النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١
◌ِلُ (١١) - التَوَتِير: ٩ / ١٠٧-١١٠
١- (إلا أن تَقَطَّع) وهي قراءة ابن عامر، وحفص، وحمزة.
٢- (إلا أن تُقَطَّع) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ﴾ عطف على ﴿ وَءَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ أو مبتدأ، وخبره:
﴿لَا يَزَالُ بُنْيَنُهُمُ﴾، أو خبره محذوف، أي وفيمن وصفنا أو ممن ذكرنا
الذين الَّخذوا، أو كما رجح أبو حيان منصوب على الاختصاص، كقوله
تعالى: ﴿وَأْمُقِيمِينَ الصَّلَوَةَ﴾ [النساء: ١٦٢/٤].
(ضِرَارًا﴾ إما منصوب على المصدر أي مضارّة للمؤمنين، وإما مفعول به،
وما بعده من المنصوبات عطف عليه . ﴿مِن قَبْلٌ﴾ متعلق بحارب أو باتّخذوا،
أي اتَّخذوا مسجداً من قبل أن ينافق هؤلاء بالتَّخلف، لما روي أنه بني قبيل
غزوة تبوك.
﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ فيه مضاف محذوف، تقديره: من تأسيس أول يوم؛ لأن
﴿مِنْ﴾ لا تدخل على ظروف الزمان. ويرى الكوفيون أنها تدخل على ظروف
الزمان، فلا تحتاج إلى تقدير مضاف.
﴿هَارٍ﴾ صفة، أصله هائر، فقلب، كما قالوا: لاثٍ في لائث، وشاكٍ في
شائك. وحذفت الياء كما حذفت في نحو قاضٍ ورامٍ في الرّفع والجرّ.
﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ﴾ من: بمعنى الذي مبتدأ، وخبره : .
البلاغة:
﴿هَارٍ فَأَنْهَارَ﴾ بينهما جناس ناقص.
﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَنَهُ عَلَى تَقْوَى﴾ استعارة مكنية، حيث شبهت التّقوى
٤٢
لُ (١١) - التَّوَتَّةِ: ٩ / ١٠٧-١١٠
والرّضوان بأرض صلبة يقوم عليها البناء، ثم حذف المشبه به وأشير إلى شيء
من لوازمه وهو التّأسيس. والاستفهام معناه التّقرير.
﴿لَا يَزَالُ بُنْيَنُهُمُ﴾ مصدر أريد به اسم المفعول.
المفردات اللغوية:
:
﴿وَالَّذِينَ﴾ أي ومنهم الذين اتَّخذوا مسجد الضِّرار، وهم اثنا عشر من
المنافقين. (ضِرَارًا﴾ مضارّة لأهل مسجد قباء، والضِّرار: إيقاع الضَّرر بالغير
ولا منفعة لك فيه، والضَّرر: إيقاع الضَّرر بالغير وفيه لك منفعة. وكلاهما
ممنوع للحديث الذي رواه أحمد وابن ماجه عن ابن عباس: ((لا ضرر ولا
ضرار)». ﴿وَكُفْرًا﴾ لأنهم بنوه بأمر أبي عامر الرّاهب، ليكون معقلاً له،
يقدم فيه من يأتي من عنده، وكان ذهب ليأتي بجنود من قيصر، لقتال النَّبي ◌َّ.
﴿ وَتَفْرِبِقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين يصلّون بقباء، بصلاة بعضهم فيه، أي
الذين يجتمعون للصّلاة في مسجد قُباء. ﴿وَإِرْصَادًا﴾ ترقُّباً وانتظاراً مع
العداوة. ﴿لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلٌ﴾ يعني من قبل بنائه، وهو أبو
عامر الراهب . ﴿إِنْ أَرَدْنَا﴾ ما أردنا ببنائه. ﴿إِلَّا الْحُسْنَى﴾ الفعلة أو الخصلة
أو الإرادة الحسنى من الرّفق بالمسكين في المطر والحرّ والتّوسعة على المسلمين.
{إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ في حلفهم ذلك، وكانوا سألوا النَّبِي وَّ، فنزل: ﴿لَا
نَقُمْ﴾.
﴿لَا نَقُمُ فِيهِ أَبَدًا﴾ لا تصلِّ فيه أبداً، فأرسل جماعة هدموه وحرقوه
وجعلوا مكانه كُناسة تلقى فيها الجيف.
﴿الَّمَسْجِدُّ أُسِسَ عَلَى اُلتَّقْوَى﴾ أسسه رسول الله وَّهِ وصلَّ فيه أيام مقامه
بقباء من الاثنين إلى الجمعة. والتأسيس: وضع الأساس الأول الذي يقوم
عليه البناء . ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ أي بني من أول أيام وجوده، يوم حللت بدار
الهجرة، وهو مسجد قباء، كما في البخاري. والتّقوى: ما يرضي الله ويقي من
٤٣
الجُزُ (١١) - التَوَّة: ٩ / ١٠٧ -١١٠
سخطه. ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيَةٍ﴾ أجدر بأن تقوم فيه . ﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾ هم
الأنصار. ﴿يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ أي يثيبهم.
﴿عَلَى تَقْوَى﴾ مخافة من الله. ﴿وَرِضْوٍَ﴾ ورجاء رضوان منه وهذا مثال
مسجد قباء. ﴿عَلَى شَفَا﴾ طرف أو حرف أو حدّ ﴿جُرُفٍ﴾ جانب الوادي
ونحوِهِ . ﴿هَارٍ﴾ مشرف على السقوط . ﴿فَأَنْهَارَ بِهِ،﴾ سقط مع بانيه .﴿فِی نَارِ
ثُمَ﴾ وهذا تمثيل للبناء على غير التقوى بما يؤول إليه، وهو مثال مسجد
الضِّرار.
﴿رِيبَةٌ﴾ شكّاً وحيرة. ﴿تَقَطَّعَ﴾ تنفصل وتتفرّق قلوبهم أجزاء، بأن يموتوا.
﴿وَاَللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بخلقه. ﴿حَكِيمُ﴾ في صنعه بهم.
سبب النّزول:
نزول آية ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ﴾:
قال المفسّرون: إن بني عمرو بن عوف وهم من الأوس اتَّخذوا مسجد
قُبَاء(١)، وبعثوا إلى رسول الله وَّ ر أن يأتيهم، فأتاهم فصلَّ فيه، فحسدهم
إخوانهم بنو غُنْم بن عوف وهم من الخزرج، وقالوا: نبني مسجداً، ونبعث
إلى النَّي وَ لّ يأتينا فيصلِي لنا فيه، كما صلّ في مسجد إخواننا، ويصلِي فيه أبو
عامر الراهب إذا قدم من الشّام؛ فأتوا النَّبِي وََّ، وهو يتجهَّز إلى تبوك،
فقالوا: يا رسول الله، قد بنينا مسجداً لذي الحاجة، والعِلّة، والليلة المطيرة،
ونحبّ أن تصلِي لنا فيه وتدعو بالبركة.
فقال النَّبِي وَّهِ: ((إنِّي على سفر وحال شغل، فلو قدِمنا لأتيناكم، وصلَّينا
لکم فیه)».
(١) لما هاجر النَّبِي وَّه إلى المدينة، نزل أولاً قباء على كلثوم بن الهدم شيخ بني عمرو بن عوف،
وهم بطن من الأوس. وقباء: قرية على ميلين جنوب المدينة، وأقام بها رسول الله وَليم من
الاثنين إلى الجمعة، وأسس مسجد قباء.
٤٤
اِلُُ (١١) - التَوَتَّة: ٩ / ١٠٧-١١٠
فلما انصرف النَّبِي وَ لّ من تبوك أتوه وقد فرغوا منه، وصلّوا فيه الجمعة
والسبت والأحد، فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم، فنزل عليه القرآن بخبر مسجد
الضِّرار.
فدعا النَّبِي ◌َّ﴿ مالك بن الدُّخْشُم، ومَعْن بن عدي، وعامر بن السَّكَن،
ووَحْشياً قاتل حمزة، فقال: ((انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدموه
وأحرقوه)).
فخرجوا مسرعين، وأخرج مالك بن الدُّخْشُم من منزله شعلة نار، ونهضوا
فأحرقوا المسجد وهدموه، وکان الذين بنوه اثني عشر رجلاً.
وأما أبو عامر الراهب: فهو رجل من الخزرج، كان قد تنصّر، وكان له
منزلة كبيرة في أهل الكتاب، فلما قدم النَّبي ◌َلّ إلى المدينة مهاجراً، واجتمع
عليه المسلمون، وعلت كلمة الإسلام، خرج فارّاً إلى مكة، وألَّب المشركين
على المسلمين في وقعة أُحد. ولما فرغ الناس من الموقعة فرَّ إلى هرقل ملك الرّوم
یستنصره، فوعده وحباه.
وكتب أبو عامر إلى جماعة من قومه من أهل النّفاق: أنه سيقدم بجيش يقاتل
به محمداً ويغلبه، وأمرهم أن يتَّخذوا له مَعْقِلاً يأوي إليه من يقوم من عنده
لأداء كتبه، ويكون مرصداً له إذا قدم عليهم بعد ذلك.
والخلاصة: أن هذا المسجد بناه اثنا عشر رجلاً من المنافقين، بمشورة أبي
عامر الرّاهب، ولقي هوىّ في نفوس أبناء عم بني عمرو بن عوف، لينافسوهم
على تأسيس مسجد قباء، ومضاهاتهم به، وليكون مقرّاً لأبي عامر إذا قدم،
ليكون إمامهم فيه.
سبب نزول: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَنَطَهَرُواْ﴾:
ج
أخرج التّرمذي عن أبي هريرة قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء: ﴿فِيهِ
رِجَالٌ﴾ قال: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم.
٤٥
المُ (١١) - الْتَوَّة: ٩/ ١٠٧- ١١٠
وأخرج ابن جرير عن عطاء قال: أحدث قوم الوضوء بالماء من أهل قباء،
فنزلت فيهم: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَهِّرِينَ﴾.
وقال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَنَطَهَرُواْ﴾
بعث رسول الله ولو إلى عويم بن ساعدة، فقال: ((ما هذا الطّهور الذي أثنى
الله عليكم؟)) فقال: يا رسول الله، ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا
غسل فرجه أو قال: مقعدته، فقال النَّبِي وَلَّ: ((هو هذا)).
وقيل: لما نزلت مشى رسول الله وَلقر، ومعه المهاجرون، حتى وقف على
باب مسجد قباء، فإذا الأنصار جلوس، فقال عليه الصّلاة والسّلام:
((أمؤمنون أنتم؟)) فسكتوا، فأعادها، فقال عمر: إنهم مؤمنون، وأنا معهم،
فقال عليه الصّلاة والسّلام: ((أترضون بالقضاء؟)) قالوا: نعم، قال:
((أتصبرون على البلاء؟)) قالوا: نعم، قال: ((أتشكرون في الرّخاء؟)) قالوا:
نعم، قال عليه الصّلاة والسّلام: ((أنتم مؤمنون، وربّ الكعبة)) فجلس، ثم
قال: ((يا معشر الأنصار، إن الله عزّ وجلّ قد أثنى عليكم، فما الذي تصنعون
عند الوضوء، وعند الغائط؟))، فقالوا: يا رسول الله، نتبع الغائط الأحجار
الثلاثة، ثم نتبع الأحجار الماء، فتلا: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَنَطَهَّرُواْ﴾
الآية.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى أوصاف المنافقين وطرائقهم المختلفة في النِّفاق، قال:
﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾.
التفسير والبيان:
ومن المنافقين الذين ذكرناهم جماعة بنوا مسجد الضِّرار بجوار مسجد قباء،
وكانوا اثني عشر رجلاً من منافقي الأوس والخزرج، لأسباب أربعة هي:
٤٦
◌ِلُ (١١) - التَوَّة: ٩ / ١٠٧- ١١٠
اً - مضارّة المؤمنين من أهل مسجد قباء الذي بناه النَّبِي وَّل بمجرد
وصوله إلى المدينة.
٢ - الكفر بالنَّبي عليه الصّلاة والسّلام وبما جاء به، وللطعن عليه وعلى
الإسلام، واتخاذه مقرّاً للكيد والتّآمر على المسلمين، فصار مركز الفتنة، وبيت
النِّفاق، ومأوى المنافقين، للتّهُّب من أداء الصّلاة. وهذا كفر؛ لأن الكفر
يطلق على الاعتقاد والعمل المنافيين للإيمان.
٣ - التّفريق بين المؤمنين الذين كانوا يصلّون خلف النَّبِيِنَّ في مسجد
واحد، فإذا صلّ فيه بعضهم، حدثت الفرقة، وبطلت الألفة، وتفرّقت
الكلمة. لذا كان الأصل أن يصلِّي المسلمون في مسجد واحد، ويكون تكثير
المساجد لغير حاجة منافياً لأغراض الدِّين وأهدافه.
٤ - الإرصاد، أي التّرقب والانتظار لمجيء من حارب الله ورسوله إليه،
ويتّخذه مقرّاً له، ومكاناً لقوم راصدين مستعدين للحرب معه، وهم المنافقون
الذين بنوا هذا المسجد.
:
والمقصود بمن حارب الله ورسوله كما ذكر في سبب النزول: هو أبو عامر
الراهب من الخزرج، والد حنظلة الذي غسلته الملائكة، وسماه رسول الله
وَلّه: الفاسق، وكان قد تنصَّر في الجاهلية، وترّب وطلب العلم، فلما خرج
رسول الله جم عاداه؛ لأنه زالت رياسته، وقال للرّسول وَل﴿ يوم أحد: ((لا
أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم)) فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين، فلما
انهزم مع هوازن، هرب إلى الشّام، ليأتي من قيصر بجنود يحارب بهم رسول الله
وَلَه، ومات بقِنَّسرين (بلد في شمال سوريا) وحيداً. وقيل: كان يجمع الجيوش
يوم الأحزاب، فلما انهزموا خرج إلى الشّام.
فذهاب أبي عامر إلى هرقل كان إما بعد يوم أُحد، أو بعد يوم حنين، أو
بعد يوم الأحزاب (الخندق) بحسب ما دلّت عليه الرّوايات.
٤٧
المُ (١١) - التَوَتَّة: ٩/ ١٠٧-١١٠
وليحلفن هؤلاء المنافقون: ما أردنا ببنائه إلا الفعلة الحسنى، وهي الرّفق
بالمسلمين، وتيسير صلاة الجماعة على أهل الضّعف والعجز، وفي أثناء المطر؛
ليصدقهم الرّسول وَله، وليصلِّي معهم فيه، تغريراً لبقية المسلمين، والله تعالى
يعلم أنهم لكاذبون في أيمانهم وادِّعائهم، منافقون في أعمالهم، وقد أطلع
رسوله بذلك، فمعنى قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَشْهَدُ﴾: أنه يعلم خبث ضمائرهم
وكذبهم فيما يحلفون عليه.
وبما أنهم بنوه للضّرر والإساءة نهى الله تعالى بوحيه إلى جبريل أن يصلّي
فيه؛ والأمّة تبع له في ذلك، فقال: ﴿لَا نَقُمُ فِيهِ أَبَدًا﴾ أي لا تُصَلِّ فيه
أبداً، وقد يعبر عن الصّلاة بالقيام، يقال: فلان يقوم الليل، ومنه الحديث
الصحيح لدى البخاري: ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدّم من
ذنبه)). ويلاحظ استعمال الظّرف ﴿أَبَدًا﴾ الذي يستغرق الزمن المستقبل کله؛
لاتِّصاله بلا النافية، فيفيد العموم.
ثم حثّه على الصّلاة في مسجد قباء لأمرين: الأول - أنه بني على التّقوى،
أي الذي أسس من أول يوم بنيانه على التّقوى وهي طاعة الله وطاعة رسوله،
وجمعاً لكلمة المؤمنين، ومعقلاً وموئلاً للإسلام وأهله، فقال: ﴿لَّمَسْجِدُ
أُسِسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ أي إن المسجد المؤسس على التقوى، تقوى الله،
بإخلاص العبادة فيه، وجمع المؤمنين على محبة رسول الله وَالر، والعمل على
وحدة الإسلام، أولى وأحق من غيره بالصّلاة فيه أيها الرّسول.
والمراد به كما جاء في صحيح البخاري، وكما دلّ عليه السياق والقصة:
مسجد قباء، لهذا جاء في الحديث الصحيح: أن رسول الله وَ لاه قال: ((صلاة
في مسجد قباء کعمرة».
لكن روى أحمد ومسلم والنسائي أنّ النَّبِي ◌َّ سئل عنه، فأجاب بأنه.
مسجده الذي في المدينة. ولا مانع من إرادة المسجدين؛ لأن كلّاً منهما قد بني
على التقوى، من أول يوم بدئ ببنائه.
٤٨
الجُ (١١) - التَوَّةِ: ٩ / ١٠٧-١١٠
الثاني - إن في هذا المسجد رجالاً يحبّون أن يتطهّروا طهارة معنوية: وهي
التّطهُّر عن الذّنوب والمعاصي، وطهارة حسية للثوب والبدن بالوضوء
والاغتسال، وبالماء بعد الحجر في الاستنجاء، وهذا النوع الأخير هو قول
أكثر المفسرين، والأولى إرادة نوعي التّطُّر.
والله يحبّ المطّهّرين، أي المبالغين في الطهارة الرّوحية المعنويّة والجسديّة
البدنيّة، وهؤلاء هم الكمل بين النّاس. قال البيضاوي: فيه رجال يحبّون أن
يتطهَّروا من المعاصي والخصال المذمومة طلباً لمرضاة الله، وقيل: من الجنابة،
فلا ينامون عليها. والله يحبّ المطهّرين: يرضى عنهم ويدنيهم من جنابه تعالى
إدناء المحبّ حبيبه.
وقال في الكشّاف: محبتهم للتّطھُّر: أنهم يؤثرونه ويحرصون علیہ حرص
المحبّ للشيء المشتهي له على إيثاره، ومحبة الله تعالى إياهم: أنه يرضى عنهم،
ويحسن إليهم، كما يفعل المحبّ بمحبوبه(١).
فمحبة الله عباده: معناها الرِّضا والقبول والإدناء؛ لأن الله تعالى منزه عن
مشابهة صفاتنا، فحبّه غير حبّنا، وهو شيء يليق بكماله تعالى، كما جاء في
· الحديث القدسي الذي يرويه البخاري: ((ولا يزال عبدي يتقرّب إلي بالنّوافل
حتى أحبّه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به)).
والحبّ في هذه الآية يشبه أيضاً حبّ الله تعالى في تطهير آل بيت النّبوة في قوله
تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ
تَظْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٣
ثم قارن الله تعالى بين أهداف بناء المسجدين فقال: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ
بُنْيكنُ﴾ أي لا يستوي من أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان، أي على
(١) الكشاف: ٥٨/٢
٤٩
الُ (١١) - التَوَتَّةِ: ٩ / ١٠٧ - ١١٠
أساس متين نافع في الدُّنيا والآخرة، ومن بنى مسجداً ضراراً وكفراً، وتفريقاً
بين المؤمنين، وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل، فإنما يبني هؤلاء
بنيانهم على شفا جُرُف هارٍ، أي ساقط، وجرُف: جانب الوادي الذي ينحفر
بالماء، والمعنى: على طرف حفرة أو واد، أي أساس ضعيف منهار، مشرف
على السقوط، فإذا انهار فإنما ينهار في قعر جهنم، والله لا يهدي القوم الظالمين
أي لا يصلح عمل المفسدين، ولا يوفقهم إلى الحق والعدل والسّداد
والصّواب وما فيه صلاحهم ونجاتهم.
قال الرّازي(١): ولا نرى في العالم مثالاً أجدر مطابقة لأمر المنافقين من
هذا المثال!
وحاصل الكلام أن أحد البناءين قصد بانيه ببنائه تقوى الله ورضوانه،
والبناء الثاني قصد بانيه ببنائه المعصية والكفر، فكان البناء الأول شريفاً
واجب الإبقاء، وكان الثاني خسيساً واجب الهدم.
قلے
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْهَارَ بِهِ، فِ نَارِ جَهَنَّمَ﴾ قيل: إن ذلك حقيقة، أي إنه
موضع من مواضع جهنم، وقيل: إنه مجاز، والمعنى: صار البناء في نار
جهنم، فكأنه انهار إليه وهوی فیه.
ثم أبان الله تعالى ما يجسِّده إقامةُ المنافقين مسجد الضِّرار من معانٍ سيئة ثابتة
راسخة على ممرّ التاريخ، فقال: ﴿لَا يَزَالُ بُلْيَنُهُمُ﴾ أي لا يزال بناؤهم
هذا وهدمه سبب شكهم في الدِّين، وتزايد نفاقهم؛ لأنه يجسِّد آثار النّفاق
والكفر، فقد أورثهم نفاقاً في قلوبهم، كما أشرب عابدو العجل حبّه،
وأصبح وسمه لا يزول عن قلوبهم، فلا يزال هذا شأنهم في جميع الأحوال إلا
في حال تقطع قلوبهم أجزاءً، بحيث لا يبقى لها قابلية الإدراك، أي بموتهم،
وهو في غاية المبالغة، والاستثناء من أعم الأزمنة.
(١) تفسير الرازي: ١٩٧/١٦
٥٠
الُ (١١) - التَوَية: ٩ / ١٠٧-١١٠
والمراد أن هذا البناء الذي فرحوا به مصدر استلهام الشّكوك في الدِّين،
ومظهر تجسيد الكفر والنِّفاق الجاثم في نفوسهم، فحينما أمر النَّبي ◌ُّ بهدمه،
ثقل ذلك عليهم، وازداد بغضهم له، وازداد ارتيابهم في نبوّته، وعظم
خوفهم، وارتابوا في أمرهم: هل سيُتركون أو يُقتلون؟ فكان ذلك البنيان
نفسه ريبة، لكونه سبباً للرِّيبة، وظهرت سببيّته للرِّيبة بتخريبه وهدمه.
والله عليم بأعمال خلقه، حكيم في مجازاتهم عنها من خير أو شرّ، ومن
حكمته تبيان حال المنافقين وإظهار ما خفي من أمرهم، لمعرفة الحقائق.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات على ما يأتي:
اً - من المنافقين جماعة أقاموا مسجد الضِّرار بجوار مسجد قباء لمقاصد
أربعة: محاولة الضِّرار، والكفر بالنَّبِي بَّهِ وبما جاء به، وتفريق جماعة
المؤمنين، واتّخاذه معقلاً لمن عادى الله ورسوله.
والمقصود في الضِّرار بالمسجد من أهله، وليس لذات المسجد ضرار.
◌َ - كانت أيمانهم على حسن النِّيّة، وسلامة القصد كاذبة.
◌َّ - قال المالكية: كل مسجد بني على ضرار أو رياء وسمعة فهو في حكم
مسجد الضِّرار لا تجوز الصّلاة فيه. ولا يجوز أن يبنى مسجد إلى جنب
مسجد، ويجب هدمه والمنع من بنائه، لئلا ينصرف أهل المسجد الأول، فيبقى
شاغراً، إلا إذا كانت البلدة كبيرة، وأهلها كثيرون، ولم يعد يكفيهم مسجد
واحد، فيبنى حينئذٍ. ولا ينبغي أن يبنى في البلد الواحد جامعان وثلاثة،
ويجب منع الثاني؛ ومن صلّ فيه الجمعة لم تُجْزِه(١).
(١) تفسير القرطبي: ٢٥٤/٨
٥١
المُ (١١) - التَّوَتَّية: ٩ / ١٠٧ -١١٠
٤ - قال العلماء: إن من كان إماماً لظالم لا يصلّ وراءه، إلا أن يظهر
عذره أو يتوب، فإن عمر بن الخطّاب في خلافته لم يأذن لمجمِّع بن جارية أن
يصلّي إماماً في مسجد قباء؛ لأنه كان إمام مسجد الضِّرار، ثم أذن له لمّا تبيَّن
أنه كان جاهلاً بما أضمر عليه المنافقون.
۵ - إذا كان المسجد الذي يتخذ للعبادة يُهدم إذا كان فيه ضرر بغيره، فکل
ما فيه ضرر يزال ويهدم، كمن بنى فُرْناً أو رحى أو حفر بئراً أو غير ذلك مما
يُدخل به الضَّرر على الغير. والضابط: أن من أدخل على أخيه أو جاره ضرراً
مُنع، وهذا ما يسمَّى حديثاً عند القانونيين: نظرية التّعسُّف في استعمال الحقّ.
وقد سبق فقهاء المالكية وغيرهم إلى تقرير هذه النّظرية.
٩ - الكفر العملي: قال ابن العربي: لما كان اعتقادهم أنه لا حرمة لمسجد
قُباء ولا لمسجد النَّبِي وَلّ، كفروا بهذا الاعتقاد.
لاً - دلّ قوله تعالى: ﴿وَتَفْرِبِقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ على أنّ المقصد الأسمى من
وجود الجماعة تأليف القلوب واتحادهم على الطّاعة، حتى يأنسوا بالمخالطة،
وتصفو القلوب من الأحقاد.
واستنبط مالك من هذه الآية: أنه لا تصلّ جماعتان في مسجد واحد
بإمامين، خلافاً لسائر العلماء.
٨ - دلّ قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ أي ما أردنا ببنائه
إلا الفعلة الحسنى، على أن الأفعال تختلف باختلاف المقصود والإرادة.
١ - تحريم الصّلاة في مسجد الضّرار؛ لقوله تعالى: ﴿لَا نَقُمُ فِيهِ أَبَدًا﴾
يعني مسجد الضِّرار.
· أ - أحقّة مسجد التّقوى بالصّلاة فيه، والتّقوى: هي الخصال التي تُتَّقى
بها العقوبة.
٥٢
الُ (١١) - التَّوَّةِ: ٩ / ١٠٧-١١٠
١١ - ترغيب الإسلام بالنّظافة المعنوية (السّلامة من الأحقاد وصفاء
النّفس وصحّة الإيمان) والنظافة البدنيّة (بالوضوء والاغتسال وإزالة النّجاسة
عن الثَّوب والبدن والمكان) لأن الله تعالى في هذه الآية أثنى على من أحبَّ
الطَّهارة وآثر النَّظافة.
وللعلماء في إزالة النجاسة ثلاثة أقوال:
الأول - أنه واجب فرض، ولا تجوز صلاة من صلَّ بثوب نجس، عالماً
كان أو ساهياً، وهو قول الشّافعي وأحمد، وروي عن مالك.
الثاني - إن كانت النّجاسة قدر الدّرهم أعاد الصّلاة. وقدر الدّرهم قياس
على حلقة الدّبر. وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
الثالث - إزالة النجاسة من الثياب والأبدان سنّة وليس بفرض، وهو قول
آخر لمالك وأصحابه.
قال القرطبي: والقول الأول أصح إن شاء الله؛ لأنّ النَّبي ◌َّ - فيما
يرويه البخاري ومسلم - مرّ على قبرين، فقال: ((إنهما ليعذَّبان وما يعذَّبان في
كبير، أما أحدهما: فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستبرئ من
بوله)) ولا يعذّب الإنسان إلا على ترك واجب. وروى أبو بكر بن أبي شيبة
وأحمد وابن ماجه والحاكم عن أبي هريرة عن النَّبِي بَّ قال: ((أكثر عذاب
القبر من البول)).
واحتجّ الآخرون بخلع النَّبي ◌َ لهَ نعليه في الصّلاة لما أعلمه جبريل عليه
السّلام أنّ فيهما قذراً وأذىّ(١). ولما لم يعد ما صلَّ دلّ على أنّ إزالة النجاسة
سنّة، وصلاته صحيحة، ويعيد ما دام في الوقت، طلباً للكمال.
(١) أخرجه أبو داود وغيره عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
٥٣
اِلُُ (١١) - التَّوَّة: ٩/ ١١١-١١٢
١٢ - دلّت آية: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ﴾ على أن كل شيء ابتدئ بنيّة تقوى الله
تعالى والقصد لوجهه الكريم، هو الذي يبقى، ويسعد به صاحبه، ويصعد إلى
الله ويرفع إليه: ﴿وَاُلْبَقِيَتُ الصَّلِحَتُ خَيْرُ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرُّ أَمَلًا﴾ [الكهف:
٤٦/١٨] .
١٣ - كان مسجد الضِّرار سبباً لريبة المنافقين، فإنهم لما بنوه عظم فرحهم
به، ولما أمر الرّسول ◌َ # بتخريبه، ثقل ذلك عليهم، وازداد بغضهم له، وزاد
ارتيابهم في نبوّته. وظلّ ذلك الرَّيب في قلوبهم حتى الموت.
صفات المؤمنين الصادقين الكمل
وهم المجاهدون التائبون العابدون
إِنَّ اللَّهَ اُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ
اُلْجَنَّةٌ يُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُفْئَلُونٌ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِى
التَّوْرَةِ وَالْإِنِيلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اللَهِّ فَاسْتَبْشِرُواْ بِيْعِكُمُ
الَّذِى بَايَعْتُم بِدٍ، وَذَلِكَ هُوَ اُلْفَوْزُ الْعَظِيمُ ® التَِّبُونَ الْعَنِدُونَ الْحَمِدُونَ
اُلسَتَبِحُونَ الزَّكِعُونَ السَجِدُونَ الَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالْنَاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ
١١٢
وَالْحَفِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهُ وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ
القراءات:
﴿ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونٌ﴾ :
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (فيُقتَلون ويَقتُلون).
﴿ وَاَلْقُرْءَانِ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً: (والقران).
٥٤
لُ (١١) - التَوَتّية: ٩ /١١١-١١٢
الإعراب:
﴿التَِّبُونَ﴾ إما بدل من واو ﴿فَيَقْنُلُونَ وَيُقْتَلُونٌَ﴾ أو خبر مبتدأ محذوف
تقديره: هم التائبون، أو مبتدأ وخبره: ﴿الَمِرُونَ﴾ وما بعده.
﴿ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ مصدران منصوبان بفعلهما المحذوف.
البلاغة:
﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى﴾ استعارة تبعية، شبه بذلهم الأنفس والأموال وإثابتهم
عليها بالجنة بالبيع والشراء. ولا يجوز أن يشتري الله شيئاً في الحقيقة؛ لأن الله
مالك لكل شيء. ولهذا قال الحسن: اشترى أنفساً هو خلقها، وأموالاً هو
رزقها.
(فَيَقْنُلُونَ وَيُفْئَلُونٌَ﴾ بينهما جناس ناقص، لاختلاف الشكل.
﴿فَاسْتَبْشِرُواْ﴾ فيه التفات عن الغيبة إلى الخطاب.
﴿ اَلْزَكِعُونَ السَّجِدُونَ﴾ أي المصلون، فيه مجاز مرسل، من إطلاق الجزء
وإرادة الكل.
﴿وَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الإظهار في موضع الإضمار أي بشرهم للتكريم
والاعتناء بهم، وللتنبيه على أن إيمانهم دعاهم إلى ذلك، وأن المؤمن الكامل:
من اتصف بتلك الصفات.
المفردات اللغوية:
﴿أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بأن يبذلوها في طاعته كالجهاد، وهذا تمثيل
مثل قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦/٢ و١٧٥].
﴿يُقَائِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ جملة استئناف بيان للشراء. ﴿وَمَنْ أَوْنَى
٥٥
الُءُ (١١) - الْتَوَّةِ: ١١١/٩-١١٢
بِعَهْدِهِ، مِنَ اْللَّهِ﴾ أي لا أحد أوفى منه. ﴿وَذَلِكَ﴾ المبيع. ﴿هُوَ اُلْفَوْزُ
الْعَظِيمُ﴾ المحقق غاية المطلوب.
﴿اَلْعَبِدُونَ﴾ المخلصون العبادة لله. ﴿اَلْحَمِدُونَ﴾ له على كل حال.
﴿السَِّحُونَ﴾ الصائمون. ﴿الزَّكِعُونَ السَّجِدُونَ﴾ المصلون. ﴿وَالْحَفِظُونَ
◌ِحُدُودِ اللَّهُ﴾ لأحكامه بالعمل بها. ﴿وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالجنة.
سبب النزول:
نزلت هذه الآية لما بايع الأنصار - وكانوا سبعين رجلاً - رسول الله وجل اله
في البيعة الثانية، وهي بيعة العقبة الكبرى، وكان أصغرهم سِنّاً عقبة بن
عمرو. أخرج ابن جرير عن عبد الله بن رَوَاحة قال لرسول الله وَليّة: اشترط
لربك ولنفسك ما شئت، قال: ((أشترطُ لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً،
وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم)) قالوا: فإذا فعلنا
ذلك فما لنا؟ قال: ((الجنة)) قالوا: ربح البيع، لا نُقيل ولا نستقيل، فنزلت:
﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ﴾ الآية.
المناسبة:
بعد أن أوضح الله تعالى فضائح المنافقين وقبائحهم بسبب تخلفهم عن غزوة
تبوك، وأبان أصناف المقصّرين من المؤمنين، ذكر حال المؤمنين الصادقين في
إيمانهم، وأولها الجهاد في سبيل الله.
التفسير والبيان:
هذه الآية تمثيل قصد به الترغيب في الجهاد، عبَّر فيه تعالى عن بذل المؤمنين
أنفسهم وأموالهم وإثابتهم بالجنة، كرماً وفضلاً وإحساناً، عبر عن ذلك
بالشراء والمعاوضة، فإنه قبل العوض عما يملكه بما تفضل به على عبيده
المطيعين له. قال الحسن البصري وقتادة: بايعهم والله فأغلى ثمنهم.
٥٦
الزُ (١١) - التَوَتَّةً): ١١١/٩-١١٢
والمعنى: إن الله تعالى اشترى من المؤمنين الأنفس والأموال بثمن هو
الجنة، أي مثّل الله إثابتهم بالجنة على بذلهم أنفسهم وأموالهم في سبيله بصفقة
الشراء. ثم استأنف بيان ما لأجله تم الشراء، وكيف يبيعون أنفسهم وأموالهم
بالجنة؟ فقال: يقاتلون في سبيل الله فيقتلون الأعداء، أو يستشهدون في سبيل
الله، فسواء قَتَلوا أو قُتلوا أو اجتمع الأمران، فقد وجبت لهم الجنة.
ثم أكد الله تعالى وعده وإخباره بقوله: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ أي وعدهم
بذلك وعداً أوجبه على نفسه وجعله حقاً ثابتاً مقرراً فيما أنزله على رسله في
التوراة المنزلة على موسى، والإنجيل المنزل على عيسى، والقرآن المنزل على محمد
صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وضياع التوراة والإنجيل وتحريفهما لا
ينفي وقوع ذلك، فقد أثبته الله في القرآن الذي جعله مصدقاً لتلك الكتب
ومهيمناً عليها.
ومن أوفى بعهده من الله؟ أي لا أحد أوفى بعهده وأصدق في إنجاز وعده
من الله، فإنه لا يخلف الميعاد، وهذا كقوله: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾
[النساء: ٨٧/٤] وقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢/٤].
وهذا مبالغة في الإنجاز وتقرير لكونه حقاً.
. وإذا كان الوفاء بالعهد مؤكداً على هذا النحو، فأظهروا غاية السرور
والفرح على ما فزتم به من الجنة، ثواباً من الله وفضلاً وإحساناً على بذلكم
أنفسكم وأموالكم الله. وذلك الفوز هو الفوز العظيم والنعيم المقيم الذي لا
فوز أعظم منه.
وهؤلاء المؤمنون المذكورون الباذلون أنفسهم وأموالهم في سبيل الله هم
التائبون عن الكفر حقيقة، الراجعون إلى الله، بتركهم كل ما ينافي مرضاته،
والتوبة تختلف باختلاف نوع المعصية، فالتوبة عن الكفر بالرجوع عنه، وتوبة
المنافق بترك نفاقه، وتوبة العاصي: بالندم على ما حصل منه والعزم على عدم
٥٧
لُ (١١) - التَّوَتَّة: ١١١/٩-١١٢
العود لمثله في المستقبل، وتوبة المقصر في شيء: بالتعويض عن تقصيره، وتوبة
الغافل عن ربه: بالإكثار من ذكره وشكره.
وهم العابدون: الذين عبدوا الله مخلصين له الدين، الحامدون لنعمائه، أو
لما نالهم من السّاء والضراء، قالت عائشة رضي الله عنها: كان النبي ◌َّ إذا
أتاه الأمر يسرُّه قال: ((الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات)) وإذا أتاه الأمر
يكرهه قال: ((الحمد لله على كل حال)).
السائحون في الأرض للجهاد أو لطلب العلم أو الرزق الحلال، أو
الصائمون، لقوله ◌َم فيما رواه الحاكم عن أبي هريرة: ((السائحون هم
الصائمون)) لأنه يعوق عن الشهوات واللذات، كما أن السياحة كذلك غالباً،
أو لأنه رياضة نفسانية يتوصل بها إلى الاطلاع على خفايا الملك والملكوت.
الراكعون الساجدون أي المؤدون صلواتهم المفروضة، وخص الركوع
والسجود بالذكر لشرفهما ولما فيهما من الدلالة على التذلل والتواضع لله
تعالی.
الآمرون بالمعروف أي الداعون إلى الإيمان والطاعة، والناهون عن المنكر
أي عن الشرك والمعاصي. والعاطف الواو هنا للدلالة على أنهما في حكم
خصلة واحدة، كأنه قال: الجامعون بين الوصفين.
والحافظون لحدود الله أي الحافظون لفرائض الله وشرائعه وأحكامه، وهذا
مجمل الفضائل، وما قبله مفصل لها، فمن اتصف بتلك الصفات كان حافظاً
حدود الله. وذكرت الواو هنا لقربه من المعطوف عليه وهو: ﴿ وَالنَّاهُونَ عَنِ
اَلْمُنكَرِ﴾. وقيل: إنها زائدة، وهذا ضعيف لا معنى له.
وجزاؤهم المعبر عنه بقوله: بشر أيها الرسول هؤلاء المؤمنين الموصوفين
بتلك الفضائل بخيري الدنيا والآخرة. وحذف المبشر به للتعظيم، كأنه قيل:
وبشرهم بما يجل عن إحاطة الأفهام وتعبير الكلام.
٥٨
الُ (١١) - التَوَتَّةِ: ١١١/٩-١١٢
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
اً - إن ثواب الجهاد في سبيل الله بالمال أو النفس أو بهما معاً هو الجنة.
وقد دل الله تعالى على هذا المعنى من طريق المجاز، بتمثيل المبذول وعوضه
بصفقة بيع وشراء، فمن العبد تسليم النفس والمال، ومن الله الثواب والنوال.
وأكد تعالى منحه الثواب والجنة بمؤكدات عشرة هي: كون المشتري هو الله،
وإيصال الثواب بالبيع والشراء، وذلك حق مؤكد، وقوله: وعداً، ووعد الله
حق، وإثباته في الكتب الكبرى: التوراة والإنجيل والقرآن، وهذا يتضمن
إِشهاد جميع الكتب وجميع الرسل والأنبياء على هذه المبايعة، وقوله: ﴿وَمَنْ
أَوْفَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اللَّهِ﴾؟ وهو غاية في التأكيد، وقوله: ﴿فَأُسْتَبْشِرُواْ
بِبَيْعِكُمُ﴾ وهو أيضاً مبالغة في التأكيد، وقوله: ﴿ وَذَلِكَ هُوَ اُلْفَوْزُ﴾ وقوله:
﴿اَلْعَظِيمُ﴾.
أَ - قال العلماء: كما اشترى من المؤمنين البالغين المكلفين، كذلك
اشترى من الأطفال، فآلمهم وأسقمهم، لما في ذلك من المصلحة وما فيه من
الاعتبار للبالغين، لأن هؤلاء يكونون أكثر صلاحاً وأقل فساداً عند ألم
الأطفال، ثم يعوض الله عز وجل هؤلاء الأطفال عوضاً حسناً.
٣ - القتال في سبيل الله وحده ومن أجل مرضاته هو المستحق لهذا الجزاء
وهو الجنة.
٤ - تشريع الجهاد أو مقاومة الأعداء قديم من عهد موسى عليه السلام.
٥ - لا أحد أوفى بعهده من الله، وهو يتضمن الوفاء بالوعد والوعيد،
لكن وعده للجميع، وأما وعيده فمخصوص ببعض المذنبين، وببعض
الذنوب، وفي بعض الأحوال.
٥٩
الُعُ (١١) - التَّوَتَّة: ١١١/٩-١١٢
أَ - قال الحسن عن آية: ﴿فَأُسْتَبْشِرُواْ بِبَيْحِكُمُ﴾: والله ما على الأرض
مؤمن إلا يدخل في هذه البيعة.
٧ - آية ﴿التَِّبُونَ الْعَبِدُونَ﴾ ذكرت أوصافاً تسعة، بعد صفة المجاهدين،
فتكون أوصاف المؤمنين الكمل عشرة، والآيتان مرتبطتان ببعضهما، لا
مستقلتان. قال ابن عباس: لما نزل: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآيةَ،
قال رجل: يا رسول الله، وإن زنى، وإن سرق، وإن شرب الخمر، فنزلت
﴿التَِّبُونَ﴾ الآية(١).
والأوصاف التسعة هي: الراجعون عن الحالة المذمومة في معصية الله إلى
الحالة المحمودة في طاعة الله، المطيعون الذين قصدوا بطاعتهم الله سبحانه،
والراضون بقضاء الله، المصرفون نعمته في طاعته، الذين يحمدون الله علی کل
حال، الصائمون، وسمي الصائم سائحاً لأنه يترك اللذات كلها من المطعم
والمشرب والمنكح. وقال عطاء: السائحون المجاهدون.
و ﴿الرَّحِعُونَ السَّجِدُونَ﴾ في الصلاة المكتوبة وغيرها ﴿الَمِرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي بالإيمان أو بالسنة ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ من الكفر
والبدعة والمعصية ﴿وَالْخَفِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهُ﴾ أي القائمون بما أمر به، والمنتهون
عما نهى عنه.
هذه أوصاف المؤمنين الكَمَلة، ذكرها الله، ليتسابق المؤمنون في الاتصاف
بها.
٨ - الحافظون لحدود الله تشمل جميع التكاليف الشرعية، سواء ما يتعلق
منها بالعبادات أو بالمعاملات. وأما تفصيل الصفات التسع قبلها، فلأنها أمور
تلازم المكلف غالباً.
(١) البحر المحيط: ١٠٣/٥
٦٠
الْجُ (١١) - التَّوَّة: ١١٣/٩-١١٦
٤ - قوله: ﴿وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ للتنبيه على أن البشارة المذكورة لم تتناول إلا
المؤمنين الموصوفين بهذه الصفات.
الاستغفار للمشركين
وشرط المؤاخذة (العقاب) على الذنوب
﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ
وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ
قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ (٣
إِبْرَهِيمَ لِأَبِهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَبَّنَ لَهُ: أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ
مِنْهُ إِنَّ إِبْرَهِيمَ لَأَوَّهُ حَلِيمٌ ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَنهُمْ
إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ
حَتَّى يُبَيْنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَّ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمُ (9)
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يُحِ، وَيُمِيتُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ
١١٦
القراءات:
لِلنَّىّ﴾
وقرأ نافع: (للنبيء).
البلاغة:
﴿لِيُضِلَ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَنهُمْ﴾ بينهما طباق. وكذلك بين ﴿يُحِ، وَيُمِيتُ﴾
﴿ مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا﴾ بينهما جناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ﴾ يطلبوا المغفرة. ﴿أُوْلِ قُرْبَى﴾ ذوي قرابة. ﴿أَصْحَبُ
اَلْجَحِيمِ﴾ النار، بأن ماتوا على الكفر. ﴿مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ﴾ بقوله: