النص المفهرس

صفحات 661-680

٦٦١
الجزءُ (١٠) - التَوَي): ٩/ ٧١-٧٢
والمؤمنون ينهون عن المنكر، والمنافقون ينهون عن المعروف كما تقدم.
والمؤمنون يقيمون الصلاة على أكمل وجه وفي خشوع لله، والمنافقون لا
يقومون إلى الصلاة إلا وهم كسالى، يراؤون الناس.
والمؤمنون يؤتون الزكاة المفروضة عليهم مع التطوع بالصدقات، والمنافقون
يبخلون ويقبضون أيديهم عن الإنفاق في سبيل الله، كما في الآية السابقة.
والمؤمنون يطيعون الله ورسوله، بفعل ما أمرا به، وترك ما نهيا عنه،
والمنافقون فاسقون متمردون خارجون على الطاعة.
وبسبب هذه الصفات التي يتصف بها أهل الإيمان استحقوا الرحمة:
﴿أُوْلَئِكَ سَيَرْجَمُهُمُ اللَّهُ﴾ أي سيرحم الله من اتصف بهذه الصفات، ويتعهدهم
برحمته في الدنيا والآخرة، وذكر حرف السين في قوله ﴿سَيَرْجَمُهُمُ اللَّهُ﴾ للتوكيد
والمبالغة، ويقابل هذا نسيانه تعالى المنافقين من رحمته: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾
فهو تعالى كما وعد المنافقين نار جهنم، فقد وعد المؤمنين الرحمة المستقبلة وهي
ثواب الآخرة.
إن الله عزيز لا يمتنع عليه شيء من وعد ولا وعيد، حكيم لا يضع شيئاً في
غير موضعه، فلا حائل يحول بينه وبين عباده من رحمة أو عقوبة، وهو الحكيم
المدبر أمر عباده على وفق العدل والحكمة والصواب، فيخص المؤمنين بالجنة
والرضوان، ويخص المنافقين بالنار والعذاب والغضب.
ثم فصل الله تعالى ما وعد به المؤمنين من الرحمة، فأبان أن تلك الرحمة
تشمل خيرات كثيرة ونعيماً مقيماً في جنات: بساتين مشجرة تغطي ما تحتها،
تجري الأنهار من تحت أشجارها، فتزيدها جمالاً، وهم خالدون ماكثون فيها
أبداً، ولهم فيها مساكن طيبة أي حسنة البناء طيبة القرار، كما جاء في
الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: ((جنتان: من ذهب آنيتهما وما

٦٦٢
الجزء (١٠) - التَّوتين: ٧١/٩-٧٢
فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى
ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه، في جنة عدن)) ثم قال رسول الله وَليل: ((إن
للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها ستون ميلاً في السماء،
للمؤمن فيها أهلون، يطوف عليهم، لا يرى بعضهم بعضاً)).
وفي الصحيحين أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه: ((إن في الجنة مئة درجة،
أعدها الله للمجاهدين في سبيله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض،
فإذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، ومنه
تُفجّر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن)).
وجنات عدن: اسم مكان ومنزل من منازل الجنة كالفردوس، بدليل قوله
تعالى: ﴿جَنَّتِ عَدْنٍ اُلَّتِى وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبٍ﴾ [مريم: ٦١/١٩] وبدليل
حديث أبي الدرداء المتقدم في شرح المفردات. وقيل: العدن: الإقامة
والاستقرار، فجنات عدن: هي جنات الإقامة والخلود، كقوله تعالى:
(جَنَّةُ اُلْخُلْدِ﴾ [الفرقان: ١٥/٢٥] و﴿جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٥/٥٣] فالجنات
كلها جنات عدن.
وللمؤمنين أيضاً رضوان من الله أكبر وأعظم من الجنان، أي رضا الله
عنهم أجل مما هم فيه من النعيم، وذلك دليل قاطع على أن السعادة الروحية
أكمل وأشرف من السعادة الجسدية. ويؤيده ما رواه الإمام مالك والشيخان
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله وَ لو قال: ((إن الله عز وجل
يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبّيك ربنا وسَعْديك، والخير في
يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب، وقد أعطيتنا
ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا
رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أُحلّ عليكم رضواني، فلا أسخط
عليكم بعده أبداً)).

٦٦٣
الجزء (١٠) - التَوَتيا: ٩/ ٧١-٧٢
وقيل: إن الرضوان هو رؤية الله يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ
أَحْسَنُواْ الُْسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦/١٠].
ولما ذكر تعالى هذه الأمور الثلاثة (الجنات، والمساكن الطيبة في جنات
عدن، والرضوان الإلهي الأكبر) قال: ﴿ذَلِكَ هُوَ اُلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ﴾ أي ذلك
الوعد الصادر من الله، أو ذلك الرضوان أو هما معاً أي النعيم الجسدي
والروحي هو الفوز العظيم وحده، دون ما يعده الناس فوزاً، وهو الذي
يجزى به المؤمنون الخلّص، لا غيره من طيبات الدنيا الفانية التي يحرص عليها
المنافقون والكفار ويطلبونها دائماً.
فقه الحياة أو الأحكام:
موضوع الآيات في صفات المؤمنين لتمييزهم عن المنافقين، وما وعدهم به
ربهم في الآخرة، أما الصفات فهي ست، وأما الوعود فهي ثلاثة، والصفات
الست هي ما يأتي:
.اً - إن أهل الإيمان رجالاً ونساء أمة واحدة مترابطة متعاونة متناصرة،
قلوبهم متحدة في التوادّ والتحابّ والتعاطف. أما المنافقون بعضهم من بعض؛
لأن قلوبهم مختلفة، لا رابطة تربطهم غير الاتصاف بالنفاق وضم بعضهم إلى
بعض في الحكم.
اً - يأمر أهل الإيمان بالمعروف أي بعبادة الله تعالى وتوحيده وما يتبع ذلك
من أوامر الشرع ومحاسنه وآدابه. والمنافقون يأمرون بالمنكر.
· ◌َّ - ينهى أهل الإيمان عن المنكر من عبادة الأوثان وما تبع ذلك مما منعه
الشرع، والمنافقون ينهون عن المعروف.
◌َ - أهل الإيمان يقيمون الصلوات المفروضة الخمس، والمنافقون إذا قاموا
إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس.

٦٦٤
لُحُ (١٠) - التَوَّةِ: ٩/ ٧١-٧٢
٥ - أهل الإيمان يؤدون الزكاة المفروضة عليهم، والمنافقون كانوا يزكون
خوفاً أو رياء، لا طاعة لله تعالى، ويقبضون أيديهم عن الإنفاق في سبيل الله.
٩ - أهل الإيمان يطيعون الله في الفرائض ورسوله فيما سنّ لهم، والمنافقون
متنكرون للطاعة.
وأما وعد الله تعالى للمؤمنين فيشمل ثلاثة أشياء مفسّرة للرحمة التي وعدهم
بها في الآية المتقدمة:
اً - الجنات التي تجري من تحتها الأنهار، أي البساتين التي ينعم بها
الناظر، وتجري من تحت أشجارها وغرفها الأنهار، وهي تجري منضبطة
بالقدرة الإلهية في غير أخدود (شِقّ).
أَ - المساكن الطيبة في جنات عدن، أي القصور من الزبرجد (جوهر
معروف هو الزمرّد الأخضر) والدُّ والياقوت (ذي اللون الأحمر) يفوح طيبها
من مسيرة خمس مئة عام، في جنات عدن (اسم موضع معين في الجنة، أو دار
إقامة). قال مقاتل والكلبي: عَدن: أعلى درجة في الجنة، وفيها عين التسنیم،
والجنان حولها محفوفة بها وهي مغطاة من يوم خلقها الله حتى ينزلها الأنبياء
والصدّيقون والشهداء والصالحون ومن يشاء الله.
◌َّ - رضوان من الله أكبر وأعظم وأجل من كل ما ذكر. وفي هذا دلالة
واضحة على أن السعادة الروحانية أفضل من الجسمانية.

٦٦٥
الُ (١٠) - التَّوَقي: ٩/ ٧٣-٧٤
جهاد الكفار والمنافقين وأسبابه
﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظُ عَلَيْهِمَّ وَمَأْوَنَهُمْ جَهَنَّهٌ
وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿٣ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ
بَعْدَ إِسْلَئِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُوْاْ إِلَّ أَنْ أَغْنَنِهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ مِن فَضْلِهِ،
فَإِن يَنُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لٍَُّّ وَإِن يَتَوَلَّوْ يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِ الدُّنْيَا وَاَلْآَخِرَةِّ
وَمَا لَهُمْ فِى اُلْأَرْضِ مِن وَلِّ وَلَا نَصِيرٍ
القراءات:
﴿النَّبِىُّ﴾ :
وقرأ نافع: (والنبيء).
﴿ وَمَأْوَنهُمْ﴾ :
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً: (ماواهم).
﴿وَبِئْسَ﴾ :
وقرأ ورش، والسوسي، ووقفاً حمزة (وبيس).
الإعراب:
﴿ وَلَقَدْ قَالُواْ﴾ اللام لام القسم.
﴿إِلَّ أَنْ أَغْنَنُهُمُ اللَّهُ﴾ الاستثناء مفرّغْ.
البلاغة:
﴿وَمَا نَقَمُوْاْ إِلَّ أَنْ أَغْنَنُهُمُ اللَّهُ﴾ فيه تأكيد المدح بما يشبه الذّم، كما قال
الشاعر:

٦٦٦
الجزءُ (١٠) - التَوتية: ٩/ ٧٣-٧٤
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهنّ فلول من قِراع الكتائب
المفردات اللغوية:
(جَهِدِ الْكُفَّارَ﴾ بالسّلاح. والجهاد: استفراغ الجهد والوسع في مدافعة
العدوّ. ﴿وَالْمُنَفِقِينَ﴾ باللسان والحجّة. ﴿وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ بالانتهار والمقت،
والغلظة: الخشونة والقسوة في المعاملة وهي ضدّ اللين. ﴿اَلْمَصِيرُ﴾ المرجع.
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ أي المنافقون. ﴿مَا قَالُواْ﴾ وهو ما بلغك عنهم من السَّبّ
والطّعن. ﴿وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَمِهِمْ﴾ أظهروا الكفر بعد إظهار الإسلام.
﴿وَهَقُواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾ من الفتك بالنَّبي ◌َّ ليلة العقبة، عند عوده من تبوك،
وهم بضعة عشر رجلاً، فضرب عمار بن ياسر وجوه الرّواحل لما غشوه،
فردّوا. ﴿وَمَا نَفَمُواْ﴾ أنكروا وكرهوا وعابوا عليه. ﴿إِلَّ أَنْ أَغْنَدُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ
مِن فَضْلِهٍ﴾ أي أثراهم بالغنائم بعد شدّة حاجتهم. ﴿فَإِن يَتُوبُواْ﴾ عن النّفاق
ويؤمنوا بك . ﴿وَإِن يَتَوَلَّوْاْ﴾ عن الإيمان. ﴿عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا﴾ بالقتل.
﴿ وَاَلْآَخِرَةِ﴾ بالنّار. ﴿وَلِيٍ﴾ يحفظهم منه. ﴿ وَلَا نَصِيرٍ﴾ يمنعهم منه.
سبب النزول:
نزول الآية ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾:
قال الضّحّاك: خرج المنافقون مع رسول الله وَلو إلى تبوك، وكانوا إذا خلا
بعضهم ببعض سبّوا رسول الله وَّ وأصحابه، وطعنوا في الدِّين، فنقل ما
قالوا حُذيفة إلى رسول الله وَله، فقال رسول الله وَله: ((يا أهل النِّفاق، ما هذا
الذي بلغني عنكم؟))، فحلفوا ما قالوا شيئاً من ذلك، فأنزل الله تعالى هذه
الآية كِذَّاباً لهم(١).
(١) أسباب النزول للواحدي: ص ١٤٤
....

٦٦٧
لُرُ (١٠) - التوثي: ٩/ ٧٣ -٧٤
وقال قتادة فيما أخرجه عنه ابن جرير: ذكر لنا أن رجلين اقتتلا، أحدهما
من جهينة، والآخر من غفار، فظهر الغفاري على الجهني، فنادى عبد الله بن
أبي، يا بني الأوس انصروا أخاكم، فوالله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال
القائل: سمن كلبك يأكلك، فوالله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها
الأذلّ، فسمع بها رجل من المسلمين، فجاء إلى رسول الله وَله، فأخبره،
فأرسل إليه، فجعل يحلف بالله ما قال، وأنزل الله تعالى هذه الآية (١).
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن الْجُلاس بن سُويد أحد المتخلّفين
عن غزوة تبوك قال: لئن كان هذا الرّجل صادقاً (يعني محمداً وَلَّ) على
إخواننا الذين هم سادتنا وخيارنا، لنحن شرّ من الحمير (يقصد الآيات التي
نزلت فيمن تخلّف من المنافقين) فرفع عمير بن سعيد ذلك إلى رسول الله وَالقتل،
فحلف بالله: ما قلت، فأنزل الله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ﴾ الآية.
فزعموا أنه تاب وحسنت توبته.
ولعل أصحّ ما ذكر في سبب نزول هذه الآية: ما رواه ابن جرير والطَّبراني
وأبو الشيخ بن حيان وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنه قال: ((كان
رسول الله ◌َ ﴿ جالساً في ظلّ شجرة، فقال: إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم
بعيني شيطان، فإذا جاء فلا تكلموا، فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق، فدعاه
رسول الله وَلّ، فقال له: علامَ تشتمني أنت وأصحابك؟ فانطلق الرّجل،
فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا، فتجاوز عنهم، فأنزل الله:
(يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ﴾ الآية)).
والخلاصة: إنه عليه الصّلاة والسّلام أقام في غزوة تبوك شهرين، ينزل
عليه القرآن، ويعيب المتخلّفين، فنطق بعضهم بكلمة الكفر التي لم تذكر في
القرآن، لئلا يتعبّد المسلمون بتلاوتها، فاختلف الرّواة فيها، كما ذكر، ولا
مانع من تعدد أسباب النّزول.
(١) أسباب النزول، المرجع السابق، تفسير الرازي: ١٣٦/١٦، تفسير ابن كثير: ٣٧١/٢

٦٦٨
الُعُ (١٠) - التَوَتَّةِ: ٩/ ٧٣ -٧٤
نزول: ﴿وَهَقُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾:
قال الضَّحّاك: هموا أن يدفعوا ليلة العقبة، وكانوا قوماً قد أجمعوا على أن
يقتلوا رسول الله وَّير، وهم معه يلتمسون غرّته حتى أخذ في عقبة، فتقدّم
بعضهم وتأخّر بعضهم، وذلك كان ليلاً، قالوا: إذا أخذ في العقبة دفعناه عن
راحلته في الوادي، وکان قائده في تلك الليلة عمار بن ياسر، وسائقه حذيفة،
فسمع حذيفة وَقْع أخفاف الإبل، فالتفت فإذا هو بقوم متلِّمين، فقال: إليكم
يا أعداء الله فأمسكوا، ومضى النَّي ◌َّ حتى نزل منزله الذي أراد، فأنزل الله
تعالى: ﴿وَهَمُواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾(١).
المناسبة:
بعد أن قارن الله تعالى صفات المؤمنين مع صفات المنافقين، وقابل بين
جزاء كل من الفريقين، عاد مرة أخرى إلى تهديد الكفار والمنافقين وإنذارهم
بالجهاد، وأبان أسبابه من إظهار الكفر، وحلف الأيمان الكاذبة، وقول
كلمات فاسدة، ثم فتح لهم باب الأمل وهو التوبة، وهددهم بالعذاب الأليم
إن أصروا على الكفر.
التفسير والبيان:
الجهاد ثلاثة أنواع: جهاد العدو الظاهر، وجهاد الشيطان، وجهاد النفس
والهوى. ويشملها كلها قوله تعالى: ﴿وَجَهِدُواْ فِ اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج:
٧٨/٢٢] وقوله: ﴿وَجَهِدُواْ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١/٩].
وقال و له فيما رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم عن أنس بن
مالك: ((جاهِدُوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم)) والجهاد باللسان:
إقامة الحجة والبرهان.
(١) أسباب النزول، المرجع السابق: ص ١٤٥، تفسير الرّازي، المرجع السابق.

٦٦٩
الُرج (١٠) - التوقيت: ٧٣/٩-٧٤
وروى ابن كثير عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال: بعث رسول .
اللهِ وَلّ بأربعة أسياف: سيف للمشركين: ﴿فَإِذَا أُنْسَلَخَ اٌلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْئُلُواْ
اٌلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥/٩] وسيف للكفار: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَلَا بِلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَزَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ
٢٩
الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَّةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ
[التوبة: ٢٩/٩] وسيف للمنافقين: ﴿جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣/٩]
ج
وسيف للبغاة: ﴿فَقَائِلُواْ أَلَتِى تَبْغِى حَتَّىَ تَفِىَّ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩/٤٩].
وهذا يقتضي أنهم يجاهدون بالسيوف إذا أظهروا النفاق، كما اختار ابن
جرير الطبري. فإن لم يظهروا النفاق يعاملون باتفاق الأئمة معاملة المسلمين إلا
إذا ارتدوا، أو بَغَوْا على جماعة المسلمين بالقوة، أو امتنعوا من إقامة شعائر
الإسلام وأركانه. قال ابن عباس رضي الله عنه: جهاد الكفار بالسيف،
وجهاد المنافقين باللسان، أي بالحجة والبرهان.
والكافر: هو كل من لم يؤمن بالإسلام، أو من لم ينطق بالشهادتين،
والكفر: ستر نعمة الله تعالى وجحود الإسلام. والمنافق: هو الذي يستر كفره
وینكره بلسانه.
ومعنى الآية: يا أيها النبي جاهد كلاًّ من الكفار والمنافقين، واغلظ عليهم
أي عاملهم بالخشونة والشدة، ولا تحابهم ولا تلن لهم واعلم أن مقرهم جهنم
لا مقر لهم سواه، وبئس المصير مصيرهم: ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا
﴾ [الفرقان: ٦٦/٢٥] . أي إن لهم عذابين: عذاب الدنيا بالجهاد، وعذاب
الآخرة في جهنم.
والجهاد: عبارة عن بذل الجهد، وليس في الآية ما يدل على أن ذلك الجهاد
بالسيف أو باللسان، أو بطريق آخر، وإنما تدل على وجوب الجهاد مع
الفريقين، فأما كيفية تلك المجاهدة فلفظ الآية لا يدل عليها، بل إنما يعرف من
دليل آخر، وهذا هو الرأي الصحيح الذي اختاره الرازي.

٦٧٠
الجزءُ (١٠) - التَوَتَية: ٩ / ٧٣ -٧٤
وقد دلت الدلائل الأخرى من غير الآية على أن جهاد الكفار بالسيف،
وجهاد المنافقين تارة بإقامة الحجة والبرهان، وبترك الرفق أحياناً، وبالانتهار
أحياناً أخرى. قال ابن مسعود في قوله: ﴿جَهِدِ الْكُفَّارَ وَاُلْمُنَفِقِينَ﴾: تارة
باليد (أي بالسلاح الحربي) وتارة باللسان، فمن لم يستطع فليكشر في وجهه،
فمن لم يستطع فبالقلب.
وقد أدت سياسة الإسلام الحكيمة بأمر الله وحكمة رسوله، ومعاملة
المنافقين معاملة المسلمين في الظاهر، إلى توبة أكثرهم وإسلام الألوف منهم.
ثم ذكر الله تعالى أسباب جهاد الكفار والمنافقين، وهي إظهار الكفر
بالقول، والهمّ بالفتك برسول الله وسلّه، والاستهزاء بآيات الله وبالنبي
والمؤمنين، فقال: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾.
أي إن القرآن يثبت للمنافقين الكذب الصريح واليمين الفاجرة، فهم
يحلفون بالله، أنهم ما قالوا كلمة الكفر التي رويت عنهم، ولم يذكر القرآن تلك
الكلمة، ترفعاً من ذكرها، ولئلا يردد المسلمون تلاوتها، ولكنهم قالوها،
وهي كما ذكر في سبب النزول: إنهم لما اجتمعوا إثر رجوع النبي ◌َّ من
تبوك، وكانوا خمسة عشر، بقصد الفتك به، ودفعه عن راحلته، فقد طعنوا في
نبوته، ونسبوه إلى الكذب، والتصنع في ادعاء الرسالة، وذلك هو قول كلمة
الكفر، كما اختار الزجاج والرازي.
وكفروا بعد إسلامهم: معناه أظهروا الكفر بعد أن أظهروا الإسلام.
وهمهم بما لم ينالوا: هو اغتيال الرسول في العقبة، بعد رجوعه من تبوك.
والصحيح أن عددهم كما جاء في رواية مسلم اثنا عشر منافقاً.
وما أنكر هؤلاء المنافقون وما عابوا من أمر الإسلام أو الدين وبعثة النبي
وَلّ شيئاً، إلا أن أغناهم الله تعالى من فضله ورسوله، بالغنائم الحربية،

٦٧١
لُعُ (١٠) - التَّوَقي): ٩/ ٧٣-٧٤
وكانوا كسائر الأنصار في المدينة فقراء، كما قال النبي توَطّ للأنصار: ((كنتم
عالة، فأغناكم الله بي)) أي أن أكثر أهل المدينة كانوا بحاجة وضنك من
العيش، فلما قدمهم رسول الله وَلفر أثروا بالغنائم.
وروي أنه قتل للْجُلاس بن سويد (أحد المتخلفين عن تبوك) مولى، فأمر
رسول الله ◌َي بديته اثني عشر ألفاً، فاستغنى.
فليس هناك شيء ينقمون منه إلا أن الإسلام كان سبباً في غناهم. وهذا
مدح بما يشبه الذم.
فإن يتوبوا من النفاق ومساوئ أقوالهم وأفعالهم، يكن ذلك خيراً لهم
وأصلح، ويفوزوا بالخير، ويقبل الله توبتهم. وفي هذا ترغيب لهم بالتوبة،
وفتح باب الأمل والرجاء بالرحمة أمامهم.
وإن يتولوا عن التوبة بالإصرار على النفاق، يعذبهم الله عذاباً مؤلماً في
الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فهو قتلهم وسبي أولادهم ونسائهم واغتنام
أموالهم، وعيشهم في قلق وهم وخوف، كما قال تعالى عنهم: ﴿لَوْ يَجِدُونَ
مَلْجَنَّا أَوْ مَغَرَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ
[التوبة: ٥٧/٩]
٥٧
وقال: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون: ٤/٦٣]. وأما عذابهم في الآخرة
فهو معروف، وهو إلقاؤهم في الدرك الأسفل من النار.
وما لهم في الأرض كلها من ولي يتولى أمورهم ويدافع عنهم، ولا نصير
ينصرهم وينجّهم من العذاب، إذ إن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، وأما
المنافقون فلا ولاية لهم ولا نصرة بينهم، فليس لهم أحد يجلب لهم خيراً أو
يدفع عنهم شراً.
فقه الحياة أو الأحكام:
موضوع الآيات جهاد الكفار والمنافقين وأسباب ذلك، وقد دلت الآيات
على ما يأتي:

٦٧٢
لِلُعُ (١٠) - التَّوَّة): ٧٣/٩-٧٤
اً - وجوب مجاهدة الكفار والمنافقين، والخطاب للنبي وَالر ولأمته من
بعده.
وجهاد الكفار بالسيف وسائر أنواع الأسلحة الحربية، وجهاد المنافقين
باللسان، وشدة الزجر والتغليط، أي بإقامة الحجة والبرهان تارة، وبالانتهار
أو الكَهْر تارة أخرى. ويلاحظ أن إقامة الحجة باللسان دائمة.
أَ - أسباب جهادهم: إعلان الكفر، وسبّ النبي ◌ُّه والطعن في
الإسلام، وتآمرهم على اغتيال النبي ◌ََّ، واستهزاؤهم بآيات الله وبالرسول
والمؤمنين.
٢ - حلفهم الأيمان الفاجرة الكاذبة. والصحيح أن هذه الأقوال والأفعال
الخبيثة هي ظاهرة عامة بين المنافقين؛ لعموم القول، ووجود المعنى في عبد الله
ابن أبي والجُلاس بن سُويد، ووديعة بن ثابت وفي غيرهم. وأساس اعتقادهم
في النبي أنه ليس بنبي.
٤ - كلمة الكفر التي قالوها قيل: هي تكذيبهم بما وعد الله من الفتح، أو
قول الْجُلاس: إن كان ما جاء به محمد حقاً لنحن أشرّ من الحمير، أو قول
عبد الله بن أبي: ﴿لَبِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾
[المنافقون: ٨/٦٣]، وقيل: هي سبّ النبي ◌َّر والطعن في الإسلام. والظاهر هو
المعنى الأخير.
هَ - دل قوله: ﴿وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَمِهِمْ﴾ أي بعد الحكم بإسلامهم، على
أن المنافقين كفار، ويدل عليه دلالة قاطعة قوله تعالى في آية أخرى: ﴿ذَلِكَ
بِأَّهُمْ ءَامَنُوْ ثُمَّ كَفَرُواْ﴾ [المنافقون: ٣/٦٣].
ودلَّ هذا القول أيضاً على أن الكفر يكون بكل ما يناقض التصديق بالله
وبالنبوة، والمعرفة لله عز وجل، وإن كان الإيمان لا يكون إلا بلا إله إلا الله،

٦٧٣
الجزءُ (١٠) - التَوتي: ٩/ ٧٣ -٧٤
دون غيره من الأقوال والأفعال إلا في الصلاة. فمن شوهد يصلي الصلاة في
وقتها، حتى صلى صلوات كثيرة حكم عليه بالإيمان.
٢ - دلَّ قوله: ﴿وَهَقُواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾ على مؤامرة جماعية من المنافقين،
وكانوا في الأصح اثني عشر منافقاً، لقتل النبي وَ لّ ليلة العقبة في غزوة تبوك.
تشبه مؤامرة كفار قريش ليلة الهجرة.
٧ - المنافقون من شرّ الناس؛ لأنهم كما ذكر تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ إِلَّ أَنْ
أَغْنَنهُمُ﴾ غادرون، يقابلون الإحسان بالإساءة، فقد استغنوا بالغنائم، ومع
ذلك هموا بقتل النبي ◌َّر، فانطبق عليهم المثل المشهور: ((اتق شرّ من أحسنت
إلیه)).
٨ - أرشد قوله: ﴿فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ على توبة الكافر الذي يسرّ
الكفر، ويُظهر الإيمان، وهو الذي يسميه الفقهاء: الزنديق. وقد اختلف
العلماء في شأن توبته، فقال الشافعي والجمهور: تقبل توبته، وقال مالك:
توبة الزنديق لا تعرف؛ لأنه كان يظهر الإيمان ويُسرُّ الكفر، ولا يعلم إيمانه
إلا بقوله. فإذا عثر عليه وقال: تبت، لم يقبل قوله، وإذا جاءنا تائباً من قبل
نفسه قبل أن يعثر عليه، قُبلت توبته. وهو المراد بالآية.
ـة - المنافقون خسروا الدنيا والآخرة، فإن هم أصروا على النفاق يعذبهم
الله عذابين: في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة بالنار، وما لهم في الأرض كلها ولي
أي مانع يمنعهم، ولا نصير أي معين ينصرهم.

٦٧٤
الْجُرُ (١٠) - التَوَّة: ٩/ ٧٥-٧٨
كذب المنافقين وإخلافهم العهد والوعد
قصة ثعلبة بن حاطب المزعومة
﴿ وَمِنْهُم مَّنْ عَهَدَ اللَّهَ لَإِنْ ءَتَنْنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ
الصَّلِحِينَ
فَلَمَآ ءَاتَنَّهُم مِّن فَضْلِهِ، بَخِلُواْ بِهِ، وَتَوَلَّواْ وَهُم مُعْرِضُونَ
٧٥
فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِى قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمٍ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ
أَلَمْ يَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَدِهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّمُ
VV
يَكْذِبُونَ
VA
الْغُلُوبِ
ءُ
القراءات:
﴿ اَلْغُيُوبِ﴾ :
وقرأ حمزة (الغِيوب).
الإعراب:
﴿ وَمِنْهُم ◌َنْ عَلَهَدَ اللَّهَ﴾ ﴿مَنْ﴾: مبتدأ ﴿وَمِنْهُم﴾ متعلق بالخبر المحذوف،
وتقديره: كائن منهم. وهي صيغة قسم في المعنى، بدليل اللام في قوله:
﴿كَيِنْ﴾ وهي لام القسم، وأما لام: ﴿لَنَصَّذَّفَنَّ﴾ فهي لام الجواب.
وكلاهما للتأكيد.
البلاغة:
﴿يَعْلَمُ سِرَّهُمْ﴾ و﴿عَلَّمُ الْغُيُوبِ﴾ فيهما جناس اشتقاق.
﴿أَمْ يَعْلَمُواْ﴾ الاستفهام للتوبيخ والتقريع.
المفردات اللغوية:
﴿وَمِنْهُمْ﴾ أي ومن المنافقين. ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّلِحِينَ﴾ قال ابن عباس

٦٧٥
الُ (١٠) - التَّوَي: ٩ / ٧٥-٧٨
رضي الله عنه: يريد الحج.﴿وَتَوَلَّواْ﴾ عن طاعة الله. ﴿فَأَعْقَبَهُمْ﴾ فأورثهم
البخل، والضمير يعود للبخل، في رأي الحسن وقتادة رحمهما الله، والظاهر
أن الضمير الله عز وجل. ﴿نِفَاقًا﴾ ثابتاً متمكناً. ﴿فِى قُلُوبِهِمْ﴾ لأنه كان سبباً
فيه وداعياً إليه، وبما أن الضمير يعود لله تعالى في الراجح فالمعنى: فخذلهم
حتى نافقوا، وتمكن في قلوبهم نفاقهم، فلا ينفك عنها إلى أن يموتوا بسبب
إخلافهم ما وعدوا الله من التصدق والصلاح. ﴿إِلَى يَوْمٍ يَلْقَوْنَهُ﴾ إلى يوم لقاء
الله وهو يوم القيامة.
سبب النزول:
هناك قصة مشهورة بين الناس تروي سبب نزول هذه الآيات رددتها كتب
التفسير، لكنها لم تصح لدى المحدثين، وهي ما أخرجه الطبراني وابن مردويه
وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل بسند ضعيف عن أبي أمامة: أن ثعلبة بن
حاطب قال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالاً، قال: وَنحك يا ثعلبة،
قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه، قال: والله، لئن آتاني الله مالاً،
لأوتين كل ذي حقّ حقه، فدعا له، فاتخذ غنماً، فنمت، حتى ضاقت عليه
أزقّة المدينة، فتنخَّى بها، وكان يشهد الصلاة، ثم يخرج إليها، ثم نمت حتى
تعذرت عليه مراعي المدينة، فتنحى بها، فكان يشهد الجمعة، ثم يخرج إليها،
ثم نمت فتنحى بها، فترك الجمعة والجماعة، ثم أنزل الله على رسوله: ﴿خُذْ مِنْ
أَمْوَلِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِبِم بِهَا﴾ فاستعمل على الصدقات رجلين، وكتب
لهما كتاباً، فأتيا ثعلبة، فأقْرَآه كتاب رسول الله وَ له فقال: انطلقا إلى الناس،
فإذا فرغتما، فمرا بي، ففعلا، فقال: ما هذه إلا أخت الجزية! فانْطلِقا،
فأنزل الله: ﴿وَمِنْهُم ◌َنْ عَهَدَ اللَّهَ لَإِنْ ءَاتَنْنَا مِن فَضْلِهِ،﴾ إلى قوله:
﴿يَكْذِبُون﴾.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس نحوه.

٦٧٦
اِلُحُ (١٠) - التَوَثِيرً: ٩/ ٧٥-٧٨
فجاء ثعلبة بالصدقة، فقال النبي ◌َّ: إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك.
فجعل يحثو التراب على رأسه، فقال: هذا جزاء عملك، قد أمرتك، فلم
تطعني؛ فقُبض رسول الله وَّر، فجاء بها إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فلم
يقبلها، ثم جاء بها إلى عمر في خلافته فلم يقبلها، وهلك في زمان عثمان رضي
الله عنه.
والحقيقة أن ما روي عن ثعلبة هذا غير صحيح لدى المحدثين، وثعلبة . قال
ابن عبد البر: ولعلَّ قول من قال في ثعلبة أنه مانع الزكاة الذي نزلت فيه الآية
غير صحيح، والله أعلم.
وقال الضحاك: إن الآية نزلت في رجال من المنافقين: نَبْتَل بن الحارث،
وجَدّ بن قيس، ومُعَنِّب بن قُشَير. قال القرطبي: وهذا أشبه بنزول الآية فيهم؛
إلا أن قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا﴾ يدل على أن الذي عاهد الله تعالى لم يكن منافقاً
من قبل، إلا أن يكون المعنى: زادهم نفاقاً ثبتوا عليه إلى الممات، وهو قوله
تعالى: ﴿إِلَى يَوْمٍ يَلْقَوْنَهُ﴾(١).
وذكر عن ابن عباس في سبب نزول الآية أن ثعلبة بن حاطب أبطأ عنه ماله
بالشام، فحلف في مجلس من مجالس الأنصار: إن سلم ذلك لأتصدقن منه،
ولأصِلَنّ منه، فلما سلم بخل بذلك، فنزلت. وهذا أيضاً غير صحيح.
المناسبة:
لا تزال الآيات الكريمة تتحدث عن المنافقين، وتفضح أسرارهم،
وتكشف أحوالهم للناس، وبما أنهم أقسام وأصناف ذكرهم تعالى
على التفصيل، فقال: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِىَ﴾ [التوبة: ٦١/٩]
﴿وَمِنْهُمْ مَّنِ يَلْمِزُكَ فِ الصَّدَقَتِ﴾ [التوبة: ٥٨/٩] ﴿ وَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَثْذَن لِّى
ج
وَلَا نَفْتِنِّيِ﴾ [التوبة: ٤٩/٩] ﴿ وَمِنْهُم مَّنْ عَهَدَ اللَّهَ لَإِنْ ءَاتَنْنَا مِن فَضْلِهِ،﴾.
(١) تفسير القرطبي: ٢١٠/٨

٦٧٧
◌ِزُ (١٠) - التَوَّةِ: ٩ /٧٥-٧٨
التفسير والبيان:
وبعض المنافقين عاهد الله ورسوله: لئن أغناه الله من فضله، ليصدّقن
وليكونن من الصالحين الذين ينفقون أموالهم في مرضاة الله، كصلة الرحم
والجهاد. فقوله: ﴿لَنَصَّذَّفَنَّ﴾ إشارة إلى إخراج الزكاة الواجبة، وقوله:
﴿ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّلِحِينَ﴾ إشارة إلى إخراج كل مال يجب إخراجه على
الإطلاق.
فلما رزقهم الله تعالى، وأعطاهم من فضله ما طلبوا، لم يوفوا بما قالوا،
ولم يصدقوا فيما وعدوا، وإنما بخلوا به وأمسكوه، فلم يتصدقوا منه بشيء،
ولم ينفقوا منه في مصالح الأمة كما عاهدوا الله عليه، بل تولوا بكل ما أوتوا
من قوة عن العهد وطاعة الله، وأعرضوا إعراضاً جازماً عن النفقة وعن
الإسلام، بسبب تأصل طبع النفاق في نفوسهم.
وبخلوا به أي بإعطاء الصدقة وبإنفاق المال في الخير، وبالوفاء بما ضمنوا
والتزموا. وهم معرضون أي عن الإسلام. وهذا يدل على أنه تعالى وصفهم
بصفات ثلاث: الأولى: البخل: وهو عبارة عن منع الحق، والثانية: التولي
عن العهد، والثالثة: الإعراض عن تكاليف الله وأوامره.
فأعقبهم الله تعالى أي صيّر عاقبة أمرهم نفاقاً دائماً في قلوبهم، بمعنى
زادهم نفاقاً، وقيل: أعقبهم ذلك البخل نفاقاً، ولهذا قال: ﴿بَخِلُواْ بِهِ﴾
والأول أصح؛ لأن البخل لا يؤدي عادة إلى النفاق فقد يوجد لدى كثير من
الفساق، ولأن الضمير في قوله تعالى: ﴿يَلْقَوْنَهُ﴾ عائد إلى الله تعالى.
واستمر ذلك النفاق ثابتاً متمكناً ملازماً قلوبهم إلى يوم الحساب في
الآخرة. وفي هذا دليل على أنهم ماتوا منافقين.
وهذا دليل آخر على أن المنزل فيه هو ثعلبة بن حاطب ويقال له: ابن أبي
٠

٦٧٨
المُزُ (١٠) - التَوَقِيمًا: ٩ / ٧٥-٧٨
حاطب وهو من بني أمية بن زيد، وليس هو البدري لأنه قد استشهد بأحد
رضي الله تعالى عنه.
ثم ذكر الله تعالى سببين للموت على النفاق وهما : إخلاف الوعد والكذب،
فقال: ﴿بِمَآ أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ أي أن ملازمة
النفاق لهم كان بسبب إخلافهم ما وعدوا الله تعالى من التصدق والصلاح،
وكونهم كاذبين، وكذبهم: نقضهم العهد وتركهم الوفاء بما التزموه من ذلك.
أي إنه تعالى أعقبهم النفاق في قلوبهم إلى الموت بسبب إخلافهم الوعد
وكذبهم، وخلف الوعد والكذب من أخص صفات المنافقين، كما جاء في
الصحيحين عن رسول الله وسلم أنه قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب،
وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان)). وخرّج البخاري أن النبي ◌َّ قال:
((أربع من كنَّ فيه، كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خَصْلة منهن، كانت
فيه خصلة من النفاق حتى يَدَعَها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا
عاهد غدَر، وإذا خاصم فجر)).
ثم ندد الله تعالى بالمنافقين ووبخهم فقال: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ﴾ أي ألم يعلم هؤلاء
المنافقون أن الله يعلم السر وأخفى، ويعلم ما يسرونه من الكلام، ويتناجون
أو يتحدثون به فيما بينهم من المطاعن في الدين، وأنه أعلم بضمائرهم، فإنهم
إن قالوا: ليتصدقن بشيء من أموالهم، فإن الله أعلم بهم من أنفسهم، وأنه
علام الغيوب، يعلم كل غيب وشهادة، وكل سرّ ونجوى، ويعلم ما ظهر وما
بطن، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يعلم الله كل ذلك وما أسروه
من النفاق والعزم على إخلاف ما وعدوه، فكيف يكذبون على الله فيما
يعاهدونه به، وعلى الناس فيما يحلفون عليه باسمه؟!
والفرق بين السرّ والنجوى والغيب: أن السر: ما ينطوي عليه صدورهم،
والنجوى: ما يتحدث به الناس فيما بينهم. والغيب: ما كان غائباً عن الخلق.

٦٧٩
لِلُعُ (١٠) - التَّوَّيا: ٩ / ٧٥-٧٨
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على الأحكام التالية :
اً - المعاهدة مع الله توجب الوفاء بالعهد، وهل من شرط المعاهدة التلفظ
بها باللسان أو لا حاجة إلى التلفظ، وإنما تكفي النية في القلب؟ خلاف بين
العلماء، قال المالكية: العهد والطلاق وكل حكم ينفرد به المرء، ولا يفتقر إلى
غيره فيه، فإنه يلزمه منه ما يلتزمه بقصده، وإن لم يتلفظ به. سئل مالك: إذا
نوى الرجل الطلاق بقلبه ولم يلفظ به بلسانه، فقال: يلزمه؛ كما يكون مؤمناً
بقلبه، وکافراً بقلبه. وروي عنه غير ذلك كما سيأتي.
وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يلزم أحداً حكم إلا بعد أن يلفظ به، وذلك
يشمل النذور والأيمان والطلاق ونحوها. ودليلهم ما رواه مسلم والترمذي عن
أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به
أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم به)) قال ابن عبد البر: هذا هو الأشهر عن
مالك، وقال القرطبي: وهذا هو الأصح في النظر وطريق الأثر؛ لقول
رسول الله ﴿ فيما رواه أصحاب الكتب الستة عن أبي هريرة: ((إن الله
تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها، مالم تتكلم به أو تعمل به )).
وبناء عليه: إن كان المعاهد به نذراً، فالوفاء بالنذر واجب من غير
خلاف، وتركه معصية. وإن كان يميناً فليس الوفاء باليمين واجباً باتفاق.
أَ - دلَّ قوله تعالى: ﴿لَإِنْ ءَاتَئِنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّذَّفَنَّ﴾ على أن من
قال: ((إن ملكتُ كذا وكذا فهو صدقة)) فإنه يلزمه، وبه قال أبو حنيفة. وقال
الشافعي: لا يلزمه. ويجري الخلاف في الطلاق والعتق. وقال أحمد: يلزمه
ذلك في الطلاق، ولا يلزمه في العتق؛ لأن العتق قُرْبة، وهي تثبت في الذمة
بالنذر، بخلاف الطلاق، فإنه تصرف في محل.

٦٨٠
الُرُ (١٠) - التَوَثِيرً: ٩ / ٧٥-٧٨
واحتج الشافعي بما رواه أبو داود والترمذي وغيرهما عن عبد الله بن
عمرو بن العاص قال: قال رسول الله وَلايقول: ((لا نذرَ لابن آدم فيما لا يملك،
ولا عتق له فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك)) وهو قول أكثر الصحابة
والتابعين وغيرهم.
٣ - مظاهر نقض المنافقين العهد تمثلت في أوصاف ثلاثة:
أ - البخل بإعطاء الصدقة وبإنفاق المال في الخير وبالوفاء بما ضمنوا
والتزموا.
ب - والتولي عن العهد وعن طاعة الله تعالى.
جـ - وإظهار الإعراض عن الإسلام أي عن تكاليف الله وأوامره.
٤ - ظاهر هذه الآية يدل على أن نقض العهد وخلف الوعد يورث
النفاق، فيجب على المسلم أن يبالغ في الاحتراز عنه، فإذا عاهد الله في أمر
فلیجتهد في الوفاء به.
٥ - دلَّ قوله: ﴿إِلَى يَوْمٍ يَلْقَوْنَهُ﴾ على أن ذلك المعاهِد مات منافقاً، وهذا
إخبار بالغيب الذي هو أحد وجوه إعجاز القرآن.
أَ - قوله تعالى: ﴿نِفَاقًا﴾: إذا كان النفاق في القلب فهو الكفر، وأما إذا
كان في الأعمال فهو معصية. وعلى هذا فإن الخيانة والكذب ونقض العهد
والفجور عند الخصام التي هي آية المنافق في الحديث تعتبر معاصٍ لا تكفّر
مرتكبها، قال ابن العربي: قد قام الدليل الواضح على أن متعمد هذه الخصال
لا يكون كافراً، وإنما يكون كافراً باعتقاد يعود إلى الجهل بالله وصفاته أو
التكذيب له، تعالى وتقدس عن اعتقاد الجاهلين وعن زيغ الزائغين. ثم قال:
والذي عندي أنه لو غلبت عليه المعاصي ما كان بها كافراً ما لم يؤثر في
الاعتقاد(١)
(١) أحكام القرآن: ٩٧٤/٢ وما بعدها.