النص المفهرس

صفحات 601-620

٦٠١
الجرح (١٠) - التوتيمًا: ٩/ ٥٣-٥٥
﴿ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ﴾ فاعل منع، و﴿أَنْ تُقْبَلَ﴾: مفعول منع.
﴿وَهُمْ كُسَالَى﴾ مبتدأ وخبر، والجملة حالية.
البلاغة:
﴿أَنفِقُواْ﴾: أمر في معنى الخبر، كقوله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ فِى
الصَّلَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَذَّا﴾ [مريم: ٧٥/١٩].
﴿طَوَّعًا أَوْ كَرْهًا﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿أَنفِقُواْ﴾ في طاعة الله كالجهاد ﴿لَّنْ يُنَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ ما أنفقتموه ﴿إِنَّكُمْ
تعليل لرد إنفاقهم ﴿فَسِقِينَ﴾ الفسق: التمرد والعتو ﴿كُسَالَى﴾ متثاقلون
﴿وَهُمْ كَرِهُونَ﴾ النفقة؛ لأنهم يعدونها مغرماً ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَلُهُمْ وَلَّ
أَوْلَدُهُمْ﴾ أي لا تستحسن نِعْمنا عليهم، فهي استدراج ﴿ لِيُعَذِّبَهُم﴾ أي أن
يعذبهم ﴿فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ بما يلقون في جمعها من المشقة وما فيها من
المصائب ﴿وَتَزْهَقَ﴾ تخرج ﴿وَهُمْ كَفِرُونَ﴾ فيعذبهم في الآخرة أشد العذاب.
سبب النزول:
نزول الآية (٥٣):
﴿قُلْ أَنفِقُواْ﴾: أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال: قال الجدّ بن
قيس: إني إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أُفتتن، ولكن أُعينُك بمالي، قال:
ففيه نزلت: ﴿أَنِفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّنْ يُنَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ أي لقوله: أعينك
بمالي. فهذه الآية نزلت في الجدِّ بن قَيْس حين تخلف عن غزوة تبوك وقال
لرسول الله وَج: هذا مالي أعيُنك به، فاتركني.

٦٠٢
الجزء (١٠) - التوقي): ٥٣/٩-٥٥
المناسبة:
بعد أن بَيَّن الله تعالى عاقبة المنافقين وهي العذاب في الدنيا والآخرة،
أعقب ذلك ببيان أنهم وإن أتوا بشيء من أعمال البر كالإنفاق على الجهاد،
فإنهم لا ينتفعون به في الآخرة؛ لأنهم يفعلونه رياء وستراً على نفاقهم من
الفضيحة.
والمقصود بيان أن أسباب العذاب في الدنيا والآخرة مجتمعة في حقهم، وأن
أسباب الراحة والخير زائلة عنهم في الدنيا والآخرة، فأموالهم الكثيرة إنما هي
عذاب لهم في الدارين.
والآيات من [٤٢] وما بعد هذه الآية إلى الآية [٥٩] كلها في المنافقين، ثم
جاءت آية مصارف الزكاة.
التفسير والبيان:
قل أيها النبي للمنافقين: مهما أنفقتم من نفقة في سبيل الله ووجوه البر
طائعين أو مكرهين، لن يتقبل منكم؛ لأنكم كفرتم بالله ورسوله، وما زلتم في
شك مما جاء به الرسول من الدين والجزاء على الأعمال في الآخرة، ولأنكم
قوم فاسقون أي عتاة متمردون خارجون على الإيمان، والأعمال إنما تصح
بالإيمان، و﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧/٥] وقوله: ﴿إِنَّكُمْ
كُنْتُمْ﴾ تعليل لرد إنفاقهم وعدم القبول منهم في الدنيا والآخرة: وهو أن
عدم القبول معلل بکونهم فاسقين، أي کافرین.
وقوله: ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ معناه: طائعين من غير إلزام من الله ورسوله،
أو ملزمين، أو طائعين من غير إكراه من رؤسائكم؛ لأن رؤساء أهل النفاق
كانوا يحملون على الإنفاق، لما يرون من المصلحة فيه، أو مكرهين من جهتهم.
وعدم القبول غير معلل بعموم كونه فسقاً، بل بخصوص وصفه: وهو كون

٦٠٣
الجزء (١٠) - التوثي): ٩/ ٥٣-٥٥
ذلك الفسق كفراً، لذا صرح الله تعالى في الآية التالية بذلك فقال: ﴿وَمَا
مَنَعَهُمْ﴾ أي وما منع قبول نفقاتهم إلا مجموع هذه الأمور الثلاثة: وهي الكفر
بالله ورسوله، وعدم الإتيان بالصلاة إلا في حال الكسل، والإنفاق على سبيل
الكراهية.
فهم كفروا بالله ورسوله وبما جاء به، والأعمال إنما تصح بالإيمان، كما
ذكرت، ولا يصلون إلا وهم متكاسلون؛ لأنهم لا يرجون بصلاتهم ثواباً،
ولا يخشون بتركها عقاباً، فهي ثقيلة عليهم، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلَّا
عَلَى الْخَشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥/٢].
ولا ينفقون نفقة في سبیل الجهاد وغیره إلا وهم کارهون لها، لا تطيب بها
أنفسهم؛ لأنهم لا ينفقون لغرض الطاعة، بل رعاية للمصلحة الظاهرة،
وستراً للنفاق، ويعدون الإنفاق مغرماً وخسارة بينهم. وقد أخبر النبي ◌َّ أن
الله لا يمل حتى تملوا، وأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، فلهذا لا يقبل الله من
هؤلاء المنافقين نفقة ولا عملاً؛ لأنه إنما يتقبل من المتقين، وما طوعهم ذاك
إلا عن كراهية واضطرار، لا عن رغبة واختيار.
فلا تعجبك أيها النبي وأيها السامع أموالهم ولا أولادهم ولا سائر نعم الله
عليهم، فإنما هي من أسباب المحن والآفات عليهم. والإعجاب بالشيء:
السرور به مع التعجب والافتخار من حسنه، والاعتقاد أنه ليس لغيره ما
يساویه.
أما أموالهم في الدنيا فهي سبب لتعذيبهم بها حيث يتعبون في جمعها،
ويصحبها الهم والقلق، ثم ينفقونها كارهين في الجهاد والزكاة وفي سبيل الله
وتقوية المسلمين، وكذلك أولادهم ربما يموتون في الحروب، فيحزنون عليهم
أشد الحزن، وفي الآخرة يعذبون عذاباً شديداً، حيث يموتون على الكفر الذي
يحبط العمل الصالح، وهذا من قبيل الاستدراج لهم فيما هم فيه، وتكون

٦٠٤
الجُرُ (١٠) - التوثيم: ٥٣/٩-٥٥
النتيجة أنهم خسروا الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين. والاستدراج
بالنعم: الإمداد بها مع البقاء على المعصية، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ
لِيَزْدَادُواْ إِثْمَا﴾ [آل عمران: ١٧٨/٣].
فما يظنون أنه من منافع الدنيا هو في الحقيقة سبب لعذابهم وبلائهم، وبه
يظهر أن النفاق مرض خطير جالب لجميع الآفات في الدين والدنيا، ومبطل
لجميع الخيرات فيهما.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَمُدَنَّ عَيْنَيَّكَ إِلَى مَا مَتَعْنَا بِهِ، أَزْوَجَّا مِنْهُمْ زَهْرَةَ
﴾ [طه: ١٣١/٢٠] وقوله:
١٣
الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيَةٍ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى
تُسَارِعُ لَمْ فِىِ الْخَيْرَتِّ بَ لَّا يَشْعُرُونَ
٥٥
(أَيَخْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِذُهُمْ بِهِ، مِن مَالٍ وَبَنِيِنَّ
[المؤمنون: ٥٥/٢٣ -٥٦] .
(٥٦)
فقه الحياة أو الأحكام:
في الآيتين دلالة على ما يأتي:
ا - إن أفعال الكافر الخيرية كصلة القرابة وإغاثة الملهوف قد تفيده في
الدنيا بدفع ضرر أو سوء، ولكن لا يثاب عليها، ولا ينتفع بها في الآخرة.
بدليل ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((قلت: يا رسول الله،
ابن جُدْعان كان في الجاهلية يَصِل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟
قال: لا ينفعه، إنه لم يقل يوماً رَبِّ اغفر لي خطيئتي یوم الدین)). وروي عن
أنس قال: قال رسول الله وَ ل﴿ فيما رواه أحمد ومسلم: ((إن الله لا يَظْلِمُ مؤمناً
حسنة، يُعْطَى بها في الدنيا، ونُجْزِى بها في الآخرة، وأما الكافر فيُطْعَم
بحسنات ما عمل الله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم يكن له حسنة
◌ُجزی بها».
والصحيح أن إفادته من حسناته في الدنيا مقيَّد بمشيئة الله المذكورة في
قوله: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَنْ تُرِيدٌ﴾ [الإسراء: ١٨/١٧].

٦٠٥
الُ (١٠) - التَّوَتية: ٩/ ٥٣-٥٥
والخلاصة: أن شيئاً من أعمال البر لا يكون مقبولاً عند الله، مع الكفر
بالله. أما قوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (﴾﴾ [الزلزلة:
٩٩/ ٧] فيراد به بالنسبة إلى الكافر تأثير الخير في تخفيف العقاب أو العذاب عنه.
٢ - لم تكن أعمال الخير في الظاهر، الصادرة من المنافقين عن إيمان وقناعة
وطيب نفس، وإنما كانت في الواقع عن إكراه نفسي، ستراً على نفاقهم، فهم لم
يؤدوا الصلاة إلا وهم كسالى متثاقلون في أدائها، ولم ينفقوا نفقة في سبيل الله
كالزكاة والجهاد، لغرض الطاعة، بل رعاية للمصلحة الظاهرة؛ لأنهم يعدّون
النفقة مَغْرماً، ومنعها مَغْنماً، وإذا كان الأمر كذلك فهي غير متقبّلة ولا مثاب
عليها، حسبما تقدم.
◌َّ - الأموال والأولاد قد تكون سبباً للعذاب في الدنيا، وقد تكون سبباً
للعذاب في الآخرة. أما الأموال في الدنيا فهي عذاب على المنافقين في كسبها
وفي إنفاقها، فكسبها يحتاج إلى عناء شديد، والحفاظ عليها يتطلب الحذر،
ويصحبها القلق والهم، والتهديد بالضياع والخسارة، وقد تؤدي إلى قسوة
القلب والطغيان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اُلْإِنسَنَ لَيَطْغَىٌّ، أَنْ زَءَاهُ أَسْتَغْفَ
[العلق: ٦/٩٦-٧] وإنفاقها يكون كرهاً لا طواعية، فيعذبون بما ينفقون، وأما
الأولاد فقد يموتون في الجهاد، فيعقب موتهم الحزن والغم والندم، وقد
يؤمنون فيحترق الآباء غيظاً عليهم، مثل حنظلة بن أبي عامر غسلته الملائكة،
وعبد الله بن عبد الله بن أبي شهد بدراً وكان من الله بمكان. وأما في الآخرة
فيعذبون إذا اكتسبوا الأموال من حرام، وإذا آمن الأولاد وتبرموا من نفاق
الآباء نجوا من العذاب الدائم.

٦٠٦
الجُ (١٠) - التَوَتَّة: ٩ /٥٦-٥٩
حلف المنافقين الأيمان الكاذبة
وانتهازهم الفرصة للطعن بالنبي
كيا الله
وسلم
﴿ وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَفُونَ
٥٦
لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئًا أَوْ مَغَرَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَّوَلَّوْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (89) وَمِنْهُـ
◌َنْ يَلْمِزُكَ فِىِ الصَّدَقَتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْ مِنْهَا إِذَا هُمْ
يَسْخَطُونَ
وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ مَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ
٥٨
سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ، إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَغِبُونَ
٥٩
القراءات:
سیۈتِینَا
: @
وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً (سيوتينا).
الإعراب:
﴿إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ إذا للمفاجأة، أي وإن لم يعطوا منها فاجؤوا النبي
بالسخط.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ﴾ جواب (لَوْ) محذوف، تقديره: ولو أنهم رضوا لكان
خيراً لهم.
البلاغة:
﴿رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوَأْ مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ هنا طباق بين الرضا
والسخط.
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ﴾ أي مؤمنون ﴿يَفْرَقُونَ﴾ يخافون أن تفعلوا بهم

٦٠٧
الُزْءُ (١٠) - التَوَتَّةِ: ٥٦/٩-٥٩
كالمشركين، فيحلفون تقية. والفَرَق: الخوف الشديد الذي يحجب الإدراك
الصحيح ﴿مَلْجَئًا﴾ مكاناً يلتجئون إليه للاعتصام به، كالقلعة أو الحصن أو
الجزيرة أو نحوها ﴿مَغَرَاتٍ﴾ سراديب، جمع مغارة: وهي الكهف أو الغار في
الجبل، سمي بذلك لأنه يستتر فيها ﴿مُدَّخَلًا﴾ موضعاً يدخلونه، أو سرباً في
الأرض للدخول فيه بمشقة ﴿يَجْمَحُونَ﴾ يسرعون في دخوله إسراعاً لا يقاوم
﴿يَلْمِزُكَ﴾ يعيبك، والهمز: العيب في الغيبة، واللمز: العيب في الوجه،
وأصله: الإشارة بالعين ونحوها، وقال الزجاج والجوهري: الهمز كاللمز
وزناً ومعنى، أي لا فرق بينهما ﴿حَسْبُنَا﴾ كافينا ﴿رَعْبُونَ﴾ محبون أن
يغنينا، يقال: رغب ورغب فيه: أحبه، ورغب عنه: كرهه، ورغب إليه:
طلبه وتوجه إليه.
سبب النزول:
نزول الآية (٥٨):
﴿ وَمِنْهُمْ مَن يَلْمِزُكَ﴾ : روى البخاري والنسائي عن أبي سعيد الخدري رضي
الله عنه قال: ((بينما رسول الله وَ له يقسم قَسْماً، إذ جاءه ذو الخوَيْصرة
التميمي - وهو حرقوض بن زهير أصل الخوارج - فقال: اعدل يا رسول
الله، فقال: وَيْلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟ فقال عمر بن الخطاب: ائذن لي
أن أضرب عنقه، فقال رسول الله وَالَ: دَعْه، فإن له أصحاباً يحقر أحدكم
صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يَمْرُقون من الدين كما يمرق السهم
من الرَّمِيَّة، فنزلت فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَن يَلْمِزُكَ فِىِ الصَّدَقَتِ﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر نحوه. وروى ابن جرير عن داود بن أبي
عاصم قال: ((أُتي النبي وَ ل بصدقة، فقسمها هاهنا وهاهنا، حتى ذهبت،
ورأى ذلك رجل من الأنصار، فقال: ما هذا بالعدل، فنزلت هذه الآية))
ومجموع الروايات يدل على أن الطاعنين من المنافقين.

٦٠٨
لُ (١٠) - التَّوَّة: ٩ / ٥٦-٥٩
المناسبة:
بعد أن بيَّن الله تعالى أن المنافقين جامعون لكل مضار الآخرة والدنيا،
كاستئذانهم كاذبين، بَيَّن هنا إقدامهم على الأيمان الكاذبة، وانتهازهم الفرصة
للطعن بالنبي ◌َّله، وقد طعنوا فيه بسبب أخذ الصدقات من الأغنياء،
ويقولون: إنه يؤثر بها من يشاء من أقاربه وأهل مودته، وينسبونه إلى أنه لا
يراعي العدل.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن فزع المنافقين وهلعهم أنهم يحلفون بالله يميناً مؤكدة: إنهم
لمنكم أي لمن جملة المسلمين أهل الملة والدين، وما هم منكم في نفس الأمر
فليسوا على دينكم، بل هم أهل شك ونفاق، ولكنهم قوم يخافونكم
فيحلفون، فالخوف من القتل هو الذي حملهم على الحلف، فأظهروا الإيمان
وأسروا النفاق، وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوَاْ ءَامَنَا وَإِذَا
[البقرة: ٢ /١٤] .
١٤
خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ
ومن مظاهر خوفهم أنهم يتمنون الفرار منكم والمعيشة بعيداً عنكم، فلو
وجدوا مفراً يتحصنون فيه آمنين على أنفسهم منكم، لفروا إليه ولفارقوكم.
ولو وجدوا ملجأ، أي مكاناً يتحصن فيه، أو مغارة أي كهفاً في الجبال،
أو مُدّخلاً أي سرباً تحت الأرض كالآبار والقنوات، لولّوا إليه أي رجعوا إليه
من أحد هذه المواضع مع أنها شر الأمكنة، وهم يجمحون أي يسرعون إسراعاً
في ذهابهم عنكم على نحو لا يقاوم؛ لأنهم إنما يعيشون معكم كرهاً لا محبة
ووداً، ولكنْ للضرورة أحكام. ولهذا لا يزالون في هم وحزن وغم؛ لأن
الإسلام وأهله في تقدم ورفعة، وعز ونصر، وذلك كله يسوؤهم.
ومن المنافقين من يعيب عليك ويطعن بك يا محمد في قسمة الصدقات وهي

٦٠٩
لُعُ (١٠) - التَّوَّة: ٥٦/٩-٥٩
إما المغانم أو أخذ الصدقات من الأغنياء وهي أموال الزكاة المفروضة، قيل:
هم المؤلفة قلوبهم كان يعطيهم النبي ◌َّ للتأليف، وقيل: هو ابن ذي
الخوَيْصِرة رأس الخوارج، كان رسول الله وَير يقسم غنائم حنين، فقال: اعدل
يا رسول الله، فقال صلوات الله وسلامه عليه: ((ويلك إن لم أعدل فمن
یعدل؟!)).
وقيل: هو أبو الجوَّاط من المنافقين قال: ألا ترون إلى صاحبكم؟ إنما يقسم
صدقاتكم في رعاة الغنم، وهو يزعم أنه يعدل، فقال رسول الله وهلقال: ((لا أبا
لك، أما كان موسى راعياً، أما كان داود راعياً؟» فلما ذهب، قال عليه
الصلاة والسلام: ((احذروا هذا وأصحابه فإنهم منافقون)).
ثم وصفهم الله تعالى بأن رضاهم وسخطهم لأنفسهم، لا للدين، وما فيه
صلاح أهله؛ لأن رسول الله وَله استعطف قلوب أهل مكة يومئذ بتوفير
الغنائم عليهم، فضجر المنافقون منه. فقال تعالى: ﴿فَإِنْ أُعْعُواْ مِنْهَا رَضُواْ﴾ أي
إن أعطوا من الزكاة أو من الغنائم ولو بغير حق رضوا، وإن لم يعطوا منها
فاجؤوك بالسخط، وإن لم يستحقوا العطاء، فهم إنما يغضبون لأنفسهم
ولمنافعهم، لا للمصلحة العامة، فليس طعنهم أو نقدهم بريئاً، ولكن لهدف
خاص.
ولو أنهم رضوا ما أعطاهم الرسول من الغنائم وطابت به نفوسهم، وإن
قلّ نصيبهم، وقالوا: كفانا فضل الله وصنعه، وحسبنا ما أصبناه، وسیرزقنا
الله غنيمة أخرى، فيؤتينا رسول الله وَ ليل أكثر مما آتانا اليوم، إنَّا إلى الله في أن
يمنحننا من فضله الراغبون، لا نرغب إلى غيره أبداً.
وقد تضمنت هذه الآية أدباً عظيماً حيث إنها ترشدهم وتعلمهم الرضا بما
آتاه الله ورسوله، والتوكل على الله وحده، وهو قوله: ﴿وَقَالُواْ حَسْبُنَا
اللَّهُ ﴾.

٦١٠
الُرُ (١٠) - التَّوَّة: ٩ / ٥٦-٥٩
والمقصود إنما هو التعليم بأن يرضوا بنعمة الله، وبقسمة الرسول، فهو لا
يفعل إلا العدل وما فيه المصلحة العامة للإسلام وأهله، وما على المؤمن إلا
أن يرضى بما قسمه الله له، ولا يطمع بأكثر من ذلك.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستفاد من الآيات ما يلي:
اً - إن من أخلاق المنافقين الحلف بأنهم مؤمنون، والإقدام على الأيمان
الكاذبة، كما قال تعالى: ﴿إِذَا جَآءَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾.
[المنافقون: ١/٢٣] .
اً - المنافقون جماعة حيارى مضطربون قلقون كارهون العيش في الحقيقة
مع المؤمنين، خوفاً من افتضاح أمرهم، ويخافون أن يظهروا على ما هم عليه
فيُقتلوا، لذا يتمنون النجاة بأنفسهم واللجوء إلى شر الأمكنة كالحصون
(الملاجئ) والمغارات (الكهوف في الجبال) والمداخل (السراديب المحفورة تحت
الأرض).
٣ - ومن أسوأ أخلاق المنافقين وقبائحهم وفضائحهم طعنهم في الرسول
وَالله بسبب أخذ الصدقات المفروضة من الأغنياء، ويقولون: إنه يؤثر بها من
يشاء من أقاربه وأهل مودته، أو بسبب قسمة غنائم الحرب المغنومة من
الأعداء، كغنائم حنين التي تألف بها النبي المؤلفة قلوبهم من أهل مكة،
وينسبونه إلى أنه لا يراعي العدل.
٤ - تدل الآية على أن من طلب الدنيا وحدها آل أمره إلى النفاق، وأما من
طلب الدنيا بقدر ما أذن الله فيه، وكان غرضه من الدنيا أن يتوسل إلى مصالح
الدين، فهذا هو الطريق الحق. والأصل في هذه الأمور المادية الرضا بقضاء
الله وقدره، بعد اتخاذ الأسباب، لذا قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ مَآ

٦١١
الجُعُ (١٠) - التَّوَتَّير: ٦٠/٩
ءَاتَئُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِيْنَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ:
٥٩
إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَغِبُونَ
٥ - اشتملت هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا﴾ على مراتب أربع:
الأولى - الرضا بما آتاهم الله ورسوله؛ لأنه تعالى حكيم منزه عن العبث
والخطأ، فحكمه حق وصواب.
الثانية - أن تظهر آثار الرضا على اللسان، وهو قوله: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾
أي الرضا بحكم الله وقضائه.
الثالثة - أن يقول الإنسان إن لم يقل: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾: ﴿سَيُؤْتِيْنَا اللَّهُ
مِن فَضِّلِهِ، وَرَسُولُهُ﴾ أي إما في الدنيا أو في الآخرة.
الرابعة - أن يقول: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَغِبُونَ﴾ أي لا نبغي بالإيمان
مكاسب الدنيا من مال وجاه، وإنما نريد الفوز بسعادة الآخرة.
مصارف الزكاة الثمانية
: إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ فُلُوبُهُمْ وَفِى
الْرِقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَبْنِ السَّبِيلِّ فَرِيضَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ
٦٠
عَلِيمٌ حَكِيمٌ
القراءات:
﴿ وَالْمُؤَلَّفَةِ﴾:
وقرأ ورش، وحمزة وقفاً: (والموَلَّفة).
الإعراب:
﴿فَرِيضَةٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ منصوب بفعل مقدر، وهو في معنى المصدر المؤكد

٦١٢
لُ (١٠) - التَوَتَّة: ٦٠/٩
لما دلت عليه الآية، أي فرض الله لهم الصدقات فريضة، أو حال من الضمير
المستكن في ﴿لِلْفُقَرَآءِ﴾ وقرئ بالرفع على تقدير: تلك فريضة.
البلاغة:
﴿ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ كلاهما بصيغة فعيل التي هي للمبالغة، أي واسع
العلم، عالي الحكمة يضع الأشياء في مواضعها.
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ﴾ الزكوات المفروضة مصروفة لهؤلاء الثمانية، أفادت
اللام وجوب إعطائها لهم، وأنها مختصة بهم لا تتجاوزها إلى غيرهم، فظاهر
الآية يقتضي تخصيص استحقاق الزكاة بالأصناف الثمانية ووجوب الصرف
إلى كل صنف وجد منهم، ومراعاة التسوية بينهم بسبب الاشتراك في الحق.
وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه. وعن عمر وحذيفة وابن عباس وغيرهم
من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين جواز صرفها إلى صنف
واحد، وبه قال الأئمة الثلاثة.
والمعنى: إنما الزكوات مستحقة لهؤلاء المعدودين دون غيرهم، وهو دليل
على أن المراد باللمز في الآية السابقة لمزهم في قسم الزكوات دون الغنائم.
﴿ لِلْفُقَرَآءِ﴾ الفقير: من لا مال له ولا كسب يقع موقعاً من حاجته، من
الفقار كأنه أصيب فقاره. ﴿ وَالْمَسَكِينِ﴾ المسكين: من له مال أو كسب لا
يكفيه، من السكون كأن العجز أسكنه، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ
فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩/١٨] وأنه عليه الصلاة والسلام كان يسأل
المسكنة، ويتعوذ من الفقر. وقيل: المسكين: هو عديم المال، لقوله تعالى: ﴿أَوْ
﴾ [البلد: ١٦/٩٠] والمسألة خلافية بين الشافعية والحنفية.
مِسْكِينَا ذَا مَتْرَبَةٍ
والفقر والمسكنة يتحددان بما دون الحد الأدنى اللازم للمعيشة، بحسب كل
زمان ومكان.

٦١٣
الُ (١٠) - التَوَتِير: ٦٠/٩
وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا﴾ الساعين في تحصيلها وجمعها وهم الجباة. ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ
فُلُوبُهُمْ﴾ قوم أسلموا ونيتهم ضعيفة بالإسلام فتستألف قلوبهم، أو هم
أشرافٌ قد يترقب بإعطائهم ومراعاتهم إسلام نظرائهم، وقد أعطى رسول الله
وَ الله ◌ُيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، والعباس بن مِرْداس لذلك. وقيل:
أشراف يستألفون على أن يسلموا، فإنه عليه الصلاة والسلام يعطيهم،
والأصح أنه كان يعطيهم من خمس الخمس الذي كان خاص ماله من الغنائم.
وقد عدّ منهم من يؤلف قلبه بشيء منها على قتال الكفار ومانعي الزكاة،
فهم أقسام: إما أن يعطوا ليسلموا، أو يثبت إسلامهم، أو يسلم نظراؤهم،
أو يدافعوا عن المسلمين. والأول والأخير لا يعطيان اليوم عند الشافعي رضي
الله عنه؛ لعز الإسلام، بخلاف الآخرين، فيعطيان على الأصح.
﴿ وَفِي الْرِقَابِ﴾ أي وفي فك المكاتبين، بأن يعاون المكاتب بشيء من الزكاة
على أداء الأقساط (النجوم) أو بأن يبتاع الرقاب فتُعتق، وبه قال مالك
وأحمد، أو بأن يفدى الأسارى. والعدول عن اللام إلى (في) للدلالة على أن.
الاستحقاق للجهة، لا للرقاب.
وَالْغَرِمِينَ﴾ المديونين إن استدانوا لأنفسهم في غير معصية ولا إسراف
ولم يكن لهم وفاء للديون، أو استدانوا لإصلاح ذات البين ولو أغنياء؛ لقوله
** فيما رواه أبو داود وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري: ((لا تحل الصدقة إلا
لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لغارم، أو رجل اشتراها بماله، أو رجل له
جار مسكين فتصدق على المسكين، فأهدى المسكين للغني، أو لعامل عليها)).
﴿ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي القائمين بالجهاد ولو أغنياء، أو للصرف في
مصالح الجهاد بالإنفاق على المتطوعة وشراء السلاح. وقيل: وفي بناء القناطر
والمصانع.
﴿ وَأَبْنِ السَّبِيلِّ﴾ المسافر المنقطع في سفره عن ماله.

٦١٤
الُ (١٠) - التوثي: ٦٠/٩
﴿فَرِيضَةٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ أي فرض الله ذلك فريضة، ليس لأحد فيها رأي.
المناسبة:
لما لمز المنافقون الرسول ◌َ﴿ في الصدقات، بَيَّن لهم أن مصرف الصدقات
هؤلاء الأصناف الثمانية، فلا يبقى لأحد حق الاعتراض أو النقد والطعن في
الرسول وَله بسبب أخذ الصدقات. فهم مخطئون في اعتراضهم، والرسول وال
محق فيما صنع، والآية قاضية على أطماعهم.
وورود الآية ضروري أيضاً لبيان طريق الحق والعدل في صرف الزكاة، فلا
يجور الأغنياء، وليس لهم أن يتحايلوا في صرفها إلى غير هؤلاء المستحقين،
كما أن الآية تنبيه وتذكير دائم بهؤلاء المحتاجين، وحمل للأغنياء على إعطاء
حقوق الله في أموالهم دون أن يكون لهم منَّة، وحدّ من أطماعهم وحبهم
للمال.
وأما السبب في ذكر هذه الآية بين آيات المنافقين ومكايدهم فللتنبيه على
أنهم ليسوا من مستحقي الزكاة، حسماً لأطماعهم، وإشعاراً باستحقاقهم
الحرمان، وأنهم بعداء عنها وعن مصارفها.
التفسير والبيان:
إنما مصارف الزكاة الواجبة لهؤلاء الأصناف الثمانية، وقد أفادت ﴿إِنَّمَا"
حصر الصدقات في هذه الأصناف، دون غيرهم.
والدليل على أن المراد بالصدقات هنا هو الزكوات الواجبة: أن (أل) في
الصدقات للعهد الذكري، والمعهود هو الصدقات الواجبة المشار إليها في الآية
المتقدمة: ﴿وَمِنْهُم ◌َّن يَلْمِزُكَ فِ الصَّدَقَتِ﴾؛ ولأن الله أثبت الحق في هذه
الصدقات بلام التمليك للأصناف الثمانية، والمملوك لهم إنما هو الزكاة
الواجبة؛ ولأنه ذكر في الآية سهماً للعاملين، والعمال يوظفون لجباية

٦١٥
الُ (١٠) - التَوَتَيْ: ٩ /٦٠
الصدقات الواجبة لا المندوبة، ولأن الصدقات المندوية يجوز صرفها في غير
هذه الأصناف. والزكوات الواجبة هي زكاة النقود والأنعام والزروع
والتجارة.
وقد أوجب الإمام الشافعي صرف جميع الصدقات الواجبة من الفطرة
وزكاة الأموال إلى الأصناف الثمانية؛ لأن الآية أضافت جميع الصدقات إليهم
بلام التمليك، وشرَّكت بينهم بواو التشريك، وحصرت صرفها في الأصناف
الثمانية؛ لأن لفظة ﴿إِنَّمَا﴾ تقتضي الحصر فيهم، فدلت الآية على أن
الصدقات كلها مملوكة لهم، مشتركة بينهم. ولا يجوز الصرف لأقل من ثلاثة
أشخاص من كل صنف؛ لأن أقل الجمع ثلاثة.
وأجاز الأئمة الثلاثة الآخرون صرفها إلى صنف واحد، وإلى شخص واحد
من كل صنف في رأي أبي حنيفة ومالك؛ لأن الآية للتخيير في هذه الأصناف
دون غيرهم، بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوَهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ
لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١/٢] وقوله وسلّ فيما رواه الجماعة عن معاذ بن جبل:
((أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم، وأردها إلى فقرائكم)) والمذكور فقط في
الآية والحديث هو صنف واحد وهم الفقراء.
ودليلهم على جواز الاقتصار على شخص واحد: هو أن (أل) في الجمع
المعرف هنا مجاز في الجنس، أي جنس الصدقة لجنس الفقير، وجنس الفقير
يتحقق بواحد، فتصرف إليه. وتحمل (أل) على المجاز؛ لتعذر حملها على
الحقيقة، وهو استغراق جميع الفقراء، وإعطاء الصدقة لكل فقير.
والسر في التعبير باللام المفيدة للملك في ستة أصناف (وهم الفقراء
والمساكين والعاملون عليها، والمؤلفة قلوبهم، والغارمون، وابن السبيل) أن
أصحابها أشخاص يملكون. وأما التعبير بـ (في) في صنفين (وهما: في الرقاب،
وفي سبيل الله) فلأن المراد الجهة أوالأوصاف والمصالح العامة للمسلمين،

٦١٦
الُ (١٠) - التوتّية: ٦٠/٩
وليس المراد الأشخاص، وللإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم
ممن سبق ذكره، فالتعبير بفي في قوله: ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾ فيه
ترجيح لهذين الصنفين على الرقاب والغارمين.
وأما بيان الأصناف الثمانية فهو فيما يأتي:
اً - الفقراء: وهم المحتاجون غير الأغنياء، الذين لا يجدون كفايتهم.
أَ - المساكين: وهم فئة أخرى من المحتاجين.
وقد اختلف الفقهاء فيمن هو أسوأ حالاً: الفقير أم المسكين، فقال
الشافعية والحنابلة: الفقير أسوأ حالاً من المسكين، فهو المعدم الذي لا يملك
شيئاً من مال ولا كسب يغطي حاجته، وأما المسكين: فهو من يملك أقل من
كفايته. وقال الحنفية والمالكية: المسكين أسوأ حالاً من الفقير.
وليس للخلاف ثمرة في الزكاة، وإنما تظهر فائدة الخلاف في الوصية للفقراء
دون المساكين أو العكس، وفيمن أوصى بشيء للفقراء وبشيء آخر للمساكين.
وأدلة الشافعية والحنابلة هي: أنه تعالى قدم الفقراء؛ لأنهم أحوج من
غيرهم، وأنه تعالى بقوله: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩/١٨]
وصف بالمسكنة من له سفينة، وأنه ◌َ ر كان يتعوذ من الفقر، ويقول فيما رواه
الحاكم عن أبي سعيد الخدري: ((اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً،
واحشرني في زمرة المساكين)) ولا يعقل أن يتعوذ من شيء، ثم يسأل حالاً أسوأ
منه، فالمسكين يملك شيئاً؛ وقد نقل جماعة من أهل اللغة كابن الأنباري: أن
المسكين: الذي له ما يأكل، والفقير: الذي لاشيء له. وقالوا: والفقير: معناه
في كلام العرب: الذي نزعت بعض فقرات ظهره من شدة الفقر، فلا حال
أشدّ من هذه.
وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَ ل ﴾ قال: (ليس

٦١٧
لِلُ (١٠) - التَّوَفِير: ٦٠/٩
المسكين بهذا الطوَّاف الذي يطوف على الناس، فترده اللُّقْمة واللقمتان،
والتمرة والتمرتان، قالوا: فما المسكين يا رسول الله؟ قال: الذي لا يجد غنى
يغنيه، ولا يُفطنَ له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئاً)).
وأدلة الحنفية والمالكية على أن المسكين أسوأ حالاً من الفقير هي: أنه تعالى
[البلد: ١٦/٩٠] أي ألصق جلده
وصفه بقوله: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ
بالتراب لمواراة جسده، مما يدل على شدة حاجته؛ وأن بعض أهل اللغة
كالأصمعي وابن السِّكِّيت قالوا: المسكين: الذي لا شيء له، والفقير: هو
الذي له بعض ما يكفيه؛ وأن المسكين: هو الذي يسكن حيث يحل، مما يدل
على نهاية الضرر والبؤس.
والظاهر أن المنقول في اللغة متعارض، فيعذر الفريقان فيما ذهبا إليه،
وهما متفقان على أنهما صنفان. وروي عن أبي يوسف ومحمد: أنهما صنف
واحد. وفائدة الخلاف: تظهر فيمن أوصى بثلث ماله لفلان وللفقراء
والمساكين؛ فمن قال: هما صنف واحد قال: يكون لفلان نصف الثلث
وللفقراء والمساكين النصف الآخر، ومن جعلهما صنفين قسم الثلث بينهم
أثلاثاً.
حذّ الفقر الذي يجوز معه الأخذ:
أجمع العلماء على أن من له دار وخادم لا يستغني عنهما: أن له أن يأخذ
من الزكاة، وللمعطي أن يعطيه. واختلفوا فيما عدا ذلك. فقال أبو حنيفة:
من معه عشرون ديناراً أو مئتا درهم (نصاب الزكاة) فلا يأخذ من الزكاة.
فاعتبر النصاب، لقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه الجماعة عن معاذ:
((أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم، وأردّها في فقرائكم)).
وقال أحمد والثوري وإسحاق وغيرهم: لا يأخذ من له خمسون درهماً أو
قدرها من الذهب، ولا يعطى منها أكثر من خمسين درهماً إلا أن يكون
... -*

٦١٨
الجُرَءُ (١٠) - التوتير: ٦٠/٩
غارماً؛ لما رواه الدارقطني عن عبد الله بن مسعود عن النبي ◌َّ قال: ((لا تحل
الصدقة لرجل له خمسون درهماً)) لكن في إسناده ضعف.
والمشهور عن مالك: ما رواه ابن القاسم عنه أنه سئل: هل يُعطَى من
الزكاة من له أربعون درهماً؟ قال: نعم. والفقير عند المالكية: هو من ملك من
المال أقل من كفاية السنة.
وقال الشافعي وأبو ثور: من كان قوياً على الكسب والتحرّف، مع قوة
البدن وحسن التصرف، حتى يغنيه ذلك عن الناس، فالصدقة علیه حرام؛ لما
أخرجه أبو داود والترمذي والدارقطني عن عبد الله بن عمر عن النبي وَّل
قال: ((لا تحلّ الصدقة لغني، ولا لذي مِرَّة سوي))(١).
هل تعطى الزكاة للكفار وآل البيت؟
ظاهر الآية وإطلاق اللفظ يقتضي إعطاء الزكاة لمن اتصف بصفة الفقير
والمسكين، سواء في ذلك آل البيت وغيرهم، وسواء الأقارب وغيرهم،
والمسلمون والكفار، ولكن رأى الفقهاء أن الزكاة محصورة في المسلمين، فلا
يجوز دفع شيء منها إلى كافر؛ لما جاء في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله
عنهما أن النبي وَلّ قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: ((أعلمهم أن عليهم صدقة
تؤخذ من أغنيائهم، فتردّ على فقرائهم)».
وأباح أبو حنيفة رحمه الله دفع الفطرة إلى الكفار؛ لأن الحديث مختص
بالزکاة.
وكذلك رأى الفقهاء أنه لا يجوز دفع الزكاة إلى من تلزم المزكي نفقته من
الأقارب (وهم الأصول والفروع) والزوجات؛ لأن الزكاة لدفع الحاجة، ولا
حاجة بهم مع وجود النفقة لهم، ولأنه بالدفع إليهم يجلب لنفسه نفعاً.
(١) المرّة: القوة والشدة، والسوي: الصحيح الأعضاء.

٦١٩
الجُ (١٠) - التَوَتَين: ٦٠/٩
واتفق العلماء على أنه لا يجوز دفع الزكاة إلى هاشمي؛ لما رواه مسلم عن
المطلّب بن ربيعة أن رسول الله وَ لا قال: ((إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ
الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد)».
ولم يجز الشافعي أيضاً دفعها إلى مطلبي؛ لما رواه البخاري عن جبير بن
مُطْعِم أن رسول الله وَّ قال: ((إن بني هاشم وبني المطلب شيء واحد، وشبَّك
بين أصابعه)).
مقدار ما يعطى للفقير والمسكين:
للعلماء آراء متفاوتة في ذلك، فرأى أبو حنيفة: أنه لا يزاد على النصاب،
أي أنه يكره أن يعطى إنسان من الزكاة مئتي درهم.
وذهب مالك إلى أن الأمر راجع إلى الاجتهاد، وأجاز مع الإمام أحمد
إعطاء ما يكفي سنة.
ورأى الشافعي أنه يعطى الفقير والمسكين ما تزول به حاجته؛ لأن المقصود
من الزكاة سدّ الحاجة.
نقل الزكاة لفقراء بلد آخر:
للعلماء رأيان: فذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز نقل الزكاة عن البلد الذي
فيه المال إلى بلد آخر، لكن أجاز المالكية والشافعية والحنابلة نقلها إلى بلد آخر
دون مسافة القصر (٨٩ كم) لأنه في حكم موضع الوجوب. وأوجب الشافعية
نقلها إلى أقرب البلاد لبلد الوجوب إذا لم توجد الأصناف الثمانية في بلد
الزكاة، أو فضل شيء عن بعض منهم.
وأباح ابن القاسم وسُخنون نقلها لبلد آخر لضرورة أو حاجة شديدة؛ فإن

٦٢٠
الجزءُ (١٠) - التَّوَثير: ٦٠/٩
الحاجة إذا نزلت وجب تقديمها على من ليس بمحتاج، ((والمسلم أخو المسلم،
لا يُسْلِمُه(١)، ولا يظلمه)) قال ابن العربي: وهو الصحيح.
وقال الحنفية: يكره تنزيهاً نقل الزكاة من بلد إلى آخر إلا أن ينقلها إلى
قرابته المحتاجين ليسد حاجتهم، أو إلى قوم هم أحوج إليها وأصلح أو أورع
أو أنفع للمسلمين، أو من دار الحرب إلى دار الإسلام، أو إلى طالب علم،
أو إلى الزهاد، أو كانت معجلة قبل تمام الحول، فلا يكره نقلها. ولو نقلها
لغير هذه الأحوال جاز؛ لأن المصرف مطلق الفقراء. والدليل قول معاذ لأهل
اليمن: إيتوني بخميس(٢) أو لَبِيس آخذه منكم مكان الذرة والشعير في
الصدقة، فإنه أيسر عليكم، وأنفع للمهاجرين بالمدينة. وقد دلَّ هذا الحديث
على أمرین:
أحدهما - نقل الزكاة من اليمن إلى المدينة، فيتولى النبي وَلّ قسمتها،
ويُعْضد هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءَ﴾ ولم يفرق بين فقير بلد
وفقير آخر.
والثاني - أخذ القيمة في الزكاة. وهو رأي الحنفية؛ لأن المقصود من الزكاة
سدّ حاجة الفقراء، وأي شيء سدّ حاجتهم جاز، وقال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ
أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةُ﴾ ولم يخص شيئاً من شيء.
ولم يجز الجمهور إخراج القيمة في شيء من الزكاة؛ لأن الحق لله تعالى، وقد
علقه على ما نص عليه، فلا يجوز نقل ذلك إلى غيره، كالأضحية لما علقها على
الأنعام، لم يجز نقلها إلى غيرها، وإنما يجب العلم بالمنصوص عليه.
(١) أي لا يتركه مع من يؤذيه، بل يحميه. والحديث رواه أبو داود عن سويد بن حنظلة.
(٢) الخميس: لفظ مشترك: وهو هنا الثوب طوله خمسة أذرع، وأول من عمله الخمس أحد ملوك
اليمن.