النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
الُرُ (١٠) - التَّوَتي): ٢٩/٩
كما حكى ابن حجر عن الجمهور، بدليل رواية أحمد: ((أخرجوا اليهود من
الحجاز)) ولفعل عمر رضي الله عنه فيما رواه البخاري والبيهقي، حيث أجلى
اليهود والنصارى من الحجاز فقط دون جزيرة العرب، وأقرهم في اليمن مع
أنها من جزيرة العرب.
ولا يجوز عند المالكية لغير المسلم استيطان جزيرة العرب (الحجاز واليمن)
لعموم الحديث السابق عن ابن عمر، وحديث عائشة عند أحمد: ((لا يترك
بجزيرة العرب دينان)) وما أخرجه مالك في الموطأ عن الزهري مرسلاً: ((لا
يجتمع دينان في جزيرة العرب)).
الثالث - سائر بلاد الإسلام: يجوز للكافر أن يقيم فيها بأمان، ولكن لا
يدخل المساجد إلا بإذن المسلم، فيجوز للكافر دخول المسجد واللبث فيه،
وإن كان جنباً، فإن الكفار كانوا يدخلون مسجده وَل#، ولا شك أن فيهم
الجنب، وقد ترجم البخاري: دخول المشرك المسجد(١).
قتال أهل الكتاب
﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَنَّمَ
اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حَتَّى يُعْطُواْ
٢٩
اُلْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ
الإعراب:
﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ بيان للذين الأولى، وهي بدل.
﴿عَنْ يَدٍ﴾ في موضع حال.
(١) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي: ص ٣١٨

٥٢٢
لُعُ (١٠) - التَّوَتية: ٢٩/٩
المفردات اللغوية:
﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِ﴾ لا يؤمنون إيماناً صحيحاً بالله لأن
اليهود جعلوا عزيراً ابن الله، والنصارى جعلوا عيسى ابن الله، وهو الله، ولا
يؤمنون باليوم الآخر على نحو صحيح؛ لأن النصارى يجعلون الدينونة
والحساب لعيسى لا لله تعالى، ثم إنهم جميعاً كفروا بمحمد ◌ّليل الذي أمروا في
كتبهم بالإيمان به، فلم يبق لهم إيمان صحيح بأحد من الرسل ولا بما جاؤوا
به، وإنما يتبعون أهواءهم فيما هم فيه، ولا يتبعون شرع الله ودينه ﴿مَا حَرَّمَ
اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ كالخمر والربا ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ الثابت الناسخ لغيره
من الأديان، وهو دين الإسلام، يقال: دان بكذا: اتخذه ديناً وعقيدة ﴿مِنَ
اَلَّذِينَ﴾ بيان للذين الأولى. ﴿أُوْتُواْ الْكِتَبَ﴾ أي اليهود والنصارى ﴿حَتَّى
يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ يلتزموا أداء الجزية، وهي ضريبة مفروضة على الأشخاص
القادرين، لا على الأرض، كضرائب الدخل اليوم ﴿عَنْ يَدٍ﴾ سعة وقدرة
﴿وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ الصغار: التزام أحكام الإسلام وسيادته.
سبب النزول:
روى ابن المنذر عن الزهري قال: أنزلت في كفار قريش والعرب:
﴿وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الذِينُ كُلُّمُ لِلَّهِ﴾ ونزلت في
أهل الكتاب: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ الآية،
فكان أول من أعطى الجزية أهل نجران قبل وفاته عليه الصلاة والسلام.
وروى ابن أبي شيبة وأبو الشيخ ابن حيان الأنصاري عن الحسن البصري
قال: قاتل رسول الله ﴿ أهل هذه الجزيرة من العرب على الإسلام، لم يقبل
منهم غيره، وكان أفضل الجهاد، وكان بعده جهاد على هذه الآية في شأن أهل
الكتاب: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى حكم المشركين في إظهار البراءة من عهودهم، وفي

٥٢٣
المُ (١٠) - التَّوَتّيةِ): ٢٩/٩
وجوب مقاتلتهم، وإبعادهم عن المسجد الحرام، أعقبه ببيان حكم أهل
الكتاب: وهو أن يقاتلوا إلى أن يعطوا الجزية. وفي ذلك توطئة للكلام عن
غزوة تبوك مع الروم من أهل الكتاب، والخروج إليها في زمن العُشرة
والقيظ، حين طابت الثمار واشتد الحر، وما يتعلق بها من فضيحة المنافقين،
وتمحيص المؤمنين.
التفسير والبيان:
لما كفر اليهود والنصارى بمحمد بَله، لم يبق لهم إيمان صحيح، ولا شرع
ولا دين، وإنما يتبعون أهواءهم؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين بأصل دينهم،
لقادهم ذلك إلى الإيمان برسالة الإسلام وبنبوة محمد ◌ّية؛ لأن جميع الأنبياء
بشروا به، وأمروا باتباعه، ولم يعد ينفعهم إيمانهم ببقية الأنبياء؛ لأن الإسلام
من عند الله، وختمت به الديانات، فلم يكف الإيمان ببعض دون بعض، ما
داموا قد كفروا بخاتم النبيين وأشرف المرسلين.
لهذا أمر الله بمقاتلة أهل الكتاب، إذا كانوا موصوفين بصفات أربع
وهي :
ا - إنهم لا يؤمنون بالله: فإن أکثر اليهود مشبِّهة يعتقدون أن الإله جسم،
والله منزه عن الجسمية والشبيه، فهم لا يؤمنون بوجود الله وتوحيده حقاً،
وجوداً منزهاً عن التجسيم. والنصارى يعتقدون بالتثليث ثم التوحيد، فهم
يقولون بوجود الأب والابن وروح القدس، ثم يعتقدون أن الإله حل في
عيسى، فأصبح هو الرب، والله منزه عن الاتحاد والحلول في غيره، وعن
الابن والشريك، فصاروا لا يؤمنون بوجود الإله الحق.
ثم إن اليهود يقولون: عزير ابن الله، وكل من اليهود والنصارى اتخذوا
أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، يشرِّعون لهم العبادات ويحرِّمون،
ويطيعونهم في ذلك، فصاروا بمنزلة الرب.

٥٢٤
الزُعُ (١٠) - التَوَّة): ٢٩/٩
أَ - إنهم لا يؤمنون باليوم الآخر على النحو الصحيح، فهم يعتقدون بأن
الأرواح هي التي تبعث دون الأجساد، كالملائكة، وأن أهل الجنة لا يأكلون
ولا يشربون، وليس هناك متع مادية، ويرون أن نعيم الجنة وعذاب النار
معانٍ روحية فقط كالسرور والهم، فهم لا يؤمنون بحياة كاملة مادية وروحية في
عالم الآخرة، وهذا منافٍ لما أخبر به القرآن، ومن أنكر البعث الجسماني، فقد
أنكر صريح القرآن.
◌َّ - ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله: فهم لا يحرمون ما حرمه القرآن
وسنة الرسول، ولا يحرمون ما حرمه موسى وعيسى عليهما السلام، بل
حرفوا التوراة والإنجيل، وشرعوا لأنفسهم أحكاماً تخالف أصل دينهم
المنسوخ بحكم الإسلام، فترى اليهود يستحلون أكل أموال الناس بالباطل
كالربا وغيره، والنصارى استباحوا ما حرم عليهم في التوراة كالشحوم
والخمور.
: ٤ - ولا يدينون دين الحق: أي لا يعتقدون بصحة دين الإسلام الذي هو
الدين الحق، وإنما يسيرون على وفق ما وضعه رجال الدين بحسب أهوائهم،
فبدلوا التوراة والإنجيل، ولم يعد أصل الدين المطابق للإسلام والموحى به إلى
موسى وعيسى عليهما السلام هو المعمول به.
فقاتلوا هؤلاء الموصوفين بأنهم من أهل الكتاب، لتمييزهم عن المشركين في
الحكم، فالمشركون يجب في حقهم القتال أو الإسلام، وأهل الكتاب يجب
فيهم أحد خصال ثلاث: القتال أو الإسلام أو الجزية.
وغاية قتالهم حتى يلتزموا الدخول في عهد مصحوب بأداء الجزية، وهم
صاغرون أي ملتزمون الخضوع لأحكام الإسلام.

٥٢٥
اِلُ (١٠) - التَّوَثِيرًا: ٢٩/٩
وكما أن قتال المشركين واجب إذا حاربوا المسلمين، كما تقدم بيانه عن
ابن العربي(١)، كذلك قتال أهل الكتاب عند وجود مقتضيات القتال،
كالاعتداء على المسلمين أو بلادهم أو أعراضهم أو فتنتهم عن دينهم أو تهديد
أمنهم وسلامتهم، كما حصل من الروم، فكان ذلك سبباً لغزوة تبوك، أو
حسبما يرى الإمام من المصلحة الحربية معتمداً على التحركات المشبوهة،
والاستعدادات الحربية، والحشود العسكرية على حدود دار الإسلام.
وقد سموا بأهل الكتاب؛ لأن لهم في الأصل كتاباً سماوياً، ويعتقدون في
الجملة بالإله وبالبعث والحساب والرسل والشرائع والملل.
ويسمون أيضاً ((أهل الذمة)) أي أهل العهد والميثاق الذي يوجب الإسلام
معاملتهم بالعدل والمساواة بمقتضى ذمة الله ورسوله.
ويقال لهم أيضاً ((المعاهدون)) لأنهم يقيمون في دار الإسلام بموجب عهد
أو معاهدة معقودة بيننا وبينهم، ويجب تنفيذ أحكامها واحترامها من
الجانبين، ويحرم ظلمهم وتكليفهم مالا يطيقون.
والصَّغَار كما تقدم وذكر بعض الفقهاء كالشافعية وابن القيم: هو التزام
الأحكام، وليس الإذلال والإهانة.
والجزية ليست من مبتدعات الإسلام، وإنما كانت معروفة لدى الفرس،
وأول من سنَّها كسرى أنو شَرْوان، فعمل بها عمر حينما افتتح بلاد الفرس.
ولم يحدد القرآن مقدارها، فاختلف الفقهاء في تقديرها، فقال الشافعي:
هي في السنة دينار على الغني والفقير من الأحرار البالغين لا يُنقص منه شيء،
لما روى أبو داود وغيره عن معاذ: أن رسول الله وَل بعثه إلى اليمن، وأمره أن
(١) أحكام القرآن: ٨٨٩/٢

٥٢٦
الجزءُ (١٠) - التوتية: ٢٩/٩
يأخذ من كل حالم ديناراً في الجزية. قال الشافعي: وهو أي الرسول المبيِّن عن
الله تعالى مراده. وإن صولحوا على أكثر من دينار جاز. وتؤخذ في آخر السنة.
وقال المالكية: إنها أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهماً على أهل
الورِق (الفضة)، الغني والفقير سواء، ولو كان مجوسياً، لا يُزاد ولا يُنقص
على ما فرض عمر، لا يؤخذ منهم غيره.
وقال الحنفية: مقدار الجزية اثنا عشر درهماً على الفقراء، وأربعة وعشرون
درهماً على الأوساط، وأربعون درهماً على الأغنياء. وتؤخذ في أول السنة.
ويعامل المجوس في أخذ الجزية معاملة أهل الكتاب، قال ابن المنذر: لا
أعلم خلافاً أن الجزية تؤخذ منهم. روى مالك في الموطأ أن عمر بن الخطاب
ذكر أمر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ فقال عبد الرحمن بن
عوف: أشهدُ لسمعتُ رسول الله وَل يقول: ((سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب)) قال
ابن عبد البر: يعني في الجزية خاصّة. وفي هذا القول دليل واضح على أنهم
ليسوا أهل كتاب.
أما أهل الأوثان: فقال الشافعي رحمه الله وجمهور الفقهاء: لا تقبل الجزية
إلا من أهل الكتاب على التخصيص، عرباً كانوا أو عجماً لهذه الآية، فإنهم
هم الذين خُصّوا بالذكر، فتوجه الحكم إليهم دون سواهم؛ لقوله عز وجل:
﴿فَاقْتُلُوْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدِتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥/٩] ولم يقل: حتى يُعطوا
الجزية، كما قال في أهل الكتاب. فلا تؤخذ الجزية من عبدة الأوثان من
العرب.
وقال الأوزاعي والمالكية: تؤخذ الجزية من كل عابد وَثَن أو نار أو جاحد
أو مكذِّب، عربياً أو عجمياً، تَغْلَبياً أو قرشياً، كائناً من كان؛ إلا المرتد.
والجزية تؤخذ من الرجال المقاتلين؛ لأنه تعالى قال: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ﴾ إلى

٥٢٧
الُ (١٠) - التَوَتية: ٢٩/٩
قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ﴾ فيقتضي ذلك وجوبها على من يقاتل، وقد أجمع
العلماء على أن الجزية تؤخذ من الرجال الأحرار المقاتلين.
وإذا أعطوا الجزية لم يؤخذ منهم شيء من ثمارهم ولا زروعهم ولا
تجارتهم، إلا أن يتجروا في بلاد غير بلادهم التي أقرّوا فيها وصولحوا عليها،
فحينئذ يؤخذ منهم العشر إذا باعوا أمتعة التجارة، وحصلوا على أثمانها، ولو
كان ذلك في السنة مراراً، إلا في حملهم الطعام: الحنطةَ والزيت إلى المدينة
ومكة على التخصيص، فإنه يؤخذ منهم نصف العشر، على مافعل عمر.
ويمنعون من إظهار الخمر والخنزير في أسواق المسلمين، فإن أظهروا شيئاً
من ذلك أريقت الخمر عليهم، وأُدِّب من أظهر الخنزير. وإن أراقها مسلم من
غير إظهارها فقد تعدّى، ويجب عليه الضمان في مذهبي المالكية والحنفية.
وإن امتنعوا من أداء الجزية وغيرها، وامتنعوا من حكم الإسلام من غير
أن يظلموا، قوتلوا في رأي الجمهور غير الحنفية.
وإن قطعوا الطريق فهم بمنزلة المحاربين المسلمين إذا لم يمنعوا الجزية، أي
يطبق عليهم حكم آية المحاربة: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُأْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾
[المائدة: ٣٣/٥] .
وإذا أسلموا سقطت عنهم الجزية باتفاق الفقهاء، لما رواه أحمد وأبو داود
والبيهقي والدار قطني عن ابن عباس من قوله ويليقول: ((ليس على مسلم جزية)) وفي
رواية للطبراني عن ابن عمر: ((من أسلم فلا جزية عليه)). وكما تسقط الجزية
بالإسلام تسقط بالموت. لذا فإنها تجب بدلاً عن عصمة الدم، وسكنى دار
الإسلام.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه آية الجزية التي تدخل ضمن معاهدة بين المسلمين وغيرهم، ليستوطنوا

٥٢٨
الجُ (١٠) - التَّوَتية: ٢٩/٩
في دار الإسلام بأمان وسلام، مع إخضاعهم لأحكام الإسلام المدنية
والجزائية، وما عدا ذلك فإنا في عباداتهم أمرنا بتركهم وما یدینون.
وقتالهم مثل قتال المشركين إذا حاربونا واعتدوا علينا، فإنما القتال لمن
قاتلنا كما قال تعالى: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ وَلَا تَغْتَدُوَأْ
[البقرة: ٢ /١٩٠] .
@
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْنَدِينَ
وربما تكون الإقامة في دار الإسلام من قبل هؤلاء المعقود لهم عقد الذمة
سبباً في تعرفهم على محاسن الإسلام وقوة دلائله، فيتركون دينهم، وينتقلون
من الكفر إلى الإيمان.
ومقتضى عقد الذمة: حقن الدماء، ومنع القتال، والتزام أحكام الإسلام،
مع تقريرنا البقاء على دينهم؛ إذ لا إكراه في الدين، ولكن ليس يراد بذلك
الرضا بكفرهم.
ودلت الآية على أن دين الحق هو الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ
عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩/٣] والإسلام: هو التسليم لأمر الله وما
جاءت به رسله، والانقياد له، والعمل به. والدِّين: يراد به الطاعة، أو
القهر، أو الجزاء(١). والكفر: إنكار وجود الله، أو نسبة الشريك له، أو عدم
الإيمان برسالة النبي وَر، أو تكذيب أحد الأنبياء السابقين.
وأرى أن المراد بالدين هنا: النظام الموضوع من الله لعباده في العقيدة
والعبادة والأخلاق والتشريع.
(١) أحكام القرآن للجصاص: ٩٠/٣

٥٢٩
الُرعُ (١٠) - التَّوَتَية: ٣٠/٩-٣٣
عقيدة أهل الكتاب (اليهود والنصارى)
﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ أَبْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبْدُ اللَّهِّ
ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَهِهِمَّ يُضَهُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَخَلَهُمُ
اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴿ اَتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ
وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ إِلَهَا وَحِدًا لَّ إِلَهَ
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَهِهِمْ
إِلَّا هُوَّ سُبْحَنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
وَيَأْبِيَ اللَّهُ إِلَّ أَن يُشِمَ نُرَهُ وَلَوْ كَرِهَ اُلْكَفِرُونَ ﴿ هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ
رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ اُلْمُشْرِكُونَ
٣٣
القراءات:
﴿عُزَيْرٌ أَبْنُ﴾:
قرئ:
١- (عزيرٌ ابن) منوناً على أنه عربي، وهي قراءة عاصم، والكسائي.
٢- (عزيرُ ابن) على المنع من الصرف، للعلمية، والعجمى، وهي قراءة
الباقين.
(يُضَهُونَ)
:
قرئ:
١- (يضاهئون) وهي قراءة عاصم.
٢- (يضاهون) وهي قراءة الباقين.

٥٣٠
الجُرُ (١٠) - التَوَي: ٣٠/٩-٣٣
يُؤْفَكُونَ ﴾.
وقرأ ورش، والسوسي، (يوفكون).
الإعراب:
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ﴾ هذا لفظ خرج على العموم، ومعناه الخصوص؛ لأنه
ليس كل اليهود قالوا ذلك.
﴿عُزَيْرُّ أَبْنُ اللَّهِ﴾ من قرأ بالتّنوين كان ﴿عُزَيْرٌ﴾ مبتدأ، و﴿أَبْنُ﴾ خبره.
ولا تحذف الألف في ﴿أَبْنُ﴾ من الخط، ويكسر التّنوين لالتقاء السّاكنين. ومن
قرأه بغير تنوين ففيه ثلاثة أوجه:
الأول - أن يكون ﴿عُزَيْرٌ﴾ مبتدأ، و﴿أَبْنُ﴾ خبره، وحذف التّنوين
لسكونه وسكون الباء من ﴿أَبْنُ﴾ كقراءة من قرأ ﴿أَحَدُ، اللَّهُ الصَّمَدُ
[الإخلاص: ١/١١٢-٢] فحذف التّنوين لسكونه وسكون اللام.
٢
الثاني - أن يجعل ﴿أَبْنُ﴾ صفة لعزير، وابن: إذا كان صفة لعَلَم مضافاً إلى
علم، حذف التّنوين من الأول، مثل: زيدُ بن عمرو. ويكونَ خبر المبتدأ
محذوفاً تقديره: وقالت اليهود عزير ابن الله معبودهم، وحذف الخبر للعلم به،
كما يحذف المبتدأ للعلم به.
الثالث - أن يكون ﴿عُزَيْرٌ﴾ ممنوعاً من الصّرف للعجمة والتّعريف
كإبراهيم وإسماعيل، وهذا أضعف الوجوه؛ لأنه عند المحققين عربي مشتق من
(عزّره): إذا عظّمه ووقَّره.
البلاغة:
﴿ يُطْفِئُواْ نُرَ اللَّهِ﴾ أراد نور الإسلام، فيه استعارة، شبَّ الإسلام بوضوح
أدلّته وقطعيّتها وإضاءتها بالشَّمس السَّاطعة في نورها وضيائها.

٥٣١
لُزْءُ (١٠) - التَوَتيا: ٣٠/٩-٣٣
المفردات اللغوية:
(عُزَيْرٌ﴾ هو المعروف عند اليهود باسم (عِزْرا) المنسوب إلى العازار بِن
هارون. ﴿يُضَهُونَ﴾ يشابهون به في الكفر والشّناعة. ﴿قَنَلَهُمُ اللَّهُ﴾
﴿ أَّى يُؤْفَكُونَ﴾ كيف يصرفون عن الحقّ إلى غيره مع قيام الدّليل؟
لعنهم.
﴿أَحْبَارَهُمْ﴾ علماء اليهود، جمع حبر. ﴿وَرُهْبَنَهُمْ﴾ عبَّاد النصارى
المنقطعين للعبادة، جمع راهب. ﴿أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ أي يتّبعونهم في
تحليل ما حرّم الله وتحريم ما أحلّ. ﴿أَرْبَابًا﴾ جمع ربّ: وهو الخالق الذي
يختصّ بالتّشريع حلاله وحرامه. ﴿وَمَا أُمِرُوَا﴾ في التّوراة والإنجيل. ﴿إِلَّا
لِيَعْبُدُوَأْ﴾ أي بأن يعبدوا. ﴿سُبْحَنَهُ﴾ تنزيهاً له. ﴿يُرِيدُونَ﴾ يقصدون
إلى الشيء، أو يفعلون فعلاً يفضي إلى المراد، وإن لم يقصدوه. ﴿نُرَ اُللَّهِ﴾ هو
دين الإسلام وشرعه وبراهينه. ﴿يِأَفْوَهِهِمْ﴾ بأقوالهم فيه. ﴿أَنْ يُثِرَّ﴾ يظهر.
﴿أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ محمداً وَهِ. ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ يُعْليه. ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ،﴾ جميع
الأديان المخالفة له.
سبب النّزول:
نزول الآية (٣٠):
﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس قال: أتى رسول
الله ◌َل﴿ سلام بن مِشْكم، ونعمان بن أبي أوفى، ومحمد بن دحية، وشاس بن
قيس، ومالك بن الصَّيف، فقالوا: كيف نتّبعك وقد تركتَ قبلتنا؟ وأنت لا
تزعم أن عزيراً ابن الله، فأنزل الله في ذلك: ﴿وَقَالَتِ اٌلْيَهُودُ﴾ الآية.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى في آية الجزية المتقدمة أن اليهود والنصارى لا يؤمنون
بالله، أوضح ذلك في هذه الآية، فنقل عنهم أنهم أثبتوا لله ابناً، وهذا شرك،

٥٣٢
الُرْجُ (١٠) - التوثي: ٣٠/٩-٣٣
ومن جوّز ذلك فهو في الحقيقة قد أنكر الإله، وأنهم اتخذوا علماءهم أرباباً
من دون الله في التّحليل والتّحريم، وأنهم يسعون في إبطال الإسلام وهديه.
وهذه الآيات دليل واضح في بيان سبب قتال المؤمنين لأهل الكتاب.
التفسير والبيان:
قالت اليهود أي بعضهم: عزير ابن الله، وعزير: کاهن یہودي سکن بابل
حوالي سنة ٤٥٧ ق. م، وأسَّس المجمع الكبير، وجمع أسفار الكتاب المقدَّس،
وألَّف أسفار: الأيام، وعزرا، ونحميا، وهو يعدّ ناشر اليهودية، بعد أن
نسيت، فقدّسه اليهود ووصفوه بأنه ﴿أَبْنُ اللَّهِ﴾ .
والثابت عند المؤرِّخين حتى اليهود أنفسهم أن التوراة التي كتبها موسى،
ووضعها في تابوت العهد قد فُقدت عندما تغلّب العمالقة على بني إسرائيل،
أو بختنصّر قبل عهد سليمان عليه السّلام، فإنه لما فتح التّابوت، لم يجد فيه غير
لَوْحي الوصايا العشر، كما جاء في سفر الملوك الأوّل، وأنّ عزرا هو الذي
كتب التّوراة بعد السَّبي بالحروف الكلدانية مع بقايا العبرانية. ويرى النقّاد -
كما جاء في دائرة المعارف البريطانية - أن أسطورة عزرا اختلقها الرّواة
اختلاقاً.
وقالت النّصارى: المسيح ابن الله، وكان قدماؤهم يريدون بالبنوّة معنىّ
مجازياً لا حقيقياً، يعنون به أنه المحبوب المكرَّم عند الله، ثم تأثروا بوثنية الهنود،
فصاروا يعنون بالبنوّة معنىً حقيقياً، وأن ابن الله هو الله، وهو روح القدس،
إذ اندمجت هذه الأقانيم الثلاثة وصارت واحداً حقيقة، وكان أول من أعلن
ذلك مجمع نيقية ٣٢٥ م أي بعد المسيح بثلاثة قرون، وصارت كلمة (الثّالوث)
وهي الآب والابن وروح القدس تطلق على هذه الأقانيم الثّلاثة، التي حلَّت
في اللاهوت. وكتبت الأناجيل بعد المسيح عليه السّلام في مدّة تتراوح بين قرن
وثلاثة قرون، وقد تأثّرت بوثنية الرّومان، بعد أن فقد الإنجيل الأصلي الذي
نزل على عيسى عليه السّلام.

٥٣٣
الجزءُ (١٠) - التَّوَتي: ٣٠/٩-٣٣
وبما أنّ كلاً من اليهود والنّصارى لا يعتمدون على أصل صحيح
لديانتهم، وأن المكتوب لديهم مخترع موضوع من قبل علمائهم، لذا كذّبهم الله
تعالى بقوله: ﴿ذَلِكَ قَوّلُهُم بِأَفْوَهِهِمٌ﴾ أي لا مستند لهم فيما اذَّعوه سوى
افترائهم واختلاقهم، كما قال تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا
٤
مَّا لَهُم بِهِ، مِنْ عِلْمٍ وَلَا لَِّبَبِهِمَّ كَبُرَتْ كَلِمَةٌ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَهِهِمَّ إِن
﴾ [الكهف: ٤/١٨-٥] .
۵
يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا
﴿ يُضَهِئُونَ قَوَّلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ﴾ أي يشابهون في كفرهم قول من
قبلهم من الأمم، ضلّوا كما ضلَّ هؤلاء، وهم الوثنيّون البراهمة والبوذيون في
الهند والصين واليابان، وقدماء الفرس والمصريين واليونان والرّومان. كما أن
مشركي العرب كانوا يقولون: الملائكة بنات الله.
﴿فَكَنَّلَهُمُ اللَّهُ﴾ أي لعنهم الله، كيف يصرفون عن الحق وهو توحيد الله
وتنزيهه إلى غيره وهو الشّرك الباطل، فما المسيح وعزير إلا مخلوقان عبدان لله،
ولا يعقل أن يجعل المخلوق خالقاً، مع أنه يأكل ويشرب ويتعب ويألم، لذا قال
تعالى: ﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْثُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُهٍُ
صِدِّيقَةُ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامُّ﴾ [المائدة: ٧٥/٥]، وقال تعالى عن
المسيح: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدُ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَهُ مَثَلًا لِبَنِىّ إِسْرَّوِيلَ
٥٩
[الزخرف: ٥٩/٤٣]، وقوله تعالى: ﴿لَّن يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا
لِلَّهِ أَ﴾ [النساء: ٤/ ١٧٢].
ثم أوضح تعالى وجه مضاهاة من كفروا قبلهم، فقال: ﴿أَتَّخَذُواْ
أَخْبَارَهُمْ﴾ أي اتَّخذوا اليهود والنّصارى رؤساء الدِّين فيهم أرباباً من دون
الله، يقومون بحقّ التّشريع، فيحلّون الحرام، ويحرّمون الحلال، ويطيعونهم في
ذلك، تارکین حکم الله.
أما اليهود فقد أضافوا لأحكام التّوراة ماشرعه رؤساؤهم، وأما النّصارى
فقد غيَروا أحكام التّوراة وأوجدوا شرائع أخرى في العبادات والمعاملات.

٥٣٤
الجُزْءُ (١٠) - التَّوَتية: ٣٠/٩-٣٣
ويوضح ذلك قصة إسلام عدي بن حاتم، روى الإمام أحمد والتِّرمذي
وابن جرير الطّبري عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه لما بلغته دعوة رسول
الله وََّ فَرَّ إلى الشّام، وكان قد تنصَّر في الجاهلية، فأُسرت أخته وجماعة من
قومه، ثم منَّ رسول الله وَّيه على أُخته، وأعطاها، فرجعت إلى أخيها، فرغَّبته
في الإسلام، وفي القدوم على رسول الله وَلّر، فقدم عدي إلى المدينة، وكان
رئيساً في قومه طيء، وأبوه حاتم الطّائي المشهور بالكرم، فتحدَّث الناس
بقدومه، فدخل على رسول الله وَله - وفي عنُق عدي صليب من فضة - وهو
يقرأ هذه الآية: ﴿اَتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾.
٠
قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم، فقال: بلى، إنّهم حرّموا عليهم الحلال،
وأحلّوا لهم الحرام، فاتَّبعوهم، فذلك عبادتهم إيّاهم.
وقال رسول الله وَليقول: ((يا عدي ما تقول؟ أيضرّك أن يقال: الله أكبر؟ فهل
تعلم شيئاً أكبر من الله؟ ما يضرّك؟ أيضرّك أن يقال: لا إله إلا الله، فهل تعلم
إلهاً غير الله؟)).
ثم دعاه إلى الإسلام، فأسلم وشهد شهادة الحق، قال: فلقد رأيت وجهه
استبشر، ثم قال: ((إن اليهود مغضوب عليهم، والنّصارى ضالّون)).
ثم أبان الله تعالى ترك أولئك الرؤساء دينهم، فقال: ﴿وَمَا أُمِرُواْ إِلَّا
لِيَعْبُدُوَأْ إِلَهَا وَحِدًا﴾ أي والحال أنهم ما أُمروا على لسان موسى
وعيسى إلا أن يعبدوا إلهاً واحداً، وهو الله الذي شرّع لهم أحكام الدِّينِ، وهو
ربّهم وربّ كل شيء، فهو الذي إذا حرّم الشيء فهو الحرام، وما حلَّله فهو
الحلال، وماشرعه اُبع، وما حكم به نفذ.
﴿لََّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ﴾ أي إنه تعالى شرعاً وعقلاً لا يوجد إله غيره، وأنه
تعالى تنزه وتقدّس عن الشُّركاء والنُّظراء والأعوان والأضداد والأولاد، لا
إله إلا هو، ولا ربّ سواه.

٥٣٥
الزُُّ (١٠) - التَوَّةً: ٣٠/٩-٣٣
ولكن هؤلاء الكفار من المشركين وأهل الكتاب يريدون أن يطفئوا نور
الإسلام الذي بعث به رسوله محمداً وص له، ويطفئوا شعلة الحقّ ومصباح
الهداية، فيضلّ الناس أجمعون.
ويأبى الله إلا أن يتم نوره بتثبيته وحفظه والعناية به وإكماله وإتمامه، ولو
كره الكافرون ذلك بعد تمامه، كما كرهوه حين بدء ظهوره. والكافر: هو
الذي يستر الشيء ويغطيه. أما اليهود فكانوا أشدّ الناس عداوة للمؤمنين،
فهم كمشركي العرب.
وأما النّصارى الرّوم فبدؤوا عدوانهم على المسلمين، ثم استمرّ الأوربيون
في عدوانهم على الشرق الإسلامي، ثم جاءت الحروب الصَّليبيّة التي مثّلت قمة
العدوان على المسلمين، وما زالت السِّياسة الاستعمارية والتَّبشيرية تحتضن
المخططات الرَّهيبة لتفريق المسلمين وإبعادهم عن دينهم بمختلف الوسائل
الإعلامية والمواقف الحاقدة المتحيِّرة ضدّ مصالحهم في أي مكان.
وأما النّور الإسلامي فهو الذي أرسل الله به رسوله بالهدى ودين الحقّ
الذي لا يغيِّه ولا يبطله شيء آخر. والهدى: هو ما جاء به من الإخبارات
الصادقة والإيمان الصحيح والعلم النافع. ودين الحق: هو الأعمال الصحيحة
النافعة في الدُّنيا والآخرة.
والهدف من ذلك أن يعلي تعالى هذا الدِّين على جميع الأديان، ولو كره
المشركون ذلك الإظهار. وقد وصفوا بالشّرك بعد الوصف بالكفر للدّلالة على
أنهم جمعوا بين الكفر بالرّسول والشّرك.
وقد تحقَّق وعد الله ونصره، كما ثبت في الصَّحيح عن رسول الله وَلّ أنه
قال: ((إن الله زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أُمتي ما زُوي
لي منها)».

٥٣٦
الُ (١٠) - التَوتي: ٣٠/٩-٣٣
وروى الإمام أحمد عن المقداد بن الأسود يقول: سمعت رسول الله وَل
يقول: ((لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر إلا دخلته كلمة الإسلام،
يعزّ عزيزاً، ويذلّ ذليلاً، إما يعزّهم الله، فيجعلهم من أهلها، وإما يذلهّم
فیدینون لها».
وفي مسند أحمد أيضاً عن عدي بن حاتم قال: سمعت رسول الله چو يقول:
((فوالذي نفسي بيده ليُثِمنَّ الله هذا الدِّين حتى تخرج الطّعينة من الْخِيرة، حتى
تطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولتَفْتَحُنَّ كنوز كسرى بن هُرمز، قلت:
كسرى بن هرمز؟ قال: نعم كسرى بن هرمز، وليُذَلَنَّ المالُ حتى لا يقبله
أحد)).
فقه الحياة أو الأحكام:
أثبتت الآيات أن أكثر اليهود وأكثر النّصارى مشركون؛ لأنهم نسبوا الابن
لله، مقلِّدين في ذلك من سبقهم من الكفار كمشركي العرب الذين كانوا
يقولون: الملائكة بنات الله، ولا عبرة بإنكار اليهود ذلك، فإن حكاية الله
عنهم أصدق، ولعلّ هذا المذهب كان فاشياً فيهم، ثم انتهى.
وقال ابن العربي: في هذا دليل من قول ربّنا تبارك وتعالى على أن من أخبر
عن كفر غيره - الذي لا يجوز لأحد أن يبتدئ به - لا حرج عليه؛ لأنه إنما
ینطق به على معنی الاستعظام له، والرَّدِّ علیه، فلا يمنع ذلك منه، ولو شاء ربُّنا
ما تكلم به أحد، فإذا مكَّن من إطلاق الألسن به، فقد أذن بالإخبار عنه؛
على معنى إنكاره بالقلب واللسان، والرَّدِّ عليه بالحجّة والبرهان(١).
وقد كذَّبهم الله تعالى بقوله: ﴿ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَهِهِمٌ﴾ أي إنه قول
ساقط باطل لا يتجاوز الفم، ولعنهم بقوله: ﴿قَنَلَهُمُ اللَّهُ﴾ قال ابن
ج
عباس: كل شيء في القرآن قَتْل فهو لعن.
(١) أحكام القرآن: ٩١٣/٢

٥٣٧
المُ (١٠) - التَوفية: ٣٠/٩-٣٣
ثم وصفهم تعالى بنوع آخر من الشّرك بقوله: ﴿أَتَّخَذُوَأْ أَحْبَارَهُمْ
وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ والأكثرون من المفسّرين قالوا: ليس المراد
من الأرباب أنهم اعتقدوا فيهم أنهم آلهة العالم، بل المراد أنهم أطاعوهم في
أوامرهم ونواهيهم، مع أن التّوراة والإنجيل والكتب الإلهية ناطقة بألا يعبدوا
إلا إلهاً واحداً، وأنه لا إله إلا هو، تنزه من أن يكون له شريك في الأمر
والتكليف أو التَّشريع، وأن يكون له شريك في كونه مسجوداً له أو معبوداً،
وأن يكون له شريك يستحقّ التّعظيم والإجلال.
ثم أخبر الله تعالى عن نوع ثالث من الأفعال القبيحة الصادرة عن رؤساء
اليهود والنّصارى، وهو سعيهم في إبطال دعوة محمد ◌َّ، وإمعانهم في إخفاء
أدلّة صحّة شرعه وقوّة دينه.
والمراد من النّور: الدّلائل الدَّالّة على صحّة نبوّته.
أوّلها - المعجزات القاهرة التي ظهرت على يده.
وثانيها - القرآن العظيم الذي ظهر على لسان محمد وَ لا مع أنه كان أُميّاً.
وثالثها - أنّ حاصل شريعته تعظيم الله والثَّناء عليه، والانقياد لطاعته،
وصرف النّفس عن حبِّ الدُّنيا أي الحرص عليها دون الآخرة، والتَّرغيب في
سعادات الآخرة، والعقل يدلّ على أنه لا طريق إلى الله إلا من هذا الوجه.
ورابعها - أن شرعه كان خالياً عن جميع العيوب، فليس فيه دعوة إلى غير
الله، وإلى إصلاح حياة البشر(١).
ثم إنه تعالى وعد محمداً وَ له مزيد النّصر والقوة وإعلاء المنزلة، فقال:
﴿ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّ أَنْ يُتِبَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ اُلْكَفِرُونَ﴾.
(١) تفسير الرازي: ٣٩.٣٨/١٦

٥٣٨
الُرعُ (١٠) - التوثي: ٩/ ٣٤-٣٥
ثم بيَّن الله تعالى بعد خيبتهم في إبطال دعوة الإسلام كيف يتم أمره بقوله:
﴿هُوَ الَّذِىَّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ اُلْحَقِّ﴾.
وفي هذه الآية الأخيرة دلالة على أن رسالة محمد ولا تمتاز بكثرة الدّلائل
والمعجزات على صحّتها، وهو الهدى، وأنها دين الحقّ المشتمل على الصّواب
والصّلاح ومطابقة الحكمة وموافقة المنفعة في الدُّنيا والآخرة، وأن دينه يعلو
على كل الأديان، ويغلب كل الأديان، فلا دين يصمد أمام النّقاش العلمي
والعقلي غير دين الإسلام. والتّاريخ على ممرّ الزّمان يؤكّد إنجاز هذه الوعود
علانية في اقتناع كبار العلماء في كل اختصاص إنساني أو علمي بأحقيّته في
التّديُّن والاعتقاد وإصلاح الحياة البشرية، وظهر الإسلام على كل الأديان في
الماضي، فاندحر اليهود وأخرجوا من جزيرة العرب، وغلب المسلمون
النّصارى في بلاد الشّام وغيرها، وغلبوا المجوس، وعبّاد الأصنام في كثير من
بلاد التّرك والهند.
والخلاصة: تضمّنت الآيات أوصافاً قبيحة لليهود والنّصارى: نسبة البنوّة
لله، إطاعة الرؤساء دون إطاعة الله، محاولتهم إبطال دعوة الإسلام وإخفات
صوت الحقّ.
سيرة الأحبار والرهبان في معاملاتهم مع الناس
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ اْأَحْبَارِ وَالزُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ
أَمْوَلَ النَّاسِ بِالْبَنِطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ الذَّهَبَ
وَاَلْفِضَّةَ وَلَا يُفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرُهُمْ بِعَذَابٍ أَلِمِ ﴿ يَوْمَ يُحْمَى
عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمَّ هَذَا مَا
١٣٥
كَتَرْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُمْ تَكْثِرُونَ

٥٣٩
الُ (١٠) - التَّوَّةِ: ٣٤/٩-٣٥
الإعراب:
﴿ وَالَّذِينَ﴾ مبتدأ، والخبر: ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ ﴿لَيَأْكُلُونَ﴾ دخلت اللام على
يفعل، ولا تدخل على فَعَل، لأن يفعل تشبه الأسماء . ﴿ وَلَا يُنفِقُونَهَا﴾: إنما
قال: ﴿يُنفِقُونَهَا﴾ ولم يقل: ينفقونهما؛ لأن عادة العرب أن يخبروا عن أحد
الشيئين إذا كان هناك دليل يدل على اشتراك بينهما، كقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَوْأْ
تِجَرَةً أَوْ لَمَوَا أَنفَضُواْ إِلَيْهَا﴾ ولم يقل إليهما وإنما أريد التجارة لأنها أعم،
وكقوله تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةَّ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ﴾ أريد الصلاة؛ لأنها
أهم، وكقوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ أريد الرسول لتأكيد
الاهتمام بسنته. وقيل: الضمير في ((ينفقونها)) يعود على الكنوز لدلالة يكنزون
عليها، وقيل: يعود على الأموال؛ لأن الذهب والفضة أموال. والخلاصة:
إن الضمير يعود إلى الفضة؛ لأنه قصد الأغلب والأعم.
﴿يَوْمَ يُحْمَى﴾ ﴿يَوْمَ﴾: منصوب من ثلاثة أوجه: إما بفعل مقدر تقديره:
اذكر يوم يحمى، أو بفعل يقال: أي يقال لهم: هذا في يوم يحمى، أو يكون
بدلاً من ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمِ﴾ أي عذاب يوم يحمى، فحذف المضاف، فانتصب
على الموضع، لا على اللفظ، كما انتصب قوله تعالى: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ بالبدل على
موضع ﴿ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَفِيمٍ﴾.
البلاغة:
﴿لَيَأْ كُلُونَ﴾ عبر تعالى عن أخذ الأموال بالأكل على سبيل الاستعارة؛ لأن
المقصود الأعظم من جمع الأموال هو الأكل، فسمي الشيء باسم ما هو أعظم
مقاصده.
المفردات اللغوية:
(اُلْأَحْبَارِ﴾ علماء اليهود. ﴿وَالزُّهْبَانِ﴾ عبَّاد النصارى، والقسيسون

٥٤٠
الُرجُ (١٠) - التوثي: ٣٤/٩-٣٥
علماؤهم . ﴿لَيَأْكُلُونَ﴾ المراد التصرف فيها بكل أوجه الانتفاع، وعبر عن
ذلك بالأكل، والمراد به الأخذ والانتفاع؛ لأنه أهم حالات الانتفاع.
(بِالْبَاطِلِ﴾ بغير حق كالرشاوى في الحكم. ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ يمنعون. ﴿عَن
سَبِيلِ اللَّهُ﴾ دينه وطريق معرفته الصحيحة وعبادته القويمة. ﴿ وَلَا يُنفِقُونَهَا﴾
الكنوز، والكنز: خزن الأموال في الصناديق دون إعطاء حق الله فيها . (في
سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي لا يؤدون منها حق الزكاة. ﴿فَبَشِّرُهُم﴾ أخبرهم. ﴿بِعَذَابٍ
أَلِيمِ﴾ مؤلم، وهو تهكم بهم؛ لأن البشارة تكون في الخير لا في الشر.
﴿فَتُكْوَى﴾ تحرق. ﴿فَذُوقُواْ مَا كُنْتُمُ تَكْفِرُونَ﴾ أي نالوا جزاءه.
سبب النزول:
نزول الآية (٣٤):
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا﴾: قال الواحدي: نزلت في العلماء
والقرّاء من أهل الكتاب كانوا يأخذون الرشا من سفلتهم، وهي المأكل الذي
كانوا يصيبونه من عوامهم (١).
نزول الآية: ﴿ وَالَّذِينَ يَكْفِرُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ﴾:
روى البخاري عن زيد بن وهب قال: مررت بالرَّبَذة (موضع قريب من
المدينة) فإذا أنا بأبي ذرّ، فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام،
فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَاُلْفِضَّةَ
وَلَا يُنفِقُونَهَا فِ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت:
نزلت فینا وفیهم، وکان بيني وبينه كلام في ذلك، وكتب إلى عثمان يشكو
مني، وكتب إلي عثمان أن: اقدم المدينة، فقدمتها، وكثر الناس علي حتى
كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان، فقال: إن شئت تنحيت
(١) أسباب النزول للواحدي: ص ١٤٠