النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١
الُ (١١) - التَّوَّتِيَ: ٩/ ١٢٢
وأخرج ابن أبي حاتم أيضاً عن عبد الله بن عبيد الله بن عمير قال: كان
المؤمنون، لحرصهم على الجهاد، إذا بعث رسول الله وَ 38 سرية، خرجوا فيها،
وتركوا النبي ◌َّ بالمدينة في رقة من الناس، فنزلت.
قال ابن عباس: لما شدّد الله على المتخلفين قالوا: لا يتخلف منا أحد عن
جيش أو سرية أبداً، ففعلوا ذلك، وبقي رسول الله وَلله وحده، فنزل: ﴿وَمَا
كَانَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الآية.
وقال ابن عباس أيضاً: فهذه مخصوصة بالسرايا، والتي قبلها بالنهي عن
تخلف واحد، فيما إذا خرج النبي گۆ.
المناسبة:
هذه الآية من بقية أحكام الجهاد، فهي لا توجب على جميع المؤمنين الجهاد
إذا لم يخرج النبي ◌َّ إليه، وإنما أرسل سرية. وحينئذ يجب على المؤمنين طلب
العلم والتفقه في الدين؛ لأن الجهاد يعتمد على العلم، ولأن نشر الإسلام في
الأصل يتوقف على البيان بالحجة والبرهان.
التفسير والبيان:
هذا بيان لمراده تعالى من نفير الأحياء كلهم، فتكون فئة منهم للتفقه وفئة
أخرى للجهاد، فإنه فرض كفاية على الناس، كما أن طلب العلم فرض كفاية
أيضاً.
فما كان من شأن المؤمنين أن ينفروا جميعاً، ويتركوا النبي ◌َّهو وحده، فإن
الجهاد فرض كفاية، متى قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، لا فرض عين
على كل مسلم بالغ عاقل، وإنما يصبح فرض عين إذا خرج الرسول للجهاد
واستنفر الناس إليه.
٨٢
المُ (١١) - التَّوَّتِير: ٩/ ١٢٢
فهلا نفر في أثناء النهوض للقتال من كل جماعة كالقبيلة أو البلد طائفة قليلة
منهم للتفقه في الدين، ومعرفة أحكام الشريعة وأسرارها، حتى إذا ما رجع
المجاهدون من المعركة أنذروهم من الأعداء وحذروهم من غضب الله
وعرفوهم أحكام الدين، لكي يخافوا الله، ويحذروا عاقبة عصيانه، ومخالفة
أمره.
والضمير في ﴿لِيَنَفَقَّهُواْ﴾ و﴿ وَلِيُنْدِرُواْ﴾ للمقيمين مع النبي ◌ٍَّ. وضمير
﴿إِذَا رَجَعُوْاْ إِلَيْهِمْ﴾ أي المجاهدون من الجهاد.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على الأحكام التالية :
اَ - الجهاد فرض كفاية، وليس فرض عين، إذ لو نفر الكل لتعطلت
مصالح الأمة، وتضررت الأسر والأولاد، فليخرج فريق من المسلمين
للجهاد، وليُقِمْ فريق يتفقهون في الدين، ويحفظون الحريم، ويصونون مصلحة
البلاد.
حتى إذا عاد النافرون أعلمهم المقيمون ما تعلموه من أحكام الشرع. وهذه
الآية مبينة لقوله تعالى: ﴿إِلَّا نَفِرُواْ﴾ وللآية التي قبلها: ﴿أَنِفِرُواْ﴾. وقال
مجاهد وابن زيد: ناسخة، والأصح القول بأنها مبينة لا ناسخة. وكل من
﴿مِنَ﴾ المفيدة للتبعيض، والفرقة (الجماعة الكثيرة) والطائفة (الجماعة
الأقل) يفيد كون الجهاد وطلب العلم موجهاً للبعض.
أَ - وجوب طلب العلم، والتفقه في القرآن والسنة، وهو فرض على
الكفاية لا على الأعيان؛ بدليل قوله تعالى: ﴿فَسَتَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا
تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣/١٦]. وآية ﴿لِيَنَفَقَّهُواْ فِىِ الدِّينِ﴾ وإن اقتضت فقط
الحث على طلب العلم والندب إليه دون الوجوب والإلزام، فقد لزم طلب
٨٣
الُ (١١) - التَّوَية: ٩/ ١٢٢
العلم بأدلة أخرى، مثل حديث: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم)) رواه
ابن عدي والبيهقي عن أنس، ورواه آخرون.
والطائفة وإن أطلقت على الاثنين والواحد في اللغة، فلا شك أن المراد بها
هنا جماعة؛ لقوله تعالى: ﴿لِّيَنَفَقَّهُواْ فِىِ الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ﴾ فجاء بضمير
الجماعة، ولأن العلم لا يتحصل بواحد في الغالب.
ومما يدل على أن الواحد يقال له طائفة قوله: ﴿وَإِن طَائِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
أَقْنَسَلُواْ﴾ [الحجرات: ٩/٤٩] يعني نَفْسين، بدليل قوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ
أَخَوَيَّكُمْ﴾ فجاء بلفظ التثنية. وأما ضمير ﴿اقْنَتَلُواْ﴾ وإن كان ضمير جماعة،
فأقل الجماعة اثنان، في أحد القولين للعلماء.
٣ - يجب أن يكون المقصود من التفقه والتعلم دعوة الخلق إلى الحق،
وإرشادهم إلى الدين القويم والصراط المستقيم؛ لأن الآية أمرت بإنذارهم إلى
الدين الحق، وعليهم أن يحذروا الجهل والمعصية، ويرغبوا في قبول الدين.
فغرض المعلم الإرشاد والإنذار، وغرض المتعلم اكتساب الخشية. هذا ..
وطلب العلم ينقسم قسمين: فرض على الأعيان؛ كالصلاة والزكاة والصيام،
وفرض على الكفاية؛ كتحصيل الحقوق وإقامة الحدود والفصل بين الخصوم
ونحوه.
وطلب العلم فضيلة عظيمة، ومرتبة شريفة لا يوازيها عمل، لما رواه
مسلم: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) وروى الترمذي عن أبي الدرداء
قال: سمعت رسول الله وَ ل18 يقول: ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله
به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم، وإن العالم
ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإن
فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن
العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً، إنما ورَّثوا
العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر)).
٨٤
الجُ (١١) - التَوَتّية: ٩/ ١٢٣
٤ - خبر الواحد حجة؛ لأن الطائفة مأمورة بالإنذار أو الإخبار، وهو
يقتضي فعل المأمور به، ولأنه سبحانه أمر القوم بالحذر عند الإنذار، والمراد:
ليحذروا.
السياسة الحربية في قتال الكفار
﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَائِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلَيَجِدُواْ فِيَكُمْ
٢٣
غِلْظَةٌ وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ
المفردات اللغوية:
ج
﴿ يَلُونَكُمْ﴾ يجاورونكم الأقرب فالأقرب ﴿غِلْظَةً﴾ شدة وخشونة، أي
اغلظوا عليهم ﴿مَعَ الْمُنَّقِينَ﴾ بالعون والنصر.
المناسبة:
لما أمر الله سبحانه المؤمنين بقتال المشركين كافة، كما يقاتلونهم كافة،
أرشدهم في هذه الآية إلى الطريق الأصوب الأصلح، وهو أن يبتدئوا من
الأقرب فالأقرب، ثم ينتقلوا إلى الأبعد فالأبعد. وقد فعل النبي ◌َّ- وصحابته
بهذه الخطة، فقد قاتل قومه في مكة، ثم قاتل سائر العرب، ثم انتقل إلى قتال
الروم في الشام، ثم دخل صحابته العراق.
وهكذا سار خط الدعوة الإسلامية على هذا الترتيب، فقال تعالى: ﴿وَأَنذِرُ
[الشعراء: ٢١٤/٢٦] ثم اتسع نطاقها إلى الجزيرة
١٤
عَشِيرَتَكَ الْأَفْرِنَ
العربية، فقال تعالى: ﴿وَلِنُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الأنعام: ٩٢/٦] وقال عز
وجل: ﴿سَنُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِى بَأْسِ شَدِيدٍ نُقِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦/٤٨]
ثم انتشرت خارج الجزيرة بين أهل الكتاب فقال سبحانه: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩/٩] وقال تعالى: ﴿وَأُوْحِىَ إِلَّ هَذَا
٨٥
الُ (١١) - التَّوَثيرَ: ٩/ ١٢٣
اُلْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَّكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩/٦] أي لأنذر العرب ومن يبلغه القرآن
في كل زمان ومكان.
فالسياسة الإسلامية تسير على منهج دعوة الأقرب فالأقرب سلماً، وقتال
الأقرب فالأقرب إذا توافرت دواعي القتال.
التفسير والبيان:
يا أيها المؤمنون قاتلوا الأقرب منهم فالأقرب إلى ديار الإسلام، فإن
الأقرب أحق بالشفقة والإصلاح، ولأن تكوين الأتباع المؤمنين من الجوار
بالدعوة الإسلامية أفيد وأحصن وأجدى، وفيه حماية الديار والوطن، ولأن
هذا الترتيب يحقق قلة النفقات، والاقتصاد في نقل الآلات وانتقال المجاهدين
بأمان، حتى لا يطعنوا من الخلف.
وهذا بالطبع يشمل أولاً اليهود حوالي المدينة كقريظة والنضير وخيبر، ثم
المشركين في جزيرة العرب، ثم أهل الكتاب وهم الروم في الشام شمال المدينة.
وسياسة القتال أن يجدوا في المؤمنين المقاتلين غلظة أي شدة وخشونة،
وقوة وحميَّة، وصبراً على القتال، وجرأة على خوض المعارك والفتك والأسر
ونحو ذلك، وهذه طبيعة الحرب ومصلحة القتال، ونظير الآية قوله تعالى:
﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣/٩] .
واعلموا أن الله مع المتقين أي بالنصر والحراسة والإعانة، والمتقون: هم
المتبعون أوامر الله، المجتنبون نواهيه. فهذه المعية ملازمة للتقوى، فالله معكم
إذا التزمتم أحكام شرعه ومن أهمها إقامة الفرائض والسنن، والثبات والصبر
والطاعة والنظام، وابتعدتم عن اختراق حدوده والتقصير في إعداد العدة
المناسبة لكل عصر وزمان ومكان، كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُم
◌ِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠/٨].
٨٦
الُ (١١) - التَّوَّةِ: ١٢٣/٩
وإذا أريد بالمتقين المخاطبون، ففيه إظهار بدل الإضمار للدلالة على أن
الإيمان والقتال من باب التقوى، والشهادة بكونهم من زمرة المتقين. وإذا أريد
بالمتقين الجنس دخل المخاطبون دخولاً أولياً، والكلام تعليل وتوكيد لما قبله،
أي قاتلوهم واغلظوا عليهم ولا تخافوهم؛ لأن الله معكم أو لأنكم متقون.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآية إلى ما يلي:
اً - التعريف بكيفية الجهاد، وكون الابتداء به بالأقرب فالأقرب من
العدو، ولهذا بدأ رسول الله وَ لقوله بالعرب، ثم قصد الروم بالشام. وروي عن
الحسن البصري أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَأَقْنُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
وَجَدْ تُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥/٩]. والأصح أنها غير منسوخة؛ لأنها للإرشاد ورسم
خطة الحرب في قتال الكفار. قال قتادة: الآية على العموم في قتال الأقرب
فالأقرب، والأدنى فالأدنى(١).
أَ - أمر المؤمنين بالاتصاف بالغلظة على الكفار، حتى يجدهم الكفار
متصفين بذلك. وهذا لا شك في أثناء القتال، أما قبل بدء المعركة فشأن
المسلمين هو الرفق واللين والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، فإن
وجدوا تنمراً وتجهماً من الأعداء، عوملوا بما يناسب من العنف والشدة؛
فالفائدة في الشدة في هذه المواطن أقوى تأثيراً في الزجر والمنع عن القبيح
والشر، وقد يحتاج الأمر إلى الرفق واللطف. فالأمر بالعنف ليس مطرداً، وإنما
يعمل بما هو الأوفق ولو في أثناء المعركة.
◌َّ - إن الله نصير المتقين في السلم والحرب، والواجب أن يكون الهدف من
القتال تقوى الله، لا طلب المال والجاه.
(١) تفسير القرطبي: ٢٩٧/٨، تفسير الرازي: ٢٨٨/١٦
٨٧
لِلُعُ (١١) - التَّوَتّية: ٩/ ١٢٤-١٢٧
موقف المنافقين من سور القرآن
﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِةٍ إِيمَنَّأَ فَأَمَّا
اَلَّذِينَ ءَامَنُوْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم
مَّرَضُ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَفِرُونَ ﴿٢) أَوَلَا يَرَوْنَ
أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلِّ عَامٍ مََّّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ
يَذَّكَّرُونَ ﴿ وَإِذَا مَآ أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَنَكُمْ
مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ أَنصَرَفُواْ صَرَفَ اَللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ
١٢٧
القراءات:
﴿أَوَّلَا يَرَوْنَ﴾:
وقرأ حمزة (أولا ترون).
الإعراب:
﴿وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ جملة حالية.
البلاغة:
﴿فَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ أي كفراً مضموماً إلى الكفر بغيرها. ولما
ازداد المنافقون عند نزول السورة عمىّ، أضيف ذلك إلى السورة على طريق
الاستعارة.
﴿ أَوَلَا يَرَوْنَ﴾ هذه ألف استفهام، دخلت على واو العطف، وهو خطاب
على سبيل التنبيه.
المفردات اللغوية:
﴿سُورَةٌ﴾ من القرآن ﴿فَمِنْهُم﴾ من المنافقين ﴿مَّن يَقُولُ﴾ لأصحابه
٨٨
لُ (١١) - التَوتين: ٩ / ١٢٤-١٢٧
استهزاء ﴿إِيمَنَّا﴾ تصديقاً ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يفرحون بها وبنزولها ﴿مَّرَضٌ﴾
شك وضعف اعتقاد وكفر ونفاق ﴿رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ كفراً ونفاقاً إلى
كفرهم ﴿وَمَاتُواْ وَهُمْ كَفِرُونَ﴾ واستحكم ذلك فيهم حتى ماتوا على الكفر.
﴿أَوَلَا يَرَوْنَ﴾ أي المنافقون يا أيها المؤمنون ﴿يُفْتَنُونَ﴾ يبتلون بأصناف
البلاء، أو بالجهاد مع رسول الله قالے، فیعاینون ما يظهر عليه من الآيات ﴿فِی
كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ أي أنهم يتعرضون للعذاب في الدنيا في كل
عام مرة أو مرتين، وقال مقاتل: يفضحون بإظهار نفاقهم كل سنة مرة أو
مرتين ﴿ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ﴾ من نفاقهم ﴿وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ يتعظون. ﴿وَإِذَا مَآ
أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ فيها ذكرهم وقرأها النبيِ نَّهِ ﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾
تغامزوا بالعيون إنكاراً لها وسخرية، أو غيظاً، لما فيها من عيوبهم ﴿هَلْ
يَرَنَكُم مِّنْ أَحَدٍ﴾ أي أنهم يريدون الهرب، ويقولون: هل يراكم أحد إن
قمتم من حضرة الرسولِ وَسليه، فإن لم يرهم أحد قاموا، وإن رآهم أحد أقاموا
وتثبتوا ﴿ثُمَّ اُنصَرَفُواْ﴾ على كفرهم ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ عن الهدى
والإيمان، وهو يحتمل الإخبار، والدعاء ﴿يِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنهم ﴿قَوْمٌ لَّا
يَفْقَهُونَ﴾ الحق، لسوء فهمهم وعدم تدبرهم.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى أنواعاً من مخازي المنافقين وأعمالهم القبيحة،
كتخلفهم عن غزوة تبوك، وتعللهم بالأيمان الفاجرة، ذكر هنا أنواعاً أخرى
أخطر مما سبق، وهي استهزاؤهم بالقرآن وتهربهم حين سماعه؛ لأنه كلما
نزلت سورة مشتملة على تبيان فضائحهم وعيوبهم تأذوا من سماعها، وكذلك
كلما سمعوا سورة وإن لم يذكر فيها شيء عنهم، استهزؤوا بها وطعنوا فيها،
وأخذوا في التغامز والتضاحك على سبيل الطعن والهزء.
التفسير والبيان:
إذا ما أنزلت سورة من سور القرآن وبلغت المنافقين، فمنهم من يقول
٨٩
لُُ (١١) - التَّوَّة: ٩ / ١٢٤-١٢٧
لإخوانه أي يقول بعضهم لبعض: أيكم زادته هذه السورة إيماناً؟ أي تصديقاً
بأن القرآن من عند الله، وأن محمداً صادق في نبوته.
ومن المعروف أن الإيمان الصحيح: وهو التصديق الجازم المقترن بإذعان
النفس، يزيد بنزول القرآن، ويتضاعف بسماعه سماع تدبر وإمعان، مما يدفع
إلى العمل بما نزل فيه. وفي هذا دلالة واضحة على أن الإيمان يزيد وينقص،
كما هو مذهب الأكثرين.
فأجابهم الله تعالى عن حقيقة أثر القرآن: فأما المؤمنون فيزيدهم نزول
القرآن يقيناً وتصديقاً وقوة دافعة إلى العمل به، وهم أي وحالهم أنهم يفرحون
بنزول السورة؛ لأنها تزكي أنفسهم، وترشدهم إلى سعادتهم في الدنيا
والآخرة. قال الزمخشري في ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَنًا﴾: لأنها أزيد لليقين والثبات
وأثلج الصدر، أو فزادتهم عملاً، فإن زيادة العمل زيادة في الإيمان؛ لأن
الإيمان يقع على الاعتقاد والعمل.
والذين في نفوسهم شك وكفر ونفاق، فتزيدهم السورة كفراً ونفاقاً
مضموماً إلى كفرهم ونفاقهم السابق، ويستحكم ذلك فيهم إلى أن يموتوا وهم
كافرون بالقرآن وبالنبي ◌َّ. وهذا مناقض للهدف من إنزال السورة، فهي في
الحقيقة هدى ونور، وشفاء لما في الصدور، وجلاء لما في القلوب، كما قال
تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينُّ وَلَا يَزِيدُ الَّلِينَ إِلَّا
[الإسراء: ٨٢/١٧] وقال عز وجل: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ
خَسَارًا
هُدِّى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَّى
أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤/٤١] فهذا من جملة شقائهم أن
ما يهدي القلوب يكون سبباً لضلالهم ودمارهم، كما أن سيّئ المزاج لا يفيده
الغذاء إلا تأخراً ونقصاً.
وبعد أن بيّن الله تعالى أن المنافقين يموتون كفاراً، أوضح أنهم يتعرضون
٩٠
الُ (١١) - التَّوَّة: ٩ /١٢٤-١٢٧
أيضاً لعذاب الدنيا كل عام مرة أو مرتين، فقال: أو لا يرى هؤلاء المنافقون
أنهم يختبرون كل عام مرة أو مرتين بأنواع الاختبار العديدة من جهاد وقحط
ومرض وهي التي تذكّر الإنسان بالله، وتجعله ميالاً إلى الإيمان وترك الكفر
والتمييز بين الحق والباطل.
ثم إنهم مع توالي الاختبارات لا يتوبون من ذنوبهم السابقة، ولا يتعظون
فيما يستقبل من أحوالهم، مما يجعلهم غير مستعدين لقبول الإيمان.
وإذا أنزلت سورة قرآنية على النبي بَّر، وهم جلوس عنده، تلفتوا
وتغامزوا بالعيون وتهكموا لفساد قلوبهم، وعزموا على الهروب، قائلين: هل
يراكم الرسول والر أو المؤمنون إذا خرجتم؟
ثم انصرفوا جميعاً عن مجلس النبي وَ﴾ أي تولوا عن الحق، فهذا حالهم في
الدنيا لا يثبتون عند الحق ولا يقبلونه ولا يفهمونه، كقوله تعالى: ﴿فَمَا لَمْ عَنِ
التَّذِكِرَةِ مُعْرِضِينَ
[المدثر:
فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةِ
كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنِفِرَةٌ
٤٩
٤٩/٧٤-٥١] وقوله: ﴿فَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ ﴿ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ
٣٧
[المعارج: ٣٦/٧٠-٣٧] أي مالهؤلاء القوم يخرجون مسرعين، هروباً من
الحق، وذهاباً إلى الباطل.
صرف الله قلوبهم عن الحق والإيمان وعن الخير والنور. وهذا إما دعاء
عليهم به أو إخبار عن أحوالهم.
ذلك الصرف بسبب أنهم قوم لا يفهمون الآيات التي يسمعونها، ولا
يريدون فهمها، ولا يتدبرون فيها حتى يفقهوا، بل هم في شغل عن الفهم
ونفور منه، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥/٦١].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على مايلي:
٩١
٠
الُُ (١١) - التَوَتية: ٩ / ١٢٤-١٢٧
اً - الإيمان يزيد وينقص، وهو مذهب أكثر السلف والخلف، فالمؤمنون
يزدادون إيماناً بما يتجدد نزوله من القرآن، ويفرحون به، لتزكية نفوسهم،
وتحقیق سعادتهم.
اً - الكفر يتراكم بعضه فوق بعض، وينضم بعضه إلى بعض؛ لأنهم كلما
جددوا بتجديد الله الوحي كفراً ونفاقاً، ازداد كفرهم واستحكم، وتضاعف
عقابهم.
٢ - المنافقون المستهزئون بالقرآن يموتون على كفرهم إن لم يتوبوا، مما يدل
على مداومة الكفر.
٤ - وسائل تذكير المنافقين بالإيمان والحق كثيرة متكررة، فتتوالى عليهم
اختبارات عديدة كالأمراض والأوجاع، والشدّة والقحط، والجهاد مع النبي
* كل عام مرة أو مرتين، ويرون ما وعد الله من النصر والتأييد.
ة - ومن الوسائل الداعية لإيمان المنافقين أيضاً ما ينزل به القرآن كاشفاً
أسرارهم، معلماً بمغيبات أمورهم، ومع ذلك ينصرفون عن تلك الحال التي
هي مظِنّة النظر الصحيح والاهتداء، ولا يسمعون القرآن سماع تدبر وتعقل
﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَآتِ عِندَ اللَّهِ اُلُمُ الْبُّكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ
ونظر في آیاته :
٢٤
[الأنفال: ٢٢/٨]. ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَُّونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا
٢٣
[محمد: ٤٧ /٢٤] .
وقوله: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِةٍ إِيمَنَا﴾ قول صادر على سبيل الاستهزاء،
وقوله ﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ اكتفاء بنظر بعضهم إلى بعض على سبيل
الهزء، وطلب الفرار.
أَ - إن الله تعالى صرفهم عن الإيمان وصدهم عنه في مذهب أهل السنة،
الصرف نفوسهم عنه؛ لقوله: ﴿صَرَفَ اَللَّهُ قُلُوبَهُم﴾ وهو إما دعاء عليهم أي
٩٢
الجُرُ (١١) - التَّوَتَية: ١٢٨/٩-١٢٩
قولوا لهم هذا، وإما خبر عن صرفها عن الخير والرشد والهدى، مجازاةً على
فعلهم.
وهذا رد على القدرية في اعتقادهم أن قلوب الخلق بأيديهم، وجوارحهم
بحكمهم، يتصرفون بمشيئتهم، ويحكمون بإرادتهم واختيارهم.
ذات الصلة بأمته
صي الله
وسام
صفات الرسول
﴿ لَقَدْ جَءَكُمْ رَسُوكُ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنْتُمْ حَرِيصُ
عَلَيْكُمْ بِلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ لَا إِلَهَ
إِلَّا هُوَّ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتٌّ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
١٢٩
القراءات:
﴿رَءُوفُ﴾: قرئ:
١- (رَؤُف) وهي قراءة أبي عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (رؤوف) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿مَا عَنِثُمْ﴾ ﴿مَا﴾: مصدرية، وهي مع ﴿عَنْتُمْ﴾ في تأويل المصدر،
وتقديره: عزيز عليه عنتكم. وهو إما مرفوع بعزيز؛ لأنه وقع صفة لرسول،
وإما مبتدأ، و﴿عَزِيزٌ﴾ خبره، والجملة من المبتدأ والخبر في موضع رفع؛ لأنها
صفة ﴿رَسُولٌ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ أي منكم ومن جنسكم، وهو محمد وَِّ ﴿عَزِيزٌ﴾ شديد
٩٣
الُرُ (١١) - التَّوَتية: ١٢٨/٩-١٢٩
أو شاق ﴿مَا عَنْتُمْ﴾ أي عنتكم أي مشقتكم ولقاؤكم المكروه ﴿حَرِيصُ
عَلَيْكُم﴾ أن تهتدوا والحرص: شدة الرغبة في الحصول على الشيء
﴿رَءُوفٌ﴾ شفوق، والرأفة أخص من الرحمة، وتكون مع الضعف والشفقة
والرقة ﴿رَّحِيمٌ﴾ يريد لكم الخير، والرحمة عامة شاملة حال الضعف وغيره
﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ عن الإيمان بك ﴿فَقُلْ حَسْبِىَ﴾ كافي ﴿تَوَكَّلْتٌ﴾ وثقت به
لا بغيره ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ﴾ الكرسي ﴿اَلْعَظِيمِ﴾ خص العرش بالذكر؛ لأنه
أعظم المخلوقات.
المناسبة:
لما أمر الله رسوله 18 أن يبلغ في هذه السورة تكاليف شاقة شديدة صعبة
يعسر تحملها إلا من خصه الله بالتوفيق، ختمها بما يوجب سهولة تحملهم
تلك التكاليف، وهو أن هذا الرسول ﴿ منكم، فكل ما يحققه من عز وشرف
فهو عائد إليكم، وهو بحال يشق عليه ضرركم، وتعظم رغبته في إيصال خير
الدنيا والآخرة إليكم، فهو كالطبيب الحاذق إذا أقدم على علاجات صعبة،
فإنما يريد الخير، فاقبلوا منه هذه التكاليف الشاقة لتفوزوا بكل خير.
وكذلك لما بدأ السورة ببراءة الله ورسوله من المشركين، وقص فيها أحوال
المنافقين شيئاً فشيئاً، خاطب العرب على سبيل تعداد النعم عليهم والمن عليهم
بكونه جاءهم رسول من جنسهم أو من نسبهم عربي قرشي يبلغهم عن الله،
متصف بالأوصاف الجميلة من كونه يعز عليه مشقتهم بالوقوع في العذاب
الأخروي، ويحرص على هداهم ويرأف بهم ويرحمهم (١).
روى الحاكم في المستدرك عن أبي بن كعب قال: آخر آية نزلت: ﴿لَقَدْ
جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ إلى آخر السورة. وروى الشيخان عن البراء بن عازب
(١) البحر المحيط: ١١٧/٥
٠٠٠
٩٤
الْجُ (١١) - التَوَتي: ١٢٨/٩-١٢٩
قال: آخر آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِ اُلْكَلَلَةِ﴾ وآخر سورة
نزلت: ﴿بَرَآءَةٌ﴾. وعن ابن عباس: آخر آية نزلت: ﴿وَأَثَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ
فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ وكان بين نزولها وموته وَلَه ثمانون يوماً. وهذا قول سعيد بن جبير
أيضاً.
التفسير والبيان:
امتن الله تعالى على المؤمنين بما أرسل إليهم رسولاً من أنفسهم، أي من
جنسهم وعلى لغتهم. لقد جاءكم أيها العرب رسول من جنسكم وبلغتكم،
كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِ الْأُمِّعِنَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢/٦٢] وقال.
أيضاً: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران:
١٦٤/٣] .
وصف الله هذا الرسول بخمس صفات:
الأولى - قوله: ﴿مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ أي من العرب، والمقصود منه ترغيب
العرب في نصرته. قال ابن عباس: إنه ليس من العرب قبيلة إلا وقد ولدت
النبي ◌ُّ مضرتها وربيعيها وبمانيها، أي أن نسبه تشعب في جميع قبائل العرب.
الثانية - ﴿عَزِيزُ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ﴾ أي شديد عليه عنتكم أي مشقتكم
ولقاؤكم المكروه في الدنيا والآخرة؛ إذ هو منكم، يتألم لألمكم ويفرح
لفرحکم.
الثالثة - ﴿حَرِيصُ عَلَيْكُم﴾ أي حريص على هدايتكم وإيصال
الخيرات إليكم في الدنيا والآخرة.
الرابعة والخامسة - ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أي شديد الرأفة والرحمة
بالمؤمنين. قال ابن عباس رضي الله عنهما: سماه الله تعالى باسمين من أسمائه.
٩٥
لُ (١١) - التَّوَتّية: ١٢٨/٩-١٢٩
فإن تولوا أي أعرض المشركون والمنافقون عنك وعن الإيمان برسالتك
والاهتداء بشرعك، فقل: حسبي الله، أي الله كافي في النصر على الأعداء.
لا إله إلا هو، أي لا معبود سواه أدعوه وأخضع له، عليه توكلت أي
فوضت أمري إليه وحده، فلا أتوكل إلا عليه.
وهو رب العرش العظيم، والعرش: سقف المخلوقات كلها في السماوات
والأرض وما بينهما، وخص العرش؛ لأنه أعظم المخلوقات، فيدخل فيه ما
دونه إذا ذكر، إذ عليه تدبير أمور الخلق، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى
اَلْعَرْشِ يُدَبِرُ الْأَمْرَ﴾ [يونس: ٣/١٠].
روى أبو داود عن أبي الدرداء قال: من قال إذا أصبح وإذا أمسى: ((حسبي
الله، لا إله إلا هو، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم، سبع مرات،
كفاه الله ما أهمه، صادقاً كان بها أو كاذباً)).
وحكى النقاش عن أبي بن كعب أنه قال: أقرب القرآن عهداً بالله تعالى
هاتان الآيتان: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ إلى آخر السورة.
وقد اتفق الصحابة حين جمع القرآن على وضع هاتين الآيتين في آخر سورة
﴿بَرَآءَةٌ﴾ روى أحمد والبخاري والترمذي وغيرهم عن زيد بن ثابت في جمع
القرآن وكتابته في عهد أبي بكر أنه قال: حتى وجدت من سورة التوبة آيتين
عند خُزَيمة الأنصاري، لم أجدهما مع أحد غيره: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ
مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ إلى آخرها. أي لم يجدهما مكتوبتين عند غيره، وإن كانتا
محفوظتین عنده وعند غيره، کما ذکر ابن حجر.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر أن رجلاً من الأنصار جاء بهما عمر، فقال:
لا أسألك عليها بيِّنة أبداً، كذلك كان رسول الله و ل يقرؤها.
٩٦
الجُزءُ (١١) - التَوَتِير: ١٢٨/٩-١٢٩
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على أمرین:
أَ - اتصاف النبي ◌َل بصفات خمس تستدعي من العرب الاستجابة
لدعوته، وتحمّل أعباء رسالته، والقيام بالتكاليف التي أمر بها؛ لأنه منهم
وفیهم، وحریص على اهتدائهم، ورؤوف رحيم بهم.
٢ - إن أعرض الناس عن دعوة النبي فهو يستنصر بالله المعين الكافي
ويكتفي باللجوء إليه في الدعاء والعبادة والإعانة، والخضوع والتذلل؛ لأن
الله رب العرش العظيم، والناس مقهورون تحت العرش بقدرة الله تعالى،
وعلمه محيط بكل شيء، وقدره نافذ في كل شيء، وهو على كل شيء وكيل.
٩٧
الُ (١١) السورة (١٠) يُونَِّ)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
سُؤْرَةُ يُونِسَ
مكية وهي مئة وتسع آيات
تسميتها:
سميت ((سورة يونس)) لذكر قصة نبي الله يونس فيها، وهي قصة مثيرة،
سواء بالنسبة لشخصه الذي تعرض لالتقام الحوت له، أو بالنسبة لما اختص به
قومه من بين سائر الأمم، برفع الله العذاب عنهم حين آمنوا وتابوا بصدق.
موضوعها:
تتميز بالكلام عن الأهداف الكبرى لرسالة القرآن وهي إثبات التوحيد لله
وهدم الشرك، وإثبات النبوة والبعث والمعاد، والدعوة للإيمان بالرسالات
السماوية وخاتمتها القرآن العظيم، وهي موضوعات السور المكية عادة.
مناسبتها لما قبلها:
ختمت سورة التوبة السابقة بذكر صفات الرسول وَ ل﴾، وبدئت هذه
السورة بتبديد الشكوك والأوهام نحو إنزال الوحي على الرسول ◌َو، للتبشير
والإنذار، وكانت أغلبية آيات السورة المتقدمة في أحوال المنافقين وموقفهم من
القرآن، وهذه في أحوال الكفار والمشركين وقولهم في القرآن. فالاتصال
بالسورة المتقدمة واضح، فقد ذكرت أوصاف الرسول 9 التي تستدعي
٩٨
الُ (١١) السورة (١٠) يُونَِّ
الإيمان به، ثم ذكر هنا الكتاب الذي أنزل، والنبي الذي أرسل، وأن شأن
الضالين التكذيب بالكتب الإلهية.
ويلاحظ أنه لا يشترط وجود تناسب واضح بين السور ولا بين الآيات في
ضمن السورة الواحدة، فقد تتعدد الأغراض والانتقال من العقيدة إلى العبادة
إلى الأخلاق والأمثال والقصص وأحكام السلوك والمعاملات، وذلك
أسلوب خاص بالقرآن لاجتذاب الأنفس حين التلاوة والبعد عن السأم
والملل، وقد أصبح هذا الأسلوب هو المرغوب فيه شعبياً كما يظهر في الإقبال
على الروايات وأساليب العرض القصصي والتمثيليات، لشد انتباه المشاهدين
والقارئين والسامعين، من خلال المفاجآت والاستطرادات وتحليل بعض
القضايا الجانبية.
فقد يكون هناك تناسب بين السور، كسور الطواسين وحواميم وسورتي
المرسلات والنبأ، وقد يوجد فاصل بينهما كسورتي الهمزة واللهب مع أن
موضوعهما واحد . .
مااشتملت عليه السورة:
سورة يونس تتحدث عن الرسالات الإلهية، والألوهية وصفات الإله،
والنبوة وقصص بعض الأنبياء، وموقف المشركين من القرآن، والبعث والمعاد.
راً - بدأت السورة بتقرير سنة الله في خلقه بإرسال رسول لكل أمة، وختم
الرسل بالنبي ◌َّ، مما لا يستدعي عجب المشركين من بعثته: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ
عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنَذِرِ النَّاسَ﴾ [يونس: ٢/١٠].
٣ - ثم تحدثت عن إثبات وجود الإله من طريق آثاره في الكون: ﴿إِنَّ رَبَّكُرُ
اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ الآيات. ثم التذكير بمصير
الخلائق إليه بالبعث والجزاء: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ وانقسام البشر إلى
٩٩
المُ (١١) السورة (١٠) يُونَِّ
مؤمنين وكفار وجزاء كل منهم. وإنذار الجاحدين بإهلاك الأمم الظالمة:
﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا اُلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ﴾.
٣- ثم أوضحت عقائد المشركين وذكرت شبهات خمساً لمنكري النبوة
والرسالة وناقشتهم نقاشاً منطقياً مقنعاً، وأثبتت أن القرآن كلام الله ومعجزة
النبي الخالدة على مر الزمان: ﴿ وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ﴾
وأقامت الدليل على كونه من عند الله بتحدي المشركين وهم أمراء البيان
وأساطين الفصاحة والبلاغة أن يأتوا بسورة من مثله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَةٌ قُلْ
فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ وذكرت موقف المشركين من القرآن: ﴿وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ
بِهِ، وَمِنْهُم مَّن لَّا يُؤْمِنُ بِّ﴾.
٤- ثم ذكرت آثار القدرة الإلهية الباهرة التي تدل على عظمة الله وضرورة
الإيمان به؛ لأنه مصدر الحياة والرزق والنعم: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَآءِ
وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ وَيُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ
اُلْحَّ وَمَن يُدَبُِّ الْأَمْنَّ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا نَنَّقُونَ
٥ - ثم تناولت بإيجاز للعبرة والعظة وتقرير صدق القرآن قصص بعض
الأنبياء؛ كقصة نوح عليه السلام في تذكير قومه؛ وقصة موسى عليه السلام
مع فرعون، واستعانة فرعون بالسحرة لإبطال دعوة موسى، وشأن موسى مع
قومه، ودعائه على فرعون، ونجاة بني إسرائيل، وغرق فرعون في البحر؛
وقصة يونس عليه السلام مع قومه، فصار المذكور في هذه السورة ثلاث
قصص.
أَ - ختمت السورة بما أشارت إليه في الآية [٥٧]: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ
جَآءَتَّكُم مَّوْعِظَةٌ مِّنِ زَّيَّكُمْ﴾ وهو اتباع رسالة القرآن وشريعة الله، لما فيها من
خير وصلاح للإنسان: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَبِّكُمْ فَمَنِ
أُهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ﴾ ﴿وَأَّبِعْ مَا يُوحَىَ إِلَيْكَ وَأَصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ
١٠٠
الُرُ (١١) - يُونَ): ١/١٠-٢
(4). ذكر البيضاوي حديثاً عن النبي وَ له: ((من قرأ سورة
خَيْرُ الْحَكِمِينَ
يونس أُعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدَّق بيونس ومن كذب به،
وبعدد من غرق مع فرعون))، والظاهر أنه غير صحيح.
قضية إنزال الوحي إلى النبي
كيا الله
وسام
﴿الّرَّ تِلْكَ ءَايَتُ الْكِنَبِ الْحَكِيمِ ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَى رَجُلٍ
مِنْهُمْ أَنْ أَنَذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِهِمُ قَالَ
اُلْكَفِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَحِرٌ مُّبِينُ
القراءات:
﴿لَسَحِرٌ﴾: قرئ:
١- (لسحرٌ) وهي قراءة نافع، وأبي عمرو، وابن عامر.
٢- (لساحرٌ) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
{تِّكَ ءَايَتُ﴾ مبتدأ وخبر، أي تلك التي جرى ذكرها آيات الكتاب
الحكيم. والمراد من ﴿تِلْكَ﴾: هذه أي هذه آيات الكتاب.
﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ أن وما بعدها في تأويل المصدر في موضع
رفع اسم (كان)، و﴿عَجَبًا﴾ خبره، واللام في ﴿لِلنَّاسِ﴾ متعلقة بمحذوف؛
لأنه صفة لعجب، فلما تقدم صار حالاً؛ لأن صفة النكرة إذا تقدمت عليها
انتصبت على الحال. ولا يجوز أن تتعلق اللام بكان؛ لأنها لمجرد الزمان، ولا
تدل على الحدث الذي هو المصدر، فضعُفت.