النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
المُرُ (١٠) - التوقي): ٣٤/٩-٣٥
وكنت قريباً، فذلك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمّروا علي حبشياً لسمعت
وأطعت.
والمفسرون أيضاً مختلفون، فعند بعضهم أنها في أهل الكتاب خاصة. وقال
السدّي: هي في أهل القبلة. وقال الضحاك: هي عامة في أهل الكتاب
والمسلمين(١)، وهو الأصح.
المناسبة:
بعد أن وصف الله تعالى رؤساء اليهود والنصارى بالتكبر والتجبر وادعاء
الربوبية، لادعائهم حق التشريع للناس، وصفهم في هذه الآية بالطمع
والحرص على أخذ أموال الناس تحقيراً لشأنهم، فهم ذوو أطماع وحرص
شديد على أخذ أموال الناس بالباطل، وما قاوموا الإسلام إلا خوفاً من
ضياع مصالحهم المادية، فهم يتخذون الدين مطية لنيل الدنيا.
ووصفهم تعالى أيضاً بالبخل الشديد، وحب كنز المال في صناديقهم،
والامتناع عن أداء الواجبات في أموالهم.
والوعيد على الكنز لا يقتصر عليهم في الحقيقة، وإنما يشمل المسلمين
أيضاً، فبعد أن وصفهم الله تعالى بالحرص على أخذ أموال الناس بالباطل،
أردفه بوعيد كل من امتنع عن إخراج الحقوق الواجبة من ماله.
التفسير والبيان:
هذه الآيات بيان لسيرة الأحبار (علماء اليهود) والرهبان (عبَّاد النصارى)
وكشف لقبائحهم، حتى يعرف أهل الكتاب حقيقتهم، ويتبينوا خطأهم في
الاقتداء بهم والثقة فيهم، وليعلم المسلمون سبب عنادهم وبقائهم على
(١) أسباب النزول، المرجع السابق.

٥٤٢
الجزءُ (١٠) - التّوتية: ٣٤/٩-٣٥
كفرهم، ويكون الهدف من الآيات التحذير من التشبه بهم في أقوالهم
وأحوالهم.
يا أيها المؤمنون بالله ورسوله، اعلموا أن كثيراً من الأحبار والرهبان
ليأخذون أموال الناس بالباطل، لا يحق شرعي، ونسب ذلك لكثير منهم لا
لكلهم إحقاقاً للحق، وإنصافاً للقلة الصالحة منهم.
وأمثلة أخذهم الأموال بالباطل كثيرة منها: قبول الرشاوى في الأحكام
القضائية، وأخذ الربا وهو محرم عليهم، وأخذ الهدايا والنذور والأوقاف
المخصصة لقبور الأنبياء والصالحين، وأخذ الأرثوذكس والكاثوليك مقابل
صكوك الغفران التي شاعت في القرون الوسطى، أو في مقابل الدعاء
والشفاعة للمخطئين عند الله. وبيع الفتاوى بالمال لتحليل الحرام وتحريم
الحلال، بقصد إرضاء الملوك والأمراء والحكام، كما قال تعالى في حق
اليهود: ﴿قُلْ مَنْ أَنَزَلَ الْكِتَبَ الَّذِى جَآءَ بِهِ، مُوسَى نُورًا وَهُدَى لِلِنَّاسِّ تَجْعَلُونَهُ
قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوْ أَنْتُمْ وَلَآ ءَابَآؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ﴾
[الأنعام: ٩١/٦] .
ومنها : استباحة اليهود أخذ أموال كل من عداهم ولو بالخيانة أو السرقة،
وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنَطَارٍ يُؤَدِّهِةٍ إِلَيْكَ
كما قال تعالى:
وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنَّهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِةٍ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَابِمَاْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ
قَالُواْ لَيَسَ عَلَيْنَا فِىِ اْأُمِنَِّنَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
[آل عمران: ٧٥/٣].
VO
ثم ذكر الله تعالى نوعاً آخر من قبائح رؤساء الدين اليهودي والنصراني، وهو
صدهم عن سبيل الله، أي وهم مع أكلهم الحرام يصدون الناس ويمنعونهم عن
اتباع الحق، إما بتكذيب رسالة الإسلام، أو التشكيك في مبادئها وأحكامها
في العبادة والعقيدة والمعاملة، أو الطعن في النبي المصطفى وولفر أو في القرآن
الكريم.

٥٤٣
الجزء (١٠) - التَّوتية: ٣٤/٩-٣٥
وبه يتبين أن ما يحرص عليه الناس في الدنيا وهو المال والجاه، شغف به
الأحبار والرهبان، فأخذوا المال بالباطل، ومنعوا الناس من معرفة الله معرفة
صحيحة، وعبادته عبادة قويمة، وأمعنوا في المنع من متابعة محمد وَلته، حفاظاً
على مراكزهم الأدبية ومكاسبهم المادية.
ثم وصفهم الله بصفة أخرى هي البخل الشديد ومنع أداء حقوق الله في
أموالهم، فقال: ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِرُونَ﴾ أي والذين يجمعون المال ويدخرونه
في بيوتهم ولا يخرجون منه الحقوق الواجبة شرعاً كالزكاة، ولا ينفقون منه في
سبيل الله، فيستحقون العذاب الشديد المؤلم في نار جهنم. وهذا الوعيد كما
هو موجه للأحبار يشمل المسلمين أيضاً، فكان المراد به الكل. كما وأن المراد
بالنفقة: الواجب؛ لقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرُهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ولا يتوجه
العذاب إلا على تارك الواجب.
ولا يكون الكنز حراماً إلا إذا لم تؤد زكاته، فإن أديت الزكاة فلا يحرم. قال
مالك عن ابن عمر رضي الله عنه في الكنز: هو المال الذي لا تؤدى زكاته.
وروى الثوري والشافعي وغيرهما عن ابن عمر قال: ما أُدّي زكاته، فليس
بكنز، وإن تحت سبع أرضين؛ وما كان ظاهراً لا تؤدى زكاته فهو كنز. وهذا
مروي أيضاً عن عمر وابن عباس وجابر وأبي هريرة موقوفاً ومرفوعاً. أخرج
ابن عدي والخطيب عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ له: ((أيُّ
مال ◌ُدِیت زکاتُه فلیس بکنز)).
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والحاكم عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه
الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ كبُر ذلك على المسلمين،
وقالوا: ما يستطيع أحد منا ألا يُبقيّ لولده مالاً بعده، فقال عمر: أنا أُفرِّج
عنكم، فانطلق وتبعه ثوبان، فأتى النبي ◌ّ ﴿ فقال: يا نبي الله، إنه قد كثر على
أصحابك هذه الآية، فقال:

٥٤٤
لالُرُ (١٠) - التوثي): ٣٤/٩-٣٥
((إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليُطيِّب بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض
المواريث عن أموال تبقى بعدكم)) فكبَّر عمر رضي الله عنه، ثم قال له النبي
((ألا أخبرك بخير ما يُكنَز؟ المرأة الصالحة التي إذا نظر إليها الرجل سرّته،
وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته)).
وورد في مدح التقلل من الذهب والفضة وذم التكثر منها أحاديث كثيرة
منها ما رواه عبد الرزاق عن علي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ
الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ قال النبيِ نَّه: ((تَبَّاً للذهب والفضة)) فقال الصحابة: يا
رسول الله، فأي المال نتخذ؟ قال: ((لساناً ذاكراً، وقلباً شاكراً، وزوجة تعين
أحدكم علی دینه)).
ثم أخبر الله تعالى عن نوع العذاب الذي يطبق على أصحاب الكنوز، وهو
أنه يحمى على ما جمعوه من الأموال المكنوزة في النار، أي توضع ويوقد عليها
في النار حتى تحمى، ثم يحرق بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، وخصت هذه
الأعضاء بالذكر؛ لأنهم بالوجوه يستقبلون الناس مغتبطين بالثروة، ويعبسون
في وجوه الفقراء كيلا يعطوهم شيئاً، ويتنعمون على جوانبهم وظهورهم في
أوساط النعمة، ثم إن الكي على الوجه أشهر وأشنع، وعلى الجنب والظهر آلم
وأوجع، ويقال لهم من قبل الملائكة: هذا جزاء ما كنزتم، فذوقوا وبال ما
كنزتم لأنفسكم، أي أن ما توهمتم فيه منفعة أصبح ضرراً ووبالاً عليكم،
وهذه آفة المسلمين اليوم حيث إنهم اكتنزوا الأموال الضخمة ولم ينفقوا بعضاً
منها في سبيل الله، أي في صالح الأمة والجماعة المسلمة.
روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله وَ لو قال: ((ما من رجل
لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل له يوم القيامة صفائح من نار، فيكوى بها جنبه
وجبهته وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، ثم
يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار)).

٥٤٥
الُ (١٠) - التَّوَتية: ٩/ ٣٤-٣٥
وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَل: ((من آتاه
الله مالاً، فلم يؤدّ زكاتَه، مُثِّل له يوم القيامة شجاعاً (حنشاً) أقرع له زبيبتان
(نقطتان منتفختان في شدقيه) يُطَوَّقه يوم القيامة، ثم يأخذ بِلَهْزِمَتَيْه - يعني
شدقيه - ثم يقول له: أنا مالُك، أنا كنزك. ثم تلا: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ
اَلْقِيَمَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠/٣].
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات أحكاماً ثلاثة:
اً - تحريم أكل أموال الناس بالباطل، والصد عن سبيل الله تعالى: وهو
المبالغة في منع الناس بجميع وجوه المكر والخداع من اتباع النبي ◌َّر، ومتابعة
الأخيار من العلماء والناس.
أَ - تحريم اكتناز المال دون إنفاقه في سبيل الله، والكنز: المال الذي لا
تؤدی زکاته.
٣ - استحقاق الكانز العقاب الشديد في الآخرة في نار جهنم، مع التوبيخ
والتهكم والهم.
أما الحكم الأول: فهو عام للأحبار والرهبان وغيرهم، إلا أنه كان
مستقبحاً منهم؛ لأنهم يتاجرون في الدين، ويدعون أنهم مقربون إلى الله، وهم
أشد الناس حرصاً على جمع المال وطمعاً فيه، وبخلاً به، فجمعوا بين حب
المال والجاه. وقد سبق بيان مظاهر أكل أموال الناس بالباطل.
وأما الحكم الثاني: فالمراد به على الصحيح أهل الكتاب وغيرهم من
المسلمين؛ لأنه لوأراد أهل الكتاب على التخصيص لقال: ويكنزون، بغير:
{ وَالَّذِينَ﴾ فلما قال: ﴿وَاُلَّذِينَ﴾ فقد استأنف معنى آخر يبيِّن أنه عطف
جملة على جملة، فالذين يكنزون كلام مستأنف، مرفوع على الابتداء، وهذا

٥٤٦
الجُرُ (١٠) - التَّوَتية: ٩/ ٣٤-٣٥
قول أبي ذرّ وغيره، وعلى هذا القول يكون في الآية دليل على أن الكفار
مخاطبون بفروع الشريعة.
أما القولان الآخران فضعيفان، أحدهما - ما نقل عن معاوية أن المراد
بالآية أهل الكتاب، والثاني - ما قاله السدّي وهو أن المراد مانعو الزكاة من
المسلمين.
قال ابن خُوَيْزِ مَنْداد: تضمنت الآية زكاة العين (أي النقود) وهي تجب
بأربعة شروط: حرية، وإسلام، وحول، ونصاب سليم من الدين. والنصاب
مئتا درهم أو عشرون ديناراً (١). أو يكمل نصاب أحدهما من الآخر، وأخرج
ربع العشر (٢٫٥٪) من هذا، وربع العشر من هذا (٢). أما اشتراط الحرية،
فلأن العبد ناقص الملك، وأما اشتراط الإسلام فلأن الزكاة تطهير للمال
والكافر ليس أهلاً للتطهير، وأما اشتراط الحول فلأن النبي وَّ قال فيما رواه
الدارقطني عن أنس بن مالك: ((ليس في المال زكاة حتى يحول عليه الحول))
وأما اشتراط النصاب فلأن النبي ◌َّ قال ما معناه فيما رواه أبو داود عن علي
رضي الله عنه: ((ليس في أقل من مئتي درهم زكاة، وليس في أقل من عشرين
ديناراً زكاة)) ويراعى كمال النصاب عند آخر الحول؛ لاتفاق العلماء على أن
الربح في حكم الأصل، فيه الزكاة.
والصحيح ما نقل عن جماعة من الصحابة السابق ذكرهم: أن ما أُدّي
زكاته فليس بكنز، وكل ما لم تؤد زكاته فهو كنز. ولا يصح ما نقل عن علي
رضي الله عنه: أربعة آلاف فما دونها نفقة، وما كثر فهو كنز وإن أُدِّیت زكاته،
فهو خبر غريب.
(١) الدرهم العربي ٩٧٥.٢ غم، والدينار هو المثقال وهو ٤٥٧.٤ غم.
(٢) تفسير القرطبي: ١٢٤/٨

٥٤٧
الجزء (١٠) - التَّوَتية: ٣٤/٩-٣٥
وأما ما نقل عن أبي ذرّ: ((الكنز: ما فضل عن الحاجة)) فهو رأي خاص
به، ومن شدائده، ومما انفرد به رضي الله عنه، ويحتمل أن يكون ذلك في
وقت شدة الحاجة، ولم يكن في بيت المال ما يكفي المحتاجين، ولا يجوز ادّخار
الذهب والفضة في مثل تلك الحال.
وأما زكاة الحلي فلم يوجبها الجمهور؛ لأنها غير مقصودة للنّماء لكن
بشرط عدم قصد الكنز، وعدم تجاوز القدر المعتاد بين الناس وهو الوسط
الذي لا إسراف فيه، كأن يكون دون الكيلو غرام، كما ذكر الشافعية.
وأوجبها أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي عملاً بعموم الألفاظ في
إيجاب الزكاة في النقدين (الذهب والفضة) ولم يفرّق بين حلي وغيره. قال
الرازي: وهو الصحيح عندنا، لظاهر الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ﴾.
وأما الحكم الثالث: وهو تعذيب الكانز بعذاب أليم، فقد فسر النبي وَل
هذا العذاب - فيما يرويه مسلم - بقوله: ((بشِّرْ الكتَّازين بكي في ظهورهم
يخرج من جنوبهم، وبكي من قِبل أقفائهم يخرج من جباههم».
ثم إن ظاهر الآية تعليق الوعيد بمن كنز، ولم ينفق في سبيل الله، وهذا أي
عدم الإنفاق هو الغالب عرفاً، فلذلك خُص الوعيد به، أما الصحيح فهو أنه
لا بد من توافر صفة الكنز واعتبارها: وهو المال الذي لم تؤدّ زكاته، كما
تبين، فمن أدّى زكاة المال لا يعد كانزاً، ويعد كانزاً أيضاً في رأي المالكية من
لم يكنز ومنع الإنفاق الواجب في سبيل الله، فما فضل عن الحاجة ليس بكنز
إذا كان معداً لسبيل الله.
وقد رتب الله سوء العقوبة والجزاء بقوله: ﴿يَوْمَ يُحْمَى﴾ على حال المعصية
الحاصلة من الكانز المسلم والكافر بتعطيله خاصية المال، وهي إنفاقه في سبيل
الله، فإن كان المكتنز كافراً فهذه بعض عقوباته، وإن كان مؤمناً، فهذه عقوبته
إن لم يغفر له، ويجوز أن يُعفى عنه.

٥٤٨
الجزء (١٠) - التَوتية: ٣٦/٩-٣٧
وتمثيل صورة العذاب في الآية والحديث حقيقة، ففي حال يمثّل المال فيه
ثعباناً، وفي حال يكون صفائح من نار، وفي حال يكون رَضْفاً (حجارة محماة)
فتتغير الصفات والجسمية واحدة، فالشجاع الأقرع (الحنش) الذي يمثل به
المال جسماً، والمال جسم. وخص الشجاع بالذكر؛ لأنه العدو الثاني للناس،
والشجاع من الحيات: هو الحية الذكر الذي يواثِب الفارس والراجل، ويقوم
على ذنبه وربما بلغ الفارس، ويكون في الصحارى.
والأولى لطالب الدِّين ألا يجمع المال الكثير، وإن لم يمنع عنه في ظاهر
الشرع؛ لأنه أقرب للتقوى، ولأن تكثير المال سبب لتكثير الحرص في
الطلب، والحرص متعب للروح والنفس والقلب وضرره شديد على النفس،
ولأن كسب المال شاق شديد، وحفظه بعد حصوله أشد وأشق وأصعب،
ولأن كثرة المال والجاه تورث الطغيان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اُلْإِنسَنَ لَطْفَىٌّ، أَن
رَءَاهُ اُسْتَغْنَى
(٧)) [العلق: ٦/٩٦-٧] ولأنه تعالى أوجب الزكاة بقصد تنقيص
المال، ولو كان تكثيره فضيلة لما سعى الشرع في تنقيصه. وكذلك خيرية اليد
العليا؛ لأنها تؤدي إلى نقصان المال.
عدد الشهور في حكم الله
وقتال المشركين كافة وتحريم النسيء
﴿إِنَّ عِدَةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِ كِتَبِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ
الشَمَوَتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ
أَنفُسَكُمْ وَقَائِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً كَمَا يُقَتِلُونَكُمْ كَافَّةٌ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ
إِنَّمَا النَّسِىِّءُ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ يُضَلُ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ
مَعَ الْمُنَّقِينَ
يُحِلُونَهُ عَمَا وَيُحَرِمُونَهُ عَمَا لِيُوَاطِئُواْ عِدَةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُواْ مَا حَزَّمَ اللَّهَ
زُيْنَ لَهُمْ سُوَهُ أَعْمَلِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى اٌلْقَوْمَ اُلْكَفِرِينَ
١

٥٤٩
الُرُ (١٠) - التَّوَفي: ٣٦/٩-٣٧
القراءات:
﴿ السَّيُِّ﴾ :
وقرأ ورش (النسيُّ).
﴿يُضَلُ» :
قرئ:
١- (يُضَل) وهي قراءة: حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (يَضِل) وهي قراءة الباقين.
﴿سُوَّهُ أَعْمَلِهِمْ﴾:
قرأ بإبدال الهمزة الثانية واواً خالصة وصلاً: نافع، وابن كثير، وأبو
عمرو.
الإعراب:
﴿أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ اثنا عشر: خبر ﴿إِنَّ﴾، و﴿شَهْرًا﴾: منصوب على
التمييز. ﴿فِي كِتَبِ اللَّهِ﴾ ﴿فِ﴾: متعلقة بمحذوف، وهي صفة لاثني
عشر، وتقديره: إن عدة الشهور اثنا عشر شهراً كائنةٌ في كتاب الله. ولا يجوز
أن تكون متعلقة بـ ﴿عِدَّةَ﴾ لأنه يؤدي إلى الفصل بين الصلة والموصول
بالخبر، وهو ﴿أَثْنَا عَشَرَ﴾.
و﴿كِتَبٍ﴾: مصدر، أي كتابة الله، ولا يجوز أن يكون اسماً للقرآن
ولا لغيره من الكتب؛ لأن الأسماء التي تدل على الأعيان لا تعمل في
الظروف؛ لأنها ليس فيها معنى الفعل. و﴿يَوْمَ﴾: منصوب بـ ﴿كِتَبٍ﴾
والتقدير: فيما كتب الله يوم خلق السماوات والأرض، ولا يجوز تعلقه بـ
(عِدَّةَ﴾ لما قدمنا في ﴿فِي كِتَبِ اللَّهِ﴾.

٥٥٠
الُرُ (١٠) - التَّوَتية: ٣٦/٩-٣٧
والضمير في ﴿مِنْهَا﴾ يعود إلى الاثني عشر. والضمير في ﴿فِيهِنَّ﴾ يعود إلى
الأربعة؛ لأن (ها) تكون لجمع الكثرة، وهن: لجمع القلة.
﴿ وَقَائِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً﴾ ﴿كَفَّةً﴾: منصوب على المصدر في موضع
الجار، كقولهم: عافاه الله عافية، ورأيتهم عامةً وخاصةً. و﴿ كَفَّةً﴾: إما
حال من الفاعل أي قاتلوا المشركين حال كونكم جميعاً متعاونين غير متخاذلين
كما يفعلون ذلك معكم تماماً، وإما من المفعول، أي قاتلوا المشركين حال
كونهم جميعاً دون تفرقة بين فئة وأخرى.
لِيُوَاطِئُواْ﴾ اللام متعلقة بالفعل الثاني، وهو: ﴿وَيُحَرِّمُونَهُ﴾ أو بما دلَّ
عليه مجموع الفعلين السابقين.
البلاغة:
﴿ يُحِلُونَهُ عَامًا وَتُحَرِمُونَهُ عَامًا﴾: بين يحلون ويحرمون طباق. ﴿ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ
اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ﴾ وضع الظاهر وهو ﴿اٌلْمُتَّقِينَ﴾ موضع المضمر (أي معكم)
للثناء عليهم بالتقوى ولحث القاصرين عليها، وتبيان أنها سبب الفوز
والفلاح.
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّ عِدَةَ الشُّهُورِ﴾ أي عددها المكون للسنة، والشهور: جمع شهر:
وهو اسم للهلال سميت به الأيام . ﴿فِي كِتَبِ اللَّهِ﴾ مصدر، وليس اسماً
للقرآن ولا للوح المحفوظ؛ لأنه نصب كلمة ﴿يَوْمَ﴾. ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾
أي من الشهور أربعة محرمة وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب،
والحرِم: جمع حرام: من الحرمة بمعني التعظيم. ﴿ ذَلِكَ﴾ أي تحريمها. ﴿الدِّينُ
اَلْقِيِّمُ﴾ ﴿اٌلِدِينُ﴾: الشرع، و﴿ اَلْقَيِّمُ﴾: المستقيم الذي لا عوج فيه . ﴿فِهِنَّ﴾
أي في الأشهر الحرم. ﴿أَفُسَكُمْ﴾ أي لا تظلموا في الأشهر الحرم أنفسكم
بالمعاصي فإنها فيها أعظم وزراً.

٥٥١
الُ (١٠) - التَّوَية: ٣٦/٩-٣٧
كَفَّةً﴾ أي جميعاً، في كل الشهور . ﴿مَعَ اُلْمُنَّقِينَ﴾ بالعون والنصر.
﴿الَِّىُّ﴾ أي تأخير حرمة شهر إلى آخر، كما كانت الجاهلية تفعله من تأخير
حرمة المحرم إذا هلّ، وهم في القتال، إلى صفر. و﴿النَِّىُّ﴾: من نسأ الشيء
ينسؤه نسأ ومنسأة: إذا أخره عن موضعه. ﴿زِيَادَّةٌ فِى الْكُفْرِ﴾ أي زيادة
لكفرهم بحكم الله فيه. ﴿يُحِلُونَهُ﴾ أي النسيء. ﴿لِيُوَاِئُواْ﴾ يوافقوا بتحليل
شهر وتحريم آخر بدله. ﴿عِدَّةَ﴾ عدد. ﴿مَا حَرَّمَ اَللَّهُ﴾ من الأشهر، فلا
يزيدوا على تجريم أربعة، ولا ينقصوا، ولا ينظروا إلى أعيانها . ﴿زُيِّنَ لَهُمْ
سُوَءُ أَعْمَلِهِمْ﴾ فظنوه حسناً.
سبب النزول:
نزول الآية (٣٧):
﴿إِنَّمَا النَّسيّءُ﴾: أخرج ابن جرير الطبري عن أبي مالك قال: كانوا
يجعلون السنة ثلاثة عشر شهراً، فيجعلون المحرم صفر، فيستحلون فيه
المحرمات، فأنزل الله: ﴿إِنَّمَا الشَّيُِّ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ﴾.
المناسبة:
الآيات عود للكلام عن المشركين في تعداد قبائحهم: وهو إقدامهم على
السعي في تغييرهم أحكام الله، وذلك مثل فعل اليهود والنصارى الذين غيَّروا
حكم الله، فكان الكلام مناسباً عن حكم قتالهم ومعاملتهم، ثم العود إلى
أحكام المشركين، فصار هناك تشابه بين المشركين وبين اليهود والنصارى في
تعاطي أسباب القتال، وفي إيجاب القتال.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن أشهر السنة، فيقول: إن عدة الشهور في علمه تعالى
وحكمه، وفيما كتبه الله وأوجب الأخذ به، وأثبته في نظام دورة القمر، وفي

٥٥٢
لُرُ (١٠) - التَوَتِير: ٣٦/٩-٣٧
اليوم الذي خلق الله فيه السماوات والأرض اثنا عشر شهراً، على هذا النحو
المألوف اليوم.
والمراد: الأشهر القمرية؛ لأن الحساب بها يسير، يعتمد على رؤية القمر،
من كل الناس المتعلمين والعوام.
والمراد بقوله: ﴿فِي كِتَبِ اللَّهِ﴾، أي في كتابته ونظامه وحكمه
التشريعي على وفق السنن الإلهية في نظام الكون، أو فيما أثبته وأوجبه من
حكمه ورآه حكمة وصواباً. وقيل: في اللوح المحفوظ.
والمراد بقوله: ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾: الوقت الذي تم فيه
خلقهما، وهو ستة أيام من أيام التكوين والإيجاد.
مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرٌُّ﴾: ثلاثة سرد: ذو القَعْدة وذو الحجة والمحرم،
وواحد فرد وهو رجب، أي ذات حرمة وتعظيم تمتاز بها عن بقية الشهور،
فقد ورد أن المعصية فيها أشد عقاباً، وأن الطاعة فيها أعظم ثواباً، ولله تعالى
أن يعظم بعض الأزمنة والأمكنة كما يشاء، فقد فضل البلد الحرام عن سائر
البلاد، وميّز يوم الجمعة ويوم عرفة وعشر ذي الحجة عن سائر الأيام، وميز
شهر رمضان وأشهر الحج عن بقية الشهور كما قال تعالى: ﴿اُلْحَجُّ أَشْهُرٌ
مَّعْلُومَتُ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَ الْحَجَّ فَلَ رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٧/٢]، وإن
كان ذلك محرماً في سائر الشهور، وميز بعض الليالي كليلة القدر، وبعض
الأشخاص بالرسالة أو النبوة.
وكان القتال محرماً في هذه الأشهر الأربعة على لسان إبراهيم وإسماعيل
عليهما السلام، واستمر العرب على ذلك، ثم نسخت حرمتها؛ عن عطاء
الخراساني رضي الله عنه قال: أحلَّت القتال في الأشهر الحرم: ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ
٠٠٠
وَرَسُولِهِ﴾﴾.

٥٥٣
اِلُزْءُ (١٠) - التَّوَكَيِ: ٣٦/٩-٣٧
وجاءت السنة مبينة حرمة الأشهر وثباتها في وقتها الصحيح، روى الإمام
أحمد والبخاري في التفسير عن أبي بكرة أن النبي ◌ُّ خطب في حجة الوداع،
فقال: ((ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض،
السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم: ثلاثة متواليات: ذو القَعْدة، وذو
الحجة، والمحرَّم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان)) أي رجعت الأشهر
إلى ما كانت عليه، وعاد الحج في ذي الحجة، وبطل النسيء الذي كان في
الجاهلية. وقد وافقت حجة الوداع ذا الحجة، وكانت حجة أبي بكر رضي الله
عنه قبلها في ذي القعدة(١).
ثم قال: ((أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه
سيسميه بغير اسمه، قال: أليس يومَ النحر؟ قلنا: بلى، ثم قال: أي شهر هذا؟
قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس
ذا الحجة؟ قلنا: بلى، ثم قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت
حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليست البلدة؟ قلنا: بلى؛ قال: فإن
دماءكم وأموالكم - وأحسبه قال: وأعراضكم - عليكم حرام كحرمة يومكم
هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا.
وستَلْقَوْن ربكم فيسألكم عن أعمالكم؛ ألا لا ترجعوا بعدي ضُلالاً
يضرب بعضكم رقاب بعض؛ ألا هل بلغت؟ ألا ليبلِّغ الشاهد منكم
الغائب، فلعلَّ من يُبلَّغه يكون أوعى له من بعض من سمعه)).
ثم قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي إن تحريم الأشهر الأربعة هو
الدين المستقيم دين إبراهيم وإسماعيل، أي الحكم والشرع الذي لا التواء فيه
ولا اعوجاج، فلا يجوز نقل تحريم المحرم مثلاً إلى صفر، خلافاً لما كان يفعل
أهل الجاهلية من تقديم بعض أسماء الشهور وتأخير بعضها.
(١) الكشاف: ٣٨/٢

٥٥٤
الُرُ (١٠) - التوتّية: ٣٦/٩-٣٧
وكانت العرب قد تمسكت بتعظيم هذه الأشهر الحرم وراثة عن إبراهيم
وإسماعيل، ويحرمون القتال فيها، حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو أخيه، لم
يتعرض له. وسموا رجباً: الأصم، حتى أحدث النسيء، فغيروا وبدلوا وأخلّ
أهل الجاهلية بحرمة هذه الأشهر.
﴿فَلَا تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ أي لا تظلموا في الأشهر الحرم أنفسكم،
باستحلال حرامها، فإن الله عظّمها، وإياكم أن تعملوا النسيء فتنقلوا الحج
من شهره إلى شهر آخر، وتغيروا حكم الله تعالى.
والمراد النهي عن جميع المعاصي بسبب ما لهذه الأشهر من تعظيم الثواب
والعقاب فيها، كما قال تعالى: ﴿اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ
اَلْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا ◌ِدَالَ فِىِ الْحَجْ﴾ [البقرة: ١٩٧/٢].
وهذه الأمور وإن كانت حراماً في غير هذه الأشهر، إلا أنه أكد الله تعالى
فيها المنع، زيادة في شرفها.
ثم أبان الله تعالى حكم قتال المشركين بنحو عامٍ في كل زمان، فقال:
﴿ وَقَائِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً كَمَا يُقَتِلُونَكُمْ كَافَّةٌ﴾ أي قاتلوا المشركين
جميعاً أي مجتمعينٍ متعاونين، كما يقاتلونكم جميعاً مجتمعين متعاونين، وهذا
على أن ﴿كَافَّةٌ﴾ حال من الفاعل، ويصح كونها حالاً من المفعول، أي
قاتلوا المشركين حال كونهم جميعاً، كما يقاتلونكم جميعاً من غير تفرقة بين فئة
وأخرى.
وظاهر الآية: إباحة قتالهم في جميع الأشهر، حتى الأشهر الحرم، فيكون
القتال فيها مباحاً، ويؤيده قول عطاء الخراساني المتقدم: أحلَّت القتال في
الأشهر الحرم: ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي ما فيها من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا
اُنْسَلَخَ اٌلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَأَقْتُلُوْ اُلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وقوله: ﴿وَقَئِلُواْ
الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً كَمَا يُقَتِلُونَكُمْ كَافَّةٌ﴾.

٥٥٥
الجزءُ (١٠) - التَّوَثير: ٣٦/٩-٣٧
فهذه الآية تأذن للمؤمنين بقتال المشركين في الشهر الحرام، إذا كانت
البداءة منهم، كما قال تعالى: ﴿الشَّهُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْخَرَامِ وَالْحُرُمَثُ قِصَاصٌُ﴾
[البقرة: ١٩٤/٢] وقال تعالى: ﴿وَلَا نُقَائِلُوهُمْ عِندَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَدِلُوكُمْ فِيَّةٍ
فَإِن قَثَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١/٢].
وحاصر النبي ◌َّي أهل الطائف في شوال، واستمر الحصار إلى أن دخل
الشهر الحرام، وهو بعض ذي القعدة.
وأما آيات البقرة الدالة على تحريم القتال في الأشهر الحرم [١٩٤، ٢١٧]
وآية المائدة [٢] فهي منسوخة بآيات التوبة؛ لنزولها بعد سورة البقرة بسنتين.
وهذا القول بإباحة القتال في الأشهر الحرم هو المعتمد شرعاً.
ويحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿وَقَئِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً﴾ منقطعاً عما
قبله وأنه حكم مستأنف، للتحريض على قتال المشركين، أي كما يجتمعون
لحربكم إذا حاربوكم، فاجتمعوا أنتم أيضاً لهم إذا حاربتموهم، وقاتلوهم
بنظير ما يفعلون.
ثم قال الله تعالى مطمئناً المؤمنين بالنصر: ﴿ وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ﴾
أي إن الله تعالى مؤيد وناصر الأولياء الأتقياء الذين يتخذون وقاية من مخالفة
أمره، وهو معهم بالمعونة والنصر فيما يقومون به من أعمال القتال وغيره.
ثم أبان الله تعالى سبب استحقاق المشركين القتال والذم العظيم وهو
تصرفهم في شرع الله بآرائهم الفاسدة، وتغييرهم أحكام الله بأهوائهم
الخاصة، وتحليلهم ما حرم الله، وتحريمهم ما أحلَّ الله، وذلك بالتلاعب في
الزمان والوقت بلجوئهم إلى كبس السنة القمرية لتساوي السنة الشمسية،
وعملهم النسيء في الأشهر الحرم؛ لأنه كان يشق عليهم ترك القتال وشن
الغارات ثلاثة أشهر متواليات.

٥٥٦
لُرُءُ (١٠) - التَوَثِيرً: ٣٦/٩-٣٧
أما كبس السنة القمرية: فهو تكميل النقص الذي في السنة القمرية لتساوي
السنة الشمسية، فيزيدون كل ثلاث سنين شهراً في العام، وذلك لأن السنة
القمرية تنقص عن السنة الشمسية أحد عشر يوماً تقريباً، إذ هي (٣٥٤+٣٦٦
/ ١٠٠٠ يوماً) فتنتقل الشهور العربية من فصل إلى فصل، فيكملون النقص
بأن يزيدوا في كل ثلاث سنوات شهراً، لتكون السنة قمرية شمسية، وليجعلوا
وقت الحج في زمن معين وفقاً لمصلحتهم، لينتفعوا بتجاراتهم، فكانوا إذا
حضروا للحج حضروا للتجارة، وربما يكون الوقت غير مناسب لحضور
التجارات من أنحاء البلاد، فيختل بذلك نظام تجارتهم؛ إذ قد يكون الحج مرة
في الشتاء، ومرة في الصيف، فيشق ذلك على العرب أيام الجاهلية، فاختاروا
للحج وقتاً معيناً، وثبّتوا السنة القمرية كالسنة الشمسية لتنتظم علاقاتهم
التجارية مع غيرهم من الشعوب الأخرى، مع احتفاظهم بمراعاة نظام السنة
القمرية في المعاملات والعبادات الذي توارثوه عن إبراهيم وإسماعيل عليهما
السلام.
وقد تعلموا كبس السنة من اليهود والنصارى الذين يعتمدون على السنة
الشمسية، وهي (٣٦٥ + ١ / ٤ يوماً) وفي كل أربع سنوات يتكون من الكسر
عندهم يوم كامل، فتصبح السنة (٣٦٦ يوماً) وفي كل مئة وعشرين سنة تزيد
السنة شهراً كاملاً، فتكون ثلاثة عشر شهراً، وتسمى كبيسة. أما في عصرنا
فيقتصر على زيادة يوم في آخر شهر شباط (فبراير) كل أربع سنوات.
وأما النسيء في الشهور: فهو تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر ليس له تلك
الجرمة، بسبب أنه كان يشق عليهم أداء عباداتهم والقيام بتجاراتهم بالسنة
القمرية، حيث كان حجهم يقع مرة في الشتاء، ومرة في الصيف، فيتألمون من
مشقة الصيف، ولا ينتفعون بتجاراتهم التي يصطحبونها في موسم الحج، كما
أنه كان يشق ترك القتال وشن الغارات ثلاثة أشهر متوالية، فتركوا اعتبار
السنة القمرية، واعتمدوا على السنة الشمسية، ولزيادتها عن السنة القمرية

٥٥٧
الجُرعُ (١٠) - التَوتية: ٣٦/٩-٣٧
احتاجوا إلى الكبس، كما بينت، فنقلوا حرمة شهر المحرم إلى صفر لتبقى
الأشهر الحرم أربعة ليوافقوا عدد ما حرمه الله في الاسم دون الحقيقة، اكتفاء
بمجرد العدد، ونقلوا الحج من شهر إلى آخر، وإذا كانوا في حرب ودخل شهر
رجب مثلاً قالوا: نسميه رمضان، ونطلق اسم رمضان على رجب.
وذلك لأن دورة القمر الشهرية: (٨.٢ ثانية + ٤٤ دقيقة + ١٢ ساعة +
٢٩ يوماً) فتكون السنة القمرية أنقص من السنة الشمسية.
وأول من عمل النسيء: نعيم بن ثعلبة الكناني.
وكان يفعل النسيء بعده رجل كبير من كنانة يقال له (القلَّمس) يقول في
أيام منى حيث يجتمع الحجيج: أنا الذي لا يردُّ لي قضاء، فيقولون: صدقتَ،
فأخّر عنا حرمة المحرم، واجعلها في صفر؛ فيحل لهم المحرم، ويحرم عليهم
صفراً، ثم يجيء العام المقبل بعده، فيقول مثل مقالته: إنا قد حرمنا صفر
وأخرنا المحرم، ثم صاروا ينسئون غير المحرم، فتتغير حقائق الشهور كلها،
حتى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم بالتحريم، وحرموا أربعة أشهر من شهور
العام اكتفاء بمجرد العدد.
لذا ذم الله تعالى تصرفهم وتلاعبهم بالشهور القمرية، فقال: ﴿إِنَّمَا النَِّىِّءُ
زِيَادَةٌ فِىِ الْكُفْرِ﴾ أي إن تأخير حرمة شهر إلى آخر، وقلب وضع التحريم
والتحليل زيادة في أصل كفرهم القائم على الشرك وعبادة الأصنام، وتغيير لملة
إبراهيم بسوء التأويل، ولأن الكافر كلما أحدث معصية ازداد كفراً.
﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي يوقع النسيء الذين كفروا في ضلال زيادة
على ضلالهم القديم. وعلى قراءة (يُضِلّ) المبني للمعلوم معناه: يضلهم الله،
فيحلون الشهر المؤخر عاماً، ويحرمونه عاماً.
﴿ لِيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أي ليوافقوا في مجرد العدد الأربعة الأشهر
الحرم.

٥٥٨
الجُزءُ (١٠) - التَّوَثية: ٣٦/٩-٣٧
﴿فَيُحِلُواْ مَا حَزَمَ اَللَّهُ﴾ أي فيحلوا بهذه المواطأة ما حرمه الله تعالى من
القتال، بتأخير هذا الشهر الحرام.
﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَلِهِمْ﴾ أي حسَّن الشيطان لهم أعمالهم السيئة،
فظنوا ما كان سيئاً حسناً، وتوهموا شبهتهم الباطلة أنها صواب.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ﴾ أي لا يوفق ولا يرشد القوم الضالين
الذين يختارون السيئات، إلى الحكمة والخير والصواب وفهم الحكمة من
أحكام الشرع، وإنما يخذلهم ولا يلطف بهم؛ لأن الهداية المؤدية إلى السعادة في
الدارين من آثار الإيمان والعمل الصالح، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِمَنِهِمْ﴾ [يونس: ٩/١٠].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيتان على الأحكام التالية:
اً - إن عدد الشهور القمرية في علم الله تعالى وفي حكمه وإيجابه في اللوح
المحفوظ يوم خلق السماوات والأرض اثنا عشر شهراً، فإنه تعالى وضع هذه
الشهور وسماها بأسمائها على ما رتّبها عليه، يوم خلق السماوات والأرض،
على وفق سنته الإلهية ونظامه البديع المتقن، وأنزل ذلك على أنبيائه في كتبه
المنزلة. وحكمها باقٍ على ما كانت عليه، لم يُزلها عن ترتيبها تغيير المشركين
لأسمائها.
والمقصود من ذلك اتباعُ أمر الله تعالى، ورفضُ ما كان عليه أهل الجاهلية،
من تأخير أسماء الشهور وتقديمها، وتعليق الأحكام على الأسماء التي رتّبوها
عليه.
اً - الواجب في شريعتنا الاعتماد على السنة القمرية في العبادات كالصوم
والحج وغيرها، كما عرفتها العرب، دون السنة الشمسية أو العبرية أو

٥٥٩
الجزء (١٠) - التوثي: ٣٦/٩-٣٧
القبطية وغيرها، وإن لم تزد على اثني عشر شهراً. وذلك بدليل الآية التي معنا،
حيث ذكر فيها: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرٌُ﴾ والأربعة الحرم من الشهور القمرية
وهي (ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب) وقال النبي وَّل عن رجب:
(الذي بين جمادى وشعبان)) وبدليل قوله تعالى: ﴿هُوَ أَلَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ
ضِيَاءً وَاُلْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِنَعْلَمُواْ عَدَدَ اَلْسِنِينَ وَاَلْحِسَابَّ﴾ [يونس: ١٠/
٥] فجعل تقدير القمر بالمنازل علة لمعرفة السنوات والحساب، وهو إنما يصحّ
بالاعتماد على دورة القمر.
وبدليل قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَقِيْثُ لِلنَّاسِ وَالْحَيْجُّ)
[البقرة: ١٨٩/٢] وهو يدل على السنة القمرية واعتبارها في الصيام والزكاة
والحج والأعياد والمعاملات وأحكامها.
◌َّ - الإسلام دين الحق والصواب والاستقامة؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ
الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي ذلك الشرع والطاعة، والقيِّم أي القائم المستقيم. وقيل:
ذلك الحساب الصحيح والعدد المستوقَى، وقيل: ذلك القضاء، وقيل: الحق.
٤ - تحريم ظلم النفس بارتكاب المعاصي والذنوب في جميع السنة؛ لقوله
تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ على قول ابن عباس: راجع إلى جميع
الشهور. وقال الأكثرون: راجع إلى الأشهر الحرم خاصة؛ لأنه إليها أقرب،
ولها مزية في تعظيم الظلم؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى
اٌلْحَجْ﴾ وهذا تعظيم لحرمتها وتأكيد لامتيازها، لا أن الظلم في غير هذه
الأيام جائز، وإنما هو حرام في كل الأيام والشهور والسنين، وإذا عظم الله
تعالى شيئاً عظّمه من جهتين، وصارت حرمته متعددة، فيضاعف فيه العقاب
بالعمل السَّيِّئ، كما يضاعف الثواب بالعمل الصالح، وذلك ثابت في البلد
الحرام.
وقيل: إن الظلم هو إباحة القتال فيها، ثم نسخ بإباحة القتال في جميع

٥٦٠
لِلُزُجُ (١٠) - التوثي: ٣٦/٩-٣٧
الشهور، كما قال قتادة وعطاء الخراساني والزهري وسفيان الثوري، وهو
الصحيح المعتمد؛ لأن النبي ◌َّر غزا هوازن بحنين وثقيفاً بالطائف،
وحاصرهم في شوال وبعض ذي القَعْدة.
ونظراً لتعظيم حرمة الشهر الحرام، قال الشافعي فيمن قتل فيه شخصاً
خطأ: تغلظ عليه الدية، وقال: تغلظ الدية في النفس وفي الجراح في الشهر
الحرام وفي البلد الحرام وذوي الرحم. وقال الأوزاعي: القتل في الشهر الحرام
تُغلَّظ فيه الدية فيما بلغنا، وفي الحرم، فتجعل دية وثلثاً.
وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما وابن أبي ليلى: القتل في الحلّ واْخَرَم
سواء، وفي الشهر الحرام وغيره سواء، قال القرطبي: وهو الصحيح؛ لأن
النبي وَّرِ سنَّ الديات، ولم يذكر فيها الحرم ولا الشهر الحرام. وأجمعوا على أن
الكفارة على من قتل خطأ في الشهر الحرام وغيره سواء، فالقياس أن تكون
الدية كذلك.
ه - تعظيم حرمة الأشهر الحرم: خصَّ الله تعالى الأربعة الأشهر بالذكر،
ونهى عن الظلم فيها تشريفاً لها، وإن كان منهياً عنه في كل الزمان، كما قال:
﴿فَلَ رَفَتَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِ اٌلْحَجِّ﴾ وهذا رأي أكثر المفسرين، أي
لا تظلموا في الأربعة الأشهر أنفسكم. وروي عن ابن عباس قال: ﴿فَلاَ
تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَفُسَكُمْ﴾ في الاثني عشر.
٦ - الأمر بقتال المشركين كافة، قال ابن العربي: يعني محيطين بهم من كل
جهة وحالة، فمنعهم ذلك من الاسترسال في القتال(١). وهذا ترغيب في قتالهم
وتحريض، معاملة بالمثل، وتوحيداً للصف وجمعاً للكلمة.
وقال بعض العلماء: كان الغرض بهذه الآية قد توجّه على الأعيان (أي أن
القتال فرض عين) ثم نسخ ذلك، وجعل فرض كفاية.
(١) أحكام القرآن: ٩٢٨/٢
-