النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١
الُ (١٠) - التَّوَيِّ: ١٦/٩
العدول عنهم، كما يلزم اتباع النبي ◌َّر، وفيه دليل على لزوم حجة الإجماع،
وهو كقوله: ﴿وَمَنْ يُشَافِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ١١٥/٤](١).
والله خبير في كل وقت بأعمالكم، فيجازيكم عليها. ومن المعروف أن
التكليف الشاق على الأنفس هو الذي يحقق الاختبار، ويظهر المخلص من
المنافق.
وليس المقصود بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ نفي علم الله، وأنه تعالى -
كما فهم هشام بن عبد الحكم من ظاهر الآية - لا يعلم الشيء إلا حال
وجوده، وإنما المراد منه نفي المعلوم الموجود في الواقع وإظهاره على مسرح
الحياة، ليكون دليلاً ملموساً على الناس يوم القيامة، يقصد منه أن يصدر
الجهاد عنهم فعلاً، ويظهر المجاهدون ويتميزوا عن المنافقين، بدليل قوله تعالى
في آخر الآية: ﴿وَاللَّهُ خَبِيْرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي عالم، مطلع على كل شيء،
محيط به علماً، وما لا يعلم الله وجوده فلا وجود له.
ونظير الآية في الاختبار قوله تعالى: ﴿الّ ﴿﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُواْ أَنْ
وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمِّ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ
٣
يَقُولُوَاْ ءَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ
صَدَفُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ اَلْكَذِبِينَ
(٢)) [العنكبوت: ١/٢٩-٣].
ونظير الآية في اتخاذ الوليجة أو البطانة قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُواْ مَا عَنِتُمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ
أَفْوَهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبِرٌ﴾ [آل عمران: ١١٨/٣].
والخلاصة: أن الله تعالى لما شرع لعباده الجهاد، بيَّن حكمته، وهي اختبار
عبيده، من يطيعه ممن يعصيه، وهو تعالى قبل ذلك وبعده العالم بما كان، وما
یکون، وما لم یکن.
(١) أحكام القرآن: ٨٧/٣
٤٨٢
الجُرُ (١٠) - التَوَّية: ٩/ ١٧-١٨
فقه الحياة أو الأحكام:
تبين من الآية أن المكلف لا يتخلص من العقاب إلا بأمرين:
الأول - أن يعلم الله الذين جاهدوا منكم، عن طريق إظهارهم في
الواقع، وتمييزهم بين الناس.
الثاني - أن يكون المجاهد مخلصاً، باطنه وظاهره سواء، لا منافقاً، باطنه
خلاف ظاهره، وهو الذي يتخذ بطانة أو وليجة من المشركين، يخبرهم بأسرار
المسلمين، ويعلمهم بأمورهم، فليس كل مجاهد مخلصاً، وليس الغرض من
إيجاب القتال القتال نفسه فقط، بل الغرض الإتيان به على وفق أمر الله
و حکمه.
وتبين من الآية أيضاً أن الله عالم بالنيات والأغراض، مطلع عليها، لا
يخفى عليه منها شيء، فعلى الإنسان التركيز على أمر النية وجعلها خالصة لوجه
الله تعالى.
۔
عمارة المساجد
﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُواْ مَسَجِدَ الَّهِ شَهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِّ
أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ وَفِ النَّارِ هُمْ خَلِدُونَ ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اَللَّهِ
مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهُ
فَعَسَىّ أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ
القراءات:
﴿مَسَجِدَ اللَّهِ﴾:
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (مسجد الله).
٤٨٣
الُءُ (١٠) - التَّوَيَر: ١٧/٩-١٨
الإعراب:
﴿ شَهِدِينَ﴾ حال من الواو في ﴿يَعْمُرُواْ﴾.
﴿وَفِ النَّارِ هُمْ خَلِدُونَ﴾ إما عطف على جملة ﴿حَبِطَتْ﴾ على أنها خبر
آخر لأولئك، وإما مستأنفة كجملة ﴿أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ﴾ وفائدتهما تقرير النفي
السابق، الأولى: من جهة نفي استتباع الثواب، والثانية: من جهة نفي
استدفاع العذاب.
﴿ أُوْلَئِكَ﴾ عبَّر به للاستبعاد.
البلاغة:
﴿ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَءَاتَ الزَّكَوَةَ﴾ تخصيص الصلاة والزكاة بالذكر توضيح
لأهميتهما وحثّ على القيام بهما.
المفردات اللغوية:
﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ما صح لهم وما استقام وما ينبغي لهم. ﴿أَن يَعْمُرُوا
مَسَجِدَ اللَّهِ﴾ عمارة المسجد لغة: لزومه والإقامة فيه وعبادة الله فيه، وبناؤه
وترميمه، وعمارة المساجد نوعان: حسية، ومعنوية، فالحسية: بالتشييد
والبناء والترميم والتنظيف والفرش والتنوير بالمصابيح والدخول إليها والقعود
فيها، بالصلاة وذكر الله والاعتكاف والزيارة للعبادة فيها، وذلك يشمل
العمرة، ومن الذكر: درس العلم، بل هو أجله وأعظمه وصيانتها مما لم تبنَ
له المساجد من أحاديث الدنيا، فضلاً عن فضول الحديث، كما قال
الزمخشري. والمساجد فيها وجهان: أحدهما - أن يراد المسجد الحرام، وإنما
قيل: مساجد؛ لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها، فعامره كعامر جميع المساجد؛
ولأن كل بقعة منه مسجد. والثاني - أن يراد جنس المساجد، ويشمل المسجد
الحرام، وإذا لم يصلحوا لأن يعمروا جنسها، فلأن لا يعمروا المسجد الحرام
٤٨٤
الُ (١٠) - التَّوَثِيرً: ٩/ ١٧-١٨
آكد. والمعنى: ما استقام للمشركين أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارة
متعبَّدات الله، مع الكفر بالله وبعبادته. والمساجد في الأصل: جمع مسجد،
وهو مكان السجود، ثم صار اسماً للبيت المخصص للعبادة. ومن قرأ: مسجد
الله، فأراد به المسجد الحرام أشرف المساجد في الأرض.
﴿ شَهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم ◌ِاَلْكُفْرِ﴾ معنى هذه الشهادة: ظهور كفرهم،
وأنهم نصبوا أصنامهم حول البيت، وكانوا يطوفون عراة، ويقولون: لا
نطوف عليها بثياب قد أصبنا فيها المعاصي، وكلما طافوا بها شوطاً سجدوا
لها . ﴿حَبِطَتْ﴾ بطلت. ﴿أَعْمَلُهُمْ﴾ لعدم شرطها وهو الإيمان.
سبب النزول:
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال العباس حين أسر يوم بدر:
إن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام،
ونسقي الحجاج، ونفكُ العاني (أي الأسير) فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ
يَعْمُرُواْ مَسَجِدَ اللَّهِ﴾ الآية.
وفي رواية أخرى: قد أقبل المهاجرون والأنصار على أسارى بدر،
فعيَّروهم بالشرك، فطفق علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوبِّخ العباس بقتال
رسول الله وَله، وقطيعة الرحم، وأغلظ له في القول، فقال العباس: تذكرون
مساوينا، وتكتمون محاسننا؟ فقال: أوَ لكم محاسن؟ قالوا: نعم، ونحن أفضل
منكم أجراً، إنا لنعمرُ المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج،
ونفتُّ العاني، فنزلت(١). والمراد أن الآية تضمنت الرد على العباس وأمثاله،
لا أنها نزلت عقب قوله.
(١) أسباب النزول للواحدي: ص ١٣٩، الكشاف: ٣١/٢.
٤٨٥
لُزْءُ (١٠) - التَّوَتية: ٩/ ١٧-١٨
المناسبة:
بعد أن ذكر الله في أول السورة براءة عن الكفار، وذكر أنواع فضائحهم
وقبائحهم الموجبة تلك البراءة، احتجوا بأن هذه البراءة غير جائزة، وأنه يجب
أن تكون المخالطة والمناصرة حاصلة؛ لأنهم موصوفون بصفات حميدة وخصال
مرضية، ومن جملتها كونهم عامرين للمسجد الحرام، كما ورد في سبب
النزول.
وكذلك ناسب أن يذكر بعد نبذ العهود منع عبادة الشرك من المسجد
الحرام، وإبطال حق المشركين في الإشراف عليه وخدمته، وذلك مناسب
لنقض عهودهم.
التفسير والبيان:
ما ينبغي للمشركين بالله، وما صح لهم وما استقام أن يعمروا مساجد الله
التي منها المسجد الحرام بالإقامة فيها للعبادة، أو للخدمة والولاية عليه، ولا
أن يدخلوه حجّاجاً أو عُمّاراً، وهم شاهدون على أنفسهم بالكفر، أي بشهادة
الحال والمقال، بأن يعبدوا الأصنام، وأن يطوفوا بالبيت عراة، وكلما طافوا
بها شوطاً سجدوا لها. وقيل: هو قولهم: ((لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو
لك تملكه وما ملك)) فهذه شهادتهم بالكفر ثابتة قولاً وعملاً، أما القول فهذا،
وأما العمل فهو عبادة الأصنام.
فهم بهذا جمعوا بين الضدين، وبين أمرين متنافيين لا يعقل الجمع بينهما
على وجه صحيح: عمارة بيت الله مع الكفر به.
أولئك المشركون بالله حبطت أعمالهم أي بشركهم، وبطلت فلا ثواب
لهم، وهم في نار جهنم خالدون لعظم ما ارتكبوه أي ماكثون مقيمون إقامة
خلود وبقاء، فإن الكفر محبط للعمل ولا ثواب لصاحبه في الآخرة، بدليل
٤٨٦
لالُ (١٠) - التَوَّةَ: ١٧/٩-١٨
﴿ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمِ مَّا كَانُواْ
آيات كثيرة في القرآن الكريم منها :
يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨/٦]، ومنها: ﴿وَلَقَدْ أُوْجِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ
[الزمر: ٦٥/٣٩] ومنها :
٦٥
لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ اْخَسِرِينَ
[الفرقان: ٢٣/٢٥] .
﴿ وَقَدِمُنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ مَنْتُورًا
وبعد أن نفى أهليتهم لعمارة المساجد، أبان من هم أهل لهذه المهمة،
فقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ﴾ أي إنما يستحق عمارة المساجد وتستقيم منه
العمارة، ويكون أهلاً لها من اتصف بالإيمان بالله تعالى إيماناً صحيحاً، على
النحو المبَيَّن في القرآن من الإقرار بوجود الله والاعتراف بوحدانيته،
وتخصيصه بالعبادة، والتوكل عليه، وآمن باليوم الآخر الذي يحاسب الله فيه
العباد، ويجزي فيه بالثواب للمحسنين وبالعقاب للمسيئين، وأقام الصلاة
المفروضة على الوجه المستكمل لأركانها وشروطها وتدبر تلاوتها وأذكارها،
وخشوع القلب لله وخشيته، وآتى الزكاة لمستحقيها المعروفين كالفقراء
والمساكين وأبناء السبيل، ولم يخش في قوله وعمله إلا الله وحده، دون غيره
من الأصنام والعظماء الذين لا ينفعون ولا يضرون في الحقيقة، وإنما النفع
والضر بيد الله. أما إنه لم يذكر الإيمان بالرسول فلأنه دل عليه ما ذكر من إقامة
الصلاة وغيرها؛ لأنه مما جاء به الرسول، فإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة إنما
يصح من المؤمن بالرسول.
هؤلاء الموصوفون بهذه الصفات هم الذين يقتصر عليهم عمارة المساجد
الحسية بالبناء والتشييد والترميم، والمعنوية بالعبادة والأذكار وحضور دروس
العلم، فلا يعمر بيوت الله غيرهم، وهؤلاء هم الذين يرجى بحق أن يكونوا
من المهتدين إلى الخير دائماً، وإلى ما يحب الله ويرضيه، المستحقون الثواب على
أعمالهم، لا أولئك المشركون الضالون الذين يجمعون بين الأضداد،
فيشركون بالله ويكفرون بما جاء به رسوله، ويسجدون للطواغيت (الأصنام)
ثم يقدمون بعض الخدمات للمسجد الحرام.
٤٨٧
الُرَءُ (١٠) - التَّوَّة: ٩/ ١٧-١٨
وليس المراد من الرجاء المستفاد من (عسى) حقيقته، فذلك لا يصح أن
يكون صادراً من الله؛ لأنه ظن بحصول أمر وقعت أسبابه. وإنما عبر بكلمة
(عسى) إشارة إلى قطع أطماع الكفار من الانتفاع بأعمالهم التي افتخروا بها
وتأملوا عاقبتها، أي إذا كان جزاء المؤمنين على أعمالهم منوطاً بالرجاء منهم،
فليس للكفارأي دور، أو إذا كان حصول الاهتداء للمؤمنين دائراً بين - لعل
وعسى - فما بال هؤلاء المشركين يقطعون بأنهم مهتدون ويجزمون بفوزهم
بالخير من عند الله تعالى؟!
ويؤكد استحقاق عمارة المساجد من قبل المتصفين بالأوصاف السابقة
أحاديث نبوية كثيرة، منها في البناء المادي أوالحسي: ما رواه الشيخان
والترمذي عن عثمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَ لا يقول: ((من بنى
الله مسجداً يبتغي به وجه الله، بنى الله له بيتاً في الجنة)). ومنها ما رواه أحمد عن
ابن عباس مرفوعاً: ((من بنى لله مسجداً ولو كَمَفْحَص قطاة لبيضها، بنى الله
له بيتاً في الجنة)) والمفحص: موضع البيض. وروى الحارث بن أبي أسامة وأبو
الشيخ بسند ضعيف عن أنس رضي الله عنه: ((من أسرج في مسجد سراجاً، لم
تزل الملائكة وحملة العرش تستغفر له، ما دام في ذلك المسجد ضوء من ذلك
السراج)).
ومنها في العمارة المعنوية: ما رواه الشيخان والحافظ أبو بكر البزار وعبد
ابن حميد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَ له: ((إنما عُمَّار المساجدهم
أهل الله)). ومنها ما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم وابن مردويه عن
أبي سعيد الخدري أن رسول الله و ﴿ قال: ((إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد،
فاشهدوا له بالإيمان. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ
وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾.
ومنها قوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه الطبراني في الكبير عن ابن
٤٨٨
الُ (١٠) - التَّوَتِير: ١٧/٩-١٨
مسعود وهو ضعيف: قال الله تعالى: ((إن بيوتي في أرضي المساجد، وإن
زوّاري فيها عُمّارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته، ثم زارني في بيتي، فحقٌّ على
المزور أن يكرم زائره)).
وحذر النبي وَلّ من الإخلال بحرمة المساجد، فقال فيما رواه الطبراني في
الكبير عن ابن مسعود وهو ضعيف: ((يأتي في آخر الزمان ناس من أمتي،
يأتون المساجد، فيقعدون فيها حلقاً، ذكرهم الدنيا، وحب الدنيا، لا
تجالسوهم، فليس لله بهم حاجة)). وفي حديث آخر: ((الحديث في المسجد يأكل
الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش))(١).
فقه الحياة أو الأحكام:
استنبط من الآيات ما يأتي:
اً - لا ثواب للمشركين في الآخرة على أعمال البر التي تصدر عنهم في
الدنيا.
اً - المتصفون بالإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر، والمقيمون الصلاة،
والمؤتون الزكاة، والذين لا يخشون أحداً سوى الله، هم الجديرون بعمارة
المساجد، وأصحاب هذه الصفات الأربعة هم الذين يعمرون المساجد، وهم
أهل الاهتداء إلى الخير والصراط المستقيم.
◌َّ - دل قوله: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ على أنه ينبغي لمن بنى مسجداً أن
يخلص لله في بنائه، وألا يقصد الرياء والسمعة.
والأصح أنه يجوز استخدام الكافر في بناء المساجد، والقيام بأعمال لا
(١) هكذا ذكره الكشاف، والمشهور على الألسنة ((الكلام المباح في المسجد يأكل الحسنات كما
تأكل النار الحطب)) (كشف الخفا ٣٥٤/١).
٤٨٩
الجُزُ (١٠) - التَّوَّةِ: ١٧/٩-١٨
ولاية له فيها، كنحت الحجارة والبناء والنجارة، فهذا لا يدخل في المنع
المذكور في الآية، إنما المنع موجه إلى الولاية على المساجد والاستقلال بالقيام
بمصالحها، مثل تعيينه ناظر المسجد أو ناظرأ وقافه. وقيل: إن الكفار ممنوعون
من عمارة مساجد المسلمين مطلقاً.
ولا مانع أيضاً من قيام الكافر ببناء مسجد أو المساهمة في نفقاته، بشرط
ألا يُتَّخَذَ أداة للضرر، وإلا كان حينئذ كمسجد الضرار. ولكن ليس للكافر
ترميم المساجد، حفاظاً على تعظيمها، ولأن تطهير المساجد واجب لقوله
تعالى: ﴿أَنْ طَهِرَا بَيْتِىَ لِلَطَّابِفِينَ﴾ والكافر نجس الاعتقاد، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا
الْمُشْرِكُونَ تَجَسُ﴾ [التوبة: ٢٨/٩] ولأنه لا يحترز من النجاسات، فدخوله في
المسجد ربما يؤدي إلى تلويثه، فتفسد عبادة المسلمين.
٤ - الترغيب بعمارة المساجد الحسية والمعنوية، كما دلت الآية
والأحاديث.
ه - قال الواحدي: يمنع الكافر من دخول المساجد، وإن دخل بغير إذن
مسلم، استحق التعزير، وإن دخل بإذن لم يعزر، والأولى تعظيم المساجد،
ومنعهم منها، وقد أنزل رسول الله وَ له وفد ثقيف في المسجد، وهم كفار،
وشدَّ ثمامة بن أثال الحنفي في سارية من سواري المسجد الحرام، وهو كافر.
٩ - دل قوله: ﴿وَفِ النَّارِ هُمْ خَلِدُونَ﴾ على أن الكفار مخلدون في النار.
لاً - قوله تعالى في بدء الآية: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ﴾ وتعبيره بكلمة ﴿إِنَّمَا﴾ التي
تفيد الحصر، دليل على أن المسجد يجب صونه عن غير العبادة، من فضول
الحديث، وإصلاح مهمات الدنيا، وكما أوضحت الأحاديث المتقدمة.
٨ - قال الجصاص: اقتضت الآية منع الكفار من دخول المساجد، ومن
بنائها، وتولي مصالحها والقيام بها؛ لانتظام اللفظ - أي العمارة - للأمرين،
٤٩٠
الجُرَءُ (١٠) - التَوَتية): ١٩/٩-٢٢
وهما الدخول والبناء. فإن عمارة المسجد تكون بمعنيين: أحدهما - زيارته
والكون فيه، والآخر - ببنائه وتجديد ما استرم منه(١).
1 - دلت الآية على أن عمارة المسجد لا تكون بالكفر، وإنما تكون بالإيمان
والعبادة وأداء الطاعة.
فضل الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله
13
أَجَعَلْتُ سِقَائَةَ الْحَجِ وَعَمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْأَخِرِ
﴿ الَّذِينَ
وَجَهَدَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُنَ عِندَ اللَّهُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُوْلَكَ
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمٍ بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَنٍ وَجَنَّتٍ لَهُمْ فِيَهَا نَعِيمٌ
هُمُ الْفَايِرُونَ
٢٢
خَلِينَ فِيَهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
مُقِيمُ (
القراءات:
﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾ :
وقرأ حمزة: (يَبْشُرُهم).
الإعراب:
﴿أَجَعَلْتُ سِقَايَةَ الْحَجِ﴾ في الكلام حذف مضاف إما من أول الكلام
تقديره: أجعلتم أصحاب سقاية الحاج وأصحاب عمارة المسجد الحرام كمن
آمن بالله. وإما من آخر الكلام تقديره: أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد
الحرام كإيمان من آمن بالله. وإنما وجب تقدير الحذف ليصح المعنى.
(١) أحكام القرآن: ٨٧/٢
٤٩١
الجُزُ (١٠) - التَوَقَةِ: ١٩/٩-٢٢
(خَلِدِينَ فِيَهَا﴾ حال ﴿لَّمْ فِيهَا نَعِيهُ مُقِيمُ﴾ ﴿نَعِيدُ مُقِيمُ﴾: مبتدأ
وصفة، و﴿لَّمْ﴾: خبر المبتدأ، والجملة صفة لجنات. وضمير ﴿فِيهَا﴾ يعود
إلى الجنات أو الرحمة أو البشرى. وكذلك ضمير ﴿فِيهَا﴾ الثانية حال ..
البلاغة:
﴿أَجَعَلْتُ سِقَايَةَ الْحَاجِ﴾ استفهام إنكاري لمن يسوي بين هذا أو ذاك.
﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَآِزُونَ﴾ في الجملة حصر، أي هم الفائزون لا غيرهم.
﴿بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَنٍ﴾ تنكير الكلمتين للتفخيم والتعظيم، أي برحمة
ورضوان لا يوصفان.
المفردات اللغوية:
﴿سِقَايَةَ الْحَاجِ﴾ سقي الحجيج الماء، والسقاية في اللغة: موضع السقي أو
إناء السقي. وكانت قريش تسقي الحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء، وكان
يتولى هذا العباس بن عبد المطلب في الجاهلية والإسلام. وفي الآية حذف
مضاف: أي أجعلتم أهل ذلك . ﴿لَا يَسْتَوُنَ عِندَ اللَّهِ﴾ في الفضل.
﴿الظَّالِمِينَ﴾ الكافرين. ﴿دَرَجَةً﴾ رتبة. ﴿اُلْفَِزُونَ﴾ الظافرون بالخير. ﴿نَعِيمٌ
مُقِيمُ﴾ دائم ﴿خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ ماكثين فيها على الدوام، أكد الخلود
بالتأبيد؛ لأنه قد يستعمل للمكث الطويل. ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ: أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾
يستحقر دونه ما استوجبوه لأجله أو نعم الدنيا.
سبب النزول:
أخرج مسلم وابن حبان وأبو داود عن النعمان بن بشير قال: كنت عند
منبر رسول الله وَله في نفر من أصحابه، فقال رجل منهم: ما أبالي ألّا أعمل
الله عملاً بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر: بل عمارة المسجد
٤٩٢
الُعُ (١٠) - التَوَتية: ١٩/٩-٢٢
الحرام، وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم، فزجرهم عمر،
وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله وَّر، وذلك يوم الجمعة،
ولكن إذا صليتُ الجمعة، دخلتُ على رسول الله وَّهَ، فاستفتيتُه فيما
اختصمتم، فأنزل الله: ﴿أَجَعَلْتُ سِقَائَةَ الْحَجِ﴾ - إلى قوله - ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى
اُلْقَوْمَ الظَلِينَ﴾.
وأخرج الفريابي عن ابن سيرين قال: قدم علي بن أبي طالب مكة، فقال
للعباس: أي عم؟ ألا تهاجر؟ ألا تلحق برسول الله وَله، فقال: أُعمر
المسجد، وأحجب البيت، فأنزل الله: ﴿أَجَعَلْتُ سِقَايَةَ الْحَاجِ﴾ الآية.
والحجابة: هي سِدانة البيت وخدمته.
والسقاية والحجابة أفضل مآثر قريش، وقد أقرهما الإسلام، جاء في
الحديث الوارد في خطبة حجة الوداع عن جابر: ((إن مآثر الجاهلية تحت قدمي
إلا سقاية الحاج وسدانة البيت)) ومآثر العرب: مكارمها ومفاخرها التي تؤثر
عنها، أي تروى وتذكر.
وأخرج عبد الرزاق عن الشعبي نحوه. وأخرج ابن جرير الطبري عن محمد
ابن كعب القرظي قال: افتخر طلحة بن شيبة والعباس وعلي بن أبي طالب،
فقال طلحة: أنا صاحب البيت معي مفتاحه، وقال العباس: أنا صاحب
السقاية والقائم عليها، فقال علي: لقد صليت إلى القبلة قبل الناس، وأنا
صاحب الجهاد، فأنزل الله: ﴿أَجَعَلْتُمُ سِقَايَةَ الْحَاجِ﴾ الآية كلها.
والخلاصة: أن الأصح في سبب النزول ما ذكره النعمان بن بشير،
والروايات الأخرى عن الحسن والشعبي والقرظي وابن سيرين تفصيل لمجمل
رواية النعمان.
المناسبة:
هذه الآية مرتبطة بما قبلها، ومكملة لها، فالآية السابقة أوضحت أن
1
٤٩٣
الجزء (١٠) - التوثي: ١٩/٩-٢٢
عمارة المسجد الحرام مقبولة إذا كانت صادرة عن إيمان، فهي للمسلمين دون
المشركين، وهذه الآية أبانت أن الإيمان والجهاد أفضل مما كان يفخر به
المشركون من عمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج.
التفسير والبيان:
هذه الآية خطاب للمؤمنين بحسب حديث النعمان بن بشير، وقيل: هي
خطاب للمشركين بدليل السياق، والأصح أنها تضمنت المفاضلة التي جرت
بين المسلمين والكافرين، لقوله تعالى: ﴿كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ﴾ فإن العباس - كما
تقدم - احتج على فضائل نفسه بأنه عمّر المسجد الحرام وسقى الحاج.
والمعنى: أجعلتم أهل السقاية وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم
الآخر، وجاهد في سبيل الله سواءً في الفضيلة والدرجة؟ فإن السقاية
والعمارة، وإن كانتا من أعمال الخير، فأصحابهما لا يساوون في المنزلة أهل
الإيمان والجهاد.
وهذا معنى قوله: ﴿لَا يَسْتَوُنَ عِنْدَ اللَّهُ﴾ أي لا تساوي أبداً بين الفريقين
لا في الصفة ولا في العمل، في حكم الله وفي إثابته، في الدنيا والآخرة.
ثم بَيَّن عدم تساويهم بقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الَِّمِينَ﴾ أي لا يهدي
القوم الكافرين في أعمالهم إلى ما هو الأفضل والأرقى رتبة؛ إذ قد طمس على
قلوبهم.
والمعنى: إنكار أن يُشبّه المشركون وأعمالهم المحبَطة بالمؤمنين وأعمالهم
المثبتة، وأن يُسَوَّى بينهم، وجعل تسويتهم ظلماً، بعد ظلمهم بالكفر.
فالإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس أفضل
وأعظم درجة عند الله من أعمال السقاية والسِدانة أو العمارة.
٤٩٤
لُ (١٠) - التَّوَثِيرً): ١٩/٩-٢٢
ثم بيَّن الله تعالى مراتب التفاضل بين المؤمنين أنفسهم، فقال: ﴿الَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾ أي إنّ المؤمنين بالله ورسوله، المهاجرين من مكة إلى المدينة، المجاهدين
في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ولإعلاء كلمة الله، هم أعظم درجة وأرفع
مقاماً ومكانة من القائمين بأعمال أخرى كالسقاية والعمارة.
وأولئك المؤمنون المهاجرون المجاهدون هم الفائزون بفضل الله وكرامته
و مثو بته.
وهذا الفوز هو أنه تعالى يبشرهم في كتابه المنزل على رسوله برحمة واسعة،
ورضوان كامل، وجنات لهم فيها نعيم دائم، وهم في هذا النعيم خالدون على
الدوام إلى ما شاء الله تعالى.
وإن الله عنده الثواب العظيم على الإيمان والعمل الصالح ومنه الهجرة،
والجهاد في سبيله ومن أجل مرضاته، كما قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَمَسَكِنَ طَيِّبَةُ فِى
جَنَّتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
@ [التوبة :
٧٢
٩/ ٧٢] . والرضوان: نهاية الإحسان، وهو شيء روحي، والنعيم في الجنة شيء
مادي، فهو لین العیش ورغده.
وروى الشيخان والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري قال: قال
رسول الله وَله: ((إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبّيك ربَّنا
وسَعْديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما
لم تعط أحداً من خلقك؟ فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، فيقولون:
ربَّنا، وأي شيء أفضلُ من ذلك؟ فيقول: أُحِلُّ عليكم رضواني، فلا أسخط
عليكم بعده أبداً».
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على أن الجهاد مع الإيمان أفضل عند الله من أي عمل آخر من
٤٩٥
الجزء (١٠) - التَوتي: ١٩/٩-٢٢
أعمال الخير والبر؛ لأنه بذل للنفس أو المال، بقصد إعلاء كلمة الله. وأما
السقاية وعمارة المسجد الحرام فهما وإن كانا عملين طيبين، إلا أنهما ليسا في
الدرجة مثل الجهاد. روى عبد الرزاق عن الحسن البصري قال: نزلت آية
﴿أَجَعَلْتُمُ سِقَايَةَ الْحَاجِ﴾ في علي وعباس وعثمان وشيبة، تكلموا في ذلك، فقال
العباس: ما أراني إلا أني تارك سقايتنا؟ فقال رسول الله وَله: ((أقيموا على
سقايتكم، فإن لكم فيها خيراً».
والآية إنكار أن يشبه المشركون وأعمالهم المحبطة بالمؤمنين وأعمالهم المثبتة
وأن يسوى بينهم، وجعل تسويتهم ظلماً بعد ظلمهم بالكفر.
ومراتب فضل المجاهدين كثيرة، فهم أعظم درجة عند الله من كل ذي
درجة، فلهم المزية والمرتبة العلية، وهم الفائزون الظافرون الناجون، وهم
الذين يبشرهم ربهم، أي يعلمهم في الدنيا ما لهم في الآخرة من الثواب الجزيل
والنعيم المقيم، وهم الخالدون إلى الأبد وإلى ما شاء الله في جنان الخلد، ولهم
ثواب عظيم أعده الله لهم في دار كرامته.
هؤلاء هم أعظم درجة عند الله من أهل السقاية والعمارة، وهم المختصون
بالفوز دون غیرهم.
٤٩٦
الجزء (١٠) - التَّوَتيا: ٩/ ٢٣-٢٤
ولاية الآباء والإخوان الكافرين
وتفضيل الإيمان والجهاد على ثمانية أشياء
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوْ ءَابَآءَ كُمْ وَإِخْوَتَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنْ أَسْتَحَبُّواْ
قُلْ إِن
اُلْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَنْ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
كَانَ ءَابَآؤُّكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ وَأَزْوَجُّكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَلُ أَقْتَفْتُوهَا وَنَجَرَّةٌ
تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَ إِلَيْكُمْ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ
فِي سَبِيلِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِى اللَّهُ بِأَمْرِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ
٢٤
القراءات:
﴿ أَوْلِيَآءَ إِنِ﴾:
بتسهيل الهمزة الثانية بين بين وصلاً، قرأ: نافع، وابن كثير وأبو عمرو.
وأجمعوا على تحقيق الأولى.
البلاغة:
﴿فَتَرَّصُواْ حَتَّى يَأَتِىَ اللَّهُ بِأَمْرِهُ﴾ أمر يراد به الوعيد، مثل ﴿أَعْمَلُواْ مَا
◌ِشِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤١ /٤٠].
المفردات اللغوية:
{أَسْتَحَبُواْ﴾ اختاروا، وهو بمعنى: أحبوا ﴿الظِّمُونَ﴾ الظلم: وضع
الشيء في غير موضعه. ﴿وَعَشِيرَتُّكُمْ﴾ أقرباؤكم ذوو القرابة القريبة ﴿اقْتَفْتُمُوهَا﴾
اكتسبتموها ﴿ كَسَادَهَا﴾ عدم رواجها أو عدم نفادها، وبوارها ﴿أَحَبَّ
٤٩٧
لُ (١٠) - التَّوَقَةِ): ٢٣/٩-٢٤
إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِ سَبِيلِهِ﴾ أي أحب إليكم من طاعة
الله وطاعة رسوله ومن المجاهدة في سبيل الله، فقعدتم لأجله عن الهجرة
والجهاد ﴿فَتَرَبَّصُواْ﴾ انتظروا ﴿حَتَّى يَأْتِى اللَّهُ بِأَمْرِهُ﴾ تهديد لهم، والأمر:
العقوبة العاجلة أو الآجلة.
سبب النزول:
نزلت الآيتان فيمن ترك الهجرة لأجل أهله وتجارته.
سبب نزول الآية: (٢٣)
◌ْبَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ﴾ قال الكلبي: لما أُمر رسول الله وَل
بالهجرة إلى المدينة، جعل الرجل يقول لأبيه وأخيه وامرأته: إنا قد أمرنا
بالهجرة، فمنهم من يسرع إلى ذلك ويعجبه، ومنهم من يتعلق به زوجته وعياله
وولده، فيقولون: نشدناك الله أن تدعنا إلى غير شيء فنضيع، فيرقّ، فيجلس
معهم ويدع الهجرة، فنزلت يعاتبهم سبحانه ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ
ءَبَآءَكُمْ وَإِخْوَنَكُمْ﴾ الآية(١).
ونزلت في الذين تخلفوا بمكة ولم يهاجروا آية: ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمُ
وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله ﴿فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِى اللَّهُ بِأَمْرِهُ﴾ يعني القتال وفتح
مكة.
أخرج الفريابي عن ابن سيرين عن علي بن أبي طالب قال لقوم قد سماهم:
ألا تهاجروا، ألا تلحقوا برسول الله وَلافي !! فقالوا: نقيم مع إخواننا وعشائرنا
ومساكننا، فأنزل الله: ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ﴾ الآية كلها.
المناسبة:
لما أمر الله تعالى المؤمنين بالتبري عن المشركين ونبذ عهودهم، قالوا: كيف
(١) أسباب النزول للواحدي: ص ١٤٠
٤٩٨
الجزءُ (١٠) - التوثي: ٢٣/٩-٢٤
تمكن هذه المقاطعة التامة بين الرجل وبين أبيه وأمه وأخيه، فذكر تعالى أن
الانقطاع عن الآباء والأولاد والإخوان واجب بسبب الكفر، وهو قوله:
﴿إِنِ اسْتَحَبُّوْ اَلْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَنَّ﴾.
ثم جاءت الآية التالية: ﴿قُلٌ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمُ﴾ مؤكدة لمضمون الآية
السابقة، وأبان تعالى أنه يجب تحمل جميع هذه المضارّ الدنيوية، ليبقى الدين
سليماً، إذ سلامة الدين تكون بمباينة الكفار وعدم موالاتهم.
والخلاصة: إن الدين يغير المفاهيم، فيجعل رابطة الدين أعلى وأقوى
وأولى من رابطة العصبية الجنسية، وصلة القرابة، والانتماء للأسرة، ويقرر
أن ثمرة الهجرة والجهاد لا تظهر إلا بترك ولاية المشركين، وإيثار طاعة الله
والرسول على كل شيء في الحياة.
التفسير والبيان:
يا أيها المصدّقون بالله ورسوله، لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء
تنصرونهم في القتال، وتؤيدون الكفار لأجلهم، أو تطلعونهم على أسرار
المسلمين العامة أو الحربية، إن اختاروا الكفر على الإيمان، وآثروا الشرك على
الإسلام، ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون لأنفسهم وأمتهم؛ لأنهم
خالفوا الله ورسوله، بموالاة الكافرين بدلاً من التبرؤ منهم.
فبعد أن نهى عن مخالطتهم، أوضح أن هذا النهي للتحريم لا للتنزيه،
بقوله: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنْكُمْ فَأُؤْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ قال ابن عباس: هو
مشرك مثلهم؛ لأنه رضي بشركهم، والرضا بالكفر كفر، كما أن الرضا
بالفسق فسق.
ويؤيد ذلك آية أخرى هي ﴿إِنَّمَا يَنْهَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَلُوَّكُمْ فِى اُلِّينِ
وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَِكُمْ وَظَهَرُواْ عَلَىّ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَنَوَلَُّمْ فَأُوْلَبِكَ هُمُ
[الممتحنة: ٩/٦٠] .
الظَّالِمُونَ
٤٩٩
الجزء (١٠) - التوثي): ٢٣/٩-٢٤
ثم أمر تعالى رسوله أن يتوعد من آثر أهله وقرابته وعشيرته على الله ورسوله
وجهاد في سبيله، مصدراً ذلك بكلمة ﴿إِن﴾ المفيدة للشك؛ لأن حب
الكافرين مشكوك فيه من المؤمنين، والمقصود هو تفضيل حبهم على حب الله،
أما أصل الحب فهو أمر فطري طبعي لا لوم عليه، ولا مؤاخذة فيه؛ لأن
التكليف يتوجه على الأمور المقدورة للإنسان، لا على الأمور الجبلية الفطرية
كالحب والبغض.
فقال له: قل: إن كنتم تؤثرون هذه الأشياء الثمانية، وتفضلون الآباء،
والأبناء، والإخوان، والأزواج، والعشيرة (القرابة القريبة) والأموال،
والتجارة، والمساكن، على حب الله ورسوله، أي طاعتهما، والجهاد في سبيله
الذي يحقق السعادة الأبدية في الآخرة، فانتظروا حتى يأتي الله بعقابه العاجل
أو الآجل.
ويمكن تصنيف هذه الأنواع الثمانية بأربعة: وهي مخالطة الأقارب، وذلك
يشمل الآباء والأبناء والإخوان والأزواج، ثم بقية العشيرة، والميل إلى إمساك
الأموال المكتسبة، والرغبة في تحصيل الأموال بالتجارة، والرغبة في المساكن.
وهذا ترتيب حسن، يبدأ بالأشد تعلقاً والأدعى إلى المخالطة وهو القرابة، ثم
الحرص على المال، ثم طريق اكتسابه بالتجارة، ثم الرغبة في البناء في الأوطان
والدور المخصصة للسكنى. ولكن الله تعالى أبان أن رعاية الدين خير من رعاية
جملة هذه الأمور.
ومن المعروف أن محبة هذه الأمور الثمانية بالطبيعة، فمحبة الآباء غريزة
عند الأبناء؛ لأن الولد بَضْعة من أبيه، والولد يشعر أن أباه سبب في وجوده،
والعرب قديماً وحديثاً يفخرون بالآباء، لهذا حث الله على ذكره في الحج مثل
ذكر الآباء أو أشد، فقال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِّْكُمْ
ءَبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠/٢].
٥٠٠
لُرُ (١٠) - التَّوتي): ٩/ ٢٣-٢٤
ومحبة الأبناء غريزة أيضاً، بل هي أشد من محبة الآباء؛ إذ الولد فلذة من
الكبد، وهو محط الأمل، ومفخرة الأهل، كما قال تعالى: ﴿اَلْمَالُ وَالْبَنُونَ
زِينَةُ اُلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦/١٨].
والأخ يتقوى بأخيه، ويربطهما الانتماء للأصول من الأب والأم، قال
تعالى لموسى: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص: ٣٥/٢٨].
وحب الزوجة أمر فطري أيضاً، وكل من الزوجين يكمل الآخر، وسكينة
له، وبينهما الود والتراحم: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ- أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا
لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ قَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ
[الروم: ٣٠/ ٢١] .
وحب العشيرة قائم على الحاجة للتعاون والتناصر، وهو شديد التأثير في
المجتمعات القبلية.
وحب المال المكتسب قوي عند الإنسان؛ لأنه ثمرة عنائه وجهده، وكذلك
حب التجارة أصيل في النفس البشرية؛ لأنه مصدر التمويل، لذا يحرص
الشخص على تنمية تجاراته، لتنمو موارده، وتكثر أرباحه، فيستفيد منها.
وحب المساكن الطيبة أمر مستكن في النفوس؛ لأنها مهد الراحة والطمأنينة
والاستقرار، ووسيلة التفاخر والتظاهر بالنعمة، وربما كانت من المقومات
الاجتماعية في الأعراف والعادات.
وبالرغم من مظاهر الحب وحقائقه لهذه الأنواع الثمانية، أمر الله تعالى
بإيثار حب الله والرسول وطاعتهما والجهاد في سبيله على هذه الأشياء؛ لأن
الله تعالى مصدر جميع النعم، وملجأ لدفع كل الكروب والمحن، لذا وصف
تعالى المؤمنين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّا لِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٦٥/٢].
وكذلك حب الرسول واجب بعد محبة الله؛ لأنه صاحب الفضل في إنقاذنا