويتدبرون ما
يسمعون، ويستدلون على عظمة خالقها ومقدّرها ومسيِّرها.

٢٣٣
◌ِلُ (١١) - يُونَ: ١٠ /٦٥-٦٧
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - إن العزة لله جميعاً، أي القوة الكاملة والغلبة الشاملة والقدرة التامة لله
وحده، فهو ناصر رسوله ومعينه ومانعه من أذى الأعداء.
ولا يعارض هذا قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فإن كل عزة
بالله، فهي كلها لله، قال تعالى: ﴿سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
١٨٠
[الصافات: ٣٧ /١٨٠] .
أَ - إن الله هو السميع لأقوال العباد وأصواتهم، العليم بأعمالهم وأفعالهم
وجمیع حر کاتهم.
مَّ - إن الله مالك من في السماوات ومن في الأرض، أي يحكم فيهم بما
يريد ويفعل فيهم ما يشاء، فليس للمحكوم والمملوك نفاذ أو تدخل في أي
حكم، أو قدرة على التصرف في الأملاك، وهذا دليل سلب الألوهية عما
سوی الله.
٤ - إن المشركين لا يتبعون في عبادتهم شركاء على الحقيقة، بل يظنون ظناً
باطلاً أنها تشفع أو تنفع، وما هم في ظنهم إلا تَجْدِسون يخمنون ويكذبون فيما
ینسبونه إلى الله.
٥ - إن الواجب عبادة من يقدر على خلق الليل والنهار، وإحكام تعاقبهما
بنظام دقيق، لا عبادة من لا يقدر على شيء.
أَ - إن لله الحكمة البالغة في إيجاد الليل والنهار، فالله جعل الليل لمنافع
عديدة منها السكون (أي الهدوء عن الاضطراب) مع الأزواج والأولاد،
وزوال التعب والكّلال الناجم عن الانهماك في الأعمال. وجعل النهار لفوائد
جليلة منها إبصار موارد العيش، والاهتداء به إلى الحوائج، والأنس مع
الناس.

٢٣٤
اِلُزُرُ (١١) - يُونَ): ٦٨/١٠-٧٠
لاً - إن في خلق السماوات والأرض وفي خلق الليل والنهار لعلامات
ودلالات قاطعات واضحات على استحقاق الخالق للعبادة والتفرد بها وحده،
ولكن لا يتعظ بهذا إلا القوم الذين يسمعون سماع تدبر واعتبار واتعاظ،
وذلك هو جوهر فائدة خَلْق السمع والبصر.
الإشراك بنسبة الولد لله تعالى
﴿قَالُواْ أَتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدَّأْ سُبْحَنَةٍ هُوَ الْغَنِىّ لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى
اُلْأَرْضِّ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
٦٨
قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ﴿ مَتَعٌ فِ الذُّنْيَا ثُمَّ
إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ
٧٠
الإعراب:
(بِهَذَا﴾ متعلق بـ (سُلْطَانٍ﴾ أو نعت له، أو بـ ﴿عِندَكُمْ﴾، كأنه قيل:
إن عندكم في هذا سلطان.
﴿مَتَعٌ فِ الدُّنْيَا﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي افتراؤهم أو تقلبهم متاع في
الدنيا، أو مبتدأ خبره محذوف أي لهم متاع أو تمتع في الدنيا.
البلاغة:
﴿ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ استفهام يراد به التوبيخ والتقريع على
اختلافهم وجهلهم.
المفردات اللغوية:
﴿قَالُواْ﴾ أي اليهود والنصارى والمشركون الذين زعموا أن الملائكة بنات

٢٣٥
الُرُ (١١) - يُونتر): ١٠ / ٦٨-٧٠
الله ﴿أَتَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدَّأْ﴾ أي تبناه، والولد يستعمل مفرداً وجمعاً ﴿سُبْحَنَهُ﴾
رد الله عليهم بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ أي تنزيهاً وتقديساً له عن التبني، فإنه لا
يصح إلا ممن يتصور له الولد، والمراد التعجب من كلمتهم الحمقاء ﴿هُوَ
اٌلْغَنِىُّ﴾ عن كل أحد، وإنما يطلب الولد من يحتاج إليه، وهو علة لتنزيهه، فإن
اتخاذ الولد مسبب عن الحاجة.
﴿لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِ اُلْأَرْضِّ﴾ ملكاً وخلقاً وعبيداً، وهو تقرير لغناه
﴿إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهذَا﴾ أي ما عندكم من حجة وبرهان على هذا
الذي تقولونه ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ توبيخ وتقريع على قولهم.
﴿يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ اَلْكَذِبَ﴾ بنسبة الولد وإضافة الشريك إليه ﴿لَا
يُفْلِحُونَ﴾ لا يسعدون، فلا ينجون من النار، ولا يفوزون بالجنة ﴿مَتَعٌ﴾
أي لهم متاع قليل ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ يتمتعون به طوال حياتهم ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا
مَرْجِعُهُمْ﴾ بالموت فيلقون الشقاء المؤبد ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ﴾ بعد الموت ﴿بِمَا
كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾ بسبب كفرهم.
المناسبة:
بعد أن حكى الله تعالى أفعال المشركين باتخاذ الأوثان والأصنام شفعاء،
وردّ عليهم رداً مقنعاً، ذكر هنا نوعاً آخر من أباطيلهم وهو نسبة الولد إلى الله
تعالى، وهذا يشمل المشركين القائلين بأن الملائكة بنات الله، واليهود القائلين
بأن عزيراً ابن الله، والنصارى القائلين بأن المسيح عيسى ابن الله.
التفسير والبيان:
موضوع الآيات: الإنكار على المشركين واليهود والنصارى الذي ادعوا أن
الله تعالى ولداً.
والمعنى: وقال المشركون: الملائكة بنات الله، وقالت اليهود: عزير ابن
الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله.

٢٣٦
الجُزُعُ (١١) - يُوذَر): ٦٨/١٠ -٧٠
﴿سُبْحَنَةٌ﴾ تنزه وتقدس الله عن التبني، والمراد التعجب من كلامهم
الباطل، فإن التبني لا يصح إلا ممن يتصور له الولد، والله لا والد له ولا
ولد.
﴿ هُوَ اٌلْغَنِىُّ﴾ علة لتنزيهه، أي أن الله هو الغني بذاته عن كل ما سواه، وكل
شيء فقير إليه، ولا حاجة له للولد، وإن اتخاذ الولد ناشئ عن الحاجة.
﴿لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ﴾ فكيف يكون له ولد مما خلق؟ وكل شيء مملوك
له وعبد له، وهو خالق السماوات والأرضين وكل ما فيهما، لا يشبهه أحد
من خلقه، ولا يحتاج إلى أحد من خلقه، بل الكل محتاج إليه، وكل مافي
السماوات وما في الأرض له ملكاً وخلقاً وعبيداً، وتصريفاً، لا يشاركه في
ذلك أحد، فكيف بالموجد الخالق واهب الحياة وحوائجها يتخذ ولداً موجوداً
مخلوقاً موهوباً له، محتاجاً إليه في كل شيء مادي كالرزق ومعنوي كالإعانة
والنصرة والإعزاز؟ !.
ج
﴿إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ أي ليس عندكم دليل على ادعائكم وما
تقولونه من الكذب والبهتان.
﴿ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي أتقولون على الله قولاً لا حقيقة له،
وتنسبون إليه تعالى ما لا يصح عقلاً وواقعاً نسبته إليه. وهذا استفهام يراد به
التوبيخ والتقريع، أو الإنكار والوعيد الأكيد، والتهديد الشديد. قال
البيضاوي: وفي هذا دليل على أن كل قول لا دليل عليه فهو جهالة، وأن
العقائد لابد لها من دليل قاطع، وأن التقليد فيها غير سائغ.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ﴿ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذَّا
٨٩
تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَنَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَّخِرُ الْحِبَالُ هَذَّا (9) أَنْ
دَعَوْاْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًّا ﴿ وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا (49) إِن كُلُّ مَن فِى
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ عَانِىِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴿ لَقَدْ أَحْصَهُ وَعَدَّهُمْ عَدَّا (١٦) وَكُلُّهُمْ
﴾ [مريم: ٨٨/١٩-٩٥] .
(٩٥)
ءَاتِيِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا

٢٣٧
المُ (١١) - يُونِ): ٦٨/١٠-٧٠
ثم توعد الله تعالى الكاذبين عليه المفترين، ممن زعم أن له ولداً بأنهم لا
يفلحون، مما يدل على أن هذا المذهب افتراء على الله ونسبة لما لا يليق به
إليه: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ﴾ أي قل لهم أيها الرسول: إن الذين يختلقون
على الله الكذب بنسبة الشريك إليه، أو باتخاذ الولد، لا يفلحون ولا يفوزون
أبداً، في الدنيا ولا في الآخرة. أما في الدنيا فيستدرجهم ويمتعهم قليلاً، وأما
في الآخرة فيضطرهم إلى عذاب غليظ شديد، كما قال تعالى: ﴿مَتَثٌ فِي
الذُّنْيَا﴾ أي لهم تمتع في الدنيا قليل لمدة قصيرة ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ ثم بعد
الموت يرجعون إلى ربهم بالبعث يوم القيامة، وما فيه من أهوال الحشر
والحساب ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوْ يَكْفُرُونَ﴾ أي ثم يلقون
الشقاء المؤبد ويعذبون في نار جهنم العذاب الموجع المؤلم الغليظ أي الشديد،
بسبب كفرهم وافترائهم وكذبهم على الله، فيما ادعوه من الإفك والزور.
وفي هذا دلالة واضحة على الخسارة المحققة للكافرين، فإن ما يتوهمون أنه
نجاح في الدنيا بالحصول على المنافع المادية والمعنوية، لا قيمة له أصلاً في مقابلة
ما فاتهم في الآخرة من ثواب عظيم ونعيم مقيم في جنان الخلد، فإن الدنيا لا
تساوي عند الله جناح بعوضة.
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات أمرين: الأول - بطلان القول بنسبة الولد لله تعالى بالأدلة
القاهرة، وبانعدام الدليل على صحة هذا القول. والثاني - ظهور أن هذا
المذهب افتراء على الله ونسبة لما لا يليق به إليه.
أما أدلة بطلان القول بنسبة الولد لله تعالى فهي كما ذكرت الآية الأولى
خمسة :
اً - سبحانه: وهو تنزيه وتقديس الله تعالى عن الصاحبة والأولاد وعن

٢٣٨
الُرُ (١١) - يُونَ): ١٠/ ٦٨ -٧٠
الشركاء والأنداد، وتعجب شديد من هذه الكلمة الحمقاء؛ لأنه تعالى ليس
محتاجاً إلى غيره، وإنما هو مصدر قضاء الحوائج.
أَ - هو الغني: الله هو الغني غنى مطلقاً عن كل ما سواه، وكل شيء فقير
إليه.
وكل من كان غنياً امتنع أن يكون له أب وأم، ومن تقدس عن الوالدين
تقدس عن الأولاد. وامتنع أن ينفصل عنه جزء من أجزائه، والولد عبارة عن
انفصال جزء من أجزاء الإنسان. وامتنع أن يكون موصوفاً بالشهوة واللذة،
فلا صاحبة له ولا ولد. وامتنع من اتخاذ الولد، لعدم احتياجه إلى إعانته على
المصالح الحاصلة والمتوقعة.
وكل من كان غنياً كان قديماً أزلياً باقياً سرمدياً، فلا يطرأ عليه الانقراض
والانقضاء، والولد إنما يحصل للشيء الذي ينقضي وينقرض.
وكل من كان غنياً مطلقاً كان واجب الوجود لذاته، فلو كان له ولد، لكان
ولده مساوياً له، أي يصبح واجب الوجود أيضاً، وإذا اتصف بهذه الصفة
امتنع تولده من غيره، وإذا لم يكن متولداً من غيره لم يكن ولداً.
فثبت أن كونه تعالى غنياً من أقوى الدلائل على أنه تعالى لا ولد له (١).
٣ - له ما في السماوات والأرض ملكاً وخَلْقاً وعبيداً، فكيف يكون له
ولد مما خلق، وكل شيء مملوك له، عبد له؟ !.
٤ - إن عندكم من سلطان بهذا، أي ليس عندكم من حجة ولا دليل على
صحة قولكم، والدعوى العارية من الدليل باطلة بطلاناً مطلقاً.
(١) تفسير الرازي: ١٣٢/١٧ وما بعدها.

٢٣٩
الُ (١١) - يُوزير): ٦٨/١٠ -٧٠
٥ - أتقولون على الله مالا تعلمون؟ من إثبات الولد له، والولد يقتضي
المجانسة والمشابهة، والله تعالى لا يجانس شيئاً، ولا يشابه شيئاً. وهذا بالإضافة
إلى كونه تأكيداً لما سبق إنكار شديد ووعيد أكيد وتقريع وتوبيخ على من تجرأ
بنسبة الولد إلى الله تعالى.
وأما ظهور كون هذا المذهب افتراء وكذباً على الله، فواضح مترتب على
بطلان الادعاء بثبوت الولد لله تعالى.
وقد دل قوله تعالى: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ على أن إثبات
العقيدة لا سيما فيما يتعلق بإثبات الله الصانع يتطلب دليلاً قطعياً يقيناً، ولا
يقبل فيه التقليد والوراثة ومحاكاة عقائد المسلمين المؤمنين بحق. ودل قوله ﴿لا
يُفْلِحُونَ﴾ على إفلاس الكافر وخسارته المحققة يوم القيامة وعدم نجاته من
العذاب.
كذلك دل قوله تعالى: ﴿مَتَعٌ فِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ الآية على أن
التمتع في الدنيا قليل وحقير جداً بالنسبة لنعيم الآخرة، وأن مرجع جميع
الخلائق إلى الله تعالى، وأن الكفار والمشركين معذبون عذاباً شديداً بسبب
کفرهم.

٢٤٠
الُرَ﴾ (١١) - يُونَ): ١٠ / ٧١-٧٣
قصة نوح عليه السلام مع قومه
وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوجِ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِى
وَتَذْكِيرِى ◌َِايَتِ اَللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَ كُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ
ـ فَإِن تَوَلَيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمُ مِنْ
أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ أَقْضُوْاْ إِلَىَ وَلَا نُظِرُونِ
فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَهُ
٢/
أَجْرٍّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
وَمَن مَّعَهُ فِى الْفُلْكِ وَجَعَلْنَهُمْ خَلَتَبِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَئِنَا فَأَنْظُرْ كَيْفَ
٧٣
كَانَ عَقِبَةُ الْنُذَرِينَ
القراءات:
﴿إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا﴾: قرئ:
١- (إن أجريَ إلا) وهي قراءة نافع، وأبي عمرو، وابن عامر، وحفص.
٢- (إن أجريْ إلا) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿إِذْ قَالَ﴾ بدل مما قبله.
﴿وَشُرَّكَاءَكُمْ﴾ منصوب لوجهين: أحدهما - لأنه مفعول معه، أي، فأجمعوا
أمركم مع شركائكم. والثاني - بتقدير فعل، أي فأجمعوا أمركم واجمعوا
شركاءكم. وقيل: التقدير: وادعوا شركاءكم. والنصب على تقدير الفعل مثل
قول الشاعر:
إذا ما الغانيات برزن يوماً وزجَّجن الحواجب والعيونا
وتقديره: وكحلن العيون؛ لأن العيون لا تزجج.