النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
اِخُرُ (٩) - الأَفَالك: ٢٠/٨-٢٣
في المسموع، كما هو الشأن في المؤمنين أن يقولوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ
رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥/٢].
واحذروا أن تكونوا مثل الذين قالوا: سمعنا وهم لا يسمعون، وهم
المنافقون والمشركون، فإنهم يتظاهرون بالسماع والاستجابة، وليسوا كذلك،
والحال أنهم لا يسمعون أبداً.
ثم أخبر الله تعالى عن هؤلاء أنهم شر الخلق والخليقة، فقال: ﴿إِنَّ شَرَّ
الدَّوَآتِ﴾ أي إن شر المخلوقات التي تدب على الأرض عند الله الصم الذين لا
يسمعون الحق فيتبعونه، ولا ينطقون بالحق ولا يفهمونه، ولا يعقلون الفرق
بين الحق والباطل، والخير والشر، والهدى والضلال، والإسلام والكفر، أي
فكأنهم لتعطيلهم هذه الحواس فيما فيه المنفعة والفائدة والخير، فقدوا هذه
القوى والمشاعر المدركة، وهم لو استخدموا عقولهم متجردين عن التقليد
والعصبية الجاهلية، لاهتدوا إلى الحق والصواب، وأدركوا الصالح المفيد لهم
وهو الإسلام، إلا أنهم في الواقع كالبهائم لا يعقلون الأمور، كما قال تعالى:
(٣٧) ﴾ [ق:
﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَذِكْرَىْ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبُ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
٣٧/٥٠].
ثم أخبر الله تعالى بأنهم لا فهم لهم صحيح، ولا قصد لهم صحيح، فلو
علم الله في نفوسهم ميلاً إلى الخير والاستعداد للإيمان والاهتداء بنور الإسلام
والنبوة، لأفهمهم، وأسمعهم بتوفيقه كلام الله ورسوله سماع تدبر وتفهم
واتعاظ؛ ولكن لا خير فيهم؛ لأنه يعلم أنه لو أسمعهم أي أفهمهم، لتولوا
عن ذلك قصداً وعناداً بعد فهمهم ذلك، وهم معرضون عنه من قبل ذلك
بقلوبهم عن قبوله والعمل به، فهم لا خير فيهم أصلاً.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى شيئين: الأمر بطاعة الله والرسول، والتحذير من
مخالفة أمرهما ونهيهما.

٣٠٢
الجُرُ (٩) - الأَفَاك: ٢٠/٨-٢٣
وشأن المؤمنين سماع الحق، والاهتداء بنوره، وإطاعة الأوامر، واجتناب
النواهي والزواجر. وهؤلاء هم فئة المؤمنين المصدقين، وأكمل الناس
. أرشدهم.
وطاعة الله والرسول شيء واحد، وطاعة الرسول طاعة لله، ونظير الآية
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:
٦٢/٩] وقول المؤمن: سمعت وأطعت لا فائدة منه مالم يظهر أثر ذلك عليه
بامتثال الفعل المأمور به، واجتناب المنهي عنه. أما من قصر في الأوامر
واقتحم المعاصي فهو غير مطيع.
أما من ليسوا بمؤمنين ولا مصدقين كاليهود أو المنافقين أو المشركين، فهم
لا يسمعون الحق سماع تدبر وتفهم وتأمل، لذا أخبر تعالى أن هؤلاء الكفار
شر خلق الله، وشر مادبَّ على الأرض.
أما المنافق فيظهر الإيمان ويسرّ الكفر، فهو يتظاهر بالسماع، وهو في
الحقيقة لا یتدبر ولا يفهم شيئاً.
وأما اليهودي والنصراني فيجادل في الحق بعد ما تبين له، تمسكاً بالموروث
المتداول، فهو يصم الأذن، ويعطل العقل عن التفكير والتأمل في الدين
الحق، إصراراً على ما توارثه.
وأما المشركون فهم معاندون لا يسمعون أبداً، ويصدون الناس أيضاً عن
سماع القرآن وكلام الرسول والتر، ويصمون آذانهم عن سماع الحق، ويتمسكون
بتقلید الآباء والأجداد دون تأمل.
وكل هؤلاء لا يعقلون الفروق بين الحق والباطل، والخير والشر،
والإسلام والكفر، لذا كانوا بحق شر خلق الله، وشراً من الدواب؛ لأنهم
يضرون، والبهائم لا تضر.

الزُعُ (٩) - الأنفال: ٢٤/٨-٢٦
٣٠٣
الاستجابة لما فيه الحياة الأبدية
(يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أُسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ وَأَعْلَمُواْ
وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا
أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9)
تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَضَةٌ وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
٢٥
وَأَذْكُرُوْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِىِ الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَخَطّفَكُمُ النَّاسُ
(٢٦)
فَقَاوَنَكُمْ وَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ، وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطَّيِّبَتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
الإعراب:
﴿لَّا تُصِيبَنَّ﴾ فيه واو محذوفة، تقديره: ولا تصيبن، مثل ﴿أُوْلَئِكَ
أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ أي وهم فيها خالدون، فحذف الواو.
وذكر الزمخشري في ذلك ثلاثة أوجه: إما أن يكون جواباً للأمر، أو نهياً بعد
أمر، أو صفة لفتنة، فإذا كان جواباً فالمعنى: إن أصابتكم لا تصب الظالمين
منكم خاصة، ولكنها تعمكم، وجاز أن تدخل النون الثقيلة المؤكدة في جواب
الأمر أو الشرط، والنون لا تدخل إلا على فعل النهي أو جواب القسم؛ لأن
فيه معنى النهي، كما لو قلت: ((انزل عن الدابة لا تطرحك)) يجوز: لا
تطرحنَّك. فكذلك هنا النهي للفتنة والمراد به الذين ظلموا. وإذا كانت نهياً بعد
أمر، فكأنه قيل: واحذروا ذنباً أو عقاباً، ثم قيل: لا تتعرضوا للظلم،
فيصيب العقاب أو أثر الذنب ووباله من ظلم منكم خاصة، وكذلك إذا
جعلته صفة على إرادة القول، كأنه قيل: واتقوا فتنة، مقولاً فيها: لا تصيبن.
البلاغة:
﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ استعارة تمثيلية، شبه الله تعالى تمكنه من قلوب
العباد وتصريفها كما يشاء بمن يحول بين الشيء والشيء.
ج

٣٠٤
لالُ (٩) - الأنفال: ٢٤/٨-٢٦
المفردات اللغوية:
﴿أَسْتَجِيبُواْ﴾ أجيبوا الله والرسول بالطاعة. ﴿لِمَا يُحِيكُمْ﴾ من أمِر
الدين ويصلحكم به؛ لأنه سبب الحياة الأبدية. ﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ
بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ فلا يستطيع أن يؤمن أو يكفر إلا بإرادته، قال ابن
عباس: يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان. ﴿وَأَنَّهُ، إِلَيْهِ
تُحْشَرُونَ﴾ أي إليه مصيركم ومرجعكم، فيجازيكم بأعمالكم.
﴿ وَأَثَّقُواْ فِتْنَةً﴾ احذروا بلاء ومحنة إن أصابتكم بإنكار موجبها من المنكر
﴿َّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَصَّةً﴾ بل تعمهم وغيرهم. ﴿شَدِيدُ
اُلْعِقَابِ﴾ شديد العذاب لمن خالفه وعصاه.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٥):
﴿وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً﴾: تأولها الزبير بن العوام والحسن البصري والسدي
وغيرهما بأنها يوم وقعة الجمل سنة ست وثلاثين. قال الزبير: نزلت فينا
وقرأناها زماناً، وما أُرانا من أهلها، فإذا نحن المعنيون بها. وقال الحسن:
نزلت في علي وعمار وطلحة والزبير، وهو يوم الجمل خاصة. وقال السدي:
نزلت في أهل بدر، فاقتتلوا يوم الجمل. وروي أن الزبير كان يساير النبي ◌َّل
يوماً إذ أقبل علي رضي الله عنه، فضحك إليه الزبير، فقال رسول الله وَلقال :
((كيف حبُّك لعلي؟)) فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، إني أحبه كحبي
لولدي، أو أشد حباً، قال: ((فكيف أنت إذا سرت إليه تقاتله؟))(١).
وقال ابن عباس رضي الله عنه: نزلت هذه الآية في أصحاب رسول الله
وَ له، وقال: أمر الله المؤمنين ألا يقرّوا المنكر فيما بينهم، فيعمهم الله
بالعذاب.
(١) الكشاف: ١١/٢

٣٠٥
الجزء (٩) - الأنفال: ٢٤/٨-٢٦
وعن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله مَّل: (يكون بين ناس من
أصحابي فتنة، يغفرها الله لهم بصحبتهم إياي، يستن بهم فيها ناس بعدهم،
يدخلهم الله بها النار))(١).
وهذه التأويلات تعضدها الأحاديث الصحيحة، ففي صحيح مسلم عن
زينب بنت جحش أنها سألت رسول الله وسلم فقالت له: يا رسول الله، أنهلك
وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم إذا كثر الخَبَث)). وفي صحيح الترمذي: ((إن
الناس إذا رأوا الظالم، ولم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب من
عنده)). وفي صحيح البخاري والترمذي عن النعمان بن بشير عن النبي وَّ
قال: ((مَثَل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استَهَمُوا(٢) على
سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها
إذا اسْتَقَوْا من الماء، مرّوا على مَنْ فوقَهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا
خرقاً، ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا، هلكوا جميعاً، وإن أخذوا
على أيديهم نَجَوْا وَجَوْا جميعاً)).
ففي هذا الحديث تعذيب العامة بذنوب الخاصة، وفيه استحقاق العقوبة
بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
المناسبة:
بعد أن أمرالله تعالى المؤمنين بطاعة الله والرسول في الجهاد وبذل المال
وغيرهما، أردفه بالأمر بإجابة الله والرسول إذا دعاهم لما يحييهم حياة أبدية،
ويصلحهم بهداية الدين وأحكامه، فكأن هذه الآيات بمثابة بيان العلة لطاعة
الله والرسول، وهو تحقيق الصلاح والخير والسعادة الأبدية في الدنيا والآخرة
بالتزام الدين.
(١) تفسير القرطبي: ٣٩١/٧
(٢) استهموا: اقترعوا.

٣٠٦
الجُرعُ (٩) - الأنفال: ٢٤/٨-٢٦
التفسير والبيان:
كرر الله النداء بلفظ ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ في هذه الآيات وما قبلها، إشارة إلى
أن وصف الإيمان موجب الامتثال والإجابة والإصغاء لما يرد بعده من الأوامر
والنواهي.
والمعنى: أيها المؤمنون، أجيبوا دعوة الله، ودعوة الرسول إذا دعاكم لما
يحييكم حياة طيبة أبدية مشتملة على سعادة الدنيا والآخرة، وفيها صلاحكم
وخيركم، وفيها كل حق وصواب، وذلك شامل القرآن والإيمان والجهاد وكل
أعمال البر والطاعة. والمراد من قوله: ﴿لِمَا يُحِيكُمْ﴾ الحياة الطيبة الدائمة،
قال تعالى: ﴿فَلَنُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧/١٦]. وقال البخاري:
﴿أُسْتَجِيبُواْ﴾: أجيبوا، ﴿لِمَا يُحِيكُمْ﴾: لما يصلحكم.
وأكثر الفقهاء على أن ظاهر الأمر للوجوب، فالأمر هنا للوجوب حتى
يكون له معنى وفائدة، صوناً للنص عن التعطيل، ولأن قوله بعدئذٍ:
﴿ وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، وَأَنَّهُ: إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ جارٍ
مجرى التهديد والوعيد، وهو لا يليق إلا بالإيجاب.
فيجب بناء عليه امتثال ما أمر به الرسول و لو بجد وعزم ونشاط من أمور
الدين عبادةً وعقيدةً ومعاملةً. أما أمور العادات كاللباس والطعام والشرب
والنوم، فليست من الدين الواجب الاقتداء به.
ومن أعرض عما أمر النبي به من الإيمان والقرآن والهدى والجهاد، فهو
ميت لا حياة طيبة أو روحية فيه، كما قال تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْبَيْنَهُ
وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِى النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِ الظُّلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجِ
[الأنعام: ٦/ ١٢٢].
ومعنى قوله: ﴿ وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، وَأَنَّهُ: إِلَيْهِ

٣٠٧
الجزء (٩) - الأَفَاك: ٢٤/٨-٢٦
تُحْشَرُونَ﴾: بادروا إلى الاستجابة قبل ألا تتمكنوا منها بزوال العقل.
والقلب: موضع الفكر. قال مجاهد في الآية: ﴿يَحُولُ﴾ أي حتى يتركه لا
يعقل، والمعنى: يحول بين المرء وعقله، حتى لا يدري ما يصنع. وفي التنزيل:
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَىْ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبُ﴾ [ق: ٣٧/٥٠] أي عقل.
وقيل: يحول بينه وبين قلبه الموت، فلا يمكنه استدراك ما فات، قال في
الكشاف: يعني أنه يميته فتفوته الفرصة. وقيل: المعنى يقلب الأمور من حال
إلى حال، قال القرطبي: وهذا جامع. روى الإمام أحمد بن حنبل عن أنس بن
مالك رضي الله عنه قال: كان النبي وَلجه يكثر أن يقول: ((يا مقلب القلوب
ثبّت قلبي على دينك)) فقلنا: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف
علينا؟ قال: ((نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله تعالى يقلبها)).
واختيار الطبري: أن يكون ذلك إخباراً من الله عز وجل بأنه أملك لقلوب
العباد منهم، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء، حتى لا يدرك الإنسان شيئاً إلا
بمشيئة الله عز وجل.
وأرى أن اختيار الطبري والقرطبي في تفسير الآية أسلم الآراء، ومعناها
أن الله مهيمن على قلب الإنسان وفكره وإرادته، یقلب الأمور بیدہ کیف شاء
من حال إلى حال، وهو المتصرف في جميع الأشياء، يصرف القلوب بما لا
يقدر عليه صاحبها، ويغير اتجاهاته ومقاصده ونياته وعزائمه حسبما يشاء.
والمقصود من الآية الحث على الطاعة قبل وجود الموانع من مرض وموت مثلاً.
وفسر بعضهم الآية بحسب الاختلاف في الجبر والقدر، فالقائلون بالجبر:
يرون أن الله يحول بين المرء الكافر وطاعته، ويحول بين المرء المطيع ومعصيته،
فالسعيد من أسعده الله، والشقي من أضلَّه الله. وكان فعل الله تعالى ذلك
عدلاً فيمن أضله وخذله، إذ لم يمنعهم حقاً وجب عليه، فتزول صفة العدل
حينئذ، وإنما منعهم ما كان له أن يتفضل به عليهم، لا ما وجب لهم.

٣٠٨
الجُرُ (٩) - الأنفال: ٢٤/٨-٢٦
وقال الجبائي من المعتزلة: إن من حال الله بينه وبين الإيمان، فهو عاجز،
وأمر العاجز سفه، ولو جاز ذلك لجاز أن يأمرنا الله بصعود السماء، وقد
أجمعوا على أن المريض الزَّمِن لا يؤمر بالصلاة قائماً، فكيف يجوز ذلك على الله
تعالى؟ وقد قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢/.
٢٨٦] (١).
ومما يدل على أن المقصود من الآية الحث على الطاعة قبل فوات الأوان
والفرصة ما ختمت به، وهو قوله: ﴿وَأَنَّهُ: إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي أسرعوا في
العمل وأعدوا العدة ليوم الحشر، فإنكم إلى الله مرجعكم ومصيركم،
فيجازيكم بأعمالكم.
وبعد أن حذر الله تعالى الإنسان أن يحال بينه وبين قلبه، حذره من الفتن،
فقال: ﴿وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً﴾ أي احذروا الوقوع في الفتنة وهي الاختبار والمحنة
التي يعمّ فيها البلاء المسيء وغيره، ولا يخص بها أهل المعاصي، ولا من
ارتكب الذنب، بل يعمهما، حيث لم تدفع وترفع. وبعبارة أخرى: واحذروا
فتنة، إن نزلت بكم، لم تقتصر على الظالمين خاصة، بل تتعدى إليكم جميعاً،
وتصل إلى الصالح والطالح.
وكانت فتنة عثمان أول الفتن التي ما زال أثرها قائماً في التاريخ، وكانت
سبباً في اقتتال المسلمين في وقعة الجمل وصفين ومقتل الحسين وغيرها، وفي
ظهور البدع والمنكرات، واستمرت الفتن بين المسلمين، وأخذت أشكالاً
متعددة، من قومية، وتفرق في الدين، وانقسام إلى أحزاب دينية، وأحزاب
سياسية.
واعلموا أن الله شديد العقاب، أي أنه تعالى شديد العذاب في الدنيا
والآخرة لمن عصاه من الأمم والأفراد، وخالف هدي دينه وشرعه.
(١) تفسير الرازي: ١٤٧/١٥ - ١٤٨

٣٠٩
الجزء (٩) - الأنفال: ٢٤/٨-٢٦
وهذا التحذير عام يعمّ الصحابة وغيرهم، وإن كان الخطاب لهم أولاً.
ومقتضى التحذير منع ما يؤدي إلى العذاب العام، والعمل على إزالته ورفعه
إذا وقع، كإهمال الجهاد، وشيوع المنكر، وافتراق الكلمة، والالتواء في الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد وردت أحاديث كثيرة تحذر من الفتن،
منها: ما رواه أحمد وأبو داود عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: قال رسول الله
وَير: ((ما من قوم يعملون بالمعاصي، وفيهم رجل أعز منهم وأمنع لا يغيره إلا
عمهم الله بعقاب، أو أصابهم العقاب)).
ثم نبّه الله تعالى عباده المؤمنين على نعمه وإحسانه عليهم، حيث كانوا
قليلين فكثرهم، ومستضعفين خائفين فقواهم ونصرهم، وفقراء عالة فرزقهم
من الطيبات، وهذا كان حال المؤمنين قبل الهجرة من مكة إلى المدينة، فبعد أن
أمرهم بطاعة الله وطاعة الرسول، ثم أمرهم باتقاء المعصية، أكد ذلك
التكليف بهذه الآية، فقال: واذكروا أيها المهاجرون، وقيل: الخطاب لجميع
المؤمنين في عصر التنزيل، اذكروا وقت أن كنتم قلة مستضعفين في مكة،
والمشركون أعزة كثرة يذيقونكم سوء العذاب، وكنتم خائفين غير مطمئنين،
تخافون أن يتخطفكم الناس، أي يأخذكم مشركو العرب بسرعة خاطفة للقتل
والسلب، كما كان يتخطف بعضهم بعضاً خارج الحرم المكي، كما قال
تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَمِنَّا وَيُنَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾
[العنكبوت: ٦٧/٢٩] وقال: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا يُحْىَّ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ
شَىْءٍ﴾ [القصص: ٥٧/٢٨].
﴿فَشَاوَنِكُمْ﴾، أي جعل لكم مأوى تتحصنون به في المدينة، وأيَّدكم، أي
أعانكم وقواكم يوم بدر وغيره من الغزوات بنصره المؤزر وعونه، وسیؤیدکم
بنصره على من سواكم من الروم والفرس وغيرهم، ورزقكم من الطيبات رزقاً
حسناً مباركاً فيه وأحل لكم الغنائم، كي تشكروا هذه النعم الجليلة، والغرض
التذكير بالنعمة لتكون حاملاً لهم على إطاعة الله وشكر الفضل الإلهي.

٣١٠
الجُزءُ (٩) - الأنفال: ٢٤/٨-٢٦
أخرج ابن جرير الطبري عن قتادة بن دعامة السدوسي رحمه الله في قوله
تعالى: ﴿ وَأَذْكُرُوْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِيْلٌ مُسْتَضْعَفُونَ﴾ قال: كان هذا الحي من العرب
أذلّ الناس ذلاً، وأشقاه عيشاً، وأجوعه بطوناً، وأعراه جلوداً، وأبينه
ضلالاً، معكوفين على رأس حجر بين فارس والروم، لا والله ما في بلادهم
ما يحسدون عليه، من عاش منهم عاش شقياً، ومن مات منهم رُدِّي في النار،
يُؤكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قبيلاً من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا
أشرّ منزلاً منهم، حتى جاء الله بالإسلام، فمكَّن به في البلاد، ووسَّع به في
الرزق، وجعلهم به ملوكاً على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم،
فاشكروا لله نعمه، فإن ربكم منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من نعم
الله عز وجل.
فقه الحياة أو الأحكام:
بان من الآيات العبر والعظات الكثيرة، بالإضافة إلى الأحكام الأساسية
في الإسلام وهي ما يلي:
اً - وجوب إجابة دعوة الله والرسول وإطاعتهما تأكيداً لما سبق، لما فيه
الخير والصلاح والحياة الطيبة الدائمة السعيدة في الدنيا والآخرة. وسبيل ذلك
الإيمان والإسلام والقرآن والجهاد والهدى الإلهي.
ذكر الحافظ ابن كثير والبخاري عن أبي سعيد بن المعلّ رضي الله عنه قال:
كنت أصلي في المسجد، فمرّ بي النبي پے فدعاني فلم أجبه، ثم أتيته فقلت: يا
رسول الله، إني كنت أصلي. فقال: ألم يقل الله عز وجل: ﴿أُسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ
وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ﴾ ثم قال: لأعلمنَّك أعظم سورة في القرآن
قبل أن أخرج، فذهب رسول الله وَلّ ليخرج فذكرت له ذلك، فقال:
هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي
﴿ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
أوتيته)). قال الشافعي: هذا دليل على أن الفعل الفرض أو القول الفرض إذا
أُتي به في الصلاة لا تبطل؛ لأمر رسول الله وَ ﴿ بالإجابة وإن كان في الصلاة.
٠

٣١١
الجُرُ (٩) - الأنفقال: ٢٧/٨-٢٨
أَ - إن الله تعالى أملك لقلوب العباد منهم، وهو المتصرف في جميع
الأشياء، سواء أكانت من أفعال القلوب والعقول أم من أفعال الأعضاء.
ءَّ - وجوب تجنب أسباب الفتنة والبلاء والعذاب، بالأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، وتوحيد الكلمة، ومحاربة البدع، ومقاومة الانقسام،
والدعوة إلى الوحدة بين الأمة حكاماً ومحكومين؛ لأن وباء الفتنة لا يقتصر
على الظالمين خاصة، وإنما يعمّ الجميع. لكن يجب الكف عن الخوض في
خلافات الصحابة.
٤ - الحث على لزوم الاستقامة خوفاً من عقاب الله تعالى.
٥ - تذكر النعم الجليلة التي أنعم الله بها على المؤمنين، والمبادرة إلى
شكرها، والاعتبار والاتعاظ بها، فالله يحقق لمن امتثل أوامره سعادة الدنيا،
وعزة السلطان، والتمكين في الأرض، والأمن من المخاوف، والنصر على
الأعداء، ويمنحهم أيضاً الفوز والنجاة والرضوان في الآخرة. فإن تنكروا
للأوامر الإلهية ولم يشكروا النعم، كحال المسلمين اليوم، صاروا أذلة ضعافاً.
وسنة الله في ذلك هي: ﴿إِنََّ اُلْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ،
وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨/٧].
خيانة الله والرسول وخيانة الأمانة
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَنَتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
وَأَعْلَمُوْ أَنَمَا أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
٢٨
الإعراب:
﴿ وَتَخُونُواْ أَمَنَتِكُمْ﴾ فيه وجهان:

٣١٢
الشُرُ (٩) - الأنفال: ٢٧/٨-٢٨
أحدهما - أن يكون مجزوماً بالعطف على قوله تعالى: ﴿لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ
وَالرَّسُولَ﴾.
والثاني - أن يكون منصوباً بأن مضمرة بعد حتى، على جواب النهي
بالواو، كقول الشاعر:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
المفردات اللغوية:
﴿لَا تَّخُونُواْ﴾ الخيانة في الأصل: النقص وإخلاف المرتجى، ثم استعملت في
الإخلال والنقص والغدر وإخفاء الشيء الذي هو ضدّ الأمانة والوفاء، وفيه
معنى النقصان. ﴿أَمَنَتِكُمْ﴾ ما ائتمنتم عليه من الدَّيْن وغيره من التكاليف
الشرعية، والأمانة: كل حق يجب أداؤه إلى الغير. ﴿فِتْنَةٌ﴾ اختبار وابتلاء
بما يشق على النفس فعله أو تركه، وهي تكون في الاعتقاد والأقوال والأفعال
والأشياء، فيمتحن الله المؤمن والكافر على السواء . ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ، أَجْرُ
عَظِيمٌ﴾ فلا تضيعوه بمراعاة مصالح الأموال والأولاد.
سبب النزول:
روى سعيد بن منصور وغيره عن عبد الله بن أبي قتادة قال: نزلت هذه
الآية: ﴿لَا تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ في أبي لبابة بن عبد المنذر، سأله بنو قريظة
يوم قريظة: ما هذا الأمر، فأشار إلى حَلْقه، يقول: الذبح، فنزلت، قال أبو
لبابة: ما زالت قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسوله.
فالآية نزلت في أبي لبابة مروان بن عبد المنذر - وكان حليفاً لبني قريظة من
اليهود - وقد بعثه ◌َعليه إلى بني قريظة، لينزلوا على حكمه، فاستشاروه، فأشار
إليهم أنه الذبح؛ لأن عياله وماله وولده كانت عندهم. وذلك بعد أن
حاصرهم النبي ◌ُّل إحدى وعشرين ليلة.

٣١٣
الجُزْعُ (٩) - الأنفال: ٢٧/٨-٢٨
قال الزهري: فلما نزلت الآية شدّ نفسه على سارية من سواري المسجد،
وقال: والله لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله علي، فمكث
تسعة أيام - وفي رواية: سبعة أيام - لا يذوق فيها طعاماً حتى خرّ مغشياً
عليه، ثم تاب الله عليه، فقيل: يا أبا لبابة قد تيب عليك، فقال: لا والله، لا
أحلّ نفسي حتى يكون رسول الله وَّةٍ هو الذي يحلّني، فجاءه فحلَّه بيده.
ثم قال أبو لبابة: إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها
الذنب، وأن انخلع من مالي، فقال رسول الله وَلّى: يجزيك الثلث أن تتصدق
به.
وروى ابن جرير وغيره عن جابر بن عبد الله: أن أبا سفيان خرج من
مكة، فأتى جبريل النبي وَ﴿ فقال: إن أبا سفيان بمكان كذا وكذا، فقال
رسول الله وي لو: إن أبا سفيان في مكان كذا وكذا، فاخرجوا إليه، واكتموا،
فكتب رجل من المنافقين إلى أبي سفيان: إن محمداً يريدكم، فخذوا حذركم،
فأنزل الله: ﴿لَا تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ لكنه حديث غريب جداً، مما يدل على
أن الأصح نزول الآية في أبي لبابة.
المناسبة:
لما ذكر الله تعالى أنه رزق العباد من الطيبات وأنعم عليهم بالنعم الجليلة،
منعهم هنا من الخيانة في الغنائم وغيرها من التكاليف الشرعية.
التفسير والبيان:
يوجب الله تعالى في هذه الآية أداء التكاليف الشرعية بأسرها على سبيل
التمام والكمال، من غير نقص ولا إخلال.
يا أيها المؤمنون المصدقون بالله ورسله وقرآنه، لا تخونوا الله بأن تعطلوا
فرائضه أو تتعدوا حدوده ومحارمه، ولا تخونوا الرسول بأن لا تستنوا به ولا

٣١٤
الجُرُ (٩) - الأنفال: ٢٧/٨-٢٨
تأتمروا بما أمركم به أو لا تنتهوا عما نهاكم عنه، وتتبعوا أهواءكم وتقاليد
آبائكم الموروثة، ولا تخونوا أماناتكم التي تأتمنونها فيما بينكم، بأن لا
تحفظوها، وذلك يشمل الودائع المادية، والأسرار العامة للأمة والخاصة
بالأفراد، فتُطْلِعوا على الأولى الأعداء، وتفشوا الثانية بين الناس. والأمانة:
الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد من الفرائض والحدود، وخيانتها : تعطيل
فرائض الدين، والتحلل من أحكامه والاستنان بسنته، وتضييع حقوق
الآخرین.
وأنتم تعلمون أنكم تخونون، وتعلمون تبعة ذلك ووباله، وتميزون بين
الحسن والقبيح وتعرفون مفاسد الخيانة، يعني أن الخيانة: هي التي توجد
منکم عن تعمد، لا عن سھو.
والخيانة: تعمّ الذنوب الصغار والكبار الملازمة للإنسان والمتعدية الضرر
إلى الآخرين.
والأمانة من صفات المؤمنين، والخيانة من صفات المنافقين، روى الإمام
أحمد عن أنس بن مالك قال: قلما خطب رسول الله وَله إلا قال: ((لا إيمان
لمن لا عهد له)). وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي وَّ
قال: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن
خان، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم)).
ثم إنه لما كان سبب الإقدام على الخيانة هو حبّ الأموال والأولاد، نبّه
تعالى على أنه يجب على العاقل أن يحترز عن مضار ذلك الحب، فقال: ﴿أَنَّمَا
أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي إن الأموال والأولاد محنة من الله ليبلوكم كيف
- تحافظون فيهم على حدوده، وسبب الوقوع في الفتنة وهي الإثم أو العذاب؛
لأنها تشغل القلب بالدنيا، وتحجب عن عمل الآخرة. والسبب هو أن
الإنسان مفطور على حب المال، طماع في كسبه وادخاره، فيبخل به، ولا

٣١٥
الجزءُ (٩) - الَفَالك: ٢٧/٨-٢٨
يؤدي منه حقوق الله، ولا يحسن به إلى الفقراء ولا ينفقه في أعمال البر والخير
والإحسان. وحب الأولاد مما فطر عليه الإنسان أيضاً، وقد يحمل هذا الحب
إلى كسب المال الحرام من أجلهم، لذا وجب على المؤمن الحذر من المال
والولد، فيكسب المال الحلال، وينفقه في مستحقاته وفي سبيل البر
والإحسان، ويطعم أولاده حلالاً، حتى لا ينبت جسدهم من السحت
والحرام، ولا يكون الولد سبباً للجبن والبخل، ولا يقصر الوالد في تربية
أولاده على الخلق الفاضل والالتزام بأحكام الدين، والبعد عن المعاصي
والمحرمات.
ثم ختم الله تعالى الآية بخاتمة مؤثرة توقظ المقصر والمتورط فقال: ﴿وَأَنَّ اللَّهُ
عِندَهُ، أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي أن ثوابه وعطاءه وجناته خير لكم من الأموال
والأولاد، فإنه قد يوجد منهم عدو، وأكثرهم لا يغني عنك شيئاً، والله
سبحانه هو المتصرف المالك للدنيا والآخرة، فعليكم أن تؤثروا ثواب ربكم،
بمراعاة أحكام شرعه ودينه في الأموال والأولاد، وأن تزهدوا في الدنيا ولا
تحرصوا على جمع المال وحب الولد، حتى تورطوا أنفسكم من أجلهما، كقوله
تعالى: ﴿اَلْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ اُلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَالْبَقِيَتُ الصَّلِحَتُّ خَيُّ عِندَ رَبِّكَ
[الكهف: ٤٦/١٨].
ثَوَابًا وَخَيْرُّ أَمَلَا
فقه الحياة أو الأحكام:
تؤكد هذه الآيات مضمون المجموعتين السابقتين من الآيات التي تطالب
بطاعة الله وطاعة الرسول، والاستجابة لدعوة الله والرسول، ثم يستمر
التأكيد في الآية التي بعدها التي تطالب بتقوى الله أي العمل بالمأمورات
واجتناب المنهيات.
وقد دلت هذه الآيات هنا على ما يلي:
اً - تحريم الخيانة المتعمدة مطلقاً، وإيجاب الأمانة: وهي أداء التكاليف
٦

٣١٦
الُعُ (٩) - الأنفال: ٢٧/٨-٢٨
الشرعية، والأعمال التي ائتمن الله عليها العباد، أي الفرائض والحدود. وأما
الخيانة: فهي الإخلال بالواجبات، والتقصير في أداء الفرائض، وإفشاء
الأسرار، وعدم ردّ الودائع والأمانات إلى أصحابها، وتضييع حقوق
الآخرین.
اً - الأموال والأولاد فتنة واختبار يمتحن به المؤمن الصادق الإيمان، فإن
كان كسب المال حلالاً وإنفاقه في وجوه الخير، نجا صاحبه من إثمه وطغيانه،
وإن ربى الوالد ولده تربية دينية خلقية، وأطعمه الحلال الطيب، خلص من
الحساب يوم الآخرة. وإن كان العكس في كل ذلك عرَّض نفسه للعقاب
والإثم. وقد عرف من سبب النزول أن وجود الأموال والأولاد لأبي لبابة في
بني قريظة هو الذي حمله على ملاينتهم.
◌َّ - قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ: أَجْرُّ عَظِيمٌ﴾ تنبيه على أن سعادات
الآخرة خير من سعادات الدنيا؛ لأنها أعظم شرفاً، وأتم فوزاً، وأخلد مدة
وأثراً؛ لأنها تبقى بقاء لا نهاية له، لذا وصف الله تعالى الأجر بالعظم.
٤ - قال الرازي: يمكن الاستدلال بهذه الآية على أن الاشتغال بالنوافل
أفضل من الاشتغال بالزواج (النكاح)؛ لأن الاشتغال بالنوافل يفيد الأجر
العظيم عند الله، والاشتغال بالنكاح يفيد الولد، ويوجب الحاجة إلى المال،
وذلك فتنة.
ولكن ذلك في تقديري حيث كان الإنسان في حال اعتدال، ثم لا شك بأن
الزواج يساعد على التقوى والعفة.

٣١٧
الُرُ (٩) - الأَفَات: ٢٩/٨
تقوى الله وفضلها
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ
٢٩٦
سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ
المفردات اللغوية:
﴿إِن تَنَّقُواْ اللَّهَ﴾ التقوى: هي امتثال المأمورات واجتناب المنهيات،
وسميت بذلك لأنها تقي العبد من النار. ﴿فُرْقَانًا﴾ نصراً ونجاة، تنجون مما
تخافون، وسمي بذلك لأنه يفرق بين الحق والباطل، وبين الكفر بإذلال حزبه
والإسلام بإعزاز أهله، ومنه سمي يوم بدر في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ اُلْفُرْقَانِ﴾
[الأنفال: ٤١/٨] لأنه فصل بين الحق والباطل أو يجعل لكم بياناً وظهوراً يشهر
أمركم ويبث صيتكم وآثاركم في أقطار الأرض. ورأى بعض العلماء الجدد:
أنه العلم الصحيح والحكم الراجح أو نور البصيرة والهداية الذي یفرق به بین
الحق والباطل، وقد أطلق هذا اللفظ على التوراة والإنجيل والقرآن، وغلب
على الكتاب الأخير، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِىِ نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ
[الفرقان: ١/٢٥].
D
لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا
والخلاصة: إن الفرقان: هو الفارق الفاصل بين الحق والباطل، وهذا
تفسير أعم مما ذكر، ويستلزم ما ذكر، فإن من اتقى الله بفعل أوامره وترك
زواجره، وفّق لمعرفة الحق من الباطل، فكان ذلك سبب نصره ونجاته في الدنيا
وسعادته في الآخرة، وإثابته الثواب الجزيل.
﴿وَيُكَفِرْ عَنكُمْ﴾ تكفير الذنوب: محوها. ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ غفرها:
قلے
سترها عن الناس . ﴿وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ واسع الفضل عظيم العطاء،
يعطي الثواب الجزيل.

٣١٨
الُ (٩) - الأنفال: ٢٩/٨
المناسبة:
لما حذر الله تعالى من الفتنة بالأموال والأولاد، رغب في التقوى التي
توجب ترك الميل والهوى في محبة الأموال والأولاد.
التفسير والبيان:
يا أيها المؤمنون المصدقون إن تتقوا الله باتباع أوامره واجتناب نواهيه،
يجعل لكم فارقاً بين الحق والباطل وهداية ونوراً ينور قلوبكم، وهذا النور في
العلم القائم على التقوى هو الحكمة في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ اُلْحِكْمَةَ فَقَدْ
أُوِىَ خَيْرً كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩/٢] وهو المشار إليه أيضاً في قوله عز وجل:
﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: ٢٨/٥٧].
فالمتقي الله يؤتيه فرقاناً يميز به بين الرشد والغي وبين الحق والباطل وبين
الإسلام الحق والكفر والضلال، ويكون بذلك ربانياً كما أمر الله بقوله:
﴿ وَلَكِنْ كُنُوْ رَبَّكِيْتِنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل
عمران: ٧٩/٣].
وإن تتقوا الله أيضاً يمح عنكم ذنوبكم وسيئاتكم السابقة، ويسترها عن
الناس، ويؤتكم الثواب الجزيل، والله صاحب الفضل الواسع والعطاء
العظيم، ونظير الآية قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ
بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ، وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ
غَفُورٌ تَّحِيمٌ
[الحديد: ٢٨/٥٧].
فقه الحياة أو الأحكام:
تعددت الأوامر بالتقوى في القرآن الكريم، ولكن جاء الأمر هنا بلفظ
الشرط؛ لأنه تعالى خاطب العباد بما يخاطب بعضهم بعضاً، فإذا اتقى العبد
ربه - وذلك باتباع أوامره واجتناب نواهيه - وترَك الشبهات مخافة الوقوع في

٣١٩
اِلُ (٩) - الأَفَالَ: ٢٩/٨
المحرَّمات، وشحن قلبه بالنية الخالصة، وجوارحه بالأعمال الصالحة، وتحفّظ
من شوائب الشرك الخفي والظاهر، بمراعاة غير الله في الأعمال، والركون
إلى الدنيا بالعفة عن المال، جعل له بين الحق والباطل فرقاناً، قال ابن
إسحاق: ﴿فُرْقَانًا﴾: فَضْلاً بين الحق والباطل، وقال السدي: نجاة، وقال
الفرَّاء: فتحاً ونصراً، وقيل: في الآخرة فيدخلكم الجنة، ويدخل الكفار
النار.
والآية ذكرت ثلاثة أنواع من الجزاء على التقوى:
النوع الأول:
﴿يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾: وهو يشمل جميع الفروق الحاصلة بين المؤمنين وبين
الكفار، ففي الدنيا : يخص تعالى المؤمنين بالهداية والمعرفة، ويخص صدورهم
بالانشراح كما قال: ﴿أَفَمَنْ شَرَعَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ فَهُوَ عَلَى ثُرٍ مِّن
زَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢/٣٩]، ويزيل الغل والحقد والحسد عن قلوبهم، والمكر
والخداع عن صدورهم، ويخصهم بالعلو والفتح والنصر والظفر، كما قال:
﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨/٦٣] وقال: ﴿لِيُظْهِرَةُ عَلَى الدِّينِ
كُلِّ﴾ [الصف: ٩/٦١]. وأمر الفاسق والكافر بالعكس من ذلك.
وفي الآخرة: يكون الثواب والمنافع الدائمة والتعظيم من الله والملائكة.
النوع الثاني:
﴿ وَيُكَفِرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي أنه تعالى يزيل آثار جميع الذنوب والآثام
الكبائر والصغائر ويمحوها ويسترها في الدنيا. ولا شك بأن التوبة أحد مظاهر
التقوى.
النوع الثالث:
﴿ وَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أي ويزيلها يوم القيامة؛ لأنه صاحب الفضل العظيم، ومن
. كان كذلك، فإنه إذا وعد بشيء وفَّى به.

٣٢٠
الزرعُ (٩) - الأنفال: ٣٠/٨-٣١
وفي الجملة: تكون التقوى نوراً في الدنيا والآخرة، وسبباً للسعادة فيهما،
وتحقيق الآمال جميعها، والنجاة من كل سوء وشر، لذا قال تعالى:
﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَنَّ وَأَتَّقُونِ يَتَأُولِىِ الْأَلْبَبِ﴾ [البقرة: ١٩٧/٢].
صَىاله
ألوان الكيد والمؤامرة من المشركين على النبي
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوَكَ أَوَ يَقْتُلُوَكَ أَوْ يُخْرِجُوَةٌ وَيَمْكُرُونَ
وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ ﴿ وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ
٣١
فَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَاْ إِنْ هَذَآ إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ
البلاغة:
﴿وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ برد مكرهم أو بمجازاتهم عليه، وإسناد أمثال هذا إلى الله
إنما يحسن للمزاوجة، ولا يجوز إطلاقها ابتداء لما فيه من إيهام الذم. فإضافة
المكر إليه تعالى على طريق (المشاكلة) بمعنى إحباط ما دبروا من كيد ومكر،
والمشاكلة: أن يتفق اللفظ ويختلف المعنى.
المفردات اللغوية:
﴿ وَإِذْ يَمَّكُرُ﴾ أي واذكر يا محمد إذ اجتمع أهل مكة للمشاورة في شأنك
بدار الندوة. والتذكير بمكر قريش ليشكر نعمة الله عليه في خلاصه من مكرهم
وتدبيرهم واستيلائه عليهم. والمكر: التدبير الخفي لإيصال المكروه إلى آخر من
حيث لا يشعر.
﴿لِيُتْبِتُوكَ﴾ يوثقوك بالوَثاق، ويحبسوك بالقيد، حتى لا تقدر على الحركة.
﴿أَوْ يَقْتُلُوَكَ﴾ كلهم قتلة رجل واحد . ﴿أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ يطردوك من مكة.
﴿ وَيَمْكُرُونَ﴾ بك. ﴿ وَيَمْكُ اللَّهُ﴾ بهم بتدبير أمرك بأن أوحى إليك ما دبروه
وأمرك بالخروج. ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾ أعلمهم به، وأفضل المدبرين.