النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
الُ (١١) - التَوَتَّةِ: ٩ / ١٠٠-١٠٢
﴿ وَءَخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ﴾: أخرج ابن مردويه وابن أبي حاتم عن ابن
عباس قال: غزا رسول الله وَالهر، فتخلَّف أبو لبابة وخمسة معه، ثم إن أبا لبابة
ورجلين معه تفكروا وندموا، وقالوا لنوثقن أنفسنا بالسواري فلا نطلقها،
حتى يكون رسول الله وَالو هو الذي يطلقها، ففعلوا، وبقي ثلاثة نفر لم يوثقوا
أنفسهم، فرجع رسول الله صل من غزوه، فقال: من هؤلاء الموثقون
بالسواري؟ فقال رجل: هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا فعاهدوا الله أن لا
يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم، فقال: لا أطلقهم حتى أؤمر
بإطلاقهم، فأنزل الله: ﴿ وَءَاخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية. فلما نزلت أطلقهم
وعذرهم، وبقي الثلاثة الذين لم يوثقوا أنفسهم لم يذكروا بشيء، وهم الذين
قال الله فيهم: ﴿وَءَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمِ اللَّهِ﴾ الآية، فجعل أناس يقولون:
هلكوا إذ لم ينزل عذرهم، وآخرون يقولون: ﴿عَسَى اَللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَهِمْ﴾.
حتى نزلت: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِفُواْ﴾.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى فضائل قوم من الأعراب ينفقون تقرباً إلى الله تعالى
ومن أجل دعاء الرسول، أبان فضائل قوم أعلى منهم منزلة وأعظم، وهي
منازل السابقين الأولين، ثم أتبعهم ببيان حال طائفة من منافقي المدينة وما
حولها، وإن كانوا غير معلومين بأعيانهم، وحال طائفة أخرى خلطوا صالح
العمل بسيئه وهؤلاء يرجى قبول توبتهم، ثم عاد بعدئذ لبيان حال طائفة
أخرى يرجى أمر قبول توبتهم إلى الله: ﴿وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة:
١٠٦/٩] .
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن رضاه على أرفع منزلة في المسلمين وتفضيلهم على من
عداهم، وهم السابقون الأولون، وهم ثلاث طبقات:

٢٢
الُ (١١) - التَّوَّة: ٩ /١٠٠-١٠٢
الأولى: السابقون الأولون من المهاجرين الذين هاجروا قبل صلح
الحديبية، فتقدموا على غيرهم في الهجرة والنصرة. وأفضل هؤلاء الخلفاء
الراشدون الأربعة، ثم العشرة المبشرون بالجنة، وأول السابقين من
المهاجرين: أبو بكر الصديق رضي الله عنه؛ لأن المعول عليه في السبق:
الإيمان والهجرة والجهاد والبذل والنصرة.
والثانية: السابقون الأولون من الأنصار: وهم أصحاب بيعة العقبة
الأولى في مِنى سنة إحدى عشرة من البعثة، وكانوا اثني عشر، ثم أصحاب بيعة
العقبة الثانية، وكانوا سبعين رجلاً وامرأتين.
والثالثة: التابعون للأولين بإحسان: أي بالإيمان والطاعة إلى يوم القيامة.
وهؤلاء جميعاً رضي الله عنهم بقبول طاعتهم وارتضاء أعمالهم، ورضوا
عنه بما أسبغ عليهم من نعمه الدينية والدنيوية، فأنقذهم من الشرك
والضلال، ووفقهم إلى الخير، وهداهم إلى الحق، وأعزهم وأغناهم، وأعز
بهم الإسلام، وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها أبداً،
وذلك هو الفوز العظيم الذي لا فوز غيره، وهو فوز شامل، كما أن نعيم
الجنة شامل للبدن والروخ معاً.
ويلاحظ أن الاتباع المطلوب هو الاتباع بإحسان، أي إحسان الأعمال
والنيات والظواهر والبواطن، أما الاكتفاء بظاهر الإسلام فلا يحقق شرط
الإحسان. وحينئذ ينطبق عليهم قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾
[آل عمران: ١١٠/٣] وقوله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ٢/
١٤٣] .
ثم أخبر الله تعالى عن فئة المنافقين حول المدينة وفيها، فقال: ﴿وَمِمَّنْ
حَوْلَكُ﴾ أي إن في المدينة وما حولها مردة المنافقين الذين مرنوا على النفاق
وأتقنوه، وثبتوا واستمروا فيه ولم يتوبوا، وهم مزينة وجهينة وأشجع وأسلم

٢٣
الُزُ (١١) - الْتَوَتّية: ٩ /١٠٠-١٠٢
وغفار، الذين كانت منازلهم حول المدينة، وكان جماعة منهم آخرون في المدينة
من الأوس والخزرج، لا تعلمهم أو لا تعرفهم بأعيانهم أيها النبي، ولا تعلم
عاقبة أمورهم، وإنما نحن نختص بعلمها وبمعرفتهم، كما قال تعالى فيهم: ﴿أَمّ
وَلَوْ فَشَآءُ
حَسِبَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم ◌َرَضُّ أَن لَّنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَنَهُمْ
لَأَرَبْنَكَهُمْ فَلَعَرَفْنَهُم بِسِيمَهُمَّ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِ لَحْنِ اُلْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَلَكُمْ
﴾ [محمد: ٢٩/٤٧ -٣٠].
وقوله ﴿وَمِمَنْ﴾ يشير إلى بعضهم، أما الآخرون فهم مؤمنون بدليل ما
رواه الشيخان عن أبي هريرة أن النبي وَلقر قال: ((قريش والأنصار وجهينة
ومزينة وأشجع وغفار موالي لله تعالى، لا موالي لهم غيره)) وقال ◌َله أيضاً
داعياً لبعضهم: ((أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها، أما إني لم أقلها، لكن
قالها الله تعالى)).
هؤلاء المنافقون سنعذبهم في الدنيا مرتين: بالفضيحة والمصائب في أموالهم
وأولادهم أولاً، ثم بآلام الموت وعذاب القبر ثانياً، أو بأخذ الأموال وإنهاك
الأبدان. قال ابن عباس: بالأمراض في الدنيا وعذاب الآخرة. فمرض المؤمن
كفارة، ومرض الكافر عقوبة.
ثم يكون لهم عذاب جهنم، وهو أشد العذاب.
والغرض من الآية بيان مضاعفة العذاب عليهم.
وهناك فريق آخر حول المدينة وفيها وهم: ﴿ وَءَاخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ بِذُنُوِبِهِمْ﴾ أي
إنهم جماعة أقروا بمعاصيهم واعترفوا بها لربهم، ولهم أعمال أخر صالحة،
خلطوا هذه بتلك، فهؤلاء تحت عفو الله وغفرانه، إن الله غفور لمن تاب،
رحيم بمن أحسن وأناب: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾
[الأعراف: ٥٦/٧] .

٢٤
الجُ (١١) - التَوَتية: ١٠٠/٩-١٠٢
وهذه الآية، وإن كانت نزلت في أناس معينين إلا أنها عامة في كل المذنبين
الخطائين المخلطين المتلوثين. قال مجاهد: إنها نزلت في أبي لبابة لما قال لبني
قريظة: إنه الذبح، وأشار بيده إلى حلقه. وقال ابن عباس وآخرون: نزلت في
أبي لبابة وجماعة من أصحابه تخلفوا عن رسول الله وَله في غزوة تبوك، فقال
بعضهم: أبو لبابة وخمسة معه، وقيل: وسبعة معه، وقيل: وتسعة معه ... إلخ
ما ذكر في سبب النزول.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على مايأتي:
اً - تفضيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار: وهم الذين سبقوا
إلى الهجرة قبل صلح الحديبية، وإلى النصرة في بيعتي العقبة الأولى والثانية.
وقيل: هم الذين صلوا إلى القبلتين، أو الذين شهدوا بيعة الرضوان، وهي
بيعة الحديبية، أو أهل بدر.
وأفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم الستة الباقون إلى تمام العشرة المبشرين
بالجنة، ثم البدريون، ثم أصحاب أُحُد، ثم أهل بيعة الرضوان بالحدَيْبِيّة. ولا
خلاف أن أول السابقين من المهاجرين أبو بكر الصديق.
وقال ابن العربي: السبق يكون بثلاثة أشياء: وهو التقدم في الصفة أو في
الزمان أو في المكان، فالصفة: الإيمان، والزمن: لمنْ حصل في أوان قبل
أوان، والمكان: من تبوَّأ دار النصرة واتخذه بدلاً عن موضع الهجرة. وأفضل
هذه الوجوه: سبق الصفات. والدليل عليه قول النبي ◌َّ في الحديث
الصحيح: ((نحن الآخرون الأولون، بَيْد أنهم أوتوا الكتاب مِنْ قَبْلنا، وأوتيناه
من بعدهم. فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله له، فاليهود غداً،
والنصارى بعد غد)) فأخبر النبي ◌َّ ر أن من سبقنا من الأمم بالزمان، فجئنا
بعدهم، سبقناهم بالإيمان، والامتثال لأمر الله تعالى، والانقياد إليه،

٢٥
لِلُزْعُ (١١) - التَّوَتية: ٩ /١٠٠-١٠٢
والاستسلام لأمره، والرضا بتكليفه، والاحتمال لوظائفه، لا نعترض عليه،
ولا نختار معه، ولا نبدِّل بالرأي شريعته، كما فعل أهل الكتاب، وذلك
بتوفيق الله لما قضاه، وبتيسيره لما يرضاه، وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا
الله(١).
والصحابي في علم الحديث: كل مسلم رأى رسول الله ول طفه. والتابعي: من
صحب الصحابي. قال أحمد بن حنبل: أفضل التابعين سعيد بن المسيِّب، فقيل
له: فعلقمة والأسود؟ فقال: سعيد بن المسيب، وعلقمة والأسود. وفي
التابعين طبقة تسمى المخضرمين: وهم الذين أدركوا الجاهلية وحياة رسول الله
وَليه وأسلموا ولا صحبة لهم، وعددهم كما ذكر مسلم عشرون نفساً، منهم
أبو عمرو الشيباني، وسويد بن غفلة الكِندي، وعمرو بن ميمون الأودي.
وممن لم يذكره مسلم: أبو مسلم الخولاني عبد الله بن ثُوَب، والأحنف بن
قیس.
لكن رجح الرازي: أن السبق ليس في زمن الإيمان أو الإسلام؛ لأن لفظ
السابق مجمل أو مطلق، يمكن حمله على السبق في سائر الأمور، لكن وصفهم
بكونهم مهاجرين وأنصاراً، فوجب صرف ذلك اللفظ إلى ما به صاروا
مهاجرين وأنصاراً، وهو الهجرة والنصرة، فوجب أن يكون المراد منه:
السابقون الأولون في الهجرة والنصرة، إزالة للإجمال عن اللفظ(٢).
أَ - الرضا الدائم عنهم؛ لأن قوله تعالى: ﴿رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ
عَنْهُ﴾ يتناول جميع الأحوال والأوقات، بدليل أنه لا وقت ولا حال إلا
ويصح استثناؤه منه، مثل وقت طلب الإمامة، ولأن ذلك الحكم معلل
بكونهم سابقين في الهجرة، والسبق في الهجرة وصف دائم في جميع مدة وجوده،
(١) أحكام القرآن: ٩٩٠/٢، ٩٩٣
(٢) تفسير الرازي: ١٦/ ١٦٨ - ١٦٩

٢٦
لُ (١١) - التَّوَّةِ: ٩ / ١٠٠-١٠٢
ولأن إعداد الجنات لهم يقتضي بقاءهم على تلك الصفة التي لأجلها صاروا
مستحقین لتلك الجنات.
وبعض العلماء أثبت هذا المدح لجميع الصحابة؛ لأن كلمة ﴿مِنَ﴾ في
قوله: ﴿مِنَ الْمُهَجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ ليست للتبعيض، بل للتبيين، فأوجب الله
لجميع أصحاب النبي وَّر الجنة والرضوان. وشرط على التابعين شرطاً هو أن
يتبعوهم بإحسان في العمل: وهو أن يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة، ولا
يقتدوا بهم في غير ذلك.
٣ - الرضا عن التابعين والثواب إلى يوم القيامة مشروط باتباع الصحابة
بإحسان، أي إحسان القول والعمل، فمن لم يحسن القول في المهاجرين
والأنصار لا يكون مستحقاً للرضوان من الله تعالى، ولا يكون من أهل
الثواب لهذا السبب.
٤ - هناك قوم منافقون مردوا على النفاق، أي ثبتوا واستمروا فيه ولم
يتوبوا عنه، وهم قوم من الأعراب حول المدينة، يعني مُزَينة وجُهَيْنة وأَسلَم
وغِفار وأشْجَع، وقوم من أهل المدينة أيضاً. وهؤلاء لهم عذاب مضاعف: في
الدنيا بالأمراض والمصائب، وفي الآخرة بالإصلاء (الإلقاء) في نار جهنم.
وقيل: بالفضيحة في الدنيا، ثم عذاب القبر. وقيل بغير ذلك. والأولى في رأي
الرازي حمل قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ على عذاب الدنيا بجميع
أقسامه، وعذاب القبر، وأما قوله: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ يراد منه
العذاب في يوم القيامة.
٥ - ومن أهل المدينة ومن حولها قوم أقروا بذنبهم، وآخرون مرجون لأمر
الله، يحكم فيهم بما يريد. والصنف الأول: إما قوم من المنافقين، تابوا عن
النفاق وما مردوا عليه، أو إنهم قوم من المسلمين تخلفوا عن غزوة تبوك، لا
الكفر والنفاق، لكن للكسل، ثم ندموا على ما فعلوا ثم تابوا.

٢٧
المُرُ (١١) - التَوَتّية: ١٠٣/٩-١٠٥
ومجرد الاعتراف بالذنب لا يكون توبة وإنما هو مقدمة للتوبة، فإذا اقترن به
الندم على الماضي، والعزم على تركه في المستقبل، كان ذلك توبة.
وقد تاب هؤلاء؛ لقوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ والمفسرون
قالوا: إن (عسى) من الله يدل على الوجوب.
قال ابن عباس: نزلت في عشرة تخلفوا عن غزوة تبوك، فأوثق سبعة منهم
أنفسهم في سواري المسجد. وقال بنحوه قتادة، وقال: وفيهم نزل: ﴿خُذْ مِنْ
أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةُ﴾ وهي الآية التالية.
أخذ الصدقة وقبول التوبة والأمر بالعمل الصالح
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَنُزَكْبِم بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ
أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَأْخُذُ
◌َهُمْ وَاللّهُ سَمِيعُ عَلِيمُ
الصَّدَقَتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٨٤) وَقُلِ أَعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ.
وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَلِ الْغَيْبِ وَالشََّدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
١٠٥)
القراءات: ﴿صَلَوْتَكَ﴾: قرئ:
١- (صلاتَك) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (صلواتِك) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِم﴾ جملتان فعليتان في موضع نصب على الحال من ضمير
خُذْ﴾ أو أن يكون ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ وصفاً لصدقة، وتزكيهم: حالاً من ضمير:
خُذْ﴾.

٢٨
الُ (١١) - التَوَّة: ١٠٣/٩-١٠٥
البلاغة:
قلے
﴿إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَرٌ لَهُمْ﴾ فيه تشبيه بليغ، وأصله كالسكن، فحذفت أداة
التشبيه ووجه الشبه.
﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ﴾ي استفهام للتقرير في النفس، قصد به حثهم على التوبة
والصدقة.
﴿ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ﴾ مجاز عن قبوله لها.
المفردات اللغوية:
﴿صَدَفَّةً﴾ ما ينفقه المؤمن قربة لله ﴿ وَتُزَكِبِهِم بِهَا﴾ تنمي بها حسناتهم
وترفعهم إلى منازل المخلصين، فأخذ ثلث أموالهم وتصدق بها . ﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ﴾
ادع لهم واستغفر ﴿سَكَنٌ﴾ أي تسكن إليها نفوسهم وتطمئن بها قلوبهم،
والسكن في الأصل: ما تسكن إليه النفس وترتاح من منزل وأهل ومال ودعاء
وثناء ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لاعترافهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بندامتهم ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ﴾
يقبلها ﴿التَّوَّابُ﴾ صيغة مبالغة، أي يقبل توبة عباده ﴿الرَّحِيمُ﴾ بهم، صيغة
مبالغة أيضاً. ﴿أَعْمَلُواْ﴾ ماشئتم ﴿وَسَتُّرَدُونَ﴾ بالبعث ﴿إِلَى عَلِمِ الْغَيْبِ
وَالشَّهَدَةِ﴾ الله ﴿فَيُنَبِّئُكُ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يجازيكم به.
سبب النزول:
نزول الآية (١٠٣):
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ﴾: أخرج ابن جرير عن ابن عباس: أن هؤلاء الذين
أطلقهم النبي ◌ّ من سواري المسجد لما اعترفوا بذنوبهم وتاب الله عليهم،
وهم أبو لبابة وأصحابه، جاؤوا بأموالهم، فقالوا: يارسول الله، هذه أموالنا
التي كانت سبباً في تخلفنا، فتصدق بها عنا واستغفر لنا، فقال: ما أمرت أن
آخذ من أموالكم شيئاً، فأنزل الله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً﴾ الآية. فأخذ

٢٩
◌ِلُ (١١) - التَوَتِية: ١٠٣/٩-١٠٥
الرسول وَلو من أموالهم الثلث. قال الحسن البصري: وكان ذلك كفارة الذنب
الذي حصل منهم. وقال جماعة من الفقهاء: المراد بهذه الآية الزكاة المفروضة،
وعلى هذا يكون قوله: ﴿خُذٍّ مِنْ أَمْوَلِهِمْ﴾ هو لجميع الأموال والناس، وهو
عام يراد به الخصوص في الأموال، إذ يخرج عنه الأموال التي لا زكاة فيها
كالدیار والثياب(١).
وهذا النص، وإن كان خاصاً بالرسول وَله، وذا سبب خاص، فهو عام
يشمل خلفاء الرسول ومن بعدهم من أئمة المسلمين، لذا قاتل أبو بكر الصديق
وسائر الصحابة مانعي الزكاة من أحياء العرب، حتى أدّوا الزكاة إلى الخليفة،
كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله وَ له، وقال الصدِّيق: ((والله لو منعوني عقالاً
- أو عناقاً - كانوا يؤدونه إلى رسول الله وَر، لأقاتلنهم على منعه)).
المناسبة وتعيين المراد بالصدقة:
إذا كان المقصود من كلمة (صَدَقَةُ﴾ كفارة الذنب الذي صدر من المتخلفين
عن غزوة تبوك، كما قال الحسن البصري فيما تقدم، فالمناسبة بين هذه الآية
وما قبلها واضحة؛ لأن المراد علاج خطأ هذه الفئة من الناس، وتكون الآية
خاصة بهم. ويمكن تعميم المراد بالآية بأن يقال: إنكم لما رضيتم بإخراج
الصدقة التي هي غير واجبة، فلأن تصيروا راضين بإخراج الواجبات أولى.
وأما إذا كان المقصود من الآية الزكوات الواجبة أو إيجاب أخذ الزكاة من
الأغنياء، وهو رأي أكثر الفقهاء، وهو الصحيح، فالمناسبة تكون على النحو
التالي: لما أظهر هؤلاء التوبة والندامة عن تخلفهم عن غزوة تبوك، وأقروا بأن
السبب الموجب لذلك التخلف هو حبهم للأموال، وشدة حرصهم على صوتها
عن الإنفاق، فكأنه قيل لهم: إنما تظهر صحة قولكم في ادعاء هذه التوبة
(١) البحر المحيط: ٩٥/٥
-

٣٠
الُرُ (١١) - التَوَّر: ١٠٣/٩-١٠٥
والندامة لو أخرجتم الزكاة الواجبة؛ لأن الدعوى لا تتقرر إلا بالمعنى، وعند
الامتحان يكرم المرء أو يهان. فإن أدوا تلك الزكوات عن طيب نفس، ظهر
کونهم صادقین في توبتهم، وإلا فهم كاذبون.
ومما يدل على أن المراد الصدقات الواجبة قوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِِّهِم بِهَا﴾
أي تطهرهم عن الذنب بسبب أخذ تلك الصدقات.
قال الجصاص: والصحيح أنها الزكوات المفروضة، إذ لم يثبت أن هؤلاء
القوم أوجب الله عليهم صدقة دون سائر الناس، سوى زكوات الأموال،
وإذا لم يثبت بذلك خبر، فالظاهر أنهم وسائر الناس سواء في الأحكام
والعبادات، وأنهم غير مخصوصين بها دون غيرهم من الناس.
ولأنه إذا كان مقتضى الآية وجوب هذه الصدقة على سائر الناس لتساوي
الناس في الأحكام إلا من خصه دليل، فالواجب أن تكون هذه الصدقة واجبة
على جميع الناس، غير مخصوص بها قوم دون قوم، وإذا ثبت ذلك كانت هي
الزكاة المفروضة؛ إذ ليس في أموال سائر الناس حق سوى الصدقات
المفروضة.
وقوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِم بِهَا﴾ لا دلالة فيه على أنها صدقة مكفرة للذنوب
غير الزكاة المفروضة؛ لأن الزكاة المفروضة أيضاً تطهر وتزكي مؤديها؛ وسائر
الناس في المكلفين محتاجون إلى ما يطهرهم ويزكيهم (١).
التفسير والبيان:
خذ أيها الرسول وكل حاكم مسلم بعدك من أموال هؤلاء التائبين ومن
غيرهم صدقة مقدرة بمقدار معين، تطهرهم بها من داء البخل والطمع،
(١) أحكام القرآن للجصاص: ١٤٨/٣

٢
٣١
لِلُعُ (١١) - التَوَتية: ٩/ ١٠٣-١٠٥
وتزكي أنفسهم بها، وتنمي بها حسناتهم، وترفعهم إلى منازل المخلصين.
والتزكية: مبالغة في التطهير وزيادة فيه، أو بمعنى الإنماء والبركة في المال، أي
أنه تعالى يجعل النقصان الحاصل بسبب إخراج قدر الزكاة سبباً للإنماء، وفي
الحديث الذي رواه أحمد ومسلم والترمذي عن أبي هريرة: ((ما نقصت صدقة
من مال».
﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أي ادع لهم واستغفر وترحم، فإن دعاءك واستغفارك
سكن لهم يسكنون إليه وتطمئن قلوبهم بأن الله قد تاب عليهم. والصلاة من
الله على عباده: الرحمة، ومن ملائكته: الاستغفار، ومن النبي والمؤمنين:
الدعاء.
﴿ وَاللَّهُ سَمِيعُ﴾ يسمع اعترافهم بذنوبهم ودعاءهم، وسميع لدعائك سماع
قبول وإجابة، عليم بما في ضمائرهم وبإخلاصهم في توبتهم وصدقاتهم وبما
فيه الخير والمصلحة لهم.
فالصدقة مطهرة للنفس، مرضاة للرب، وحصن للمال.
ألم يعلم أولئك التائبون وجميع المؤمنين أن الله هو الذي يقبل توبة عباده،
ويتجاوز عن سيئاتهم، ويأخذ الصدقات أي يقبلها ويثيب عليها ويضاعف
أجرها، كما قال: ﴿إِن تُفْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضَا حَسَنًا يُضَعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ)
[التغابن: ١٧/٦٤] وفي الحديث الثابت الذي رواه الشيخان عن أبي هريرة: ((إن
الله يربي الصدقة كما يربي أحدكم فَلُوَّه)) أي ولد الفرس، وهذا تمثيل لزيادة
الأجر. وفي هذا حث على التوبة وإعطاء الصدقة سواء كانت فريضة أو
تطوعاً. قيل في سبب نزول هذه الآية: قال الذين لم يتوبوا من المتخلفين:
هؤلاء كانوا معنا بالأمس، لا يُكلَّمون ولا يجالسون، فما لهم الآن؟ وما هذه
الخاصة التي خُصُّوا بها؛ فنزلت: ﴿أَمْ يَعْلَمُواْ﴾ فالضمير في ﴿يَعْلَمُواْ﴾ عائد
إلى الذين لم يتوبوا من المتخلفين.

٣٢
الزُ (١١) - التُوَتّية: ١٠٣/٩-١٠٥
وأن الله هو التواب الذي من شأنه قبول توبة التائبين، والتفضل عليهم،
وهو الرحيم بعباده التائبين، الذي يثيبهم على أعمالهم الصالحة، كما قال
(٨٢) ﴾ [طه: ٢٠ / ٨٢]
تعالى: ﴿وَإِ لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَِحًا ثُمَّ أَهْتَدَى
وقال عز وجل: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ
فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلََّّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ
: [آل عمران: ١٣٥/٣] والتوبة مفيدة في تجديد همة النفس
١٣٥
يَعْلَمُونَ
والعهد، ومحو الذنب.
وقل أيها الرسول لهؤلاء التائبين ولغيرهم: اعملوا، فإن عملكم لا يخفى
على الله وعباده، خيراً كان أو شراً، فالعمل أساس السعادة، وسيرى الله
عملكم، ورسوله والمؤمنون بإطلاعه إياهم على أعمالكم. وهذا وعيد لهم
وتحذير من عاقبة الإصرار على الذنب والذهول عن التوبة، ولكل المخالفين
أوامر الله، بأن أعمالهم ستعرض عليه تعالى، وعلى الرسول، وعلى المؤمنين،
وهذا كائن لا محالة يوم القيامة، كما قال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُرْ
(ب) [الحاقة: ١٨/٦٩].
خَافِيَةٌ
وقال النبي ◌َّير فيما يرويه أحمد والبيهقي عن أبي سعيد الخدري: ((لو أن
أحدكم يعمل في صخرة صماء، ليس لها باب ولا كُوَّة، لأخرج الله عمله
للناس، كائناً ماكان)) وقد ورد: أن أعمال الأحياء تعرض على الأموات من
الأقرباء والعشائر في البرزخ، كما قال أبو داود الطيالسي، روي عن جابر بن
عبد الله قال: قال رسول الله وَله: ((إن أعمالكم تعرض على أقربائكم
وعشائركم في قبورهم، فإن كان خيراً استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا :
اللهم ألهمهم أن يعملوا بطاعتك)).
وستردون يوم القيامة إلى الله الذي يعلم سرائركم وعلانيتكم، يعلم الغائب
والحاضر، والباطن والظاهر، فيعرفكم أعمالكم، ثم يجازيكم عليها إن خيراً
فخير، وإن شراً فشر. وهذا كلام جامع للترغيب والترهيب.

٣٣
الُ (١١) - التَّوَتّية: ١٠٣/٩-١٠٥
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات الأحكام الثلاثة التالية:
اً - فرضية أخذ الصدقات وهي الزكوات الواجبة لتطهير النفوس
وتزكيتها وتنمية الأموال والبركة فيها. وأن صلاة الرسول صل شفاعة
وطمأنينة.
اً - قبول الله توبة التائبين بحق أي التوبة الصحيحة، وقبول الصدقات
الصادرة عن خلوص النية والإثابة عليها، وسمى تعالى نفسه باسم ﴿اللَّهَ﴾ لينبه
على أن كونه إلهاً يوجب قبول التوبة، والتخصيص بالله يدل على أن قبول
التوبة وردها إلى الله، لا إلى الرسول وَالقول.
٣ - كل إنسان مجزي بعمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، والعمل
مشهود عند الله ورسوله والمؤمنين، وفي ذلك وعيد من الله تعالى للمخالفين
أوامره بأن أعمالهم ستعرض عليه تبارك وتعالى وعلى الرسول وَليقول، وعلى
المؤمنين، في عالم البرزخ، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَبِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُرْ خَافِيَةٌ
(١٨) ﴾ [الحاقة: ١٨/٦٩].
لكن آية: ﴿خُذٍّ مِنْ أَمْوَلِهِمْ﴾ عامة في أصناف الأموال، لم تبين نوع المال
المأخوذ منه ولا مقدار المأخوذ، فيقتضي الظاهر أن يؤخذ من كل صنف
بعضه؛ لأن ﴿مِنْ أَمْوَلِهِمْ﴾ تقتضي التبعيض، فدلت الآية على أن القدر المأخوذ
بعض تلك الأموال، لا كلها، لكن البعض غير مذكور هنا صراحة في اللفظ،
فجاءت السنة والإجماع لبيان مقدار المأخوذ والمأخوذ منه، ومقادير الأنصبة
ووقت الاستحقاق، ويكون لفظ الزكاة مجملاً في هذه الوجوه كلها، مفتقراً إلى
البيان فيما ذكر كما قال الجصاص. وقد نص القرآن على زكاة الذهب والفضة
بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ وَلَا يُفِقُونَهَا فِى سَبِيلٍ
اللَّهِ فَبَشِّرُهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤/٩] ونص أيضاً على زكاة الزروع
ة

٣٤
الُ (١١) - التَّوَّةِ: ١٠٣/٩-١٠٥
والثمار في قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنْشَأَ جَنَّتٍ مَّعْرُوشَتِ﴾ إلى قوله:
[كُلُواْ مِن ثَمَرِهِةٍ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١/٦]
وأوضحت السنة زكاة سائر الأموال الأخرى التي تجب فيها الزكاة، وهي
عروض التجارة، والأنعام السائمة (الإبل والبقر والغنم) وبينت مقاديرها
وأنصبتها. روى الأئمة عن أبي سعيد الخدري عن النبي وَّ أنه قال: ((ليس فيما
دون خمسة أوسُق من التمر صدقة، وليس فيما دون خمس أواق من الورِق
صدقة، وليس فيما دون خمس ذَوْد من الإبل صدقة))(١) وأجمع العلماء على أن
الأوقية أربعون درهماً؛ فإذا ملك الحر المسلم مئتي درهم من الفضة، وهي
الخمس الأواق المنصوصة في الحديث، حولاً كاملاً، فقد وجبت عليه
صدقتها، وذلك ربع عشرها خمسة دراهم.
وإنما اشترط الحول لما أخرجه الترمذي من قوله وَليقول: ((ليس في مال زكاة
حتى يحول عليه الحول. وما زاد على المئتي درهم من الفضة فبحساب ذلك في
كل شيء منه رُبُع عُشُرِه، قل أو كثر.
وأما زكاة الذهب فتجب في رأي جمهور العلماء إذا كان الذهب عشرين
ديناراً قيمتها مئتا درهم، فما زاد، عملاً بحديث علي الذي أخرجه الترمذي.
وأما زكاة الغنم ففي كل أربعين شاةً شاة، على ماجاء في كتاب الصِّدِّيق
لأنس لما وجهه إلى البحرين، وأخرجه البخاري وأبو داود والدارقطني
والنسائي وابن ماجه وغيرهم.
وزكاة البقر في كل ثلاثين بقرة تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مُسِنَّة(٢)؛ لما
رواه الدارقطني والترمذي عن معاذ بن جبل حينما بعثه إلى اليمن.
(١) الخمسة أوسق ٦٥٣ كغ، والورق: الفضة، والذود من الإبل: مابين الثلاث إلى العشرة.
(٢) التبيع: ولد البقرة في أول سنة، والمسنّ: ما أتم سنتين ودخل في الثالثة.
۔

٣٥
الجُزُ (١١) - التَّوَثيم: ٩ /١٠٣-١٠٥
ولا زكاة في رأي الجمهور على الأنعام إلا إذا كانت سائمة ترعى في البراري
ونحوها؛ لما روى الدارقطني عن ابن عباس أن رسول الله وَ ل* قال: ((ليس في
البقر العوامل صدقة)) وروى الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) عن معاذ رضي
الله عنه عن النبي وَّ قال: ((وفي البقر في كل ثلاثين تبيع، وفي الأربعين مُسِنَّة))
وروى أبو داود والدارقطني عن علي ((ليس على العوامل شيء)) وفي حديث
البخاري عن أنس أن النبي ◌َّ كتب لأبي بكر الصديق كتاباً في الصدقات،
جاء فيه: ((صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين، فيها شاة)) فنفى بذلك
الصدقة عن غير السائمة.
وقال مالك والليث: في العوامل صدقة، لعموم قوله وَل# في حديث أنس
المتقدم: ((في خمس من الإبل شاة)) والجواب: ذلك مخصوص بالأحاديث
المتقدمة. وظاهر عموم هذه الآية يوجب الزكاة في مال المديون وفي مال
الضمان أي الكفالة.
وأما قوله تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِبِهِم بِهَا﴾ فقال الزجاج: والأجود أن
تكون المخاطبة للنبي وَّر، أي فإنك تطهرهم وتزكيهم بها، على القطع
والاستئناف. ويجوز الجزم على جواب الأمر، والمعنى: إن تأخذ من أموالهم
صدقة تطهرهم وتزكيهم. وظاهر الآية يدل على أن الزكاة إنما وجبت طهرة عن
الآثام، وبما أن الإثم لا يتقرر إلا في حق البالغ، فوجب ألا تجب الزكاة في
حق الصغير، كما قال أبو حنيفة رحمه الله. وأوجب الجمهور الزكاة في مال
الصبي والمجنون؛ لأن الآية تدل على أخذ الصدقة من أموالهم، فتكون طهرة
للأموال.
وظاهر قوله تعالى: ﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ﴾ أنه يجب على الإمام أو نائبه إذا أخذ
الزكاة أن يدعو للمتصدق بالبركة، وهذا رأي الظاهرية. وأما سائر الأئمة
فحملوا الأمر على الندب والاستحباب؛ لأن النبي وت لقّ قال لمعاذ في الحديث

٣٦
الُجُ (١١) - التَوَتية: ٩/ ١٠٣-١٠٥
المتفق عليه عن ابن عباس: ((أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم،
وترد في فقرائهم)) ولم يأمره بالدعاء لهم، ولأن الفقراء إذا أخذوا الزكاة لا
يلزمهم الدعاء.
ومع هذا، روى مسلم عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول الله وَله
إذا أتاه قوم بصدقتهم: قال: ((اللهم صل عليهم)) فأتاه ابن أبي أوفى بصدقته،
فقال: ((اللهم صلّ على آل أبي أوفى)) والصلاة هنا: الرحمة والترحم. وبناء عليه
قال الحنابلة والظاهرية في صيغة الدعاء: لا مانع أن يقول آخذ الزكاة: اللهم
صل على آل فلان. وقال باقي الأئمة: لا يجوز هذا القول؛ لأن الصلاة صارت
مخصوصة بالأنبياء عليهم السلام. ولا خلاف أن يجعل غير الأنبياء تبعاً لهم،
فيقال: اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته وأتباعه؛ لأن
السلف استعملوه، وأمرنا به في التشهد.
والسلام في حكم الصلاة؛ لأن الله تعالى قرن بينهما، فلا يفرد به غائب
على غير الأنبياء. أما استحباب السلام في مخاطبة الأحياء تحية لهم وفي تحية
الأموات فهو ثابت في السنة.
واستحسن الشافعي أن يقول: آجرك الله فيما أعطيت، وجعله لك
طهوراً، وبارك لك فيما أبقيت.
وقوله: ﴿فَسَیرَى اللّهُ عَمَلگ﴾ دليل على كونه تعالى رائیاً للمرئيات، ودليل
لأهل السنة أن كل موجود فإنه يصح رؤيته، أي إبصاره؛ لأن الرؤية المعداة
إلى المفعول الواحد معناها الإبصار. والعمل المرئي يشمل أعمال القلوب
كالإرادات والكراهات والأنظار، وأعمال الجوارح، كالحركات والسكنات.
وقوله تعالى: ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ﴾ نص صريح في أن الله تعالى هو الآخذ لها
والْمُثيب عليها وأن الحق له جل وعز، والنبي ◌َّر واسطة، فإن توفي فعامله هو
الواسطة بعده، والله عز وجل حي لا يموت. وهذا يبين أن قوله سبحانه

٣٧
الجُزءُ (١١) - التَوَّة: ١٠٦/٩
وتعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً﴾ ليس مقصوراً على النبي ◌َِّ، وإنما يشمل
الأئمة بعده، كما تقدم. روى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله
وَله: ((إن الله يقبل الصدقة، ويأخذها بيمينه، فيُرْبِيها لأحدكم، کما یُربي
أحدكم مُهْره، حتى إن اللقمة لتصير مثل أُحُد))، وتصديق ذلك في كتاب الله :
﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ﴾، و﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَوْ وَيُرْبِىِ
الضَّدَقَتُ﴾. وفي صحيح مسلم: ((لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلا
أخذها الله بيمينه، فتربُو في كفّ الرحمن، حتى تكون أعظم من الجبل)). وهذا
كناية عن القبول والجزاء عليها، كما كنى بنفسه الكريمة المقدسة عن المريض،
تعطفاً عليه بقوله في الحديث القدسي: ((يا ابن آدم، مرضتُ فلم تَعُدْني)».
وخُصَّ اليمين والكف بالذكر؛ إذ كل قابل لشيء إنما يأخذه بكفه وبيمينه، أو
يوضع له فيه؛ فخرج على ما يعرفونه، والله جل وعز منزه عن الجارحة.
الثلاثة الذين خُلُفوا عن غزوة تبوك والتوبة عليهم
﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوّنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
١٠٦
القراءات: ﴿مُرْجَوْنَ﴾ : قرئ:
١- (مُرْجَون) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (مُرْجَؤُون) وهي قراءة الباقين.
المفردات اللغوية:
﴿ وَءَخَرُونَ﴾ من المتخلفين ﴿مُرْجَوْنَ﴾ مؤخرون عن العقوبة، وموقوف
أمرهم ﴿لِأَمِِّ اللّهِ﴾ في شأنهم بأن يأمر فيهم بما شاء ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ بأن يميتهم
بلا توبة وإما يتوب عليهم ﴿ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بخلقه ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه.

٣٨
الُ (١١) - التَّوَّيِ: ١٠٦/٩
سبب النزول:
قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وآخرون: هم الثلاثة الذين
خُلِّفوا عن التوبة، وهم مُرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، وهلال بن أمية
من بني واقف، قعدوا عن غزوة تبوك في جملة من قعد كسلاً وميلاً إلى الدعة
والحفظ وطيب الثمار والظلال، لا شكاً ونفاقاً.
وكان المتخلفون عن غزوة تبوك أصنافاً ثلاثة (١):
اَ - المنافقون الذين مَرَدُوا على النفاق، وهم أكثر المتخلفين.
اً - التائبون المؤمنون الذين اعترفوا بذنوبهم وتابوا فتاب الله عليهم، وهم
الذين ربطوا أنفسهم بالسواري وهم أبو لبابة وأصحابه، فنزلت توبتهم.
◌َّ - الذين بقوا موقوفين وهم المؤمنون الذين حاروا في أمرهم ولم يعتذروا
إلى النبي ◌َّ عن تخلفهم، وأرجؤوا توبتهم، فلم يربطوا أنفسهم بالسواري،
فأرجأ الله الحكم في أمرهم، فوقف أمرهم خمسين ليلة، وهجرهم الناس حتى
نزلت توبتهم بعد، وهم هؤلاء الثلاثة المذكورون، والذين نزلت فيهم هذه
الآية: ﴿وَعَلَى الثَّلَثَةِ الَّذِينَ خُلِفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾
[التوبة: ١١٨/٩] .
التفسير والبيان:
وآخرون من المتخلفين موقوفون مرجون أي مؤخرون لأمر الله في شأنهم،
ولا يدري الناس ماينزل فيهم، هل يتوب الله عليهم أو لا، وقد نهى الرسول
وَل﴿ عن مجالستهم، وأمرهم باعتزال نسائهم وإرسالهن إلى أهلهن، إلى أن نزل
قوله: ﴿لَقَدِ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ - إلى قوله - ﴿وَعَلَى
الثََّثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾ [التوبة: ١١٨/٩].
(١) تفسير الرازي: ١٩١/١٦

٣٩
الجُزُ (١١) - التَوَّةِ: ١٠٦/٩
هؤلاء في هذه الآية أمرهم متردد بين أمرين: التعذيب والتوبة. وقد ترك
أمرهم غامضاً، لا للشك، فالله تعالى منزه عنه، وإنما ليكون أمرهم على
الخوف والرجاء، وإثارة الغم والحزن في قلوبهم، ليقدموا على التوبة، ويصير
أمرهم عند الناس على الرجاء، فجعل أناس يقولون: هلكوا إذا لم ينزل الله
تعالى لهم عذراً، وآخرون يقولون: عسى الله أن يغفر لهم.
ولا شك أن القوم كانوا نادمين على تأخرهم عن الغزو، فلم يحكم تعالى
بكونهم تائبين؛ لأن الندم وحده لا يكون كافياً في صحة التوبة، ثم ندموا على
المعصية لكونها معصية، فصحت توبتهم.
والله عليم بمن يستحق العقوبة ممن يستحق العفو، وبما يصلح عباده
ويربّيهم، حكيم في أفعاله وأقواله، وفيما يشرعه لهم من الأحكام المؤدية لهذا
الصلاح. ومن حكمته: إرجاء النص على توبتهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
إن الحكمة الإلهية قد تقتضي البت في شأن بعض العباد، وقد ترجئ ذلك،
ليظل الناس في أمل ورجاء ورهبة وخوف، وقد أثمرت هذه الحكمة في دفع
هؤلاء المخلفين عن التوبة إلى مزيد من الشعور بالقلق والاضطراب والخوف
والهلع، وكادوا يحسون باليأس من قبول عذرهم، حتى أنزل الله في شأنهم
ما يدل على قبول توبتهم في قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾.
. وقوله: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَوُبُ عَلَيْهِمْ﴾ دليل على أنه لا حكم إلا أحد
هذين الأمرين، وهو إما التعذيب وإما التوبة. أما العفو عن الذنب من غير
توبة فغير معتبر.

٤٠
الُ (١١) - التَّوَّة: ٩ / ١٠٧-١١٠
مسجد الضّرار (مسجد المنافقين)
ومسجد التّقوى (مسجد قباء)
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرَا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا
لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُّ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّ الْحُسْنَىّ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ
لَكَذِبُونَ ﴿ لَا نَقُمُ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدُ أُسِسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ
تَقُوَمَ فِيَةٍ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُونَ أَن يَنَظَهَرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَهِرِينَ ﴿® أَفَمَنْ
أَسَّسَ بُْيَنَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَنٍ خَيْرُ أَم مَنْ أَسَّسَ بُنْيَنَهُ عَلَى
ش لا
شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ، فِي نَارٍ جَهَتَمَّ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
يَزَالُ بُنْيَئُهُمُ الَّذِى بَنَوْ رِيبَةً فِى قُلُوبِهِمْ إِلَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمَّ وَاللَّهُ عَلِيمُ
١٠
حَكِيمُ
القراءات:
﴿ وَالَّذِينَ اْتَّخَذُواْ﴾:
وقرأ نافع، وابن عامر (الذين اتخذوا).
﴿أَسَّسَ بُنْنَهُ﴾:
وقرأ نافع، وابن عامر (أُسِّس).
﴿جُرُفٍ﴾: قرئ:
١- (جُرْف) وهي قراءة ابن عامر، وحمزة، وخلف.
٢- (جُرُف) وهي قراءة الباقين.
﴿ إِلَّ أَنْ تَقَطَّعَ﴾: قرئ: