النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
اِلُعُ (١١) - التَوَتَية: ١١٣/٩-١١٦
﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِىِّ﴾ [مريم: ٤٧/١٩] رجاء أن يسلم. ﴿أَنَّهُ, عَدُوٌّ لِلِّ﴾ بموته
على الكفر. ﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ وترك الاستغفار له. ﴿لَأَوَّهُ﴾ كثير التضرع والتأوه
والدعاء. ﴿حَلِيمٌ﴾ صبور على الأذى لا يغضب. والجملة لبيان ما حمله على
الاستغفار له مع معاداته له ﴿ِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ ليسميهم ضلالاً أو يؤاخذهم.
﴿بَعْدَ إِذْ هَدَهُمْ﴾ للإِسلام. ﴿مَا يَتَّقُونَ﴾ من العمل أي يبين لهم خطر
ما يجب اتقاؤه، فإذا لم يتقوه استحقوا الإضلال. ﴿عَلِيمُ﴾ يعلم كل شيء،
ومنه مستحق الإضلال والهداية.
﴿مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ من غيره. ﴿مِن وَلِيٍ﴾ يحفظكم منه. ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾
يمنعكم من ضرره.
سبب النزول:
أخرج أحمد والشيخان وابن أبي شيبة وابن جرير وغيرهم من طريق سعيد
ابن المسيب عن أبيه، قال: لما حضر أبا طالب الوفاة، دخل عليه رسول الله
وَلَه، وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال: أي عم: قل: لا إله إلا
الله، أُحاج لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله: يا أبا طالب أترغب
عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه حتى آخر شيء كلمهم به: هو على ملة
عبد المطلب، فقال النبي وَله: لأستغفرن لك، ما لم أُنْهَ عنك، فنزلت: ﴿مَا
كَانَ لِلنَِّّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية. وأنزل في أبي
طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ﴾
[القصص: ٥٦/٢٨] .
وظاهر هذا أن الآية نزلت بمكة؛ ولأن أبا طالب مات بمكة قبل الهجرة
بنحو ثلاث سنين. ونظراً لأن هذه السورة مدنية، فقد استبعد بعض العلماء
أن تكون نزلت في أبي طالب.
وأخرج الترمذي وحسنه الحاكم عن علي قال: سمعت رجلاً يستغفر

٦٢
الجُ (١١) - التَّوَّة: ١١٣/٩-١١٦
لأبويه، وهما مشركان، فقلت له: أتستغفر لأبويك، وهما مشركان؟ فقال:
استغفر إبراهيم لأبيه، وهو مشرك، فذكرت ذلك لرسول الله وَل ﴾، فنزلت:
﴿مَا كَانَ لِلنَّبِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُوْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾.
وأخرج الحاكم والبيهقي في الدلائل وغيرهما عن ابن مسعود قال: خرج
رسول الله وَليه يوماً إلى المقابر، فجلس إلى قبر منها، فناجاه طويلاً، ثم بكى
فبكيت لبكائه، فقال: إن القبر الذي جلست عنده قبر أمي، وإني استأذنت
ربي في الدعاء لها، فلم يأذن لي، فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ
يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾.
وأخرج أحمد وابن مردويه، واللفظ له، من حديث بريدة قال: كنت مع
النبي ◌َّةِ، إذ وقف على عُسْفان، فأبصر قبر أمه، فتوضأ وصلى وبكى، ثم
قال: استأذنت ربي أن أستغفر لها، فنهيت، فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ .
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة قال: ((أتى رسول الله وَ له قبر
أمه، فبكى وأبكى من حوله، ثم قال: استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن
لي، واستأذنت أن أزور قبرها، فأذن لي، فزوروا القبور، فإنها تذكّركم
الموت)).
دلت الروايات على أن سبب النزول أبو طالب أو أم النبي، أو رجل مسلم
یستغفر لأبويه.
قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون لنزول الآية أسباب: متقدم، وهو
أمر أبي طالب، ومتأخر، وهو أمر آمنة، وقصة علي وجمع غيره بتعدد النزول.
المناسبة:
كان موضوع سورة التوبة من أولها إلى هنا إعلان البراءة من الكفار

٦٣
الُ (١١) - التَوَتي: ١١٣/٩-١١٦
والمنافقين في جميع الأحوال، ثم بَيَّن هنا أنه تجب البراءة أيضاً من أمواتهم،
وإن كانوا أقرب الناس إلى الإنسان كالأب والأم، كما وجبت البراءة من
أحيائهم. والمقصود بيان وجوب مقاطعتهم في الحالات كلها.
التفسير والبيان:
ما ينبغي للنبي والمؤمنين، وليس من شأنهم أن يستغفروا أو يدعوا الله
بالمغفرة للمشركين، أو معناه ليس لهم ذلك على معنى النهي(١)؛ لأن النبوة
والإيمان مانعان من الاستغفار للمشركين، ولا تستغفروا، والمعنيان
متقاربان، وسبب المنع قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبََّ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ
اَلْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣/٩] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ
مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ١١٦/٤].
والمنع حتى ولو كانوا من أقرب المقربين، قياماً بحق البر والصلة والشفقة
علیھم.
من بعد ما ظهر لهم بالدليل أنهم من أصحاب النار، بأن ماتوا على الكفر،
أي أن العلة المانعة من هذا الاستغفار هو تبين كونهم من أصحاب النار،
وهذه العلة لا تفرِّق بين الأقارب والأباعد. قال البيضاوي: وفيه دليل على
جواز الاستغفار لأحيائهم، فإنه طلب توفيقهم للإيمان، وبه دفع النقض
باستغفار إبراهيم لأبيه الكافر، فقال: ﴿وَمَا كَانَ أُسْتِغْفَارُ﴾.
أما استغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه آزر بقوله: ﴿وَأَغْفِرْ لِأَبِىِّ إِنَّهُ كَانَ مِنَ
[الشعراء: ٨٦/٢٦] أي وفقه للإيمان، فكان بسبب صدور وعد
الضَّآلّيْنَ
(١) قال أهل المعاني: ﴿مَّا كَانَ﴾ في القرآن يأتي على وجهين: على النفي نحو قوله: ﴿مَّا
كَانَ لَكُمْ أَنْ تُلِبِتُواْ شَجَرَهَأْ﴾ [النمل: ٦٠/٢٧] والآخر بمعنى النهي كقوله: ﴿وَمَا كَانَ
لَكُمْ أَن تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣/٣٣] وكهذه الآية.

٦٤
لِلْزُ (١١) - التَّوَّةِ: ١١٣/٩-١١٦
سابق على المنع، إذ قال: (سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِيِّ إِنَّهُ كَانَ بِ حَفِيًّا﴾ [مريم:
٤٧/١٩] أي لا أملك إلا الدعاء لك. وكان من خلق إبراهيم الوفاء:
﴿ وَإِبْرَهِيمَ الَّذِى وَفَ
[النجم: ٥٣ /٣٧].
فلما تبين لإبراهيم أن أباه عدو الله، بأن مات على الكفر، أو أوحي إليه فيه
بأنه لن يؤمن، تبرأ منه، وقطع استغفاره له، إن إبراهيم لأوَّاه أي لكثير التأوه
والتحسر، أو لكثير التضرع والدعاء، كما قال ◌َ: ((الأواه: الخاشع
المتضرع)) وهو كناية عن فرط رحمته، ورقة قلبه، حليم: صبور على الأذى.
والجملة لبيان ما حمله على الاستغفار له، مع معاداته له وسوء خلقه معه،
بدليل أنه أي آزر قال لإبراهيم: ﴿أَرَاغِبُ أَنْتَ عَنْ ءَالِهَتِى يَِّزَهِيمٌّ لَبِن لَّمْ تَنْتَهِ
لَأَرْجُمَنَّكَ وَأَهْجُرْنِ مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦/١٩].
ثم رفع الله تعالى المؤاخذة عن الذين استغفروا للمشركين قبل نزول آية المنع
هذه، وبيَّن أنه تعالى لا يؤاخذهم بعمل إلا بعد أن يبين لهم أنه يجب عليهم أن
يتقوه ويحترزوا عنه، فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَ﴾ أي وما كان من سنة
الله في خلقه ولا في رحمته وحكمته أن يصف قوماً بالضلال أو يؤاخذهم
مؤاخذة الضالين، بعد إذ هداهم للإسلام حتى يبين لهم ما يجب عليهم اتقاؤه
من الأقوال والأفعال. وهذا يدل على أنه تعالى لا يعاقب إلا بعد التبيين،
وإزالة العذر.
إن الله تعالى عليم بكل شيء، وبأحوال الناس وحاجتهم إلى البيان، وكأن
هذا بيان عذر للرسول في قوله لعمه أو لمن استغفر له قبل المنع. وفي هذا دلالة
على أن الغافل الذي لم تبلغه رسالة نبي غير مكلف. وبناء عليه، يستبعد أن
يكون سبب نزول الآية الاستغفار لأم الرسول وَلقر؛ لأنها ماتت قبل البعثة في
عهد الفترة الجاهلية، التي انقطعت فيها النبوة بعد عيسى عليه السلام، ولم يعد
هناك مجال للتعرف على الدين الحق، لاختلاط الأمور.

٦٥
الُ (١١) - التَّوَّةِ: ٩/ ١١٣-١١٦
وبعد أن أمر الله تعالى بالبراءة من الكفار، بَيَّنَ أن النصر لا يكون إلا من
عنده؛ لأن له ملك السماوات والأرض، فإذا كان هو الناصر لكم، فهم لا
يقدرون على إضراركم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ﴾ أي إنه تعالى مالك كل
موجود، ومتولي أمره، والغالب المهيمن عليه بيده الأمر كله، يحيي ويميت، لا
راد لقضائه ولا معقب لحكمه، ولا يتأتى لهم ولاية ولا نصرة إلا منه، ليتبرؤوا
مما عداه، حتى لا يبقى لهم مقصود فيما يأتون ويذرون سواه، ولا تهمنكم
القرابة والصلة الذين هم أولياء مناصرون لكم عادة، فما لكم ولي ولا نصير
غير الله تعالى.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات الأحكام التالية:
اً - تحريم الدعاء لمن مات كافراً، بالمغفرة والرحمة، أو بوصفه بذلك،
كقولهم: المغفور له، والمرحوم فلان، كما يفعل بعض الجهلة.
أَ - قطع الموالاة مع الكفار حيِّهم وميِّهم؛ فإن الله لم يسمح للمؤمنين أن
يستغفروا للمشركين، فطلب الغفران للمشرك مما لا يجوز. وأما دعاء النبي
وَله يوم أحد حين كسروا رَباعيته وشجّوا وجهه: ((اللهم اغفر لقومي فإنهم لا
يعلمون)) فإنما كان على سبيل الحكاية عمن تقدمه من الأنبياء، كما ثبت في
صحيحي البخاري ومسلم، أو أن هذا الدعاء كان قبل نزول سورة التوبة التي
هي من آخر ما نزل من القرآن. وحديث مسلم عن ابن مسعود قال: كأني أنظر
إلى النبي ◌ّه يحكي نبياً من الأنبياء ضربه قومه، وهو يمسح الدم عن وجهه
ويقول: ((رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)).
◌َّ - لا حجة للمؤمنين في استغفار إبراهيم الخليل عليه السلام لأبيه؛ فإن
ذلك لم يكن إلا عن عِدَة (وعد). والواعد: إما أبو إبراهيم، فإنه وعده أن
يؤمن، قال ابن عباس: كان أبو إبراهيم وعد إبراهيم الخليل أن يؤمن بالله،

٦٦
لُ (١١) - التَوَتِير: ٩ /١١٧-١١٩
ويخلع الأنداد، فلما مات على الكفر، علم أنه عدو الله، فترك الدعاء له.
وقوله: ﴿إِيَّاهُ﴾ ترجع إلى إبراهيم، والواعد أبوه. أو أن يكون الواعد هو
إبراهيم، أي وعد إبراهيم أباه أن يستغفر له، رجاء إسلامه، فلما مات
مشركاً تبرأ منه. ودل عليه قوله: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِيِّ﴾ [مريم: ٤٧/١٩]. أي أن
إبراهيم وعد أباه بالاستغفار قبل أن يتبين الكفر منه، وأملاً في إسلامه، فلما
تبين له الكفر منه، تبرأ منه.
٤ - يحكم على الإنسان بظاهر حاله عند الموت، فإن مات على الإيمان
حكم له به، وإن مات على الكفر حكم له به، وربك أعلم بباطن حاله.
٥ - لا عقوبة إلا بنص، ولا مؤاخذة إلا بعد بيان، لقوله تعالى: ﴿وَمَا
كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾.
أَ - تدل هذه الآية أيضاً: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ على أن
المعاصي سبب للضلالة والهلاك، وطريق إلى ترك الرشاد والهدى.
V - الله مالك الملك، وبيده مقاليد السماوات والأرض، فالنصر منه
وحده، لا من الأقارب أو الأباعد.
التوبة على أهل تبوك وعلى الثلاثة المخلفين والصدق
﴿لَقَدِ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَِنَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةٍ
اُلْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمَّ إِنَّهُ
وَعَلَى الثََّةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتََّ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ
بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ
الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَنُواْ أَنْ لَّ مَلْجَاً مِنَ اللَّهِ إِلَّ إِلَيْهِ
ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِسَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ النَّوَابُ الرَّحِيمُ (
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
(١١٩)
أَتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ

٦٧
الجُزُعُ (١١) - التَوَتية: ٩ /١١٧-١١٩
القراءات:
﴿كَادَ يَزِيعُ﴾ : قرئ:
١- (كاد يزيغ) وهي قراءة حفص، وحمزة.
٢- (كاد تزيغ) وهي قراءة الباقين.
﴿رَءُوفٌ﴾ : قرئ:
١- (رؤف) وهي قراءة أبي عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (رؤوف) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿كَادَ يَزِيغُ﴾ اسمها ضمير الشأن، وجملة ﴿يَزِيغُ﴾ خبرها، وهي
تفسير لضمير الشأن، وجاز إضمار الشأن في ﴿كَادَ﴾ دون (عسى) لأنها
أشبهت (كان) الناقصة، فإنها لا تستغني عن الخبر، بخلاف (عسى) فإنها قد
تستغني عن الخبر إذا وقعت (أن) بعدها. ويجوز أن يكون اسمها ضمير القوم
أصحاب النبي، وتقديره: كاد قَبِيلٌ يزيغ، وضمير ﴿مِّنْهُمْ﴾ عائد على هذا
الاسم.
﴿وَعَلَى الثََّثَةِ﴾ معطوف على ﴿النَّبِيّ﴾ في الآية السابقة، وتقديره: لقد
تاب الله على النبي وعلى الثلاثة.
البلاغة:
﴿ضَاقَتْ﴾ و﴿ رَحُبَتْ﴾ بينهما طباق.
﴿النَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ من صيغ المبالغة.

٦٨
◌ِلُعُ (١١) - التَّوَتّية: ٩ / ١١٧-١١٩
المفردات اللغوية:
﴿لَّقَدِ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ﴾ أدام ثَوبته. ﴿اُلْعُسْرَةِ﴾ الشدة والضيق،
و﴿سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾: وقتها، وهي حالهم في غزوة تبوك، كانوا في عسرة من
الركائب والزاد، حتى قيل: إن الرجلين كانا يقتسمان تمرة، والعشرة تعتقب
على بعير واحد، واشتد الحر حتى شربوا الفرث. ﴿يَزِيغُ﴾ يميل عن اتباع النبي
إلى التخلف، لما هم فيه من الشدة. ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ بالثبات.
وكرر للتأكيد والتنبيه على أنه تاب عليهم من أجل ما كابدوا من العسرة.
﴿رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ الرأفة: الرفق بالضعيف، والرحمة: السعي في إيصال
المنفعة. ﴿وَعَلَى الثَّلَثَةِ﴾ أي وتاب على الثلاثة: كعب بن مالك، وهلال بن
أمية، ومُرارة بن الربيع. ﴿الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾ تخلفوا عن الغزو، أو خلّف وأخر
أمرهم مدة، فإنهم المرجون لأمر الله، ثم تاب عليهم بعدئذ. ﴿رَحُبَتْ﴾ أي مع
رحبها أو برحبها، أي سعتها، فلا يجدون مكاناً يطمئنون إليه، وأعرض
الناس عنهم بالكلية، وهو مثل لشدة الحيرة. ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾
قلوبهم من فرط الوحشة والغم بتأخير توبتها، فلا يسعها سرور ولا أُنس.
﴿ وَظَنُّواْ﴾ أيقنوا أو علموا. ﴿أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ﴾ أن: مخففة، أي ألا ملجأ
من سخطه أي لا ملاذ ولا معتصم. ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ وفقهم للتوبة. ﴿ أَتَّقُواْ
اللَّهَ﴾ بترك معاصيه. ﴿مَعَ الصَّدِقِينَ﴾ في الإيمان والعهود بأن تَلْزمُوا الصدق.
سبب النزول:
روى البخاري وغيره عن كعب بن مالك قال: لم أتخلف عن النبي ◌َّ في
غزوة غزاها إلا بدراً، حتى كانت غزوة تبوك، وهي آخر غزوة، وآذن الناس
بالرحيل ... فأنزل الله توبتنا: ﴿لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَجِرِينَ﴾ إلى قوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ قال: وفينا نزل أيضاً: ﴿أَتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ
الصَّدِقِينَ
.

٦٩
لُعُ (١١) - التَوَّة: ٩ /١١٧-١١٩
المناسبة:
بعد أن استقصى الله تعالى في شرح أحوال غزوة تبوك، وأحوال المتخلفين
عنها، عاد في هذه الآية إلى شرح ما بقي من أحكامها، وهذا أسلوب القرآن
في تفريق الآيات في الموضوع الواحد، للتأثير على النفس، وتجديد الذكرى،
ومنع اليأس في التلاوة.
والآية مناسبة لما قبلها في النهي عن الاستغفار للمشركين، وكان ذلك من
النبي ◌َّ خلاف الأولى، كما كان من بعض الصحابة زلات، فذكر تعالى أنه
تفضل عليهم وتاب عليهم في تلك الزلات.
التفسير والبيان:
لقد تفضل الله ورضي عن نبيه، وتاب على أصحابه المؤمنين الذين صاحبوه
واتبعوه في غزوة تبوك وقت الشدة والضيق، التي تسمى غزوة العسرة،
وجيشها جيش العسرة الذي جهزه عثمان وغيره من الصحابة رضي الله عنهم.
فكانوا في نقص شديد من وسائط الركوب والزاد والماء، حتى إن العشرة
يعتقبون البعير الواحد، ويقتسم الاثنان التمرة الواحدة، وينحرون البعير
ويعتصرون الفرث الذي في كَرِشِه، ليبلّوا به ألسنتهم، بالإضافة إلى شدة الحر
أو حرارة القيظ التي صادفت خروجهم لتلك الغزوة. قال جابر بن عبد الله في
ساعة العسرة: عسرة الظهر (الإبل) وعسرة الزاد، وعسرة الماء.
والتوبة على النبي؛ لأنه كان قد صدر عنه ما هو خلاف الأفضل والأولى،
مثل إذن المنافقين في التخلف بناء على اجتهاد منه لم يقره الله عليه؛ لأن غيره
خير منه، فسر ابن عباس التوبة على النبي وَّه وعلى المؤمنين، بقوله: كانت
التوبة على النبي لأجل إذنه للمنافقين في القعود؛ دليله قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ
لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣/٩] وعلى المؤمنين من ميل قلوب بعضهم إلى
التخلف عنه.

٧٠
اِلُ (١١) - التَوَّة: ٩/ ١١٧-١١٩
والتوبة على الصحابة من المهاجرين والأنصار كانت بسبب تثاقل بعضهم
في الخروج، أو لسماعهم للمنافقين ما يثيرونه من فتنة.
والتوبة هنا ذات معنيين: بالنسبة للنبي ◌ّ تعني الرضا والعطف، وبالنسبة
للصحابة تعني قبول التوبة منهم وتوفيقهم إليها.
حدثت هذه التوبة على المؤمنين من بعد ما كاد يزيغ أو يميل بعضهم عن
الحق والإيمان، وهم الذين تخلفوا لغير سبب النفاق، وهم الذين عملوا عملاً
صالحاً وآخر سيئاً، واعترفوا بذنوبهم، فقبل الله توبتهم. ومن بعد ما ارتاب
بعضهم بما نالهم من المشقة والشدة في سفرهم وغزوهم.
ثم أكد الله تعالى التوبة عليهم، فقال: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ أي رزقهم
الإنابة إلی ربهم والرجوع إلى الثبات علی دینہ، إن ربهم رؤوف رحيم بهم، فلا
يتركهم بعدما صبروا على الجهاد في سبيله، وإنما يزيل ضررهم ويوصل المنفعة
إليهم. وهذا معنى الرأفة أي السعي في إزالة الضر، والرحمة أي السعي في
إيصال النفع.
وفائدة تأكيد ذكر التوبة مرة أخرى تعظيم شأنهم، وإزالة الشك من
نفوسهم، والتجاوز عن وساوسهم التي كانت تقع في قلوبهم في ساعة العسرة.
وتاب الله أيضاً على الثلاثة الذين خُلِّفوا أي تخلفوا عن الغزو لا بسبب
النفاق، وإنما كسلاً وإيثاراً للراحة والقعود. وخلفوا الغازين بالمدينة أي
صاروا خلفاء الذين ذهبوا إلى الغزو وأُرجئوا وأُخّروا عن المنافقين فلم يُقْضِ
فيهم شيء، وهم المرجون لأمر الله، وهم كعب بن مالك الشاعر، وهلال بن
أمية الواقفي الذي نزلت فيه آية اللعان، ومُرارة بن الربيع العامري، وكلهم
من الأنصار.
ووصف الله هؤلاء الثلاثة بصفات ثلاث هي:

٧١
اِلُ (١١) - التَّوَّةِ: ٩/ ١١٧-١١٩
الصفة الأولى:
﴿حَّ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرَضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾: أي خلفوا عن التوبة حتى
شعروا بأن الأرض قد ضاقت عليهم على رُحبها وسعتها بالخلق جميعاً، خوفاً
من العاقبة، وجزعاً من إعراض النبي ◌َّر عنهم، ومنع المؤمنين من مكالمتهم،
وأمر أزواجهم باعتزالهم، حتى بقوا على هذه الحالة خمسين يوماً أو أكثر.
والصفة الثانية:
﴿ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ﴾ أي ضاقت صدورهم بسبب الهم والغم،
ومجانبة الأحباء، ونظر الناس لهم بعين الإهانة.
والصفة الثالثة:
﴿وَظَنُّواْ أَنْ لَّا مَلْجَاً مِنَ اللَّهِ إِلَّ إِلَيْهِ﴾ أي علموا واعتقدوا ألا ملجأ ولا
ملاذ من غضب الله إلا بالتوبة والاستغفار ورجاء رحمته.
﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ أي أنزل قبول توبتهم.
( لِيَتُوبُواْ﴾ أي ليرجعوا إليه بعد إعراضهم عن هدايته واتباع رسوله وَل﴾.
وهذه الأوصاف السابقة كانت دليلاً على توبتهم وصدقهم في ندمهم. إن الله
كثير القبول لتوبة التائبين، واسع الرحمة للمحسنين. وقصة قبول توبتهم تظهر
فیما يأتي:
قال أكثر المفسرين: إنهم ما ذهبوا خلف الرسول عليه الصلاة والسلام،
قال كعب: كان رسول الله وَله يجب حديثي، فلما أبطأت عنه في الخروج،
قال عليه الصلاة والسلام: ((ما الذي حبس كعباً؟)) فلما قدم المدينة، اعتذر
المنافقون، فعذرهم، وأتیته وقلت: إن ◌ُراعي (خيلي) وزادي كان حاضراً،
واحتبست بذنبي، فاستغفر لي، فأبى الرسول وَالقر ذلك.

٧٢
لُ (١١) - التَّوَّ: ٩ / ١١٧-١١٩
ثم إنه عليه الصلاة والسلام نهى عن مجالسة هؤلاء الثلاثة، وأمر بمباينتهم
حتى أمر بذلك نساءهم، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وجاءت امرأة
هلال بن أمية، وقالت: يا رسول الله، لقد بكى هلال، حتى خفت على
بصره، حتى إذا مضى خمسون يوماً أنزل الله تعالى: ﴿لَّقَد تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ
وَالْمُهَجِينَ﴾ وأنزل قوله: ﴿وَعَلَى الثََّثَةِ الَّذِينَ خُلِّقُواْ﴾ فعند ذلك خرج رسول
الله ◌َيّر إلى حجرته، وهو عند أم سلمة فقال: ((الله أكبر، قد أنزل الله عذر
أصحابنا)) فلما صلى الفجر ذكر ذلك لأصحابه، وبشرهم بأن الله تاب
عليهم، فانطلقوا إلى رسول الله وَالر، وتلا عليهم ما نزل فيهم.
فقال كعب: توبتي إلى الله أن أُخرج مالي صدقة، فقال: لا، قلت: فنصفه
قال: لا، قلت: فثلثه؟ قال: نعم(١).
وبعد أن نزل قوله تعالى بقبول توبة هؤلاء الثلاثة، زجر عن فعل ما مضى،
وهو التخلف عن رسول الله بسه في الجهاد، فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
١١٩
أَتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ
أي اتقوا وتجنبوا ما لا يرضاه الله من مخالفة الرسول ومن طقة، وكونوا مع
الرسول وَ﴿ وأصحابه في الغزوات، ولا تكونوا متخلفين عنها، وجالسين مع
المنافقين في البيوت، وكونوا في الدنيا مع الصادقين في إيمانهم وعهودهم، أو
في دين الله نية وقولاً وعملاً، تكونوا في الآخرين مع الصادقين في الجنة.
والصدق: الثبات على دين الله وشرعه، وتنفيذ أوامره، وطاعة رسوله
وَلّ، وقد استتبع صدق هؤلاء الثلاثة في ندمهم على ما فعلوا قبول الله تعالى
توبتهم. وذلك مؤذن بأن الصدق في المواقف طريق النجاة والفلاح، قال النبي
وَّ فيما أخرجه البيهقي مرفوعاً: ((إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي
(١) تفسير الرازي: ٢١٨/١٦

٧٣
الُعُ (١١) - التَوَتّية: ٩/ ١١٧-١١٩
إلى الجنة، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، إنه
يقال للصادق: صدق وبَرَّ، ويقال للكاذب: كذَب وفجَر، وإن الرجل
ليصدُق حتى يكتب عند الله صدّيقاً، ويكذب حتى يكتب عند الله كذاباً)).
وترك الكذب كما أوصى النبي ◌ّ﴾ سبيل لترك جميع المعاصي من خمر وزنى
وسرقة ونحوها.
ولا يرخص في الكذب إلا في ثلاث: في الحرب، والإصلاح بين الناس،
وحديث الرجل امرأته ليرضيها، كأن يقول لها: أنت أجمل الناس، وأحب
الناس إلي، لا في غير ذلك كمصالح البيت والنفقة ونحوها. أخرج ابن أبي شيبة
وأحمد عن أسماء بنت يزيد عن النبي وَ لّ قال: ((كل الكذب يكتب على ابن آدم
إلا رجل يكذب في خديعة حرب، أو صلاح بين اثنين، أو رجل يحدث امرأته
ليرضيها)». وجاء في حديث آخر أخرجه ابن عدي والبيهقي عن عمران بن
حصين، وهو ضعيف: ((إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب)).
فقه الحياة أو الأحكام:
موضوع الآيات: التوبة والصدق.
أما التوبة فكانت شاملة عامة لكل من شارك في غزوة العسرة أو غزوة
تبوك. وذلك تفضل من الله ورحمة، بعدما تعرضوا للشدائد في جميع أوقات
تلك الغزوة، قال جابر: اجتمع عليهم عسرة الظَّهْر، وعسرة الزاد، وعسرة
الماء.
قال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ﴾ هو كقوله: ﴿لِيَغْفِرَ
لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنِْكَ وَمَا تَأَخَرَ﴾ [الفتح: ٢/٤٨] وقوله: ﴿وَأُسْتَغْفِرُ
لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥/٤٠] وهو بعث للمؤمنين على التوبة، وأنه ما من مؤمن

٧٤
اِلُ (١١) - التَّوَّةِ: ٩/ ١١٧-١١٩
إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار حتى النبي والمهاجرين والأنصار، وإبانة
لفضل التوبة ومقدارها عند الله، وأن صفة التوابين الأولين صفة الأنبياء(١).
وشملت هذه التوبة أيضاً الثلاثة الذين خلِّفوا عن هذه الغزوة، أي أرجئوا
وأخّروا عن المنافقين، فلم يقض فيهم بشيء، وذلك أن المنافقين لم تقبل
توبتهم، واعتذر أقوام فقبل عذرهم، وأخّر النبي ◌َّر هؤلاء الثلاثة حتى نزل
فيهم القرآن. وهذا هو الصحيح لما رواه مسلم والبخاري وغيرهما. قال كعب
فيما رواه مسلم: كنا خلفنا أيها الثلاثة الذين خُلِّفْنا عن أمر أولئك الذين قبل
منهم رسول الله بَّر حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله
وَلّه أمرنا حتى قضى الله فيه؛ فبذلك قال الله عز وجل: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ
خُلِّقُواْ﴾ وليس الذي ذكر الله مما خُلِّفنا تخلُفَنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إیانا،
وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له، واعتذر إليه، فقبل منه (٢).
والأوصاف الثلاثة التي وصفهم بها القرآن دليل على صدقهم في التوبة. لذا
أمر تعالى بالصدق بعد هذه الأوصاف، وهو خطاب لجميع المؤمنين يأمر فيه
تعالى التزام مذهب الصادقين وسبيلهم.
والآية هذه توجب الصدق، وهو أمر حسن بعد قصة الثلاثة حين نفعهم
الصدق، وأبعدهم عن منازل المنافقين، وهي دالة على فضل الصدق، وكمال
درجته.
ولا شك بأن التوبة النصوح من أخص أحوال الصدق، فما على العاقل
المتقي إلا ملازمة الصدق في الأقوال، والإخلاص في الأفعال، والصفاء في
الأحوال، ومن اتصف بذلك صار مع الأبرار، وحظي برضا الإله الغفار.
(١) الكشاف: ٦١/٢
(٢) تفسير ابن كثير: ٣٩٩/٢

٧٥
الُ (١١) - التَّوَّة: ١٢٠/٩-١٢١
موقفا صدق وإيمان للمقارنة مع المتخلفين:
الأول - عن أبي ذر الغفاري أن بعيره أبطأ به، فحمل متاعه على ظهره،
واتبع أثر رسول الله و ﴿ ماشياً، فقال رسول الله وسل﴿ لما رأى سواده: كن أبا
ذر! فقال الناس: هو ذاك، فقال: ((رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت
وحده، ويبعث وحده).
والثاني - أن أبا خيثمة الأنصاري بلغ بستانه، وكانت له امرأة حسناء
فرشت له في الظل، وبسطت له الحصير، وقربت إليه الرطب والماء البارد،
فنظر فقال: ظل ظليل، ورُطب يانع، وماء بارد، وامرأة حسناء، ورسول الله
وَله في الحر والريح، ما هذا بخير، فقام فرحل ناقته، وأخذ سيفه ورمحه، ومر
كالريح، فمد رسول الله وَلقول طرفه إلى الطريق، فإذا براكب يزهاه السراب،
فقال: كن أبا خيثمة! فكان، ففرح به رسول الله وَّه، واستغفر له(١).
فرضية الجهاد على أهل المدينة والأعراب وثوابه
﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ اٌلْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ
وَلَا يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِةٍّ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأْ وَلَا نَصَبٌّ وَلَا
مَخْمَصَةٌ فِ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَفُونَ مَوِْنًا يَغِيَظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ
عَدُوٍ ثَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ، عَمَلٌ صَلِحُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
٢٠
وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةٌ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًّا إِلَّا كُتِبَ
١٢١
لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
الإعراب:
﴿وَادِيًا﴾ مفعول به، وهو اسم منقوص كقاضٍ، ودخلته الفتحة في
النصب لخفتها، وجمعه أودية، وليس في كلام العرب فاعل جمعه أفعلة غيره.
(١) الكشاف: ٦١/٢ - ٦٢

٧٦
الزُ (١١) - التَوَتَّة: ١٢٠/٩-١٢١
البلاغة:
﴿يَطَعُونَ مَوْطِئًا﴾ بينهما جناس اشتقاقٍ، وكذلك ﴿يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍ
ثَّيْلًا﴾. ﴿صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿أَنْ يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ﴾ إذا غزا ﴿وَلَا يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ﴾ بأن
يصونوها عما رضيه لنفسه من الشدائد، والرغبة الأولى: المحبة والإيثار،
والثانية: الكراهة، وهو نهي بلفظ الخبر ﴿ذَلِكَ﴾ أي النهي عن التخلف
(بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنهم ﴿ظَمَأَ﴾ عطش ﴿نَصَبٌّ﴾ تعب ﴿مَخْمَصَةٌ﴾ جوع
﴿يَغِيظُ﴾ بِغضب ﴿بَيْلًا﴾ أسراً أو قتلاً أو أخذ مال ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ،
ج
عَمَلٌ صَلِيمٌ﴾ إلا استوجبوا به الثواب والجزاء عليه ﴿لَا يُضِيعُ أَجْرَ
اَلْمُحْسِنِينَ﴾ أجرهم على إحسانهم، بل يثيبهم، وهو تنبيه على أن الجهاد
إحسان، أما في حق الكفار فلأنه سعي في تكميلهم بأقصى ما يمكن كشرب
المريض الدواء المرّ، وأما في حق المؤمنين فلأنه صيانة لهم من سطوة الكفار
واستیلائهم.
﴿ وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً﴾ أي في الجهاد ولو مثل التمرة ﴿وَلَا
كَبِيرَةٌ﴾ مثل إنفاق عثمان رضي الله عنه في تجهيز جيش العسرة ﴿وَادِيًا﴾ في
مسيرهم، وهو كل منفرج ينفذ فيه السيل، والمراد أي أرض ﴿إِلَّا كُتِبَ
لَهُم﴾ أثبت لهم ذلك ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ بذلك ﴿أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)
جزاء أحسن أعمالهم أو أحسن جزاء أو أحسن جزاء أعمالهم.
المناسبة:
بعد أن أمر الله تعالى بقوله: ﴿وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ﴾ بالصدق في متابعة
الرسول في جميع الغزوات، أكد هنا ذلك، فنهى عن التخلف عنه، وأبان
حسن الجزاء على الجهاد.

٧٧
الُ (١١) - التَّوَّةِ: ٩ / ١٢٠-١٢١
التفسير والبيان:
يعاتب الله تعالى المتخلفين عن رسول الله وسلم في غزوة تبوك، من أهل
المدينة ومن حولها من الأعراب، ورغبتهم بأنفسهم عن مشاركته في المشاق
التي تعرض لها، فقال: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ أي ما كان ينبغي لأهل
المدينة المؤمنين، ومن حولهم من قبائل العرب المجاورة لها؛ كمزينة وجُهَيْنة
وأشجع وغِفار وأسْلم، التخلف عن رسول الله وَ لّ في غزوة تبوك، بل عليهم
أن يصحبوه، فإن النفير كان فيهم، وخص هؤلاء بالعتاب لقربهم وجوارهم،
وأنهم أحق بذلك من غيرهم، بل إن المراد من النص النهي عن التخلف،
والتوبيخ عليه؛ لأن المتخلف يؤثر نفسه على نفس رسول الله وقدر التي لا بد من
إيثارها وحبها أكثر من حب النفس.
وظاهر هذه الألفاظ وجوب الجهاد على كل هؤلاء إلا أصحاب الأعذار.
بدليل العقل، وبقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢/
٢٨٦] وقوله أيضاً: ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١/٢٤] ولا يقصد بهذا
وجوب الجهاد عيناً على كل واحد، فقد دل الإجماع على أن الجهاد فرض
كفاية، فيكون مخصوصاً من هذا العموم، ويكون المنصوص عليهم هم
المقصودين بالنص العام.
ولا يصح لهؤلاء إيثار أنفسهم على نفس الرسول وَلّ، فلا يرضوا لأنفسهم
بالدعة والراحة، ورسول الله وَر في المشقة.
لم يكن لهم حق التخلف، بل يجب عليهم الاتباع والجهاد، بسبب أن كل
· ما يصيبهم في جهادهم - من معاناة ومكابدة ومشاق كالعطش والتعب
والجوع والألم في سبيل الله، ووطء جزء من أرض الكفر يغيظ الكفار، والنيل
من الأعداء بالأسر أو القتل أو الهزيمة أو الغنيمة - يستوجب الثواب الجزيل
المكافئ لما قدموه وزيادة، وذلك مما يوجب المشاركة في الجهاد، إن الله لا

٧٨
الُ (١١) - التَوَتَيْ: ١٢٠/٩-١٢١
يضيع أجر المحسنين، أي لا يدع له شيئاً من الثواب على إحسانه إلا كافأه به،
كقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠/١٨].
وكذلك لا ينفق هؤلاء المجاهدون (الغزاة)(١) في سبيل الله نفقة صغيرة ولا
كبيرة، أي قليلاً ولا كثيراً، ولا يقطعون وادياً، أي في السير إلى الأعداء، إلا
أثبت لهم الجزء الأوفى، ليجزيهم الله أحسن الجزاء على عملهم؛ لأن الجهاد في
سبيل الله إعلاء لكلمة الإسلام، وصون الإيمان، وحفظ الأوطان، وما ترك
قوم الجهاد إلا ذُلوا واستُعبدوا.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على الأحكام التالية:
اً - فرضية الجهاد ووجوبه على أهل المدينة وقبائل العرب المجاورة لها،
بسبب كون المدينة عاصمة الإسلام، وكونهم سكانها، وجيران الرسول القول،
ويصيبهم مباشرة ما أصابه من مجد أو خير أو نصر أو غير ذلك.
٣ - لا يصح لمؤمن إيثار نفسه على نفس الرسول بَله؛ لأن الإيمان لا
يكمل إلا بأن يحب الرسول و ﴿ أكثر مما يحب نفسه.
٣ - إن كل ما يتعرض له المجاهد من مكابدة ومتاعب في السفر للجهاد
يثاب عليه ثواباً جزيلاً.
٤ - إن في الجهاد إحساناً، سواء في حق الأعداء؛ لأنه قد ينقلهم من دائرة
الكفر إلى دائرة الإسلام، وفي حق المسلمين؛ لأنهم يصونون به الحرمات:
حرمة الدين والإيمان، وحرمة البلاد والأوطان والأموال والأعراض،
ويحققون به العزة والمجد والكرامة.
(١) الغزو والجهاد والحرب كلها بمعنى واحد في اللغة.

٧٩
لُ (١١) - التَّوَّة: ١٢٠/٩-١٢١
٥ - تستحق الغنيمة بمجرد الاستيلاء، كما قال الشافعي؛ لأن الله تعالى .
جعل وطء ديار الكفار بمثابة النَّيْل من أموالهم، وإخراجهم من ديارهم، وهو
الذي يغيظهم، ويدخل الذلّ عليهم، فهو بمثابة نيل الغنيمة والقتل والأسر.
أَ - إن هذه الآية منسوخة بالآية التالية بعدها: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ
ج
لِيَنِفِرُواْ كَافَّةٌ﴾ وإن حكمها كان في حال قلة المسلمين، فلما كثروا
نُسخت، وأباح الله التخلف عن الجهاد مع الحكام لمن شاء. قال قتادة: كان
هذا خاصاً بالنبي وَل#، إذا غزا بنفسه فليس لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر؛
فأما غيره من الأئمة والولاة، فلمن شاء أن يتخلف خَلْفه من المسلمين إذا لم
يكن بالناس حاجة إليه ولا ضرورة. قال القرطبي: قول قتادة حسن، بدليل
غزاة تبوك.
أما المعذورون الباقون في المدينة فلهم مثل أجر العاملين المجاهدين؛ لما
روى أبو داود عن أنس بن مالك أن رسول الله وَ ل قال: ((لقد تركتم بالمدينة
أقواماً، ماسِرْتم مَسِيراً، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من واد إلا وهم
معكم فيه، قالوا: يا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال:
حبسهم العذر)) وأخرجه مسلم من حديث جابر قال: ((كنا مع رسول الله وَل
في غزاة، فقال: إن بالمدينة لرجالاً ماسرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً إلا كانوا
معكم، حبسهم المرض)) فأعطى وَلي للمعذور من الأجر مثل ما أعطى للقوي
العامل. ويؤكد ذلك أن النية الصادقة هي أصل الأعمال، فإذا صحت في فعل
طاعة، فعجز عنها صاحبها لمانع منها، فله الثواب على عمله؛ لقوله ◌َالچي فيما
رواه البيهقي عن أنس وهو ضعيف: ((نية المؤمن خير من عمله)).

٨٠
لُ (١١) - التَّوَّةِ: ٩/ ١٢٢
الجهاد فرض كفاية وطلب العلم فريضة
وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَافَّةٌ فَلَوَّلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ
طَآئِفَةٌ لِيَنَفَقَّهُواْ فِىِ الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوَاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
١٢٢٦
الإعراب:
لولا : للتحضيض، وهي داخلة هنا على الماضي، فتفيد التوبيخ واللوم على
ترك الفعل فيما مضى، والأمر به في المستقبل.
المفردات اللغوية:
( لِيَنْفِرُواْ﴾ إلى الجهاد ﴿فَلَوَّلًا﴾ فهلا وهي تفيد الحض والحث على ما
تدخل عليه ﴿نَفَرَ﴾ خرج للقتال ﴿فِرْقَةٍ﴾ قبيلة أو جماعة عظيمة ﴿طَابِفَةٌ﴾
جماعة قليلة أقلها اثنان أو واحد، ومكث الباقون ﴿لِيَنَفَقَّهُواْ﴾ ليتعلم الباقون
الفقه والأحكام الشرعية، والتفقه: تكلف الفقاهة والفهم، وتجشم مشاق
التحصيل ﴿وَلِيُنْذِرُواْ﴾ يخوفوا ﴿إِذَا رَجَعُوْ إِلَيْهِمْ﴾ من الجهاد، بتعليمهم ما
تعلموه من الأحكام ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ليحذروا عقاب الله بامتثال أمره
ونهيه، والحذر من الشيء: التحرز منه.
سبب النزول:
أخرج ابن أبي حاتم عن عِكْرمة قال: لما نزلت: ﴿إِلَّا نَفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ
عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وقد تخلف عنه ناس في البدو يُفَقِّهُون قومهم، فقال المنافقون:
قد بقي ناس في البوادي، هلك أصحاب البوادي، فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ
اُلْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَافَّةٌ﴾.