النص المفهرس
صفحات 681-700
٦٨١
الُ (١٠) - التَوَّيِ: ٩ / ٧٩ -٨٠
وقالت طائفة عن الحديث: ذلك مخصوص بالمنافقين زمان رسول الله وَلـ
لاً - يوصف الله تعالى بأنه علام الغيوب، أي إن ذاته تقتضي العلم بجميع
الأشياء، فيعلم بجميع المعلومات، وهو عالم بما في الضمائر والسرائر. فأما .
وصف الله بالعلامة فإنه لا يجوز؛ لأنه مشعر بنوع تكلف بالعلم، والتكلف في
حق الله تعالى محال.
طعن المنافقين بالمؤمنين وعدم المغفرة لهم
﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا
يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿﴿ أَسْتَغْفِرْ
لَمْ أَوْ لَا نَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن نَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ
٨٠
كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِةٍ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ
الإعراب:
{الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبتدأ،
و﴿يَلْمِزُونَ﴾: صلته، و﴿فِي الصَّدَفَتِ﴾ من صلة ﴿يَلْمِزُونَ﴾. وما
بين ﴿يَلْمِزُونَ﴾ و﴿فِي الصَّدَفَتِ﴾ داخل في صلة ﴿الَّذِينَ﴾.
﴿ وَأَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّ جُهْدَهُمْ﴾: عطف على ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ وخبر
المبتدأ: إما أن يكون ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ أو أن يكون مقدراً، تقديره: ومنهم
الذین يلمزون.
البلاغة:
فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ هذا من باب المقابلة على سوء صنيعهم
واستهزائهم بالمؤمنين.
٦٨٢
الُُ (١٠) - التَوَتية: ٩ / ٧٩-٨٠
﴿وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيُ﴾ التنوين في ﴿عَذَابٌ﴾: للتهويل والتفخيم.
﴿ أُسْتَغْفِرُ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ بينهما طباق السلب، والمراد بالأمر
التسوية.
﴿سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ هذا جار مجرى المثل للمبالغة، وليس لتحديد العدد. وقد
شاع استعمال السبعة والسبعين والسبع مئة ونحوها في التكثير، لاشتمال
السبعة على جملة أقسام العدد، فكأنه العدد بأسره.
المفردات اللغوية:
(الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ يعيبون. ﴿الْمُطَّعِينَ﴾ المتطوعين أو المتنفلين المؤدي
النفل بعد الواجب . ﴿إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ طاقتهم: وهي أقصى ما يستطيعه
الإنسان، فيأتون به. (سَخِرَ﴾ استهزأ بهم احتقاراً، والمراد هنا جازاهم على
سخريتهم، مثل: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥/٢] فهو خبر غير دعاء.
﴿أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ يا محمد. ﴿أَوْ لَا تَسْتَغْفِرُ لَهُمْ﴾ يراد به التسوية بين الأمرين.
﴿سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ المراد بالسبعين: المبالغة في كثرة الاستغفار.
سبب النزول:
روى الشيخان عن أبي مسعود البدري قال: ((لما نزلت آية الصدقة، كنا
تُحامل(١) على ظهورنا فجاء رجل (أبو عقيل اسمه الحبْحاب) بشيء كثير،
فقالوا: مراءٍ، فتصدق بصاع، فقالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا، فنزل:
﴿الَّذِينَ يَلْمِرُونَ الْمُطَّعِينَ﴾ الآية.
المناسبة:
هذا نوع آخر من أعمال المنافقين القبيحة، وهو لمزهم من يأتي بالصدقات
طوعاً وطبعاً.
(١) المعنى: نحمل الحمل على ظهورنا بالأجرة، ونتصدق من تلك الأجرة، أو نتصدق بها كلها،
وبعبارة أخرى: نؤاجر أنفسنا في الحمل.
٦٨٣
الُهُ (١٠) - التَّوَّة: ٧٩/٩-٨٠
قال ابن عباس رضي الله عنهما فيما رواه عنه ابن جرير: إن رسول الله الهول
خطبهم ذات يوم، وحث على أن يجمعوا الصدقات، فجاءه عبد الرحمن بن
عوف بأربعة آلاف درهم، وقال: كان لي ثمانية آلاف درهم، فأمسكت لنفسي
وعيالي أربعة، وهذه الأربعة أقرضتها ربي، فقال: بارك الله لك فيما أعطيت
وفيما أمسكت. قيل: قبل الله دعاء الرسول وَ ل﴿ فيه، حتى صالحت امرأته
ناضر عن ربع الثمن على ثمانين ألفاً.
وجاء عمر بنحو ذلك، وجاء عاصم بن عدي الأنصاري بسبعين وَسْقاً من
تمر الصدقة، وجاء عثمان بن عفان بصدقة عظيمة، وجاء أبو عقيل بصاع من
تمر، وقال: آجرت الليلة الماضية نفسي من رجل لإرسال الماء إلى نخيله،
فأخذت صاعين من تمر، فأمسكت أحدهما لعيالي، وأقرضت الآخر ربي،
فأمر رسول الله وَلول بوضعه في الصدقات.
فقال المنافقون على وجه الطعن: ما جاؤوا بصدقاتهم إلا رياء وسمعة. وأما
أبو عقيل فإنما جاء بصاعه ليذكر مع سائر الأكابر، والله غني عن صاعه،
فأنزل الله تعالى هذه الآية (١).
التفسير والبيان:
إن شأن المنافقين في كل أمة عجيب وغريب، ديدنهم تثبيط الهمم، وتدمير
القيم، فلا يسلم أحد من طعنهم، ولو كان العمل خيراً محضاً؛ فهم يعيبون
المتطوعين في الصدقات، والمراد بها هنا النوافل، سواء أكان المتطوع غنياً يأتي
بالكثير كعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان، أم فقيراً كأبي عقيل، الذي
يأتي بالقليل، وهو جهد المقلّ، فلا يجدون ما ينفقونه في سبيل الله إلا غاية
جهدهم ومنتھی طاقتهم، فیهزؤون منهم، وذكر هؤلاء، وإن كانوا داخلين في
المتطوعين؛ لأن السخرية منهم كانت أشد وأوقع.
(١) تفسير الرازي: ١٤٤/١٦. ١٤٥
٦٨٤
المُعُ (١٠) - التَوَتِير: ٩ / ٧٩-٨٠
ولكن الله تعالى سخر منهم، أي جازاهم على سخريتهم بمثل ذنبهم، حيث
صاروا إلى النار، فقوله: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ من باب المقابلة أو المشاكلة على
سوء صنيعهم، واستهزائهم بالمؤمنين؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فعاملهم
معاملة من سخر منهم، انتصاراً للمؤمنين في الدنيا.
وأعد للمنافقين في الآخرة عذاباً شديداً مؤلماً؛ لأن الجزاء من جنس
العمل.
ثم أبان الله تعالى أنهم كالكفار ليسوا أهلاً للاستغفار، ولا ينفعهم الدعاء،
فسواء استغفر لهم الرسول أو لم يستغفر لهم، فلن يستر الله عليهم ذنوبهم
بالعفو عنها، وترك فضيحتهم بها، وإنه لو استغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله
لهم ولن يعفو عنهم، وذلك نظير قوله تعالى: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ
أَمْ لَمَّ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اَللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦/٦٣].
وليس المراد بالسبعين هنا التحديد بعدد معين، فيكون ما زاد عليها
بخلافها، وإنما المراد المبالغة في الكلام بحسب أسلوب العرب.
وقد كان النبي وَلفيه إظهاراً لرحمته بالأمة، ولطلبهم الاستغفار منه، يدعو
الله لهم بالهداية، ويستغفر لهم، كما كان يدعو للمشركين كلما اشتد إيذاؤهم
له، فيقول كما روى ابن ماجه: ((اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون)» فمنعه
الله من ذلك.
وكان عذر الرسول وَله في استغفاره: هو عدم يأسه من إيمانهم، ما لم يعلم
أنهم مطبوعون على الضلالة، والممنوع هو الاستغفار بعد العلم؛ لقوله تعالى:
﴿مَا كَانَ لِلنَِّّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُوْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قُرْبى
مِنْ بَعْدِ مَا تَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ (٣).
﴾ [التوبة: ١١٣/٩].
وقد ذكر الله تعالى هنا سبب عدم قبول الاستغفار والدعاء لهم بقوله:
٦٨٥
الجُرُ (١٠) - التَّوَية: ٩ / ٧٩-٨٠
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ﴾ أي إنهم كفروا وجحدوا بالله ورسوله، فلم يقروا
بوحدانية الله تعالى، ولم يعترفوا ببعثه النبي وَله، وأصروا على الجحود
والإنكار، فلم تعد قلوبهم مستعدة لقبول الخير والنور، وإن سنة الله ألا يوفق
للخير القوم المتمردين في الكفر، الخارجين على الطاعة، الذين فقدوا
الاستعداد للإيمان والتوبة. فاليأس من المغفرة وعدم قبول الاستغفار لهم ليس
لبخل من الله، ولا قصور في النبي، بل لعدم قابليتهم بسبب الكفر الصارف
عن المغفرة.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - إن المنافقين قوم حيارى مرضى القلوب لا يدركون حقيقة الأمور،
فتراهم يعيبون غيرهم من المؤمنين، تستراً على النفاق، وحماية لأنفسهم من
افتضاح أمرهم، وحباً في النقد والطعن، فافتضح القرآن أسرارهم، وأبان
سوء تصرفاتهم.
أَ - لقد كان جزاء لمزهم وعيبهم المؤمنين المتطوعين بالإنفاق في سبيل الله
هو النار والعذاب الأليم فيها؛ لأن الجزاء من جنس العمل كما تبين.
٣ - لن ينفعهم استغفار الرسول ما داموا كفاراً مصرين على النفاق. قال
الشعبي: سأل عبد الله بن عبد الله بن أبي رسول الله وَلَه، وكان رجلاً صالحاً
أن يستغفر لأبيه في مرضه، ففعل، فنزلت الآية. أي إن استغفار الرسول وله
لبعض المنافقين كان بطلبهم، لكن رجح الرازي أنه وَي﴾ لم يستغفر لهم؛ لأنه
يعلم أن المنافق كافر، والاستغفار للكافر لا يجوز في شرعه، وإنما لما طلب
القوم منه أن يستغفر لهم، منعه الله منه(١).
(١) تفسير الرازي: ١٤٧/١٦
٦٨٦
مِلُرُ (١٠) - التَوَّةِ: ٨١/٩-٨٢
فرح المنافقين المتخلفين عن الجهاد في غزوة تبوك
﴿فَرِحَ الْمُخَلَّقُونَ بِمَفْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوْ أَن يُجَهِدُواْ بِأَمْوَهِمْ
وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُواْ لَا نَفِرُواْ فِىِ الْحَرَّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرَّ لَّوْ كَانُواْ
فَلْيَضْحَكُوْ قَلِيلًا وَلْيَبْكُوْ كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
يَفْقَهُونَ الَّـ
الإعراب:
{ِخِلَفَ﴾ منصوب؛ لأنه مفعول لأجله، وقيل: لأنه مصدر.
(جَزَاءٌ﴾ مفعول لأجله، أي للجزاء.
البلاغة:
﴿فَلَيَضْحَكُوْ قَلِيلًا وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا﴾ فيه ما يسمى بالمقابلة من أنواع الجناس.
المفردات اللغوية:
﴿فَرِحَ﴾ سرّ وطرب، والفرح: شعور النفس بالارتياح والسرور.
﴿ اَلْمُخَلَّفُونَ﴾ المتروكون في المدينة عن تبوك، من خلَّف فلاناً، أي تركه خلفه.
بِمَقَّعَدِهِمْ﴾ بقعودهم . ﴿خِلَفَ﴾ أي بعد، أو هو مصدر كالمخالفة، ويصح
المعنيان هنا. ﴿ وَقَالُواْ﴾ أي قال بعضهم لبعض. ﴿لَا تَنَفِرُواْ﴾ تخرجوا إلى الجهاد.
﴿ أَشَدُّ حَرًّا﴾ من تبوك، فالأولى أن يتقوها بترك التخلف . ﴿لَّوْ كَانُواْ يَفْقَهُونَ﴾
يعقلون أو يعلمون ذلك ما تخلفوا. ﴿فَلْيَضْحَكُوْ قَلِيلًا﴾ في الدنيا. ﴿وَلْيَبَّكُواْ﴾ في
الآخرة. وهو خبر عن حالهم وارد بصيغة الأمر.
سبب النزول:
أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: أمر رسول الله و # الناس أن ينبعثوا
٦٨٧
الُ (١٠) - التَوَّة: ٨١/٩-٨٢
معه، وذلك في الصيف، فقال رجال: يا رسول الله، الحر شديد، ولا
نستطيع الخروج، فلا ننفر في الحر، فأنزل الله: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾.
وأخرج ابن جرير أيضاً عن محمد بن كعب القرظي قال: خرج رسول الله
وَلجه في حر شديد إلى تبوك، فقال رجل من بني سلمة: لا تنفروا في الحر،
فأنزل الله: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ الآية.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى بعض قبائح المنافقين من اعتذارهم عن الخروج للقتال
في تبوك، ولمزهم في قسمة الصدقات، عاد إلى بيان حال أولئك الذين تخلفوا
عن الخروج مع رسول الله وَ طير في غزوة تبوك، وهو نوع آخر من قبائحهم،
وهو فرحهم بالقعود وکراهتهم الجهاد.
وسموا بالمخلّفين لا بالمتخلفين أي المتأخرين عن الجهاد، لأنهم تخلفوا عن
الرسول وَل﴿ بعد خروجه إلى الجهاد، من حيث إنهم لم ينهضوا، فبقوا
وأقاموا، ولأن الرسول منع أقواماً منهم من الخروج معهم، لعلمه بأنهم
يفسدون ويشوشون، ولأن الله تعالى لما منعهم في الآية التالية عن الخروج معه
بقوله: ﴿فَقُل لَّنْ تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا﴾ صاروا بهذا السبب مخلَّفين.
التفسير والبيان:
هذه الآيات ذمّ واضح للمنافقين المتخلفين عن المشاركة في القتال في غزوة
تبوك، وإخبار عن مصيرهم السَّيِّئ في الآخرة، وقد نزلت في أثناء السفر.
والمعنى: فرح أولئك المنافقون المخلّفون في المدينة بقعودهم في بيوتهم، بعد
أن تركهم رسول الله وَ ل﴿ عند خروجه إلى غزوة تبوك، وسبب فرحهم عدم
إيمانهم بأن في الجهاد خيراً، وكراهيتهم الجهاد مع النبي ◌َّر بأموالهم وأنفسهم
في سبيل الله. والفرح بالإقامة يدل على كراهة الذهاب، إلا أنه تعالى أعاده
للتأکید.
٦٨٨
لُجُزْءُ (١٠) - التَّوَّية: ٨١/٩-٨٢
والخلاصة: إنهم فرحوا بسبب التخلف، وكرهوا الذهاب إلى الجهاد.
ولم يقتصر الأمر على فرحهم بأنفسهم، بل أغروا غيرهم بعدم الخروج،
وقال بعضهم لبعض: لا تخرجوا للجهاد؛ لأن غزوة تبوك في شدة الحر، وقد
طابت الثمار والظلال.
فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ أي إن نار جهنم التي
أعدت للعصاة والتي تصيرون إليها بمخالفتكم أشدُّ حراً مما فررتم منه من
الحر، فلو كانوا يعقلون ذلك ويعتبرون به، لما خالفوا وقعدوا، ولما فرحوا بل
حزنوا، كما روى الإمام مالك والشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله وَل
قال: ((نار بني آدم التي توقدونها جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم)).
ثم أخبر الله تعالى عن عاقبة أمرهم فقال: ﴿فَلَيَضْحَكُواْ﴾ أي إن الأولى بهم
أن يضحكوا ويفرحوا قليلاً، ويبكوا كثيراً، وهو خبر عن حالهم وارد بصيغة
الأمر، يقصد به التهديد وانتظار ما سيلاقون من عذاب شديد، جزاءً على ما
اقترفوه أو اكتسبوه من الجرائم والنفاق. أخرج الشيخان في الصحيحين عن
النعمان بن بشير قال: قال رسول الله وَله: ((إن أهون أهل النار عذاباً يوم
القيامة لمن له نعلان وشراكان من نار جهنم، يغلي منهما دماغه، كما يغلي
المرْجَل، لا يرى أن أحداً من أهل النار أشدَّ عذاباً منه، وإنه أهوئُهم عذاباً)).
فقه الحياة أو الأحكام:
الآيات تدل على قصر نظر الإنسان، فهو ينظر غالباً إلى الحال والواقع
الذي هو فيه، ولا ينظر إلى المستقبل وما يتمخض عنه من أحداث. فهؤلاء
المنافقون فرحوا بالقعود والراحة في المدينة لعدم إيمانهم بجدوى الجهاد،
وكرهوا الجهاد؛ لأنه يحرمهم نعمة التفيؤ بالظلال وقطاف الثمار.
ولكن القرآن لامَهُمْ ونَّه عقولهم، فإن شدة الحر في نار جهنم التي يصيرون .
٦٨٩
اِلُعُ (١٠) - التَّوَّةِ: ٨١/٩-٨٢
إليها بسبب تخلفهم عن جهاد الأعداء ونصرة الإسلام أكثر بكثير جداً من حر
الصيف في الدنيا.
ثم هددهم تعالى بأنهم إن فرحوا قليلاً في الدنيا، فليبكوا وليحزنوا كثيراً في
جهنم، أو إنهم سيضحكون قليلاً ويبكون كثيراً، جزاءً بما كسبت أنفسهم،
و اقترفته أيديهم.
ولا يقتصر هذا التهديد على المنافقين، بل يشمل العباد الصالحين الذين
يتحسسون شدة الخوف من الله تعالى، أخرج الترمذي أن النبي وَ لّ قال:
((والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، ولخرجتم إلى
الصُّعُدات (١) تجأرون إلى الله تعالى، لوددت أني كنت شجرة تُعْضَد)).
ولا يعني هذا منع الضحك الخفيف؛ لأن الله أضحك وأبكى، ولكن
الإكثار منه وملازمته حتی یغلب على صاحبه مذموم منهي عنه، وهو من فعل
السفهاء والبَطَالة، وفي الخبر: ((أن كثرته تميت القلب)).
والخلاصة: لقد صدرت من المنافقين مخالفات خطيرة ثلاثة: هي التخلف
في المدينة عن غزوة تبوك، وكراهة الجهاد، وإغراء إخوانهم بعدم الجهاد،
فاستحقوا نار جهنم، فهم إن فرحوا وضحكوا في كل عمرهم، فهذا قليل؛
لأن متاع الدنيا قليل، وسيكون حزنهم وبكاؤهم في الآخرة كثيراً؛ لأنه عقاب
دائم لا ينقطع، بسبب ما كانوا يكسبون في الدنيا من النفاق.
(١) الصعدات: هي الطرق، وهي جمع صُعُد، وصعُد جمع صعيد؛ كطريق وطرق وطرقات.
٦٩٠
الزُعُ (١٠) - التَوَتَّةِ: ٨٣/٩-٨٥
منع المنافقين من الجهاد والمنع من الصلاة على
موتاهم والتحذير من الاغترار بأموالهم وأولادهم
﴿ فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَقْذَنُوَكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّنْ تَّخْرُجُواْ مَعِىَ
أَبَدًّا وَلَنْ نُقَئِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَأَفْعُدُواْ مَعَ الْخَلِفِينَ
وَلَا تُصَلِّ عَلَىَّ أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ أَبَدًّا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِوَّةَ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ
وَرَسُولِهِ، وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ
﴿ وَلَ تُعْجِبْكَ أَمْوَهُمْ وَأَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن
٨٥
يُعَذِّبَهُم بِهَا فِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ
القراءات:
﴿مَعِىَ أَبَدًا﴾:
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (معيْ أبداً).
صِل
﴿ مَعِىَ عَدُوًّا﴾ :
وهي قراءة حفص، وقرأ الباقون (معيْ عدواً).
الإعراب:
﴿فَإِن رَّجَعَكَ ﴾ الكاف: منصوب برجع، وهو يكون متعدياً، كما يكون
لازماً. يقال: رجع ورجعته، نحو زاد وزڈته، ونقص ونقصته، في أفعال تزید
على ثمانين فعلاً.
﴿مَاتَ﴾ صفة لأحد، وإنما قيل: مات وماتوا بلفظ الماضي بالنسبة إلى
سبب النزول وزمان النهي، لكن معناه على الاستقبال على تقدير الكون
والوجود؛ لأنه كائن موجود لا محالة.
٦٩١
الجزءُ (١٠) - التَّوَّةِ: ٨٣/٩-٨٥
﴿إِنَّهُمْ كَفَرُواْ﴾ تعليل للنهي.
﴿أَبَدًا﴾ ظرف متعلق بالنهي.
المفردات اللغوية:
﴿فَإِن رَّجَعَكَ﴾ ردك. ﴿اَللَّهُ﴾ من تبوك. ﴿إِلَى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ﴾ ممن تخلف
بالمدينة من المنافقين. ﴿الْخَلِفِينَ﴾ المتخلفين من النساء والصبيان. ﴿ وَلَا نَقُمْ عَلَى
قَبْرِهِجَ﴾ لدفن أو زيارة والمراد النهي عن الوقوف على قبره حين دفنه أو
لزيارته، والقبر هو مدفن الميت. ﴿فَاسِقُونَ﴾ كافرون. ﴿وَتَزْهَقَ﴾ تخرج.
سبب النزول:
نزول الآية (٨٤):
﴿ وَلَا تُصَلِّ﴾: روى الشيخان عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أُبي،
جاء ابنه إلى رسول الله وَله، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم
سأله أن يصلي عليه، فقام ليصلي عليه، فقام عمر بن الخطاب، وأخذ بثوبه،
وقال: يا رسول الله، أتصلي عليه، وقد نهاك ربك أن تصلي على المنافقين؟
قال: إنما خيرني الله، فقال: ﴿أُسْتَغْفِرُ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَّمْ
سَبْعِينَ مَرَّةٌ﴾ وسأزيده على السبعين، فقال: إنه منافق، فصلى عليه، فأنزل
الله: ﴿ وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم ◌َاتَ أَبَدًّا وَلَا نَتُمْ عَلَى قَبْرِهِةَ﴾ فترك الصلاة
عليهم. وقد فهم عمر ذلك من قوله تعالى: ﴿أُسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾
الآية، على أنه تقدم نهي صريح. أو أنه فهم ذلك من قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ
لِلنَّبِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣/٩] لأنها نزلت بمكة.
وورد ذلك من حديث عمر وأنس وجابر وغيرهم.
وجاء في رواية عن ابن عباس: فقال عمر رضي الله عنه، لم تعطي قميصك
٦٩٢
لالُ (١٠) - التَّوَتَّةِ): ٨٣/٩-٨٥
الرجسَ النجسَ(١)؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((إن قميصي لا يغني عنه من
الله شيئاً، فلعل الله أن يدخل به ألفاً في الإسلام)). وكان المنافقون لا يفارقون
عبد الله، فلما رأوه يطلب هذا القميص، ويرجو أن ينفعه، أسلم منهم يومئذ
ألف.
وقوله وَّقى: ((إنما خيرني الله)) مشكل، والظاهر أن الاستغفار للمنافقين
الذي خير فيه إنما هو استغفار لساني لا ينفع، وغايته تطييب قلوب بعض
الأحياء من قرابات المستغفر له.
وصلّ الرسول وَليل عليه بعد أن علم كونه كافراً، وقد مات على كفره؛ لأنه
لما طلب منه أن يرسل إليه قميصه الذي مسّ جلده ليدفن فيه، غلب على ظنه
أنه انتقل إلى الإيمان؛ لأن ذلك الوقت وقت يتوب فيه الفاجر، ويؤمن فيه
الكافر. أو إنما صلى عليه بناء على الظاهر من إعلان إسلامه. وأخرج أبو يعلى
وغيره عن أنس أن رسول الله وَ لو أراد أن يصلي على عبد الله بن أبي، فأخذ
جبريل بثوبه، فقال: ﴿ وَلَا تُصَلِّ﴾ الآية. فهذه الرواية تدل على أنه يَّ لم يصل
على عبد الله بن أبي.
وأمام هذا التعارض في الروايات رجح بعض العلماء رواية البخاري،
وجمع بعضهم بين الروايتين، فقال: المراد من الصلاة في رواية عمر وابنه:
الدعاء، أو الهم بالصلاة عليه ثم منعه جبريل.
المناسبة:
ما تزال الآيات تتحدث عن مخازي المنافقين وسوء طريقتهم، فبعد أن بيّن
(١) وهذا يدل على منقبة عظيمة من مناقب عمر رضي الله عنه؛ وذلك لأن الوحي نزل على وفق
قوله في آيات كثيرة، منها آية الفداء عن أسارى بدر، وآية تحريم الخمر، وآية تحويل القبلة،
وآية أمر النسوان بالحجاب، وهذه الآية. لهذا قال عليه الصلاة والسلام في حقه: ((لو لم أبعث
لبعثت يا عمر نبياً)).
٦٩٣
الُرُءُ (١٠) - التوتير: ٨٣/٩-٨٥
تعالى قبائحهم، بَيَّن بعض المواقف الحاسمة في معاملتهم، بعد رجوعه من
غزوة تبوك، فمنعهم الله تعالى من الخروج مع النبي إلى الجهاد في غزوات
. أخرى؛ لأن خروجهم يؤدي إلى الفساد، ومنع النبي وَّل من الصلاة على
موتاهم؛ لأن الصلاة على الميت دعاء واستغفار واستشفاع له، والكافر ليس
بأهل لذلك، ونهاه عن الاغترار بأموالهم وأولادهم أو استحسان ما لديهم؛
لأنها ليست لخيرهم، وإنما هي طريق لتعذيبهم بها في الدنيا، وانشغالهم بها عن
الآخرة.
التفسير والبيان:
يأمر الله رسوله عليه الصلاة والسلام بأنه إن ردك الله من سفرك هذا حين
رجوعك من غزوة تبوك إلى طائفة من المنافقين المتخلفين، وكانوا كما ذكر
قتادة اثني عشر رجلاً، فاستأذنوك للخروج معك إلى غزوة أخرى، فقل لهم
تعزيراً وعقوبة: لن تخرجوا معي أبداً على أية حال، ولن تقاتلوا معي أبداً
عدواً بأي وضع كان.
ثم علل ذلك وبيّن سبب المنع بقوله: ﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ﴾ أي إنكم
اخترتم القعود عني أول مرة، وتخلفتم بلا عذر، وكذبتم في أيمانكم الفاجرة،
وفرحتم بالقعود، بل وأغريتم بالتخلف عن الجهاد، فاقعدوا أبداً مع الخالفين
أي الرجال المنافقين الذين تخلفوا عن الجهاد كما قال ابن عباس، أو مع فئة
النساء والصبيان والعجزة كما قال الحسن، لكن قال ابن جرير: وهذا لا
يستقيم؛ لأن جمع النساء لا يكون بالياء والنون، ولو أريد النساء لقال:
فاقعدوا مع الخوالف أو الخالفات. وقيل: المعنى فاقعدوا مع الفاسدين، وهذا
يدل على أن استصحاب المخذِّل في الغزوات لا يجوز. وقوله: ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ هي
الخرجة إلى غزوة تبوك.
وعلى كل حال، فالآية تأمر بعقابهم بألا يصاحبوا النبي وَلّ أبداً، وذلك
كما قال تعالى في سورة الفتح: ﴿قُل لَّنْ تَتَّبِعُونًا﴾ [١٥].
٦٩٤
لُزْعُ (١٠) - التوثي: ٨٣/٩-٨٥
ثم أمر الله تعالى رسوله ول# بأن يبرأ من المنافقين، وألا يصلي على أحد منهم
إذا مات، وألا يقوم على قبره ليستغفر له أو يدعو له؛ لأنهم كفروا بالله
ورسوله، وماتوا عليه. وهذا نص في الامتناع من الصلاة على الكفار، وهو
حکم عام في کل من عرف نفاقه، وإن كان سبب نزول الآية في عبد الله بن أبي
ابن سلول رأس المنافقين. ومعنى الآية: ولا تصل أيها النبي على أحد من
المنافقين سيموت في المستقبل، ولا تقم على قبره حين دفنه أو لزيارته، داعياً له
ومستغفراً، ويجوز أن يراد بالقبر: الدفن، ويكون المعنى: لا تتولّ دفنه.
ثم بَيَّن الله تعالى سبب النهي عن الصلاة والقيام على القبر للدعاء بقوله:
﴿إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي لأنهم كفروا بوجود الله وتوحيده وأنكروا
بعثة نبيه؛ لأن الصلاة على الميت استشفاع له، والقيام على قبره احتفال بالميت
وإكرام له، وليس الكافر من أهل الاحترام والإكرام.
وماتوا وهم فاسقون أي إنهم ماتوا والحال أنهم خارجون من دين
الإسلام، متمردون على أحكامه، متجاوزون حدوده وأوامره ونواهيه.
ثم نهى الله رسوله عن استحسان بعض مظاهر المنافقين، فقال:
﴿ وَلَا
تُعْجِبْكَ أَمْوَلهُمْ وَأَوْلَدُهُمْ﴾ أي لا تستحسن ما أنعمنا به عليهم من الأموال
والأولاد، فلا يريد الله بهم الخير، إنما يريد أن يعذبهم بها في الدنيا بالمصائب،
وتخرج أرواحهم ويموتوا على الكفر وهم مشغولون بالتمتع بها عن النظر في
عواقب الأمور.
وقد سبق ذكر هذه الآية في هذه السورة رقم (٥٥) مع تفاوت في بعض
الألفاظ: فلا تعجبك = ولا تعجبك. أموالهم ولا أولادهم = أموالهم
وأولادهم، ليعذبهم = أن يعذبهم، في الحياة الدنيا = في الدنيا، ويفهم من
اللفظ السابق: ﴿وَلَآَ أَوْلَدُهُمْ﴾ أن إعجابهم بأولادهم كان أكثر من إعجابهم
بأموالهم، وأما هنا رقم [٨٥] فلا تفاوت بين الأمرين. وفائدة التكرار التأكيد
٦٩٥
الُرعُ (١٠) - التَّوَتَّةَ: ٨٣/٩-٨٥
والتحذير من الاشتغال بالأموال والأولاد، مرة بعد أخرى، بسبب شدة
تعلق النفوس بها، حتى لا تحجب عن طلب ما هو أولى وهو الاشتغال
للآخرة، فهي تحذير ونهي صريح عن الاغترار بالأموال والأولاد.
فقه الحياة أو الأحكام:
تتضمن الآيات اتخاذ مواقف حاسمة من المنافقين، بعد أن أمهلوا لمدة
طويلة، وعوملوا في الظاهر معاملة المسلمين. وهي مواقف ثلاثة: منعهم من
الخروج إلى الجهاد مع المسلمين، وعدم الصلاة على موتاهم، وعدم الاغترار
بأموالهم وأولادهم التي يتباهون بها، وتلك المواقف تدل على أنهم جماعة
کفار، كفروا بالله ورسوله.
أما الموقف الأول: فاقتصر على طائفة من المنافقين؛ لأن جميع من أقام
بالمدينة ما كانوا منافقين، بل كان فيهم معذورون ومن لا عذر له، ثم عفا
عنهم وتاب عليهم، كالثلاثة الذين خلِّقوا.
وأما الموقف الثاني: فإسقاط لاعتبارهم؛ لأن الصلاة على الميت والقيام
على قبره للدعاء له إكرام له واحترام، والكافر ليس من أهل الاحترام.
وعلى العكس من ذلك أهل الإيمان، فإن النبي ◌َّ كان يبادر إلى الصلاة
عليهم؛ لأن صلاته شفاعة وسكن لهم واطمئنان وكان يطلب من المؤمنين
الدعاء لهم والاستغفار تكريماً وتعظيماً. روى أبو داود والحاكم والبزار عن
عثمان رضي الله عنه قال: كان النبي ◌َّ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه
فقال: ((استغفروا لأخيكم، وسلوا له التَّثبيت، فإنه الآن يُسأل)).
وهذه الآية نص في الامتناع من الصلاة على الكفار وحظر الوقوف على
قبورهم حين دفنهم، وكذلك تولي دفنهم، وليس فيه دليل على الصلاة على
المؤمنين، وإنما يستفاد وجوب الصلاة على الميت المسلم من الأحاديث
٦٩٦
الُ (١٠) - التَوَّير: ٨٣/٩-٨٥
الصحيحة، مثل ما روى مسلم عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله
وَله: ((إن أخاً لكم قد مات، فقوموا فصلوا عليه)) قال: فقمنا فصففنا صفين،
يعني النجاشي. وعن أبي هريرة أن رسول الله وح لول نعى للناس النجاشيّ في اليوم
الذي مات فيه، فخرج بهم إلى المصلّ، وكبر أربع تكبيرات.
وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز ترك الصلاة على جنائز المسلمين، وراثة
عن نبيهم وَاللّ قولاً وعملاً.
وألحق بعض العلماء بذلك تشييع جنائز المسلمين، ويفهم من الآية من
طريق دليل الخطاب مشروعية الوقوف على قبر المسلم إلى أن يدفن، وكان النبي
وَخير يفعله، وقد قام على قبر حتى دفن الميت، ودعا له بالتثبيت، وكان ابن
الزبير إذا مات له ميت، لم يزل قائماً على قبره حتى يدفن. وجاء في صحيح
مسلم أن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال عند موته: إذا دفنتموني فسُنّوا
عليَّ التراب سَنّاً (صُبّوه برفق)، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر الجزور،
ويقسم لحمها، حتى أستأنس بکم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي.
وجمهور العلماء على أن التكبير على الجنائز أربع. روى الدارقطني عن أبي
ابن كعب أن رسول الله و الله قال: ((إن الملائكة صلّت على آدم، فكبّرت عليه
أربعاً، وقالوا: هذه سنتكم يا بني آدم)).
ولا قراءة في هذه الصلاة في المشهور من مذهب مالك، وكذلك أبو حنيفة
والثوري؛ لقوله وير فيما رواه أبو داود عن أبي هريرة: ((إذا صليتم على
الميت، فأخلصوا له الدعاء)).
وذهب الشافعي وأحمد وداود وجماعة إلى أنه يقرأ بالفاتحة؛ لقوله وَالقول فيما
رواه الجماعة عن عبادة بن الصامت: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب))
حملاً له على عمومه، وبما أخرجه البخاري عن ابن عباس، وصلّ على
جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب، وقالوا: لتعلموا أنها سنة.
٦٩٧
لُعُ (١٠) - التوتية: ٨٣/٩-٨٥
وسنة الإمام أن يقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة، وهو رأي
الشافعي؛ لما رواه أبو داود عن أنس، وصلّ على جنازة، فقال له العلاء بن
زياد: يا أبا حمزة، هكذا كان رسول الله وَ لل يصلّي على الجنائز كصلاتك، يكبر
أربعاً، ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة؟ قال: نعم. ورواه مسلم عن
سُرة بن جُنْدُب قال: صلّيت خلف النبي ◌ََّ، وصلّ على أم كعب، ماتت
وهي نُفَساء، فقام رسول الله بَّه للصلاة عليها وَسَطها.
وأما الموقف الثالث مع المنافقين الذي دلت عليه الآية فهو النهي عن
الاغترار بأموالهم وأولادهم، والتحذير منه مرة بعد أخرى؛ لشدة تعلق
النفوس بذلك، وحملاً للإنسان المؤمن على الاشتغال بما هو خالد باقٍ،
وطلب مغفرة الله تعالى. والتكرار مع ما سبق لهذه الآية لأجل التأكيد والمبالغة
في التحذير، كما كرر تعالى مرتين قوله في سورة النساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن
يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨/٤ و١١٦].
قصة حديث الصلاة على عبد الله بن أبي:
ضعَّف جماعة من العلماء كالقاضي أبي بكر الباقلاني، وإمام الحرمين
الجويني، والغزالي حديث الصلاة على زعيم المنافقين، لمخالفته لظاهر الآية من
أوجه هي:
اً - إن الآية نزلت أثناء رجوع النبي وُّل من غزوة تبوك، وابن أبي مات في
السنة التي بعدها.
أَ - اعتراض عمر وقوله للنبي وَل: ((وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟)) يدل
على أن النهي عن هذه الصلاة سابق لموت ابن أبي. وهذا يعارض قوله بعدئذ:
فصلى عليه رسول الله وَله، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَلَا تُصَلّ عَلَىَ أَحَدٍ مِنْهُم﴾ وهو
صريح في أن الآية نزلت بعد الصلاة عليه.
٦٩٨
لُرُءُ (١٠) - التَوَتَّةِ: ٨٦/٩-٨٩
◌ً - قول النبي وَلقول: ((إن الله خيرني)) يعارض صريح الآية بأن الله لن يغفر
لهم بسبب كفرهم، فأو فيها للتسوية، لا للتخيير.
وأما محاولة الجمع بين الآية والحديث فلا تخلو من تكلّف غير مقنع.
استئذان زعماء المنافقين للتخلف عن الجهاد
وإقدام المؤمنين عليه
﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةً أَنْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَجَِهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ أُسْتَشْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوَّلِ
﴿ رَضُواْ بِأَنْ يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ
مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَعِدِينَ
عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْفَهُونَ ◌َ
لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ جَهَدُواْ
بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمَّ وَأُوْلَبِكَ لَهُمُ الْخَيْرَتُّ وَأُوْلَتِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
أَعَدَّ
٨٨)
اَللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَّحْرِى مِن تَّحِيُّهَا الْأَنْهَدُ خَدِينَ فِيَهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
٢٨٩
الإعراب:
﴿مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ عاطف ومعطوف، و﴿اَلْخَوَالِفِ﴾: جمع خالفة، فإن
فاعلة يجمع على فواعل، كقاتلة وقواتل، وضاربة وضوارب،
و﴿اُلْخَوَالِفِ﴾: النساء.
البلاغة:
﴿مَعَ الْخَوَاِفِ﴾ فيها استعارة، إذ شبَّه النِّساء المقيمات في البيوت بعد
رحيل الرِّجال بالخوالف، وهي الأعمدة التي تكون في أواخر البيوت؛ لكثرة
لزوم الخوالف للبيوت.
المفردات اللغوية:
﴿سُورَةٌ﴾ طائفة من القرآن. ﴿أَنْ﴾ أي بأن. ﴿أُوْلُواْ اُلْطَّوْلِ﴾ أولو الغنى
والثروة، والمقدرة على الجهاد. ﴿ذَرْنَا﴾ اتركنا ودعنا. ﴿اَلْقَعِدِينَ﴾ المتخلفين.
٦٩٩
الُزُ (١٠) - التَوتي): ٨٦/٩-٨٩
﴿اَلْخَوَاِفِ﴾ جمع خالفة، أي النِّساء اللاتي تخلفن في البيوت. ﴿ وَطُبِعَ عَلَىَ
خُتم عليها، فلم تعد قابلة لشيء جديد . ﴿لَا يَفْقَهُونَ﴾ لا يعقلون
قُلُوبِهِمْ
الخير. ﴿وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَثُ﴾ في الدُّنيا والآخرة. ﴿اَلْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون.
المناسبة:
بعد أن بيَّن الله تعالى أنّ المنافقين احتالوا في التّخلف عن رسول الله وَله
والقعود عن الجهاد، أوضح أمراً آخر: وهو أنه متى نزلت آية مشتملة على
الأمر بالإيمان وعلى الأمر بالجهاد، استأذن أولو الثروة والقدرة منهم في
التّخلف عن الجهاد، وقالوا لرسول الله وَلخير: ذرنا نكن مع القاعدين، أي مع
الضعفاء والعاجزين عن القتال.
التفسير والبيان:
يذمّ الله تعالى في هذه الآيات فريقاً وبمدح فريقاً آخر، فيذمّ المتخلفين عن
الجهاد، مع القدرة عليه، ووجود الثّروة والغنى (أو السعة والطّول) واستأذنوا
الرّسول في القعود.
فكلما أُنزلت سورة - والمراد بالسّورة إما تمامها وإمّا بعضها، كما يقع
القرآن والكتاب على كله وبعضه - فيها الأمر بالإيمان والدّعوة إلى الجهاد مع
رسول الله وَله، استأذنك أولو الطول، أي ذوو الفضل والسّعة، وأولو
المقدرة على الجهاد بالمال والنّفس، في التّخلف قائلين: اتركنا مع القاعدين في
بيوتهم من النِّساء والصِّبيان والعجزة والضعفاء، وقوله تعالى: ﴿أَنْ ءَامِنُواْ﴾
الأمر للمؤمنين باستدامة الإيمان، وللمنافقين بابتداء الإيمان. ونظير الآية قوله
تعالى: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ تُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ
فِهَا اُلْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم ◌َرَضُ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِّ عَلَيْهِ مِنَ
[محمد: ٤٧ /٢٠] .
اُلْمَوْتِّ فَأَوْلَى لَهُمْ
٧٠٠
الُزُ (١٠) - التَّوَّة: ٨٦/٩-٨٩
وهذا دليل على الجبن والذّلّ والهوان. وفي تخصيص ﴿أُوْلُواْ الطَّوَّلِ﴾ بالذكر
فائدتان: الأولى: أنّ الذّم لهم ألزم لكونهم قادرين على السفر والجهاد،
والثانية: أن من لا مال له ولا قدرة على السّفر لا يحتاج إلى الاستئذان؛ لأنه
معذور.
هؤلاء رضوا لأنفسهم بأن يكونوا مع الخوالف من النساء، وفي هذا طعن
برجولتهم، وتشبيه لهم بالنّساء.
وعلّة ذلك أن الله ختم على قلوبهم، بسبب نكولهم عن الجهاد والخروج مع
الرّسول في سبيل الله، فلم تعد قابلة لنور العلم والهداية، حتى كأنها قد ختم
عليها، فأصبحوا لا يفقهون أي لا يفهمون ما فيه صلاح لهم فيفعلوه، ولا ما
فيه مضرّة لهم فيجتنبوه، ولا يدركون أسرار حكمة الله في الأمر بالجهاد.
ثم قارن الله تعالى وضعهم بوضع المؤمنين، وبيَّن ثناءه عليهم ومالهم في
الآخرة، فقال: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي بيَّن تعالى حالهم ومآلهم،
وهو أنّ الرّسول والمؤمنين معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، وأدوا
واجبهم، فنالوا الخيرات العظمى في الدُّنيا كالنّصر وهزيمة الكفر، وفي الآخرة
بالاستمتاع في جنات الفردوس والدرجات العلى، وأولئك هم الفائزون
بالسعادتين: سعادة الدُّنيا وسعادة الآخرة، خلافاً للمنافقين الذين حرموا
منهما.
وقوله: ﴿أَعَذَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ إما تفسير للخيرات والفلاح، وإما أن
الخيرات والفلاح هي منافع الدُّنيا كالعزة والكرامة والنّصر والثَّروة، والجنّات
ثواب الآخرة. والفوز العظيم: هو المرتبة الرَّفيعة والدّرجة العالية.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات على أن رؤساء المنافقين القادرين على الجهاد بالمال والنّفس