النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
الُ (١٠) - التَّوَتية): ٦/٩
اً - مشروعيّة الأمان، أي جواز تأمين الحربي إذا طلبه من المسلمين،
ليسمع ما يدلّ على صحّة الإسلام، وفي هذا سماحة وتكريم في معاملة الكفار،
ودليل على إيثار السّلم.
أَ - يجب علينا تعليم كل من التمس منّا تعلّم شيء من أحكام الدِّين.
◌َّ - يجب على الإمام حماية الحربي المستجير، وصون دمه وماله ونفسه من
الأذى، ومنع التّعرُّض له بأي شيء من ألوان الإيذاء.
٤ - يجب على الإمام تبليغه مأمنه، أي وطنه وبلاده بعد قضاء حاجته، فلا
يجوز تمكينه من الإقامة في دار الإسلام إلا بمقدار قضاء حاجته، عملاً بالآية:
﴿فَأَجِرَهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغَهُ مَأْمَنَهُ﴾(١)، قال العلماء: لا يجوز أن
يمكّن من الإقامة في دار الإسلام سنة، ويجوز أن يمكّن من إقامة أربعة
أشهر (٢). ونصّ الحنفيّة على أنه يجب على الإمام أن يأمره بالخروج متى انتهت
حاجته، وأن يعلمه بأنه إن أقام بعد الأمر بالخروج سنة في دار الإسلام، صار
ذمّاً مواطناً، وتفرض عليه الجزية(٣).
٥ - دلّ قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ﴾ على أن التّقليد في
الدِّين غير مقبول، وأنه لا بدّ من تكوين الاعتقاد والإيمان بالنّظر
والاستدلال، بدليل إمهال الكافر وتأمينه وتبليغه مأمنه لسماع أدلّة الإيمان،
فلا بدّ من الحجّة والبرهان.
أَ - قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اٌللَّهِ﴾ دليل على أن كلام الله عزّ وجلٌ
مسموع عند قراءة القارئ لكلامه. ويدلّ عليه إجماع المسلمين على أنّ القارئ
(١) أحكام القرآن للجصاص: ٨٤/٣
(٢) تفسير ابن كثير: ٣٣٧/٢
(٣) الجصاص، المرجع السابق.

٤٦٢
الجُرُ (١٠) - التَوَتَّةِ: ٦/٩
إذا قرأ فاتحة الكتاب أو سورة قالوا: سمعنا كلام الله. لكن ذلك كما قال ابن
العربي بواسطة اللغات، وبدلالة الحروف والأصوات، أما القدوس فلا مثل
له ولا لكلامه.
واستدلّ المعتزلة بهذه الآية على أنّ كلام الله الذي يسمعه كل الناس ليس
إلا هذه الحروف والأصوات، وهذه ليست قديمة، فدلّ هذا على أنّ كلام الله
محدث مخلوق غير قديم.
وأجابهم الرّازي بأن الذي نسمعه ليس عين كلام الله على مذهبكم، وإنما
نسمع حروفاً وأصواتاً فعلها الإنسان. وهذا لا شكّ حادث، وأما الكلام
الأصلي الصادر عن الله فهو قديم قدم الله تعالى.
وهل كل أمان من المسلم للحربي نافذ؟ لا شكّ أن أمان السُّلطان جائز؛
لأنه قائم للنّظر في مصالح الأمة وأحوالها، نائب عن الجميع في جلب المنافع
والمضارّ. وأما أمان غير الخليفة فمختلف في بعض حالاته، فقال الجمهور:
يجوز أمان الحرّ والعبد، والكبير والصَّبي، والرّجل والمرأة؛ لقوله وَالّ فيما
رواه أحمد والنسائي وأبو داود عن علي: ((المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى
بذمتهم أدناهم».
وقال أبو حنيفة: لا أمان للعبد والمرأة والصَّبي؛ لأنه لا يسهم لهم في
الغنيمة.

٤٦٣
◌ِلُعُ (١٠) - التَّوَّةِ: ٩ /٧-١٠
أسباب البراءة من عهود المشركين وقتالهم
ڪَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدُّ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّ الَّذِينَ
عَهَدْتُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَِّ فَمَا أُسْتَقَمُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُتَّقِينَ
ڪَيْفَ وَإِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُواْ فِيَكُمْ إِلَّا وَلَا ذِمَّةُ
يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَسِقُونَ ﴿ أُشْتَرَوْ بِعَايَتِ اللَّهِ
ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَذُواْ عَنِ سَبِيلِّ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ جَ لَا يَرْقُبُونَ فِى
مُؤْمِنٍ إِلَّا وَلَا ذِمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَّدُونَ
الإعراب:
﴿كَيْفَ يَكُونُ﴾ كيف: محلها النصب على التشبيه بالظرف أو الحال.
ويكون إما تامة أو ناقصة، وعهد: اسمها، وخبرها إما ﴿كَيْفَ﴾ أو
لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أو ﴿عِندَ اللَّهِ﴾.
﴿إِلَّا الَّذِينَ عَهَدتُمْ﴾ هم المستثنون من قبل، ومحله النصب على
الاستثناء، أو الجر على البدل أو الرفع على أن الاستثناء منقطع، أي ولكن
الذين عاهدتم فاستقيموا لهم.
﴿فَمَا أَسْتَقَمُواْ﴾ ما: شرطية أو مصدرية.
﴿وَإِن يَظْهَرُواْ عَيْكُمْ﴾ جملة الشرط حال، أي حالهم أنهم لا يراعوا
حلفاً.
المفردات اللغوية:
كَيْفَ يَكُونُ﴾ أي لا يكون، وهو استفهام في معنى الاستنكار
والاستبعاد لأن يكون لهم عهد وهم أعداء حاقدون. ﴿لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ

٤٦٤
الجُزءُ (١٠) - التَّوَّة: ٩/ ٧-١٠
اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ﴾﴾ وهم كافرون بالله ورسوله غادرون. ﴿إِلَّا الَّذِينَ
عَهَدَثُمْ عِندَ اُلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يوم الحديبية وهم قريش المستثنون من قبل.
﴿فَمَا أَسْتَقَامُواْ لَكُمْ﴾ أقاموا على العهد ولم ينقضوه. ﴿فَأُسْتَقِيمُواْ لَهُمْ﴾ على
الوفاء بالعهد . ﴿كَيْفَ﴾ يكون لهم عهد، تكرار لاستبعاد ثبات المشركين
على العهد، وحذف الفعل لكونه معلوماً. ﴿وَإِن يَظْهَرُواْ عَيْكُمْ﴾ يظفروا
بكم ويغلبوكم . ﴿لَا يَرَقُواْ﴾ لا يراعوا، ومنه: فلان لا يرقُّب الله في أموره،
أي لا ينظر إلى عقابه. ﴿إِلَّا﴾ الإل: الحلف، وقيل: القرابة، واشتقاق الإلّ
بمعنى الحلف؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا، رفعوا به أصواتهم وشهروه، من
الإل: وهو الجوار. وسميت به القرابة لأن القرابة عقدت بين الرجلين ما لا
يعقده الميثاق . ﴿ وَلَا ذِمَّةً﴾ الذمة والذمام: العهد، الذي يلزم من ضيَّعه الذمّ.
﴿فَسِقُونَ﴾ المراد به هنا ناقضون للعهد والميثاق، متجاوزون ما يوجبه
الصدق والوفاء. والعهد: ما يتفق طرفان من الناس على التزامه بينهما
لمصلحتهما المشتركة، فإن أكداه بما يقتضي زيادة العناية بحفظه والوفاء به سمي
ميثاقاً، وإن أكداه باليمين خاصة سمي يميناً.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى براءة الله ورسوله من عهود المشركين، وإعلان الحرب
عليهم بعد أربعة أشهر إلا من يستجير أو يستأمن لسماع كلام الله أو للرسالة
أو للتجارة، أبان سبب البراءة من المشركين وإمهاله إياهم أربعة أشهر، ثم
مناجزتهم بكل أنواع القتال، وهو نقضهم العهود ومعاملتهم بالمثل.
التفسير والبيان:
كيف يكون للمشركين الناكثين للعهد عهد محترم عند الله وعند رسوله؟
وهذا استفهام بمعنى الإنكار والاستبعاد لأن يكون لهم عهد، وهم في الواقع
أعداء ألداء حاقدون مضمرون الغدر، مشركون بالله، كافرون به وبرسوله،

٤٦٥
الُزُ (١٠) - التَّوَّةِ: ٩ / ٧-١٠
يعني محال أن يثبت لهم عهد، فلا تطمعوا في ذلك. وهذا بيان حكمة البراءة
وسببها.
ثم استدرك واستثنى الذين عاهدتم عند المسجد الحرام، وهم بنو بكر وبنو
ضَمْرة الذين لم ينقضوا عهودهم المعقودة معهم يوم الحديبية، أي ليس العهد
إلا لهؤلاء الذين لم ينقضوا ولم ينكثوا، وهم المستثنون من قبل في قوله: ﴿إِلَّا
الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوَكُمْ شَيْئًا﴾.
والمراد بالمسجد الحرام: جميع الحرم كما هي عادة القرآن، إلا ما استثني،
فالعندية فيه على حذف مضاف أي قرب المسجد الحرام.
فهؤلاء حكمهم أنهم ما استقاموا لكم فاستقيموا لهم، أي فما أقاموا على
الوفاء بعهدكم، فأقيموا لهم على مثل ذلك. فأما من لا عهد له فقاتلوه حيث
وجدتموه إلا أن يتوب. وهو كقوله: ﴿فَتِقُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ غير
أن الكلام هنا مطلق، والآية النظير مقيدة. وأعيد ذكرهم هنا لبيان أنه يجب
أن تكون الاستقامة على العهد مرعية من الطرفين المتعاقدين إلى نهاية المدة،
وأما غيرهم فينبذ عهدهم.
ثم أكد الله تعالى ضرورة الوفاء لهم بالعهد بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ﴾
أي يرضى عن الذين يوفون بالعهد، ويتقون الغدر ونقض العهد. وهذا تعليل
لوجوب الامتثال، وتبيين بأن مراعاة العهد من باب التقوى، وإن كان المعاهد
مشركاً.
ثم كرر الله تعالى قوله: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُواْ﴾ لاستبعاد ثبات المشركين
على العهد، أي كيف يكون لغير الذين يوفون بعهدهم عهد مشروع محترم
واجب الوفاء عند الله وعند رسوله؟ والحال أنهم إن يظفروا بكم، لم يراعوا
حلفاً ولا قرابة ولا عهداً. وهذا تحريض للمؤمنين على معاداتهم والتبري
منهم، وتبيان أنهم لا يستحقون أن يكون لهم عهد، لشركهم بالله تعالى

٤٦٦
لُ (١٠) - التَّوَّية: ٧/٩-١٠
وكفرهم برسوله، ولأنهم إن تغلبوا على المسلمين لم يبقوا ولم يذروا، ولا
يراعوا فيهم إلاَّ ولا ذمة أي حلفاً وعهداً.
ومن خبثهم وضغينتهم أنهم قوم مخادعون يظهرون الكلام الحسن
بأفواههم، وقلوبهم مملوءة حقداً وحسداً وكراهية: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم ◌َا
لَيَسَ فِى قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١١/٤٨] وأكثرهم فاسقون أي متمردون لا عقيدة
تزعهم ولا مروءة تردعهم، خارجون من أصول الدين والمروءة والأخلاق،
متجاوزون حدود الصدق والوفاء، متحللون من قيود العهد والميثاق. وقال:
﴿ وَأَكْثَرُهُمْ﴾ لأن نقض العهد كان من الأكثرين، وهناك أقلية حافظت على
الوفاء بالعهد، استثناهم تعالى وأمر بالوفاء بعهدهم.
ثم ذكر تعالى سببين آخرين للبراءة والقتال وهما :
١ - إنهم اشتروا أي اعتاضوا واستبدلوا بآيات الله الدالة على الحق والخير
والتوحيد ثمناً قليلاً حقيراً من متاع الدنيا، وهو اتباع الأهواء والشهوات،
والالتهاء بأمور الدنيا الخسيسة، فصدوا عن سبيله، أي عدلوا بسبب هذا
الشراء الخسيس أنفسهم عن الإسلام وأخلاقه، وصرفوا أيضاً غيرهم عنه،
فمنعوا الناس من اتباع الدين الحق، إنهم ساء ما كانوا يعملون، أي بئس
العمل عملهم، وقبح ما ارتضوه لأنفسهم من الكفر والضلالة والصدّ عن دين
الله، بدلاً من الإيمان والهدى، واتباع شرع الله. روي أن أبا سفيان لما أراد
إقناع قريش وحلفائها بنقض عهد الحديبية، صنع لهم طعاماً استمالهم به،
فأجابوه إلى ما طلب.
٢ - وهم من أجل كفرهم لا يراعون في شأن مؤمن قدروا على الفتك به
حلفاً ولا قرابة ولا عهداً على الإطلاق، وأولئك هم المعتدون، أي المجاوزون
الغاية في الظلم والشر، فهم لا يفهمون بغير لغة السيف، والخضوع للقوة لا
للعهد والذمة، وقد أثبت التاريخ أنهم كذلك في الواقع. وقد أجمل القرآن

٤٦٧
الُ (١٠) - التَوَّةِ: ٩ / ٧-١٠
صفاتهم بأنهم أولاً هم الفاسقون، وثانياً بأنهم المعتدون، فكيف يحترمون
العهود؟
وقوله هنا: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلَّا وَلَا ذِمَةٌ﴾ ليس تكراراً؛ لأن الأول
لجميع المشركين، والثاني لليهود خاصة، بدليل قوله: ﴿أُشْتَرَوّا بِعَايَتِ اللَّهِ
ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يعني اليهود، فلو أريد بالثاني المشركون كان تكراراً للتأكيد
والتفسير.
فقه الحياة أو الأحكام:
أوضحت الآيات أسباب البراءة من المشركين وحكمة الأمر بقتالهم بعد
مهلة الأربعة الأشهر: وهي أنهم نقضوا العهد، ولا يرعون في المؤمنين إلّاً
ولا ذمة أي حلفاً وقرابة وعهداً وأماناً، ومخادعون يقولون بألسنتهم ما يرضي
في الظاهر وقلوبهم تغلي حقداً وحسداً وكراهية، وأكثرهم فاسقون في دينهم
وعند أقوامهم، مما يوجب المبالغة في الذم، أي ناقضون العهد، وأنهم
استبدلوا بالقرآن متاع الدنيا، ومنعوا أنفسهم وغيرهم عن سبيل الله: سبيل
التوحيد والحق والخير، وأنهم معتدون، أي مجاوزون الحلال إلى الحرام بنقض
العهد.
واستفيد من الآيات بالنسبة للمؤمنين: أن العهد المحترم عند الله وعند
الرسول هو عهد غير الناكثين، وأن من استقام على عهده نعامله بمقتضاه،
ففي الحالين معاملة بالمثل، وأن مراعاة العهد وتنفيذ شروطه من تقوى الله التي
يرضاها لعباده.

٤٦٨
لالُرُ (١٠) - التَّوَية: ١١/٩-١٢
مصير المشركين إما التوبة وإما القتال
﴿فَإِنِ تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ فَإِخْوَئُكُمْ فِ الذِينُ وَنُفَصِّلُ
اُلْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿ وَإِن تَكَنُواْ أَيْمَنَهُم مِّنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِى
دِينِكُمْ فَقَئِلُواْ أَبِغَّةَ الْكُفْرِّ إِنَّهُمْ لَاَ أَيْمَنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ
١٢
القراءات:
﴿أَسِنَّةَ﴾ :
بتسهيل الهمزة الثانية بلا إدخال قرأ: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو.
وقرأ الباقون بالتحقيق.
﴿لَاَ أَيْمَنَ لَهُمْ﴾:
وقرأ ابن عامر: (لا إيمان لهم).
الإعراب:
﴿فَإِخْوَنُكُمْ﴾ أي فهم إخوانكم، خبر لمبتدأ محذوف.
﴿أَبِنَّةَ﴾ مفعول به، جمع إمام، وأصله ((أَأُمِمَة)) على أفْعِلة، فألقيت حركة
الميم الأولى على الهمزة الساكنة قبلها، وأدغمت الميم الأولى في الثانية، وأبدل
من الهمزة المكسورة ياء مكسورة.
نافية للجنس، و﴿أَيْمَنَ﴾: اسمها، وهي جمع يمين،
﴿لَآَ أَيْمَنَ﴾ ﴿لَآَ﴾.
أي لا عهود لهم. وتقرأ بالكسر، أي لا إيمان، وهو مصدر بمعنى التصديق
تأكيداً لقوله تعالى: ﴿أَسِعَّةَ الْكُفْرِ﴾ وإما مصدر أمنته إيماناً من الأمن،
لئلا يكون تكراراً لقوله: ﴿أَسِغَّةَ أَلْكُفْرِّ﴾.

٤٦٩
المُعُ (١٠) - التَّوَّة: ٩/ ١١-١٢
البلاغة:
﴿فَقَائِلُواْ أَبِغَّةَ الْكُفْرِ﴾ وضع أئمة الكفر موضع الضمير، للدلالة على
أنهم صاروا بذلك ذوي الرياسة والتقدم في الكفر، أحقّاء بالقتل. وقيل: المراد
بالأئمة: رؤساء المشركين، فالتخصيص لأن قتلهم أهم وهم أحق به.
المفردات اللغوية:
﴿وَنُفَصِلُ﴾ نبين. ﴿يَعْلَمُونَ﴾ يتدبرون. ﴿نَّكَثُواْ﴾ نقضوا العهد، وأصل
النكث: نقض الحبل. ﴿أَيْمَنَهُمْ﴾ مواثيقهم. ﴿ وَطَعَنُواْ فِىِ دِينِكُمْ﴾ عابوه.
﴿أَسِعَّةَ الْكُفْرِ﴾ رؤساء الكفر، فيه وضع الظاهر موضع الضمير . ﴿لَاّ
أَيْمَنَ﴾ لا عهود. ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ عن الكفر.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى حال المشركين من أنهم لا يرقبون في مؤمن إلّ ولا
ذمة، وينقضون العهد، ويضمرون النفاق، ويتعدون ما حُدَّ لهم، بَيَّن حالهم
بعد ثبوت عداوتهم للإسلام، فهم بين أمرين: التوبة أو القتال.
التفسير والبيان:
هذا مصير الكفار المشركين بعد إعلان عداوتهم للإسلام، فهم بين أمرين:
أحدهما - التوبة الصادقة عن الكفر ونقض العهد والصدّ عن سبيل الله:
أي إن تابوا عن شركهم بالله، وآمنوا بالله رباً واحداً لا شريك له، وأقاموا
الصلاة، أي أدّوها بشروطها وأركانها باعتبارها عماد الدين، وآتوا الزكاة
المفروضة عليهم الدالة على التكافل بين المسلمين وصدق الاعتقاد، إن فعلوا
ذلك فهم إخوانكم في الدين، لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم. ووصفهم
بالإخوة دليل على أن أخوة الدين أعلى وأخلد وأقوى من أخوة النسب.
واستحقوا هذا الوصف بالأمور الثلاثة المتقدمة المتلازمة بعضها مع بعض:

٤٧٠
لُعُ (١٠) - التَّوَّةَ: ١١/٩-١٢
وهي التوبة عن الكفر ونقض العهد، والإنابة إلى الله والإيمان به، وإقامة
الصلاة، وإيتاء الزكاة.
﴿ وَنُفَصِّلُ الَيَتِ﴾، أي نبين الأدلة والبراهين على وجودنا الحق، ﴿لِقَوْمِ
يَعْلَمُونَ﴾ ما نبين لهم، فيفهمون ويتفقهون. وهذا اعتراض قصد به الحث على
تأمل ما فصّل من أحكام المعاهدين، وعلى المحافظة عليها.
والثاني - القتال بعد نقضهم العهود: أي إن نقض هؤلاء المشركون ما أبرم
معهم من عهود، وطعنوا في دينكم، أي عابوا القرآن والنبي ◌َّ، واستهزؤوا
بالمؤمنين، كما كان يفعل شعراؤهم وزعماء الكفر فيهم، فهم أئمة الكفر
وقادته ورؤساؤه، فقاتلوهم قتالاً عنيفاً، إنهم لا عهود لهم ولا ذمة؛ لأنهم لما
لم يفوا بها صارت كأن لم تكن، وذلك لتكون المقاتلة سبباً في انتهائهم
ورجوعهم عما هم فيه من الكفر والعناد والضلال. وهذا من غاية كرم الله
وفضله على الإنسان.
فقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ أي عن كفرهم وباطلهم وإيذائهم المسلمين.
قال قتادة: أئمة الكفر كأبي جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف وآخرين.
وليس المراد بالآية هنا هؤلاء؛ لأنها لما نزلت، كان هؤلاء قد قتلوا في بدر.
وخصَّ الأئمة والسادة منهم بالذكر؛ لأنهم هم الذين يحرضون الأتباع على
الأعمال الباطلة.
وفيه دليل على أن الذمي إذا طعن في الإسلام، فقد نكث عهده، وعلى أن
القتال ليس بقصد المنافع الدنيوية أو الغنائم، أو إظهار الاستعلاء، وحب
السيطرة، وإرادة الانتقام، وإنما هو من أجل التمكين من قبول دعوة
الإسلام؛ وما الحرب إلا ضرورة يقتصر فيها على قدر الضرورة.

٤٧١
◌ِلُعُ (١٠) - التَوَتَّة: ١١/٩-١٢
قال ابن كثير: والصحيح أن الآية عامة، وإن كان سبب نزولها مشركي
قريش، فهي عامة لهم ولغيرهم(١).
فقه الحياة أو الأحكام:
حضت الآية على التوبة الصادقة عن الشرك والتزام أحكام الإسلام، وعلى
إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فلا تفرقة بين هذه الأمور الثلاثة.
روى الحافظ أبو بكر البزار عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَله :
((من فارق الدنيا على الإخلاص لله وعبادته، لا يشرك به، وأقام الصلاة،
وآتى الزكاة، فارقها، والله عنه راض)).
فإن أعرض المشركون عن قبول دعوة الإسلام وطعنوا في الدين، استحقوا
القتل والقتال، وأصبحت عهودهم لا قيمة لها وكأنها لم تكن. وربما كان
القتال سبيلاً لقبول الإسلام، والتخلص من الوثنية والشرك.
واستدل أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية ﴿إِنَّهُمْ لََّ أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ على أن يمين
الكافر ليست يميناً، قال البيضاوي: وهو استدلال ضعيف؛ لأن المراد نفي
الوثوق عليها، لا أنها ليست بأيمان؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن تَكَثُواْ أَيْمَنَهُم﴾
وعند الشافعي رحمه الله: يمينهم يمين، ومعنى هذه الآية عنده: أنهم لما لم
يفوا بها، صارت أيمانهم كأنها ليست بأيمان. والدليل على أن أيمانهم أيمان: أنه
تعالى وصفها بالنكث في قوله: ﴿وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم﴾ ولو لم يكن منعقداً، لما
صحَّ وصفها بالنکث.
واستدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب قتل كل من طعن في الدِّين؛
إذ هو كافر. والطعن: أن يَنْسِب إليه ما لا يليق به، أو يعترض بالاستخفاف
(١) تفسير ابن كثير: ٣٣٩/٢

٤٧٢
الُ (١٠) - التَوَية: ١١/٩-١٢
على ما هو من الدين؛ لما ثبت من الدليل القطعي على صحة أصوله واستقامة
فروعه(١). وقال ابن المنذر: أجمع عامة أهل العلم على أن من سبّ النبي ◌ِّل
عليه القتل. وممن قال ذلك: مالك والليث وأحمد وإسحاق، وهو مذهب
الشافعي. وقد حكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يُقتل من سبَّ النبي ◌َّ من
أهل الذمّة، وإنما يقتل بالحرابة والقتال.
وينتقض عهد الذمي إذا طعن في الدين في المشهور من مذهب مالك، وهو
مذهب الشافعي؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن تُكَثُواْ أَيْمَنَهُم﴾ فأمر بقتلهم وقتالهم.
وقال أبو حنيفة: إنه يستتاب ويعزر، وإن مجرد الطعن لا ينقض به العهد
إلا مع وجود النَّكْث(٢)؛ لأن الله عز وجل إنما أمر بقتلهم بشرطين: أحدهما
- نقضهم العهد، والثاني - طعنهم في الدين. ورد الجمهور بأن ذكر الأمرين
لا يقتضي توقف قتاله على وجودهما، فإن النكث يبيح لهم ذلك بانفراده عقلاً
وشرعاً.
وإذا حارَبَنا الذمي نُقض عهده، وكان ماله وولده فيئاً معه.
وأكثر العلماء على أن من سبَّ النبي ◌َّ من أهل الذمة، أو عَرّض، أو
استخف بقدره، أو وصفه بغير الوجه الذي كفر به، فإنه يقتل؛ فإنا لم نعطه
الذمة أو العهد على هذا.
ورأى أبو حنيفة والثوري أنه لا يقتل، فما هو عليه من الشرك أعظم،
ولكن يؤذَّب ويعزَّر. والحجة عليهما قوله تعالى: ﴿وَإِن ◌َّكَثُوا﴾ الآية. وقتل
كعب بن الأشرف لإيذائه النبي وكان معاهداً.
(١) أحكام القرآن لابن العربي: ٨٩٣/٢
(٢) أحكام القرآن للجصاص: ٨٥/٣

٤٧٣
الُ (١٠) - التَّوَثِيرًا: ١٣/٩-١٥
وإذا سبَّه ثم أسلم تقيّة من القتل، يُسقط إسلامه قتلَه في مشهور مذهب
مالك؛ لأن الإسلام يجبُّ ما قبله، بخلاف المسلم إذا سبّه ثم تاب، قال الله عز
وجل: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:
٣٨/٨] .
قال القرطبي في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾: وذلك يقتضي أن يكون
الغرض من قتالهم دفع ضررهم، لينتهوا عن مقاتلتنا ويدخلوا في ديننا.
التحريض على قتال المشركين
الناكثين أيمانهم وعهودهم
﴿أَا نُقَتِلُونَ قَوْمَا نَكَثُواْ أَيْمَنَهُمْ وَهَمُواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم
بَدَءُوكُمْ أَوَّلَـ مَرَّةٍّ أَتَّخْشَوْنَهُمَّ قَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِن كُمْ مُؤْمِنِينَ
١٣
فَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ
وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيم
١٤
مُؤْمِنِين
١٥
حَكِيمُ
الإعراب:
﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾: فيه ثلاثة أوجه:
الأول - أن يكون ﴿فَاللَّهُ﴾ مبتدأ، و﴿أَن تَخْشَوْهُ﴾: بدل منه، و﴿أَحَقُّ﴾
خبر المبتدأ.
الثاني - أن يكون ﴿فَاللَّهُ﴾ مبتدأ، و﴿أَحَقُّ﴾: خبره، و﴿أَنْ تَخْشَوْهُ﴾: في
موضع نصب بتقدير حذف حرف الجر، تقديره: فالله أحق من غيره بأن
تخشوه، أي بالخشية.

٤٧٤
لُ (١٠) - التَوَتَّة: ٩/ ١٣-١٥
الثالث - أن يكون ﴿فَاللَّهُ﴾ مبتدأ، و﴿أَن تَخْشَوْهُ﴾: مبتدأ ثان،
و﴿أَحَقُّ﴾: خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره: خبر المبتدأ الأول.
البلاغة:
﴿أَلَا﴾ تحريض على القتال؛ لأن الهمزة دخلت على النفي للإنكار،
فأفادت المبالغة في الفعل. ﴿أَخْشَوْنَهُمْ﴾ استفهام للإنكار والتوبيخ.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ﴾ ذكر لفظ الجلالة مكان الضمير لغرس الهيبة والرهبة
في القلب.
المفردات اللغوية:
(أَلَا﴾ للحض. ﴿نَكَثُواْ﴾ نقضوا. ﴿أَيْمَنَهُمْ﴾ عهودهم. ﴿ وَهَمُواْ
بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ من مكة، لما تشاوروا في شأنه بدار الندوة. ﴿وَهُم
بَدَءُوكُمْ﴾ بالقتال. ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ حيث قاتلوا مع بني بكر خزاعة
حلفاءكم، فما يمنعكم أن تقاتلوهم. ﴿أَخْشَوْنَهُمْ﴾ أتخافونهم. ﴿أَنْ تَخْشَوْهُ﴾
في ترك قتالهم.
( يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ﴾ يقتلهم. ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾ يذلهم بالأسر والقهر . ﴿ وَيَشْفِ
صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِينٌَ﴾ يعني خزاعة. ﴿غَيْظَ قُلُوبِهِمٌّ﴾ كربها، أي ويذهب
الغيظ عنهم.
سبب النزول:
نزول الآية (١٤):
﴿فَتِلُوهُمْ﴾ أخرج أبو الشيخ ابن حيان الأنصاري عن قتادة قال: ذكر لنا
أن هذه الآية نزلت في خزاعة حين جعلوا يقتلون بني بكر بمكة. وأخرج عن
عكرمة قال: نزلت هذه الآية في خزاعة. وأخرج عن السدِّي: ﴿وَيَشْفِ

٤٧٥
لُ (١٠) - التَوَّةِ: ١٣/٩-١٥
صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينٌ﴾ قال: هم خزاعة حلفاء النبي ◌َّر، يشف صدورهم
من بني بكر.
المناسبة:
بعد أن قال الله تعالى: ﴿فَقَئِلُواْ أَبِمَّةَ الْكُفْرِّ﴾ أتبعه بذكر السبب الذي
يبعث على مقاتلتهم، وهو نقضهم العهد، واعتداؤهم على المؤمنين، وبدؤهم
لهم بالقتال، وهمهم بإخراج الرسول من بلده، وأما قتالهم فلأجل تطهير
الجزيرة العربية من الشرك والوثنية.
التفسير والبيان:
هذا حض وتحريض على قتال المشركين الناكثين أيمانهم وعهودهم، وذلك
لأسباب ثلاثة ذكرها الله تعالى في هذه الآية:
اً - نكثهم العهد: إنهم نقضوا عهودهم التي أقسموا عليها. قال ابن
عباس والسدي والكلبي: نزلت في كفار مكة الذين نكثوا أيمانهم بعد عهد
الحديبية، وأعانوا بني بكر على خزاعة. وهذا يدل على أن قتال الناكثين أولى
من قتال غيرهم من الكفار، ليكون ذلك زجراً لغيرهم.
والعهد الذي نقضوه: هو - كما تبين - صلح الحديبية، لمناصرة قريش
حلفاءهم بني بكر على خزاعة حلفاءِ النبي ◌َّ، ليلاً بالقرب من مكة، على ماء
يسمى (الْهَجِير). فسار إليهم رسول الله وَّر وفتح مكة سنة ثمان هجرية في
العشرين من رمضان.
أَ - إخراج الرسول ولو من مكة: فقد هموا بإخراج الرسول من مكة، أو
حبسه حتى لا يراه أحد، أو قتله بيد عصابة من أفراد القبائل ليذهب دمه
هدراً، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُقْبِتُوَكَ أَوْ يَقْتُّلُوكَ أَوْ
[الأنفال: ٣٠/٨] وقال
يُخْرِجُولٌ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ ()

٤٧٦
لُ (١٠) - التَّوَّة: ١٣/٩-١٥
تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ رَبَّكُمْ﴾ [الممتحنة: ١/٦٠] وقال عز
وجل: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ [الإسراء: ١٧/
٧٦].
٣ - بدؤهم بالقتال: إنهم بدؤوا بقتال المؤمنين يوم بدر، حين قالوا بعد
العلم بنجاة العير: لا ننصرف حتى نستأصل محمداً ومن معه. وكذلك في أحد
والخندق وغيرها.
وبعد أن ذكر الله تعالى هذه الأسباب الثلاثة التي تستدعي الإقدام على
القتال زاد أربعة أخرى: أولها - تعداد موجبات القتال وتفصيلها، وثانيها -
التحميس بالإغارة والتحريك، كما لو قال شخص لآخر: أتخشى خصمك
وتخافه؟ وثالثها - كون الله أحق بالخشية؛ لأنه صاحب القدرة المطلقة التي
تدفع الضرر المتوقع وهو القتل، ورابعها - إن كنتم مؤمنين، فالإيمان قوة
دافعة على الإقدام. فهذه أمور سبعة تبعث على مقاتلة أولئك الكفار الناكثين.
وبعد بيان هذه الأسباب أنكر الله تعالى عليهم الخشية من المشركين ووبخهم
عليها، فقال: ﴿أَخْشَوْنَهُمْ﴾؟ أي أبعد هذا تتركون قتالهم خشية وخوفاً
منهم؟ فإن كنتم تخشونهم، فالله أحق بالخشية، أي لا تخشوهم واخشوني، فأنا
أحق بالخشية منهم، إن كنتم مؤمنين بي، إذ شرط الإيمان الخوف من الله وحده
دون سواه؛ لأن بيده النفع والضّ.
وفي هذا دلالة على أن المؤمن الذي يخشى الله وحده يجب أن يكون أشجع
الناس وأجرأهم على القتال.
وبعد أن ذكر الله تعالى مسوغات القتال وحكمته، أمر به المؤمنين أمراً
صريحاً، فقال: ﴿فَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾ أي قاتلوهم أيها المؤمنون، وهذا
عام في المؤمنين كلهم، فإن قاتلتموهم يعذبهم الله بأيديكم، ويخزهم بالقتل
والأسر والهزيمة، وينصركم عليهم، ويشف صدور قوم مؤمنين امتلأت غيظاً

٤٧٧
لُ (١٠) - التَوَّةِ: ١٣/٩-١٥
من أفعال المشركين بهم في مكة، وهم بنو خزاعة حلفاء رسول الله وَالر، كما
قال مجاهد. ويذهب غيظ قلوبهم أي قلوب هؤلاء المؤمنين على المشركين من
غدرهم وظلمهم وشدة إيذائهم. أو يذهب غيظ قلوبكم لما لقيتم من شدة
المكروه منهم. والفرق بين شفاء الصدور وإذهاب غيظ القلوب: أن الأول
إحداث للسرور بتحقيق النصر الذي ينتظرونه بعد وعد الله لهم به، وأن
الثاني: إزالة لآثار الواقع.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: هم بطون من اليمن وسبأ قدموا مكة،
فأسلموا، فلقوا من أهلها أذی شديداً، فبعثوا إلى رسول الله ێے یشکون إليه،
فقال: ((أبشروا، فإن الفرج قريب)).
ثم قال تعالى: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ﴾ وهذا ابتداء كلام وإخبار بأن
بعض أهل مكة يتوب عن كفره، وقد حدث ذلك فعلاً، فأسلم أناس منهم
وحسن إسلامهم، مثل أبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وسليم بن أبي عمرو.
. والسبب في جعل هذه الجملة استئناف كلام جديد هو أن التوبة لا يكون سببها
القتال؛ إذ قد توجد بغير قتال لمن شاء الله أن يتوب عليه في كل حال.
والله عليم بما يصلح عباده، حكيم في أفعاله وأقواله الكونية والشرعية،
فيفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وهو العادل الحكيم الذي لا يجور أبداً، ولا
يفعل إلا ما اقتضته الحكمة، ويجازي كل إنسان على ما قدم من خير أو شر في
الدنيا والآخرة.
وهذا دليل على أن من سنته تعالى تفاوت البشر في قابلية التحول من حال
إلى حال بأسباب ومؤثرات تقتضيها المقادير الإلهية.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على أن قتال المشركين الناكثين العهد كان لأسباب كثيرة أهمها

٤٧٨
الُ (١٠) - التَوَّية: ١٣/٩-١٥
نقضهم العهد، والتصميم على طرد النبي ◌َّ من موطنه، أو حبسه أو قتله،
وبدؤهم المؤمنين بالعدوان والقتال، إلى آخر الأسباب السبعة الداعية للقتال.
فبالرغم من التحريض على القتال بقوله تعالى: ﴿أَلَا نُقَتِلُونَ﴾ فإنه تعالى
أثار في المؤمنين روح الشجاعة والإقدام من طريق أنهم لا يخشون أحداً إلا
الله، ومن إيمانهم الحق الصادق بالله، فإن من لا يخشى غير الله، وآمن بالله
إيماناً صادقاً، هانت عليه الصعاب، وأقدم على المقاتلة بنفس متحمسة لا
تعرف التردد والخوف والجبن.
ونقل عن ابن عباس أنه قال: قوله تعالى: ﴿أَلَا نُقَئِلُونَ قَوْمًا﴾ ترغيب
في فتح مكة. وهذه الأوصاف مناسبة لفتح مكة.
وقال أبو بكر الأصم: دلت هذه الآية على أنهم كرهوا هذا القتال، لقوله
تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيَكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُزْهُ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦/٢] فآمنهم الله
تعالى بهذه الآيات.
ودلت هذه الآية على أن المؤمن ينبغي أن يخشى ربه، وألا يخشى أحداً
سواه.
وتضمن قوله تعالى: ﴿وَيَتُوبُّ اَللَّهُ عَلَى مَن يَشَآءُ﴾ الإخبار بأن بعض
المشركين يتوب عن كفره، وقد حدث ذلك فعلاً، وهذا من معجزات القرآن،
لتأييد النبي ◌َّ في دعوته، ودفع الناس إلى الإيمان برسالته، ما دام قد ظهر لهم
صدقه.
فالآية دالة على المعجزة؛ لأنه تعالى أخبر عن حصول هذه الأحوال، وقد
وقعت موافقة لهذه الأخبار، فيكون ذلك إخباراً عن الغيب، والإخبار عن
الغيب معجز.
وهذه الآية تدل على كون الصحابة مؤمنين في علم الله تعالى إيماناً حقيقياً؛

٤٧٩
لُعُ (١٠) - التَوَتّية: ١٦/٩
لأنها تدل على أن قلوب الصحابة كانت مملوءة بالحمية لأجل الدين، والرغبة
الشديدة في إعلاء شأن الإسلام(١).
وأرشدت الآية إلى خمس منافع من هذا القتال: وهي تعذيب المشركين
بأيدي المؤمنين بالقتل والأسر، وخزيهم وإذلالهم بعد قتلهم، وتحقيق النصر
عليهم، وشفاء الصدور من انتظار الفتح الذي وعدهم الله به، وإذهاب غيظ
القلوب.
اختبار المسلمين واتخاذ البطانة
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن
دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ، وَلَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةٌ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
١٦
الإعراب:
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُواْ﴾: أن وصلتها: في موضع نصب بحسب، وسدت
مع الصلة مسد المفعولين.
﴿ وَلَمَّا﴾ معناها التوقع.
﴿وَلَمْ يَتَّخِذُواْ﴾ معطوف على ﴿جَهَدُواْ﴾ داخل في حيز الصلة، كأنه قيل:
ولما يعلم الله المجاهدين منكم والمخلصين غير المتخذين وليجة من دون الله.
و﴿ وَلِيجَةٌ﴾: الدخيـ
البلاغة:
منقطعة، ومعنى الهمزة فيها التوبيخ على وجود الحسبان.
(١) تفسير الرازي: ٤/١٦

٤٨٠
لُ (١٠) - التوتّية: ١٦/٩
المفردات اللغوية:
﴿أَمْ﴾ بمعنى همزة الإنكار، والمعنى: أنكم لا تتركون على ما أنتم عليه
حتى يتبين الخُلّص منكم، وهم الذين جاهدوا في سبيل الله، لوجه الله.
﴿ وَلِيجَةٌ﴾ أي بطانة من قوم ليس منهم، والمراد هنا: من الذين يضادون
رسول الله وَّل﴿ والمؤمنين رضوان الله عليهم. ﴿وَلَمَّا﴾ أي لم، ومعناها التوقع،
أي إن تبين ذلك وإيضاحه متوقع كائن، وإن الذين لم يخلصوا دينهم لله، يميز
بينهم وبين المخلصين. والمراد بقوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ﴾ نفي المعلوم الموجود لا نفي
العلم. وقال السيوطي: المراد علم ظهور. والمعنى: ولم يظهر المخلصون وهم
الموصوفون بما ذكر من غيرهم.
المناسبة:
كانت الآيات المتقدمة مرغبة في جهاد المشركين الناقضين العهد، وهذه
الآية ترغيب جديد زائد عما سبق لتمييز المجاهدين المخلصين عن غيرهم.
التفسير والبيان:
الآية مرتبطة بما قبلها، والمعنى: ألا تقاتلون أولئك المشركين الذين نقضوا
العهود واعتدوا عليكم إلى آخر الأسباب السبعة التي يوجب كل واحد منها
الإقدام على القتال، أم حسبتم أيها المؤمنون أن تتركوا وشأنكم مهملين بغير
اختبار بأمور يظهر فيها أهل العزم الصادق من الكاذب، من طريق الجهاد
الذي يتبين فيه الْخُلَّص من المجاهدين منكم بالأموال والأنفس، والذين لم
يتخذوا بطانة من الكفار أولياء يسرّون إليهم بأحوال المسلمين وأمورهم
وأسرارهم، بل هم في الظاهر والباطن على النصح لله ولرسوله، ويتميزون من
المنافقين الذين يطلعون الولائج على أسرار الأمة وسياستها، وقد اكتفى بأحد
القسمين عن الآخر، للعلم به ضمناً. قال الجصاص: قوله: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِنْ
دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ، وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ يقتضي لزوم اتباع المؤمنين وترك