النص المفهرس
صفحات 1-20
باتها الدين و استحيوان والرسول إذا مكم لا يسكم الأطفال ٨/ ٢٤ التَّفْيَةُ ◌َُّ المُُّ ٠٠ في العقيدة والشريعة والمنهج الأستاذ الدكتور وحب الزميلي المجلد السادس الجزءان ١١ - ١٢ لفكرة أفاق معرفة متجددة ؟ !! (القدس) دار الفكر - دمشق - البرامكة ٣٠٠١ ٩٧ ٩٤٧ ٠٠٩٦٣ ٣٠٠١ ١١ ٠٠٩٦٣ http://www.fikr.com/ e-mail:fikr@fikr.net التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج أ.د. وهبة الزحيلي المجلد السادس الرقم الاصطلاحي: ٦ - ١٦٩٠٫٠١١ الرقم الدولي: 5-160-59239-1 :ISBN الرقم الموضوعي: ٢١١ (القرآن وعلومه) ٦٣٢ ص، ١٧ × ٢٥ سم الطبعة العاشرة: ١٤٣٠ هـ = ٢٠٠٩م ط٢ / ٢٠٠٣م C جميع الحقوق محفوظة لدار الفكر دمشق ◌ِشِئَ لُ الرَّحْمُ التَّفْسِيُ المِنَّهُ مـ في العقيدة والشريعة والمنهج المجلد السادس الجزءان ١١ - ١٢ ٥ الُ (١١) - التَوَتّ: ٩ /٩٣ مؤاخذة المتخلفين الأغنياء بغير عذر إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَذِنُونَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَاِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٩١٣ المفردات اللغوية: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾ بالمعاتبة ﴿يَسْتَذِنُونَكَ﴾ في التخلف عن الجهاد ﴿وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾ واجدون للأهبة ﴿رَضُواْ بِأَنْ يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ استئناف لبيان ماهو السبب لاستئذانهم من غير عذر، وهو رضاهم بالدناءة والانتظام في جملة الخوالف من النساء والصبيان والعجزة، إيثاراً للدعة والراحة ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ ختم عليها بسبب تقصيرهم حتى غفلوا عن سوء العاقبة ﴿فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ لا يدركون مغبة عملهم. المناسبة: لما قال الله تعالى في الآية السابقة: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ قال في هذه الآية: إنما السبيل على من كان مستأذناً من الأغنياء، أي إن طريق المعاتبة بالتخلف عن الجهاد لهؤلاء المنافقين. التفسير والبيان: لما بيّن الله تعالى من لا سبيل عليه وهم ذوو الأعذار بحق، ذكر من عليهم السبيل، أي إن الملامة والمعاتبة لا على المحسنين، وإنما على هؤلاء الذين يستأذنون في القعود عن الجهاد، وهم أغنياء قادرون على إعداد العدة من زاد وراحلة وسلاح وغير ذلك، فلا عذر لهم ألبتة، والسبب في استحقاقهم المؤاخذة: أنهم رضوا لأنفسهم بأن يكونوا مع الخوالف والخالفين من النساء ٦ الجُ (١١) - التَّوَّةِ): ٩ / ٩٣ والصبيان والعجزة والمرضى والمعذّرين المفسدين، فكان شأنهم قبول المهانة والمذلة والانتظام في جملة الخوالف، وذلك من أخس مظاهر الخزي والعار في عرف العرب وغيرهم. وقد تكرر هذا مع الآية السابقة [٨٧] لترسيخ هذا الوصف فيهم، وللتأكيد في التحذير من سوء أفعالهم. وترتب على تقصيرهم ما قاله تعالى في الآيتين: ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أي وختم عليها، حتى لا يصل إليها الخير، ولا ينفذ إليها النور، فهم لذلك لا يهتدون، ولا يعلمون ما في الجهاد من منافع الدين والدنيا، بسبب ما أحاطت بهم خطاياهم وذنوبهم، فأصبحوا لا يدركون حقيقة أمرهم، وسوء عاقبتهم. فقه الحياة أو الأحكام: الإسلام دين العقل والمنطق والواقعية، كما أنه دين الرحمة والحق والعدل، لذا فإنه تعالى نفى السبيل على المحسنين، أي رفع العقوبة والإثم عن المؤمنين ذوي الأعذار، وأوجب العقوبة والمأثم على المنافقين المستأذنين وهم أغنياء ذوو قدرة على الجهاد بالمال والنفس. وقد کرر تعالی ذکرهم للتأكيد في التحذير من سوء أفعالهم. فلا عذر لهم بالتخلف عن الجهاد، وإنما كان السبب في استئذانهم رضاهم بالدناءة والخسة، وخذلان الله تعالى إياهم، وأن الله طبع على قلوبهم، بسبب سوء أعمالهم. ويالها من خسارة! فقد شُلّ فيهم عنصر أو أداة التمييز بين الخير والشر، وبين المصلحة والضرر. وإنهم خسروا الدنيا والآخرة، ففي الدنيا أصبحوا قوماً منبوذين عن المجتمع، وفي الآخرة ينتظرهم العذاب الأليم. ٧ الُُ (١١) - التَّوَّ: ٩ / ٩٤ -٩٦ اعتذار المنافقين المتخلفين عن غزوة تبوك وحلفهم الأيمان الكاذبة يَعْنَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمَّ قُل لَّا تَعْتَذِرُواْ لَن تُؤْمِنَ لَكُمَّ قَدْ نَّأَنَا اللّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُونَ إِلَى عَلِمِ الْغَيْبِ سَيَحْلِفُونَ بِلَهِ لَكُمْ إِذَا أُنْقَبْتُمْ ٩٤ وَالشَّهَدَةِ فَيُنَبِئُكُمْ بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمَّ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَنَّهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءُ بِمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمَّ فَإِنِ تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَ ٩٥ كَانُواْ يَكْسِبُونَ ٩٦ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ القراءات: ﴿ وَمَأْوَنَهُمْ﴾: وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً: (ماواهم). الإعراب: ﴿قَدْ نَبَّأَنَا﴾ نبّأ: بمعنى أعلم، وهو يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، ويجوز أن يقتصر على واحد، ولا يجوز أن يقتصر على اثنين دون الثالث. ولهذا لا يجوز أن يكون ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ زائدة، وإنما تعدى إلى مفعول واحد، ثم تعدى بحرف جر. (جَزَآءُ بِمَا﴾ يجوز أن يكون مصدراً، وأن يكون علة أي مفعولاً لأجله. البلاغة: ﴿عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ بينهما طباق، وقوله: ﴿ثُمَّ تُرَدُونَ إِلَى ٨ لِلُ (١١) - التَوَتَي: ٩ / ٩٤-٩٦ عَلِمِ﴾ أي إليه، فوضع الوصف موضع الضمير، للدلالة على أنه مطلع على سرّهم وعلنهم، لا يفوت عليه شيء من ضمائرهم وأعمالهم. ﴿لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ اُلْفَسِقِينَ﴾ فيه أيضاً إظهار في موضع الإضمار؛ لزيادة التشنيع والتقبيح، وأصله: لا يرضى عنهم. المفردات اللغوية: يَعْنَذِرُونَ إِلَيْكُمْ﴾ في التخلف ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَهِمْ﴾ من الجهاد أو من هذه السفرة ﴿لَّا تَعْتَذِرُواْ﴾ بالمعاذير الكاذبة؛ لأنه ﴿لَن تُؤْمِنَ لَكُمَّ﴾ لن نصدقكم؛ لأنه ﴿قَدْ نَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ أي أخبرنا بأحوالكم، وأعلمنا بالوحي إلى نبيه بعض أخباركم، وهو مافي ضمائركم من الشر والفساد ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ هل تتوبون عن الكفر أم تبقون عليه، وكأنه إعطاء فرصة للتوبة ﴿ثُمَّ تُرَدُونَ﴾ بالبعث ﴿إِلَى عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ أي إلى الله. والغيب: كل ما غاب عنك علمه. والشهادة: كل ما تشهده وتعرفه من عالم الحس ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فيجازيكم عليه بالتوبيخ والعقاب عليه ﴿أُنقَلَبْتُمْ﴾ رجعتم إليهم ووصلتم من تبوك ﴿لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ﴾ لتصفحوا عنهم ولا تعاتبوهم ﴿فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ﴾ ولا توبخوهم ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌُ﴾ قذر، لخبث باطنهم، فيجب الإعراض عنهم، ولا ينفع فيهم التأنيب ﴿وَمَأْوَنَّهُمْ جَهَنَّهُ﴾ من تمام التعليل، أي إن النار كفتهم عتاباً، فلا تتكلفوا عتابهم ﴿فَإِنِ تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ﴾ المقصود من الآية: النهي عن الرضا عنهم والاغترار بمعاذيرهم، بعد الأمر بالإعراض وعدم الالتفات نحوهم. فلا ينفع رضاكم مع سخط الله وتأكد عقابه إياهم. سبب النزول: روي عن ابن عباس أن هذه الآيات نزلت في الجدّ بن قيس، ومُعَتِّب بن ٩ الُ (١١) - التَّوَتَّ: ٩ / ٩٤-٩٦ قُشَير وأصحابهما من المنافقين، وكانوا ثمانين رجلاً، أمر النبي ◌َّلل المؤمنين لما رجعوا إلى المدينة بألا يجالسوهم ولا يكلموهم. وقال قتادة ومقاتل: إنها نزلت في عبد الله بن أُبيّ، فإنه حلف للنبي ◌َّ بعد عودته ألا يتخلف عنه أبداً، وطلب أن يرضى عنه، فلم يفعل. المناسبة: بعد أن لام الله تعالى المنافقين المعذّرين الذي انتحلوا الأعذار للتخلف عن غزوة تبوك، وعذَر المحقين من أصحاب الأعذار، ورفع الحرج عن الضعفاء والمرضى والفقراء، أخبر المؤمنين بما سيكون من أمر المنافقين الذين تخلفوا في المدينة وما حولها عن تبوك، بعد عودتهم. وهذا من شأن الوحي على النبي وَالـ ومن الإخبار عن المغيبات في المستقبل. التفسير والبيان: هذا كلام مستأنف قصد به الإخبار عن المنافقين إذا رجع المؤمنون من تبوك إليهم، أنهم يعتذرون إليكم أيها المؤمنون عن سيئاتهم وتخلفهم عن القتال بغير عذر إذا رجعتم إليهم من غزوة تبوك. قل لهم أيها الرسول: لا تعتذروا بالأعذار الكاذبة؛ لأنا لن نصدقكم أبداً. والسبب في عدم تصديقكم أن الله قد أخبرنا سلفاً بالوحي إلى نبيه بعض أخباركم وأحوالكم: وهو ما في ضمائركم من الشر والفساد ومناقضة الحقائق. وسيرى الله عملكم ورسوله، أي سيظهر أعمالكم للناس في الدنيا، ويعلم مستقبلكم من الإصرار على النفاق أو التوبة منه، فإن تبتم فإن الله يتقبل توبتكم، ويغفر لكم ذنوبكم، وإن مكثتم فيما أنتم عليه من النفاق، عاملكم الرسول بما تستحقون. وفي هذا ترغيب لهم بالتوبة وإمهال لإظهارها وإصلاح شؤونهم. ١٠ لُ (١١) - الْتَوَّةِ: ٩ / ٩٤-٩٦ ثم يكون مصيركم إلى الله عالم الغيب والشهادة، فيعلم ما تكتمون وما تعلنون، فيخبركم بأعمالكم خيرها وشرها، ويجزيكم عليها، علماً بأنكم أشد عذاباً من الكفار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْنُفِقِينَ فِى الذَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥/٤] وقوله: ﴿فَيْنَبِّئُكُمْ﴾ تصريح بالتوبيخ والعقاب على أعمالهم. وهذا يتضمن ضرورة تجنب المعاذير الكاذبة، وتحاشي كل ما يعتذر منه من السيئات، كما قال # فيما رواه الضياء عن أنس: ((إياك وكل أمر يعتذر منه)). ثم أخبر الله تعالى عنهم أنهم سيؤكدون تلك الأعذار بالأيمان الكاذبة، فقال: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ أي إنهم سيحلفون لكم بالله معتذرين، لتعرضوا عنهم، فلا تعاتبوهم ولا تؤنبوهم على قعودهم مع الخالفين من النساء وأمثالهم. فأعرضوا عنهم ولا توبخوهم، احتقاراً لهم؛ لأنهم رجس أي قذر معنوي، وخبث نجس بواطنهم واعتقاداتهم، لا يقبلون التطهير، وهذا علة الإعراض وترك المعاتبة. ومأواهم في آخرتهم جهنم، جزاءً بما كانوا يكسبون في الدنيا من الآثام والخطايا. وهذا من تمام التعليل، وكأنه قال: إنهم أرجاس من أهل النار، لا ينفع فيهم التوبيخ في الدنيا والآخرة. ثم أعلمنا الله تعالى بأن أيمانهم الكاذبة التي يحلفونها هي مجرد استرضاء لكم، لتستديموا في معاملتهم كأهل الإسلام. وإنكم إن رضيتم عنهم، فلا ينفعهم رضاكم، إذا كانوا في سخط الله وبصدد عقابه، بسبب فسقهم، أي خروجهم عن طاعة الله وطاعة رسوله، ١١ لُ (١١) - التَّوَّة: ٩ / ٩٤-٩٦ فليكن همهم إرضاء الله ورسوله، لا إرضاؤكم، كما قال تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٨/٤] وقال سبحانه: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِ صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ ١٣ [الحشر: ١٣/٥٩]. وهذا إرشاد إلى منع المؤمنين من الرضا عنهم، والاغترار بأيمانهم الكاذبة، وكفى بالله شهيداً، وكفى بالله عليماً ومعلماً للمؤمنين طريق الاستقامة والصواب ومواقف الحزم والسداد. ونظراً لأهمية هذه المعاني أعيدت هنا مرة أخرى، ویکون الكلام شاملاً مناهج المنافقين كلهم، سواء كانوا من أهل الحضر وهم من سبق أو من أهل البادية، وهم المقصودون هنا. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على الأحكام التالية: اً - عدم تصديق المنافقين في اعتذاراتهم، بعد إعلام الله بحقيقة أمرهم وأخبارهم. اً - المستقبل خير شاهد وكفيل لإظهار كذب المنافقين. ٣ - الله تعالى عالم بكل شيء، يعلم السر وأخفى، ويعلم ما في بواطن المنافقين من خبث ومکر ونفاق، و کذب و کید. وفي هذا تخویف شدید، وزجر عظيم لهم. ٤ - الجزاء على الأعمال ثابت، يردع كل فاسق وعاتٍ وظالم. ٥ - المنافقون أنجاس أرجاس رجساً معنوياً يقتضي الاحتراز عنهم، كما يجب الاحتراز عن الأرجاس الحسية، خوفاً من التأثر بأعمالهم والميل إلى ١٢ اِلُ (١١) - التَوَّةَ: ٩ / ٩٧-٩٩ طبائعهم. وزادهم رجساً أنهم حصب جهنم هم لها واردون، جزاء بما كسبوا في الدنيا من أعمال النفاق وخبث الأفعال وسوء الأخلاق. ٩ - ينبغي الابتعاد عن كل ما يقتضي الاعتذار من الذنوب والسيئات. لا - لا ينفع رضا الناس مع سخط الله، فإن المعول عليه عند العقلاء وأهل الإيمان الحق التماس رضا الله تعالى، أخرج الترمذي عن عائشة أن رسول الله وَل قال: ((من التمس رضاء الله بسُخط الناس، كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضاء الناس بسُخط الله، وكله الله إلى الناس)). ٨ - إن سخط الله على المنافقين وأمثالهم إنما هو بسبب فسقهم وخروجهم عن دائرة الطاعة الواجبة لله وللرسول. كفر الأعراب ونفاقهم وإيمانهم اُلْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيهُ حَكِيمٌ ﴿ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَهَا وَيَتَرَبَّصُ بِكُ الَّوَابِرَ عَلَيْهِمْ دَابِرَةُ السَّوْءُ وَاَللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَّةٌ لَّهُمَّ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِ رَحْمَيِّةَةٍ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ٩٩ القراءات: ﴿دَابِرَةُ السَّوْءِ﴾: وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (دائرة السُّوء). ١٣ الزُُّ (١١) - التَوَتَّة: ٩ / ٩٧-٩٩ وقرأ ورش (قُرُبة). الإعراب: ﴿عَلَيْهِمْ دَابِرَةُ السَّوْءِ﴾ مبتدأ مؤخر وخبر مقدم، والدائرة في الأصل: مصدر أو اسم فاعل من دار يدور، سمي بها دورة الزمان، وهي هنا ما يحيط بالإنسان حتى لا يجد له منه مخلصاً، وأضيفت إلى السوء (بضم السين وفتحها) للمبالغة والتأكيد والبيان، كقولهم: شمس النهار، ورجل صدق. ﴿قُرُبَتٍ عِندَ الَّهِ﴾ ﴿قُرْبَتٍ﴾: مفعول ثان ليتخذ، و﴿عِندَ اللَّهِ﴾ صفتها، أو ظرف ليتخذ. البلاغة: ﴿َسَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِ رَحْمَتِّةٍٍ﴾ مجاز مرسل أي في جنته، من باب إطلاق الحال وإرادة المحل أي محل الرحمة. المفردات اللغوية: ﴿اَلْأَعْرَابِ﴾ لفظ عام معناه الخصوص في جماعة من أهل البدو من العرب، والعرب: من ينطق بالعربية، سواء البدو والحضر وسميت العرب عرباً؛ لأن ولد إسماعيل نشؤوا من عَرَبة، وهي من تهامة، فنسبوا إليها ﴿أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ من أهل المدن، لجفائهم وغلظ طباعهم، وبعدهم عن سماع القرآن ﴿ وَأَجْدَرُ﴾ أحق وأولى ﴿أَلَّ يَعْلَمُواْ﴾ بأن لا يعلموا ﴿حُدُودَ مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ،﴾ من الأحكام والشرائع ﴿عَلِيٌ﴾ بخلقه ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه بهم. ﴿مَغْرَمًا﴾ غرامة وخسراناً لازماً؛ لأنه لا يرجو ثوابه، بل ينفقه خوفاً، وهم أسد وغطفان ﴿وَيَتَرَبَّصُ﴾ ينتظر ﴿بِكُمُ الَّوَابِرَ﴾ دوائر الزمان ذات ١٤ لِفُرُ (١١) - التَّوَّةِ: ٩ / ٩٧-٩٩ الضرر والسوء أن تنقلب عليكم فيتخلص من الإنفاق ﴿عَلَيَّهِمْ دَابِرَةُ السَّوْءِ﴾ اعتراض بالدعاء عليهم بنحو ما يتربصونه، أو الإخبار عن وقوع ما يتربصون عليهم، أي يدور العذاب والهلاك عليهم، لا عليكم، والسوء: اسم لما يسوء ويضر ﴿وَاَللَّهُ سَمِيعُ﴾ لأقوال الناس ولما يقولون عند الإنفاق ﴿عَلِيمٌ﴾ بأفعالهم وبما يضمرون. ﴿ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ كجهينة ومزينة ﴿قُرْبَتٍ﴾ جمع قربة: وهي ما يتقرب به إلى الله تعالى، ويقصد بها هنا اتخاذ المنزلة والمكانة عند الله ﴿وَصَلَوَتِ الرَّسُولِ﴾ جمع صلاة ويراد بها هنا دعاؤه واستغفاره، فالصلاة من الله تعالى: الرحمة والخير والبركة، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلِى عَلَيْكُمْ وَمَتَبِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣/٣٣] والصلاة من الملائكة: الدعاء، وكذا هي من النبيِ وَّ؛ كما قال تعالى: ﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَرٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٩/ ١٠٣] أي دعاؤك تثبيت لهم وطمأنينة ﴿أَلَا﴾ استئناف بحرف التنبيه ﴿إِنَّهَا﴾ أي نفقتهم ﴿قُرْبَةٌ لَّهُمْ﴾ أي تقرّبهم من رحمة الله ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ﴾﴾ جنته ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لأهل طاعته ﴿رَّحِيمٌ﴾ بهم. سبب النزول: نزول الآية (٩٧): ﴿اَلْأَعْرَابُ﴾ قال الواحدي: نزلت في أعاريب من أسد وغطفان، ومن أعاريب حاضري المدينة. نزول الآية (٩٩): ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ﴾: أخرج ابن جرير الطبري عن مجاهد أنها نزلت في بني مُقَرِّن الذين نزلت فيهم: ﴿ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَنَوَّكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ [التوبة: ٩٢/٩] وأخرج عن عبد الرحمن بن معقل المزني قال: كنا عشرة ولد مقرِّن، فنزلت فينا هذه الآية. ١٥ الجُزءُ (١١) - التَّوَّ: ٩ / ٩٧ -٩٩ المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى أحوال العرب مؤمنيهم ومنافقيهم بالمدينة، ذکر أحوال الأعراب خارج المدينة وهم سكان البادية، وأخبر أن في الأعراب كفاراً ومنافقين ومؤمنين. ويرى الرازي أن هذه الآيات كسابقتها مباشرة تخاطب منافقي الأعراب وأصحاب البوادي أي الصحاري. ويرى المفسرون الآخرون أن ما سبق كله في منافقي المدينة وهذا في منافقي الأعراب. التفسير والبيان: إن كفر بعض الأعراب سكان البادية ونفاقهم أعظم من غيرهم وأشد، وأحرى وأولى ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله أي فرائض الشرع؛ لأنهم أغلظ طبعاً وأقسى قلباً، وأكثر جهلاً، روى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن ابن عباس عن رسول الله بَ ل ه قال: ((من سكن البادية جَفَا، ومن اتبع الصيد غَفَل، ومن أتى السلطان افتتن)) ورواه أبو داود والبيهقي أيضاً عن أبي هريرة مرفوعاً، وزاد فيه: ((وما ازداد أحد من سلطانه قرباً إلا ازداد من الله بُعْداً)) لأن السلاطين لا يريدون غالباً النصح وصراحة القول، فلا يتقرب منهم إلا المراؤون عادة. والله عليم واسع العلم بأحوال خلقه من أهل المدن والبوادي، حكيم فيما شرعه لهم وفيما يجازي محسنهم ثواباً ومسيئهم عقاباً. وليس هذا طعناً في الأعراب وإنما هو وصف لأحوالهم، وذم لواقعهم ما داموا راضين به، وكل من نزل البادية فهم أعراب. وأما من استوطن القرى والبلاد فهم عرب، ولا يقال للمهاجرين والأنصار أعراب، إنما هم عرب، وقد قال النبي وَّ: ((حب العرب إيمان))(١). ومن الأعراب أناس ينفقون أموالهم رياءً أو تَقيّة، وتقرباً للمسلمين (١) حديث ضعيف رواه الطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك. ١٦ الُُ (١١) - التَوَتَّةً): ٩ / ٩٧ -٩٩ ويعدون ذلك مغرماً وخسارة؛ لأنهم لا يرجون به ثواباً عند الله، وينتظرون بکم الحوادث والآفات، فيتخلصون من الإنفاق، وقد كانوا يتوقعون انتصار المشركين على المؤمنين، فلما يئسوا انتظروا موت النبي و له ظناً منهم أن الإسلام ینتهي بموته. روي أنهم أسد وغَطَفان كانوا يفعلون ذلك. فرد الله عليهم: ﴿عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ﴾ أي هي منعكسة عليهم، والسوء دائر عليهم وحدهم، أو أن هذا دعاء عليهم بنحو ما ينتظرونه في المسلمين، وقد تحقق هذا الدعاء، فدارت دائرة السوء والشر عليهم، وأصيبوا بالهزيمة والخيبة والخذلان، والله سميع لما يقولون عند الإنفاق، ولدعاء عباده عليهم، عليم بما يضمرون وبمن يستحق النصر ممن يستحق الخذلان، كما قال تعالى: ﴿قُلّ هَلْ تَرَنَّصُونَ بِنَّأَ إِلَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ، أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة: ٥٢/٩]. وكما أن في الأعراب كفاراً ومنافقين، فيهم أيضاً مؤمنون لقوله تعالى: ﴿ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِثُ﴾ أي وبعض آخر من الأعراب يؤمنون إيماناً صحيحاً، مثل جُهينة ومُزَيْنة، وبنو أسلم وغفار، وقال مجاهد: هم بنو مُقَرِّن من مُزَينة، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوَّكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ وهؤلاء الذين يتخذون ما ينفقون في سبيل الله قربة يتقربون بها عند الله تعالى، ويبتغون بذلك دعاء الرسول لهم، أي صلواته. ألا إن ذلك قربة حاصلة لهم، وهذا شهادة من الله بصحة معتقدهم، وتصديق لرجائهم وتمنيهم، على الاستئناف مع حرف التنبيه، وإنّ المحققة للنسبة. وضمير ﴿إِنَّهَا﴾ لنفقتهم. سيدخلهم الله في رحمته أي في جنته ورضوانه، وهذا وعد لهم بإحاطة الرحمة بهم، إن الله غفور رحيم واسع المغفرة والرحمة للمخلصين في أعمالهم، ١٧ لُ (١١) - التَّوَّةَ: ٩ / ٩٧ -٩٩ فهو يستر لهم ما فرط منهم من ذنب أو تقصير، ويرحمهم بهدايتهم إلى صالح الأعمال المؤدية إلى حسن الختام والمصير، وإحاطة الرحمة في هذه الآية أبلغ في إثباتها لهم في مثل قوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُهُم بَِحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَنٍ وَجَنَّتٍ ◌َّمْ فِيَهَا نَعِيمٌ مُقِيمُ (٢١)) [التوبة: ٢١/٩]. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على أن في الأعراب كفاراً ومنافقين ومؤمنين. أما الكفار والمنافقون فهم أشد كفراً ونفاقاً من غيرهم، بسبب قسوة البيئة التي يعيشون فيها، وضعف مستوى الثقافة والمعرفة والعلم في أوساطهم، مما يجعلهم قساة الطباع والأكباد والقلوب، ويرتعون في مفاسد الجهل والأهواء ونقص السياسة والتأديب. وهم أيضاً لذلك أولى بألا يعلموا حدود الشرائع ومقادير التكاليف والأحكام وما أنزله الله على رسوله بالوحي الثابت. وترتب على ذلك أحكام ثلاثة(١): أولها - لاحق لهم في الفيء والغنيمة، كما قال النبي رَّ في صحيح مسلم من حديث بريدة: ((ثم ادعهم إلى التحوّل من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم بأنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا عنها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين)). وثانيها - إسقاط شهادة أهل البادية عن الحاضرة؛ لما في ذلك من تحقق (١) تفسير القرطبي: ٢٣٢/٨ ١٨ الزُ (١١) - الْتَوَتَّةِ: ٩ / ٩٧-٩٩ التهمة. وأجازها أبو حنيفة قال: لأنها لا تراعى كل تُهمَة، والمسلمون كلهم عنده على العدالة. وأجازها الشافعي إذا كان عدلاً مرضياً، قال القرطبي: وهو الصحيح. وثالثها - أن إمامتهم بأهل الحاضرة ممنوعة؛ لجهلهم بالسنة، وتركهم الجمعة. وقال الشافعي والحنفية: الصلاة خلف الأعرابي جائزة. ومن الأعراب جماعة منافقون يعدون النفقة خسارة، وينتظرون أن تحيط الدواهي والمصائب والحوادث بالمسلمين ليتخلصوا من الإنفاق. فقوله: ﴿ وَيَتَرَبَّصُ بِكُ الدَّوَابِرَ﴾ يعني الموت والقتل، وانتظار موت الرسول وَّل، وانتصار المشركين. ولكن الأمر سيكون بالعكس مما يتوقعون، فعليهم وحدهم دائرة العذاب والبلاء. وبعض آخرون من الأعراب مؤمنون، وصفهم الله بوصفين: الأول: كونهم مؤمنين بالله واليوم الآخر، وهذا دليل على أنه لابد في جميع الطاعات حتى الجهاد من تقدم الإيمان. والثاني: كونهم ينفقون أموالهم تقرباً إلى الله تعالى، وبقصد التوصل إلى صلوات الرسول 18 أي استغفاره ودعائه؛ لأن الرسول ص 84* كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة، ويستغفر لهم، كقوله: ((اللهم صلّ على آل أبي أوفى)) وقال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ كما تقدم. وقد شهد الله تعالى بقوله: ﴿أَاَ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ﴾ للمتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته قربات وصلوات، أي إن نفقاتهم تقربهم من رحمة الله، وذلك حاصل لهم، وهو وعد من الله، والله لا يخلف الميعاد. ١٩ الُزُ (١١) - التَّوَّةِ: ١٠٠/٩-١٠٢ أصناف الناس في المدينة وما حولها ﴿ وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَنٍ رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٣ وَمِمَنْ حَوْلَكُ مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَفِقُونٌ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةُ مَرَدُواْ عَلَى النِفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمِّ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴿ وَءَاخَرُونَ أُعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا وَءَاخَرَ سَمِّئَا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمَّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ ١٠٢ القراءات: ﴿جَنَّتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ﴾: وقرأ ابن كثير (جنات تجري من تحتها). الإعراب: ﴿وَالسَّبِقُونَ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ﴾ ومعناه: رضي الله عنهم لأعمالهم وكثرة طاعاتهم. ﴿وَمِنْ أَهْلِ اُلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ﴾ عطف على: ﴿وَمِمَنْ حَوْلَكُمْ﴾ أو خبر المحذوف تقديره: قوم مردوا على النفاق، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه. مثل: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا. البلاغة: عَمَلًا صَالِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا﴾ بين الصالح والسيء طباق. المفردات اللغوية: ﴿ وَالسَِّقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِرِينَ وَالْأَنَصَارِ﴾ وهم من شهد بدراً، أو ٢٠ الُ (١١) - التَّوَتِيم: ٩ /١٠٠-١٠٢ الذين صلوا إلى القبلتين، أو الذين أسلموا قبل الهجرة، وأهل بيعة العقبة الأولى وكانوا اثني عشر، وأهل العقبة الثانية وكانوا سبعين، والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زُرَارة مُصعَب بن عمير، أو جميع الصحابة ﴿ وَالَّذِينَ اٌتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنٍ﴾ اللاحقون بالسابقين من الفئتين، أو الذين اتبعوهم بالإيمان والطاعة إلى يوم القيامة ﴿رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ أي قبل طاعتهم وارتضى أعمالهم ﴿ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ بما نالوا من نعمه الدينية والدنيوية، أو بما أفاض عليهم من نعمه الجليلة في الدين والدنيا. ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُ﴾ ممن حول بلدتكم المدينة يا أهل المدينة ﴿مُنَفِقُونٌ﴾ هم جُهينة ومزينة وأسلم وأشجع وغفار، كانوا نازلين حولها ﴿مَرَدُواْ﴾ مرنوا وحذقوا واستمروا ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ﴾ لا تعرفهم بأعيانهم أيها النبي ﴿ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ بالفضيحة والقتل في الدنيا، وعذاب القبر، أو بأخذ الزكاة وإنهاك الأبدان ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ﴾ في الآخرة ﴿إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ هو النار. ﴿خَلَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ هو الجهاد السابق قبل ذلك أو إظهار الندم والتوبة ﴿وَءَاخَرَ سَيِّئًا﴾ وهو تخلفهم، وهم أبو لبابة وجماعة من المتخلفين أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد، لما بلغهم ما نزل في المتخلفين، وحلفوا ألا يحلهم إلا النبي وََّ، فحلَّهم لما نزلت ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أن يقبل توبتهم ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ يتجاوز عن التائب ويتفضل عليه. سبب النزول: ﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ : الصحيح عند الرازي أنهم السابقون في الهجرة وفي النصرة. ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُ﴾: قال البغوي، والواحدي نقلاً عن الكلبي: نزلت في جُهَينة ومُزَيْنَة وأشجع وأسلم وغفار من أهل المدينة أي كانوا حول المدينة، يعني عبد الله بن أبي، وجَدّ بن قيس، ومُعَتِّب بن قُشَیر، والجلاس بن سويد، وأبي عامر الراهب.