النص المفهرس

صفحات 641-660

٦٤١
الُرُ (١٠) - التَوَتَّةِ: ٩ / ٦٢-٦٦
تقديره: فالواجب أن له نار جهنم، أو بتقدير محذوف بين الفاء وأن، أي فله
أن له نار، أو بدل من (أنَّ) الأولى المنصوبة بيعلموا، أو مؤكّدة للأولى في
موضع نصب، والفاء زائدة.
﴿أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أن وصلتها في موضع نصب بتقدیر حذف حرف الجر،
وتقديره: من أن تنزل، ويجوز أن تكون في موضع جر على إرادة حرف الجر؛
لأن حرف الجر يكثر حذفه معها دون غيرها.
﴿وَلَيِنِ﴾ اللام لام القسم.
البلاغة:
﴿ذَلِكَ الْخِزْىُ﴾ الإشارة بالبعيد عن القريب للإشعار ببعد درجته في
الهول والشناعة.
المفردات اللغوية:
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُوكُمْ﴾ الخطاب للمؤمنين، أي لترضوا عنهم
﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ أحق بالإرضاء بالطاعة والوفاق، وتوحيد
الضمير لتلازم الإرضاءين ﴿إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ حقاً ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ﴾
أي الشأن ﴿مَن يُحَادِدِ﴾ يشاقق، والمحادّة مفاعلة من الحد، كالمشاقة من
الشِّق، والحد: طرف الشيء، والشق: الجانب، أي يصبح كلٌ في ناحية وشق
بالنسبة إلى خصمه وعدوه، وهما بمعنى المعاداة من العُدْوة: وهي جانب
الوادي.
﴿يَحْذَرُ﴾ يخاف في المستقبل أو يتحرّز ﴿أَنْ تُغَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أي على المؤمنين
ج
﴿ سُورَةٌ نُنَبِثُهُم بِمَا فِ قُلُوبِهِمْ﴾ من النفاق، وهم مع ذلك يستهزئون
﴿أَسْتَهْزِئُواْ﴾ أمر تهديد ﴿إِنَ اللَّهَ مُخْرِيبٌ﴾ مظهر الشيء الخفي المستتر،
ويشمل إظهار مكنون الصدور، وإخراج الحب من الأرض، والنفي من
الوطن ﴿مَّا تَحْذَرُونَ﴾ إخراجه من نفاقكم.

٦٤٢
اِلُعُ (١٠) - التَوَتَيْر: ٩/ ٦٢-٦٦
﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُمْ﴾ عن استهزائهم بك والقرآن، وهم سائرون معك إلى
تبوك ﴿لَيَقُولُنَ﴾ معتذرين ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبْ﴾ في الحديث، لنقطع
به الطريق، ولم نقصد ذلك. والخوض في الأصل: الدخول في الماء أو في
الوحل، كثر استعماله في الباطل، لما فيه من التعرض للأخطار، والمراد:
الإكثار من العمل الذي لا ينفع ﴿لَا تَعْنَذِرُواْ﴾ عنه، والاعتذار: الإدلاء
بالعذر: أي لمحو أثر الذنب ﴿قَدْ كَفَرْتُ بَعْدَ إِيمَنِكُمْ﴾ أي ظهر كفركم بعد
إظهار الإيمان ﴿إِن نَعْفُ عَنْ طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ﴾ بإخلاصها وتوبتها كمخشّ بن
حمير ﴿نُعَذِّبْ طَآئِفَةٌ﴾ الطائفة: الجماعة من الناس، والقطعة من الشيء
﴿بِأَتَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ مصرّين على النفاق والاستهزاء.
سبب النزول:
نزول الآية (٦٢):
[يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ﴾: روى ابن المنذر عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلاً
من المنافقين قال في شأن المتخلِّفين في غزوة تبوك الذين نزل فيهم مانزل:
والله، إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا، وإن كان ما يقول محمد حقاً، لهم (١) شر من
الحمير، فسمعها رجل من المسلمين فقال: والله، إن مايقول محمد لحق،
ولأنت شر من الحمار، وسعى بها الرجل إلى النبي ◌َّرَ فأخبره، فأرسل إلى
الرجل فدعاه فقال: ما الذي حملك على الذي قلت؟ فجعل يتلعن (يلعن نفسه)
ويحلف بالله ماقال ذلك، وجعل الرجل المسلم يقول: اللهم صلِّق الصادق،
وكذِّب الكاذب، فأنزل الله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْسُوكُمْ﴾ الآية. وروي
ذلك أيضاً عن السدّي.
نزول الآية (٦٥):
﴿ وَلَيِن سَأَلْتَهُمْ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: قال رجل من
(١) وفي عبارة السدّي: لنحن أشرّ من الحمر.
-⑈

٦٤٣
الجُزءُ (١٠) - التَّوَتِير: ٩/ ٦٢-٦٦
المنافقين في غزوة تبوك في مجلس يوماً: ما رأينا مثل قرآن هؤلاء، ولا أرغب
بطوناً، ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء! فقال له رجل: كذبت،
ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله وَالر، فبلغ ذلك رسول الله مصالحه، ونزل
القرآن.
وسمي الرجل في رواية أخرى: عبد الله بن أُبَيْ، والأصح أنه وديعة بن
ثابت لأن عبد الله لم يشهد تبوك.
وأخرج ابن أبي حاتم أيضاً عن كعب بن مالك: قال فَخَشّ بن حمير:
لوددتُ أني أُقاضى على أن يضرب كل رجل منكم مئة، على أن ننجو من أن
ينزل فينا قرآن، فبلغ النبيِ نَّهِ، فجاؤوا يعتذرون، فأنزل الله: ﴿لَا تَعْنَذِرُواْ﴾
الآية، فكان الذي عفا الله عنه مِخَشّ بن ◌ِيَر، فسمي عبد الرحمن، وسأل الله
أن يقتل شهيداً لا يعلم بمقتله، فقتل يوم اليمامة، لا يعلم مقتله إلا من قتله.
وقال السُّدِّيّ: قال بعض المنافقين: والله ودِدْتُ لو أني قُدِّمت، فجلدت
مئة، ولا ينزل فينا شيء يفضحنا؛ فنزلت الآية.
وأخرج ابن جرير الطبري وابن المنذر وأبو الشيخ ابن حيان الأنصاري عن
قتادة أن ناساً من المنافقين قالوا: في غزوة تبوك: يرجو هذا الرجل أن يفتح
قصور الشام وحصونها، هيهات له ذلك، فأطلع الله نبيه على ذلك، فأتاهم
فقال: قلتم كذا وكذا، قالوا: إنما كنا نخوض ونلعب، فنزلت.
المناسبة:
هذا نوع آخر من قبائح المنافقين وهو إقدامهم على اليمين الكاذبة، ومشاقة
(معاداة) الله ورسوله، وتحرزهم من نزول القرآن فاضحاً لهم، واستهزاؤهم
بآيات الله (القرآن) وهي آيات في الجملة لشرح أحوال المنافقين الذين تخلفوا
عن غزوة تبوك.

٦٤٤
الجُزُرُ (١٠) - التَّوَتي): ٩/ ٦٢-٦٦
أخرج أبو الشيخ بن حيان عن قتادة قال: كانت هذه السورة تسمى
الفاضحة فاضحة المنافقين، وكان يقال لها المنبئة؛ لأنها أنبأت بمثالبهم
وعوراتهم.
التفسير والبيان:
يخاطب الله المؤمنين مبيناً لهم أن المنافقين يقدمون على حلف الأيمان الكاذبة
لترضوا عنهم والله يعلم إنهم لكاذبون، وذلك يدل على أنهم شعروا بموقفهم
الحرج، وظهور نفاقهم، وافتضاح أمرهم.
يحلفون لكم معتذرين عما صدر منهم من قول أو فعل ليرضوكم، والحال
أن الله ورسوله أحق بالإرضاء من المؤمنين، وذلك يكون بالطاعة والوفاق
والإيمان الصادق والعمل الصالح.
والتعبير بإفراد ضمير ﴿يُرْضُوهُ﴾ للإعلام بأن إرضاء الرسول إرضاء لله،
كما قال تعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠/٤] لأن مصدر
الرسالة واحد، والأوامر والنواهي واحدة.
هذا إذا كانوا مؤمنين حقاً كما يدَّعون ويحلفون، فمن كان مؤمناً فليرض
الله ورسوله، وإلا کان كاذباً.
ثم وبخهم الله تعالى مبيناً خطورة الأمر والشأن الذي أقدموا عليه وفي ذلك
مزيد تعظيم وتهويل، فقال: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ﴾ أي ألم يعلم هؤلاء المنافقون
ویتحققوا أن من یعاد الله ورسوله ويخالفه، بتجاوز حدوده، أو يلمز رسوله في
أعماله كقسمة الصدقات، أو في أخلاقه كقولهم: هو أُذُن يسمع كل مايقال
له، وكان في حد، والله ورسوله في حد، فجزاؤه جهنم خالداً فيها أبداً، أي
مهاناً معذباً، وذلك العذاب هو الخزي العظيم أي هو الذل العظيم، والشقاء
· الكبير.

٦٤٥
اِلُعُ (١٠) - التَوتي: ٩/ ٦٢-٦٦
والحقيقة أن المنافقين يعرفون حقيقة أمرهم، فهم غير مؤمنين بالله
والرسول، وهم شاكّون مرتابون في الوحي، قلقون مضطربون، والشك
والقلق يدعوهم إلى الحذر والخوف، لذا وصفهم تعالى بقوله: ﴿يَحْذَرُ
اَلْمُنَفِقُونَ﴾ أي يخاف المنافقون ويتحرزون أن تنزل على المؤمنين سورة تكشف
أحوالهم، وتفضح أسرارهم، وتبين نفاقهم، كهذه السورة التي سميت:
الكاشفة والفاضحة والمُنْبئة، التي تنبئ المؤمنين بما في قلوب المنافقين،
وتخبرهم بحقيقة وضعهم، فيفتضح أمرهم، وتنكشف أسرارهم.
وقوله: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَفِقُونَ﴾ خبر وليس بأمر بدليل ما بعده: ﴿إِنَّ اللَّهَ
يُخْرِجُ مَّا تَحْذَرُونَ﴾ لأنهم كفروا عناداً. وقوله: ﴿مُخْرِجُ مَّا تَحْذَرُونَ﴾ أي
أن الله مظهر ماكنتم تحذرونه من إظهار نفاقكم.
وهم مع ذلك كانوا دائماً يستهزئون بالقرآن وبالنبي والمؤمنين: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ
مُسْتَهْزِءُونَ﴾ [البقرة: ١٤/٢]، فهددهم الله وأوعدهم بقوله: ﴿قُلِ أُسْتَهْزِءُواْ﴾ أي
قل لهم يا محمد: استهزئوا بآيات الله كما تشاؤون، وهو أمر يقصد به التهديد
والوعيد، إن الله مظهر ما تخافون حصوله، وسينزل على رسوله ما يفضحكم
به، ويبين له أمركم، مثل قوله تعالى: ﴿أَمِّ حَسِبَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم ◌َّرَضُ أَنْ
٥ - إلى قوله - ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِىِ لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:
١٣٩
◌َّنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَنَهُمْ
٢٩/٤٧ -٣٠] .
ثم يقسم الله بأنه إن سألتهم أيها الرسول عن أقوالهم هذه وهزئهم،
لاعتذروا عنها بأنهم لم يكونوا جادّين فيها، بل هازلين لاعبين خائضين في
اللغو بقصد التسلي واللهو، فوبخهم الله وأنكر عليهم بقوله: ﴿أَبِاللَّهِ وَءَايَتِهِ،
وَرَسُولِهِ، كُتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾ أي إن هذا ليس مجال استهزاء، ألم تجدوا ما
تستهزئون به غير ذلك؟ فإن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر محض، وشر
مستطير. والمراد بالاستهزاء بالله: الاستهزاء بذكر الله وصفاته، وتكاليف الله

٦٤٦
الُعُ (١٠) - التَوَّةِ: ٩/ ٦٢-٦٦
تعالى. والمراد بآيات الله: القرآن وسائر أحكام الدين، والاستهزاء بالرسول
معلوم كالطعن برسالته وتطلعاته وأخلاقه وأعماله.
فليس قولكم عذراً مقبولاً، ولا تعتذروا أبداً بهذا أو بغيره، للتخلص من
هذا الجزْم العظيم، فإنكم قد كفرتم وظهر كفركم، كما أظهرتم إيمانكم، وتبين
أمركم للناس قاطبة. وقوله: ﴿لَا تَعْنَذِرُواْ﴾ على جهة التوبيخ، كأنه يقول: لا
تفعلوا مالا ينفع.
فإن نعف عن بعضكم لثوبتهم الخالصة كمخَشّ بن محُميِّر، نعذِّب طائفة أي
جماعة أخرى لبقائهم على النفاق، وارتكابهم الآثام، وإجرامهم في حق
أنفسهم وغيرهم، فتعذییکم بسبب إجرامكم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على مايأتي:
اً - تعداد قبائح المنافقين وهي الإقدام على الأيمان الكاذبة، ومعاداة الله
ورسوله، والاستهزاء بالقرآن والنبي والمؤمنين، والتخوف من نزول سورة في
القرآن تفضح شأنهم، واعتذارهم بأنهم هازلون لاعبون، وهو إقرار بالذنب،
بل هو عذر أقبح من الذنب.
أَ - لا يقبل الهزل في الدين وأحكامه، ويعتبر الخوض في كتاب الله ورسله
وصفاته كفراً، ولا خلاف بين الأمة في أن الهزل بالكفر كفر؛ لأن الهزل أخو
الباطل والجهل، كما قال ابن العربي.
◌َّ - دل قوله تعالى: ﴿قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَنِكُمْ﴾ على أربعة أحكام هي:
أولاً - الاستهزاء بالدين كفر بالله تعالى؛ لمنافاته مقتضى الإيمان وهو تعظيم
الله تعالی.

٦٤٧
◌ِلُعُ (١٠) - التَّوَّةِ): ٩ / ٦٢-٦٦
ثانياً - لا يقتصر الكفر على القلب، وإنما يشمل الأقوال والأفعال المكفرة.
ثالثاً - قولهم الذي صدر منهم كفر حقيقي، وإن كانوا منافقين من قبل،
وأن الكفر يتجدد.
رابعاً - حدث الكفر بعد أن كانوا مؤمنين في الظاهر.
والخلاصة: أنه تعالى حكم عليهم بالكفر وعدم قبول الاعتذار من الذنب،
مالم يتوبوا من النفاق.
٤ - التوبة عن النفاق أو الكفر مقبولة، فمن تاب عفي عنه، ومن أصر
على الكفر أو النفاق عوقب في جهنم.
هذا في أساسيات العقيدة، أما حكم الهزل في العقود كالبيع والزواج،
والفسوخ كالطلاق، فمختلف فيه بين العلماء على ثلاثة أقوال:
لا يلزم مطلقاً، يلزم مطلقاً، التفرقة بين البيع وغيره، فيلزم في الزواج
والطلاق، ولا يلزم في البيع. والقول الثالث هو المشهور في المذاهب، لما روى
أبو داود والترمذي والدارقطني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّه:
(ثلاث جِدّهن جِدّ، وهَزْلهن جِدّ: النكاح، والطلاق، والرجعة)) وفي موطأ
مالك عن سعيد بن المسيِّب قال: ثلاث ليس فيهن لَعِب: النكاح، والطلاق،
والعتق. وذكر ابن المسيب عن عمر قال: أربع جائزات على كل أحد: العتق،
والطلاق، والنكاح، والنذور.
هَ - تضمنت آية ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ﴾ قبول يمين الحالف، وإن لم يلزم
المحلوف له الرضا. واليمين حق للمدّعي. وتضمنت أن يكون اليمين بالله عز
وجل. وقال النبي ◌َّ: ((من حلف فليحلف بالله أو لَيَصْمُت، ومن حُلف له
فليصدّق)).

٦٤٨
لُعُ (١٠) - التَّوَتَيِ: ٩ / ٦٧-٧٠
أوصاف المنافقين وجزاؤهم الأخروي
اُلْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضَِّ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمَّ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
٧
وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيَهَا هِىَ
كَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ
٦٨
حَسْبُهُمَّ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ
أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَلَا وَأَوْلَدًا فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلَقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَفِكُ
كَمَا أُسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَفِهِمْ وَخُضْتُمْ كَلَّذِى خَاضُواْ
: أَلَمَّـ
٦٩
أُوْلَكِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِ الذُّنْيَا وَلَخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ
يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَهِيْمَ وَأَصْحَابٍ
مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَتِ أَنَنْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِّ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ
كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
القراءات:
◌ِرُسُلُهُمَّ
وقرأ أبو عمرو (رُسْلهم).
الإعراب:
﴿خَلِينَ فِيهَا﴾ حال، والعامل فيه محذوف أي يصلونها خالدين ﴿هِىَ
حَسْبُهُمْ﴾ مبتدأ وخبر.
كَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ الكاف في موضع نصب؛ لأنها صفة مصدر
محذوف، وتقديره: وعداً كما وعد الذين من قبلكم، بدليل قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ
اُلْمُنَفِقِينَ﴾.

٦٤٩
لِلُ (١٠) - التَّوَتَي): ٩ / ٦٧-٧٠
كَمَا أُسْتَمْتَعَ﴾ الكاف في موضع نصب أيضاً صفة لمصدر محذوف،
وتقديره: استمتاعاً كاستمتاع الذين من قبلكم. وكذلك كاف ﴿كَالَّذِى
خَاضُواْ﴾ في موضع نصب أيضاً صفة محذوف دل عليه الفعل، وتقديره:
وخضتم خوضاً كالخوض الذي خاضوا.
البلاغة:
﴿ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ قبض اليد: كناية عن الشح والبخل، كما أن بسط
اليد كناية عن الجود.
﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ من باب المشاكلة؛ لأن الله لا ينسى، أي تركوا
طاعته، فتركهم تعالى من رحمته.
كَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ ﴿وَخُضْتُمْ﴾: فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب
لزيادة التقريع والذم.
{فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَقِكُمْ﴾ فيه إطناب، قصد منه الذم والتوبيخ، لاشتغالهم
بشهواتهم الفانية عن النظر في العاقبة وطلب الفلاح في الآخرة.
المفردات اللغوية:
﴿بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضِ﴾ أي متشابهون في صفة النفاق والبعد عن الإيمان
كأبعاض الشيء الواحد كما يقال: أنت مني وأنا منك، أي أمرنا واحد لا
مباينة فيه. وقال الزمخشري: المراد به نفي أن يكونوا من المؤمنين وتكذيبهم في
حلفهم بالله: ﴿إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ﴾، وتقرير لقوله: ﴿وَمَا هُم مِّنْكُمْ﴾ [التوبة: ٩/
٥٦] ومابعده كالدليل عليه، فإنه يدل على مضادّة حالهم لحال المؤمنين، وهو
قوله: ﴿يَأْمُرُونَ بِلْمُنكَرِ﴾ أي بالكفر والمعاصي. والمنكر: إما شرعي:
وهو ما يستقبحه الشرع ويمنعه، وإما عقلي: وهو ما تستنكره العقول السليمة
والفطر النقية، لمنافاته الأخلاق والمصالح العامة. وضده المعروف. ﴿وَيَنْهَوْنَ
١

٦٥٠
◌ِلُعُ (١٠) - التَوَتَي: ٩ / ٦٧ -٧٠
عَنِ اُلْمَعْرُوفِ﴾ أي الإيمان والطاعة، والمعروف: كل ما أمر به الشرع، أو
استحسنه العقل والعرف الصحيح غير المصادم للشرائع والأخلاق.
﴿ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ عن الإنفاق في الطاعة، ويراد به الكف عن البذل فيما
يرضي الله، وضده: بسط اليد ﴿نَسُواْ اللَّهَ﴾ تركوا طاعته وأوامره حتى صارت
بمنزلة المنسيّ ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ فتركهم من فضله ولطفه ورحمته، وجازاهم على
نسيانهم وإغفالهم ذكر الله ﴿اَلْفَسِقُونَ﴾ الخارجون عن الطاعة، المنسلخون
عن أصول الإيمان، الكاملون في التمرد والتنكر للخير.
﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ الوعد: يستعمل في منح الخير والشر، والوعيد خاص بالشر
﴿خَلِينَ فِيَهَا﴾ مقدِّرين الخلود ﴿هِىَ حَسْبُهُمْ﴾ كفايتهم عقاباً وجزاء، وفيه
دلالة على عظم عذابها ﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أبعدهم من رحمته وأهانهم مع
التعذيب، وجعلهم مذمومين ملحقين بالشياطين الملاعين، كما عظم أهل
الجنة وألحقهم بالملائكة المكرّمين. واللعن: الطرد أو الإبعاد من الرحمة
والإهانة والإذلال ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ دائم ثابت لا ينقطع، والمراد أن لهم
نوعاً من العذاب غير الصلي بالنار، أو لهم عذاب ملازم لهم في الدنيا وهو ما
يقاسونه من تعب النفاق.
﴿كَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أي أنتم أيها المنافقون مثل الذين من قبلكم من
الكفار، أو فعلتم مثل ما فعل الذين من قبلكم، وهو أنكم استمتعتم وخضتم
كما استمتعوا وخاضوا ﴿فَأُسْتَمْتَعُواْ﴾ تمتعوا ﴿بِخَلَفِهِمْ﴾ نصيبهم من ملاذ
الدنيا ﴿فَأُسْتَمْتَعْتُم﴾ أيها المنافقون ﴿وَخُضْتُمٌ﴾ دخلتم في الباطل والطعن بالنبي
وَهِ ﴿كَلَّذِى خَاضُواْ﴾ أي كخوضهم. وفائدة ذكر ﴿فَأُسْتَمْتَعُواْ بِخَفِهِمْ﴾
وقوله: ﴿كَمَا أُسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلَقِهِمْ﴾: أن يذم الأولين
بالاستمتاع بحظوظ الدنيا ورضاهم بها، والتهائهم بشهواتهم الفانية عن النظر
في العاقبة والسعي في تحصيل الفلاح في الآخرة، تمهيداً لذم المخاطبين
بمشابهتهم واقتفاء أثرهم.

٦٥١
لُ (١٠) - التَوَتيا: ٩ / ٦٧-٧٠
﴿حَبِطَتْ﴾ بطلت وفسدت أعمالهم وذهبت فائدتها في الدنيا والآخرة، ولم
يستحقوا عليها ثواباً في الدارين ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ الذين خسروا
الدنيا والآخرة.
﴿أَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ﴾ خبر ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ﴾ أغرقوا بالطوفان
﴿وَعَادٍ﴾ قوم هود أهلكوا بالريح ﴿وَثَمُودَ﴾ قوم صالح أهلكوا بالرجفة
﴿وَقَوْمِ إِبْرَهِيمَ﴾ أهلك نمروذ ببعوض، وأهلك أصحابه ﴿وَأَصْحَبٍ
مَدْيَنَ﴾ هم قوم شعيب أهلكوا بالنار يوم الظلة ﴿وَالْمُؤَْفِكَتِ﴾ قرى قوم
لوط، أي أهلها، انتفكت بهم، أي انقلبت، فصار عاليها سافلها، وأمطروا
حجارة من سجّيل ﴿أَنَنْهُمْ رُسُلُهُم بِلْبَيْنَتِّ﴾ أتتهم يعني الكل بالمعجزات،
فكذبوهم فأهلكوا ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي لم يكن من عادته أن
يعذبهم من غير ذنب ﴿وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بارتكاب الذنب
وتعريضها للعقاب بالكفر والتكذيب.
المناسبة:
تستمر الآيات في بيان فضائح المنافقين وقبائحهم، وهذا نوع آخر قصد به
بيان الفرق بينهم وبين المؤمنين، وتشبيههم بمن قبلهم من المنافقين والكفار،
وتمثيل حالهم بحال من سبقهم، وعقد قياس أو موازنة بينهم وبين أناس
غابرين، لهم شبه بهم، كما قصد به بيان أن إناثهم كذكورهم في تلك الأعمال
المنكرة، والأفعال الخبيثة.
التفسير والبيان:
تبيّن هذه الآيات وما بعدها الفروق الواضحة بين صفات المؤمنين
وصفات المنافقين، ولما كان المؤمنون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر،
كان المنافقون عكسهم.

٦٥٢
اِلُ (١٠) - التَّوَتي: ٩ / ٦٧ -٧٠
المنافقون والمنافقات أي الرّجال والنّساء يشبه بعضهم بعضاً في صفة النفاق
والبعد عن الإيمان وفي الأخلاق والأعمال، فهم ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ﴾:
وهو ما أنكره الشّرع ونهى عنه، ولم يقرّه الطّبع السليم والعقل الصحيح،
كالكذب والخيانة وخُلْف الوعد ونقض العهد، كما جاء في الحديث الصّحيح
الذي أخرجه الشَّيخان والتّرمذي والنّسائي عن أبي هريرة: «آية المنافق ثلاث:
إذا حَدَّث كذب، وإذا وعدَ أخلف، وإذا ائتمن خان)) . ﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
الْمَعْرُوفِ﴾: وهو ما أمر به الشرع وأقرّه العقل والطّبع كالجهاد وبذل المال في
سبيل الله، كما قال تعالى عنهم: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا نُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ
رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّواْ﴾ [المنافقون: ٧/٦٣].
ونسوا ذكر الله، وأغفلوا تكاليف الشرع مما أمر به الله ونهى عنه، فنسيهم
أي جازاهم بمثل فعلهم، وعاملهم معاملة من نسيهم، بحرمانهم من لطفه
ورحمته، وفضله وتوفيقه في الدُّنيا، ومن الثواب في الآخرة، كقوله تعالى:
﴿ وَقِيلَ الْيَّوْمَ نَنَسَنَكُمْ كَا نَسِيْتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية: ٣٤/٤٥]، وذلك لتركهم
التّمسك بطاعة الله.
إن المنافقين هم الفاسقون، أي الخارجون عن طريق الحقّ والاستقامة،
الدّاخلون في طريق الضّلالة، المتمرّدون في الكفر، المنسلخون عن كل خير.
ثم بَيَّن الله تعالى جزاءهم فقال: ﴿وَعَدَ اللّهُ الْمُنَفِقِينَ﴾.
أي إنه تعالى أكَّد وعيده السابق بمجازاتهم وضمهم إلى الكفار، فأوعدهم
جميعاً نار جهنم يدخلونها، ماكثين فيها أبداً، مخلدين هم والكفار فيها، هي
كفايتهم في العذاب ووفاء لجزاء أعمالهم، ولعنهم أي طردهم وأبعدهم من
رحمته، ولهم عذاب دائم مستمر غير عذاب جهنم والخلود فيها، أو لهم عذاب
ملازم في الدُّنيا وهو ما يقاسونه من مرض النفاق، والخوف من اطّلاع
الرّسول والمسلمين على بواطنهم، وحذرهم من أنواع الفضائح.

٦٥٣
لُ (١٠) - التَوَتيا: ٩ / ٦٧ -٧٠
وفي ذكر النساء مع الرّجال دليل على عموم الوصف وتأصُّل الدّاء، وأما
تأخير ذكر الكفار عن المنافقين فهو دليل على أنهم شرّ من الكفار، وأن النّفاق
أخطر من الكفر الصريح.
ثم بيّن الله تعالى أن ما أصاب هؤلاء المنافقين من العذاب في الدُّنيا
والآخرة، له شبه بعذاب أولئك المنافقين والكفار السابقين مع أنبيائهم، فأنتم
مثلهم مغرورون بالدّنيا ومتاعها الفاني، لكنهم كانوا أشدّ منكم قوة، وأكثر
أموالاً وأولاداً، فتمتعتم وخضتم كما تمتعوا وخاضوا، وانصرفتم مثلهم إلى
الاستمتاع بنصيبكم من المال والولد، وبلذائذ الدُّنيا وحظوظها الزائلة،
وشغلتم عن التّمتع بكلام الله وهدي رسوله بَّه، ولم تنظروا في عواقب
الأمور، ولم تعملوا على طلب الفلاح في الآخرة، وتوافرت دواعي الخير
عندكم، كما توافرت دواعي الشّرّ عندهم، فكنتم أسوأ حالاً منهم، وأحقّ
بالعقاب منهم. فقوله: ﴿فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلَِهِمْ﴾ أي بنصيبهم من ملاذ الدُّنيا،
أو بنصيبهم من الدِّين، كما فعل الذين من قبلهم.
وخضتم كالذي خاضوا، أي دخلتم في الباطل كما دخلوا، أو خضتم
خوضاً كالذي خاضوا.
وفائدة ذكر الاستمتاع بالخلاق (النصيب) في حقّ المتقدمين أولاً، ثم ذكره
في حق المنافقين ثانياً، ثم العود إلى ذكره مرة أخرى في حق المتقدمين ثالثاً: هو
ذمّ الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدُّنيا، وحرمانهم عن سعادة
الآخرة، بسبب استغراقهم في تلك الحظوظ العاجلة، ثم شبَّ منافقي العهد
الإسلامي بأولئك، نهاية في المبالغة، وزيادة في قبح وجه الشَّبه، كمن أراد أن
ينبّه بعض الظّلمة على قبح ظلمه، فيقول له: أنت مثل فرعون، كان يقتل بغیر
جرم، ويعذِّب من غير موجب، وأنت تفعل مثل فعله. وبالجملة فالتكرار
هاهنا للتأكيد.

٦٥٤
لُ (١٠) - التوتير: ٩/ ٦٧-٧٠
وبعد أن بَيَّن الله تعالى مشابهة هؤلاء المنافقين لأولئك الكفار المتقدّمين في
طلب الدُّنيا، وفي الإعراض عن طلب الآخرة، بيَّن شبهاً آخر بين الفريقين:
وهو تكذيب الأنبياء، والانِّصاف بالمكر والخديعة والغدر بهم، فقال:
﴿وَخُضْتُمْ كَلَّذِى خَاضُواْ﴾ أي كخوضهم الذي خاضوا، وقد خاضوا في
الكذب والباطل.
ثم بيَّن الله تعالى مصير أعمال جميع المنافقين والكفار المتقدّمين واللاحقين،
فقال: ﴿أُوْلَبِكَ حَبِطَتْ﴾ أي إن أولئك المنافقين والكفار بطلت مساعيهم
وحسناتهم وفسدت أعمالهم في الدُّنيا؛ لأنها أعمال رياء وسمعة، وفي الآخرة،
فلم يكن لهم أجر أو ثواب؛ لأنهم لم يقصدوا وجه الله، ولأن شرط الثواب
عليها الإيمان، وهم لم يؤمنوا حقّاً، بل أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، فكانوا
منافقين. وأولئك هم الخاسرون الذين خسروا في مظنة الرّبح والمنفعة؛ لأنهم لم
يحصلوا على الثَّواب، وأتعبوا أنفسهم في الرّدّ على الأنبياء والرُّسل، فما
وجدوا إلا فوات الخيرات في الدُّنيا والآخرة، وإلا حصول العقاب في الدُّنيا
والآخرة.
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ
وذلك مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنِثُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا
فِي الْخَوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (٢٤)﴾ [الكهف: ١٠٣/١٨-١٠٤]،
وقوله تعالى: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ﴾ نقيض فعل الصَّالحين المشار إليه في قوله
تعالى: ﴿وَءَيْنَهُ أَجْرَهُ فِ الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِ الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [العنكبوت:
٢٧/٢٩] .
والمقصود: أنه تعالى بعد أن شبّه حال هؤلاء المنافقين بأولئك الكفار، بيَّن
أن أولئك الكفار لم يحصل لهم إلا حبوط الأعمال، وإلا الخزي والخسار، مع
أنهم كانوا أقوى من هؤلاء المنافقين وأكثر أموالاً وأولاداً منهم، مما جعل

٦٥٥
الُ (١٠) - التَوَتِير: ٩ / ٦٧ -٧٠
هؤلاء المنافقين أولى بالوقوع في عذاب الدُّنيا والآخرة، والحرمان من خيرات
الدُّنيا والآخرة(١).
ثم وعظ الله تعالى هؤلاء المنافقين المكذِّبين للرُّسل وأنذرهم بقوله: ﴿أَلَمّ
يَأْتِهِمْ﴾ أي ألم تخبروا خبر من كان قبلكم من الأمم المكذِّبة للرُّسل، وذكر
طوائف ستّة، وهم قوم نوح الذين أغرقوا بالظُوفان الذي عم جميع أهل
الأرض القديمة إلا من آمن بنوح عليه السّلام، وعاد قوم هود الذين أهلكوا
بالرِّيح العقيم لما كذَّبوا هوداً عليه السّلام، وثمود قوم صالح الذين أخذتهم
الصَّيحة لما كذَّبوا صالحاً عليه السّلام وعقروا النّاقة، وقوم إبراهيم الذين
أهلكهم الله بسلب النعمة عنهم، وبتسليط البعوضة على ملكهم تَمْرُوذ بن
كنعان بن كوش الكنعاني، ونصر الله إبراهيم عليه السّلام عليهم، وأيَّده
بالمعجزات الظاهرة وأنقذه من النار، وأصحاب مدين قوم شعيب عليه
السّلام الذين أصابتهم الرّجفة وعذاب يوم الظّة، والمؤتفكات(٢) قوم لوط
الذين كانوا يسكنون في مدائن، فأهلكهم الله بالخسف، وجعل عالي أرضهم
سافلها، وأمطر عليهم الحجارة، قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَالْمُؤْذَفِكَةَ أَهْوَى
[النجم: ٥٣/٥٣] أي الأمة المؤتفكة، وأمُّ قراهم: سدوم، أهلكهم الله
٥٣
عن آخرهم، بتكذيبهم نبي الله لوطاً عليه السّلام، وإتيانهم الفاحشة التي لم
يسبقهم بها أحد من العالمين.
ذكر الله تعالى هؤلاء الطوائف السّتة؛ لأنه أتاهم نبأ هؤلاء تارة، بأن
سمعوا أخبارهم في التاريخ المنقول من الناس، وتارة لأجل أن بلاد هؤلاء،
وهي بلاد الشام، قريبة من بلاد العرب، وقد بقيت آثارهم مشاهدة.
(١) تفسير الرازي: ١٢٩/١٦
(٢) قال الواحدي: المؤتفكات: جمع مؤتفكة، ومعنى الائتفاك في اللغة: الانقلاب، وتلك القرى
ائتفكت بأهلها، أي انقلبت فصار أعلاها أسفلها، فالمؤتفكات صفة القرى.

٦٥٦
الجزءُ (١٠) - التَّوَّتِير: ٩ /٦٧-٧٠
وقوله تعالى: ﴿أَلَّمَّ يَأْتِهِمْ﴾ استفهام للتقرير والتوبيخ، أي أتاهم نبأ هؤلاء
الأقوام، فلم يعتبروا.
هؤلاء أتتهم رسلهم بالبينات، أي بالمعجزات والحجج والدلائل
القاطعات، وهنا لا بدّ من إضمار محذوف في الكلام، تقديره: فكذَّبوا،
فعجّل الله هلاكهم.
﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ بإهلاكه إياهم؛ لأنه أقام عليهم الحجّة
بإرسال الرُّسل، ﴿وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بسبب أفعالهم القبيحة،
وتكذيبهم الرُّسل، ومخالفتهم الحقّ، فالظُّلم كان من أنفسهم لا من الله تعالى،
فاستحقّوا ذلك العذاب.
والهدف من التذكير بهؤلاء الأقوام أن يعرف المنافقون والكفار أنّ سنّة الله
في عباده واحدة لا تتغير ولا تتبدل، فإذا ما أصرّوا على كفرهم، فإن العذاب
سينزل بهم؛ لأن ما جرى على النّظير يجري على نظيره، قال تعالى: ﴿أَكُفَّارُ كُمْ
[القمر: ٥٤ /٤٣].
(٤٣
خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُ بَرَآءَةٌ فِىِ الزّبْرِ
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات على ما يأتي:
اً - النِّفاق: مرض عضال متأصِّل في البشر، وأصحاب ذلك المرض
متشابهون في كل عصر وزمان في الأمر بالمنكر والنّهي عن المعروف، وقبض
أيديهم وإمساكهم عن الإنفاق في سبيل الله للجهاد، وفيما يجب عليهم من
حق.
لاّ - للمنافقين عذابان: عذاب في نار جهنم، ونوع آخر من العذاب المقيم
الدائم، غير العذاب بالنار والخلود فيها.

٦٥٧
الُرعُ (١٠) - التَّوَتيا: ٩ / ٦٧ -٧٠
◌َّ - الجزاء من جنس العمل، فقوله تعالى: ﴿َُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ معناه أنهم
تركوا أمره وطاعته حتى صار ذلك بمنزلة المنسي، فتركهم من رحمته، وسماه
باسم الذّنب لمقابلته؛ لأنه جزاء وعقوبة على الفعل، وهو مجاز كقولهم: الجزاء
بالجزاء، وقوله تعالى: ﴿وَجَزَّوُاْ سِيْئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠/٤٢] ونحو
ذلك.
٤ - سبب العذاب الكفار والمنافقين واحد في كل العصور: وهو إيثار
الدُّنيا على الآخرة والاستمتاع بها، وتكذيب الأنبياء والمكر والخديعة والغدر
بهم. وقد وعد الله الكفار نار جهنم وعداً كما وعد الذين من قبلهم، لفعلهم
أفعال الذين من قبلهم كالأمر بالمنكر والنّهي عن المعروف. جاء في الصَّحيح
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبِي وَّهِ: ((لتَتَّبَعُنَّ سَ من قبلكم، شبراً
بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جُحْر ضَبّ لدخلتموه، قالوا: يا رسول
الله، اليهود والنّصارى؟ قال: فمن؟)).
وقال ابن عباس ونحوه عن ابن مسعود: ما أشبه الليلة بالبارحة، هؤلاء
بنو إسرائيل، شُبِّهنا بهم.
٥ - آية ﴿كَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ دلَّت على مشروعية القياس، وإلحاق
النظائر والأشباه ببعضها، ويؤيِّدها قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُواْ يَكَأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾
[الحشر: ٢/٥٩] .
أَ - لا ثواب على أعمال الكفار في الآخرة: ﴿أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ﴾
أي بطلت حسناتهم ﴿وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ فلم يحصلوا على الثواب.
لاً - إن إهلاك الأمم والأقوام الغابرة بسبب كفرهم وتكذيبهم الأنبياء فيه
عظة وعبرة للمعتبر من العقلاء.
٨ - لا عقوبة إلا بذنب: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي ليهلكهم حتى

٦٥٨
المُجُ (١٠) - التَوَّةِ: ٩/ ٧١-٧٢
يبعث إليهم الأنبياء، ويصدر منهم ما يستحقون به العذاب ﴿ وَلَكِن كَانُوَأْ
أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي ولكن ظلموا أنفسهم بعد قيام الحجة عليهم.
أوصاف المؤمنين وجزاؤهم الأخروي
وَلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِّ يَأْمُرُونَ بِلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِ وَيُقِمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ , أُوْلَئِكَ
ريددور
وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّاتٍ
سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَمَسَكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّتِ عَلْنٍ وَرِضْوَانٌ
٧٢
مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
البلاغة:
في هذه الآيات مقابلة لطيفة بين صفات المؤمنين وصفات المنافقين،
ومقابلة أيضاً في الجزاء بين نار جهنم والجنة، فهي مقابلة في الصفات وفي
الجزاء.
المفردات اللغوية:
﴿ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ أي يتناصرون ويتعاضدون، من الولاية: وهي النصرة في
الشدائد، والأخوة والمحبة، وهي ضد العداوة ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يعجزه
شيء عن إنجاز وعده ووعيده، فيعز من أطاعه، فإن العزة لله ولرسوله
وللمؤمنين ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يضع شيئاً إلا في محله ﴿جَنَّتٍ﴾ هي البساتين،
الكثيرة الأشجار، الملتفة الأغصان، التي تستر ما حولها من الأرض
وَمَسَكِنَ طَيِّبَةً﴾ أي حسنة البناء طيبة القرار ﴿جَنَّتِ عَدْنٍ﴾ عدن: اسم
مكان خاص في الجنة كالفردوس، بدليل قوله تعالى: ﴿جَتَّتِ عَدْنٍ اُلَّتِى وَعَدَ
· الرَّحْمَنُ﴾ [مريم: ٦١/١٩] ويدل عليه ما روى أبو الدرداء رضي الله عنه عن

٦٥٩
الُرُ (١٠) - التَوَتِيم: ٩/ ٧١-٧٢
رسول الله وَله: ((عدن: دار الله التي لم ترها عين، ولم تخطر على قلب بشر، لا
يسكنها غير ثلاثة: النبيون، والصدّيقون، والشهداء، يقول الله تعالى: طوبى
لمن دخلك)».
جے
﴿ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أي وشيء من رضوان الله أكبر وأعظم من
ذلك كله؛ لأن رضاه هو سبب كل فوز وسعادة، ولأنهم ينالون برضاه عنهم
تعظيمه وكرامته، والكرامة أكبر أصناف الثواب ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما وعد
الله، أو إلى الرضوان ﴿هُوَ اُلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ﴾ وحده دون ما يعدّه الناس فوزاً.
المناسبة:
لما ذكر الله تعالى صفات المنافقين الذميمة وما أعده لهم من العذاب، أعقبه
بذكر صفات المؤمنين المحمودة وما أعده لهم من الثواب الدائم والنعيم المقيم.
وهكذا الشأن في الأسلوب القرآني يذكر المتقابلات والأضداد، للعبرة
والعظة، وبيان الفروق، لاختيار الإنسان ما فيه المصلحة. وهنا يتجلى الفرق
الواضح بين أفعال المنافقين الخبيثة وما يستحقونه من العذاب، وبين أفعال
المؤمنين الحميدة وما يلاقونه من ثواب، ليعلم المنافقون أنهم غير مؤمنين في
الحقيقة، وأن ما يظهرونه من إيمان نفاق وخداع، سرعان ما ينكشف، ولا
يفيدهم مطلقاً.
وأما السبب في ذكر لفظ ﴿مِّنْ﴾ في المنافقين: ﴿اَلْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ
بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضِ﴾ وفي المؤمنين لفظ ﴿أَوْلِيَاءُ﴾: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾: فهو أن تجمع المنافقين على النفاق إنما هو بسبب التقليد والميل
والعادة، وأما تجمع المؤمنين على الإيمان فهو بسبب المشاركة في القناعة
والإستدلال والتوفيق والهداية.

٦٦٠
الْجُرُ (١٠) - التَوَتَّة: ٩/ ٧١-٧٢
التفسير والبيان:
إن أهل الإيمان من الذكور والإناث متناصرون متعاضدون، كما جاء في
الحديث الصحيح: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً)) وشبك بين
أصابعه، وفي الصحيح أيضاً: ((مَثَلُ المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد
الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)».
وقد كان التعاون بين المسلمين والمسلمات قائماً في الميادين والمواقف
الحاسمة كلها كالهجرة والجهاد، مع اعتصام الرجال بالعفة وغض البصر،
واعتصام النساء بالأدب الجم والحياء والتعفف وغض البصر والاحتشام في
الحديث واللباس والعمل. فقد كان للمرأة دور بارز في إنجاح الهجرة كأسماء
ذات النطاقين، وكانت النسوة في المعارك والحروب مع الأعداء يسقين الماء،
ويجهزن الطعام، ويحرضن على القتال، ويرددن المنهزم من الرجال، ويواسين
الجرحى، ويعالجن المرضى.
وقوله في أهل الإيمان: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ في مقابلة قوله في المنافقين:
بعضهم من بعض؛ لأن المؤمنين إخوة تسودهم المحبة والمودة والتعاون
والتعاطف، وأما المنافقون فلا رابطة قوية بينهم ولا عقيدة تجمعهم، وإنما هم
أتباع بعضهم بعضاً في الشكوك والجبن والبخل والانهزام والتردد؛ لأن
قلوبهم مختلفة.
وقد ذكر الله تعالى هنا للمؤمنين أوصافاً خمسة غير الولاية مع بعضهم يتمير
بها المؤمن من المنافق، وهي في قوله: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ:﴾.
فالمؤمنون يأمرون بالمعروف، والمنافقون يأمرون بالمنكر كما في الآية
المتقدمة.