النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
الجزء (٩) - الأشراف: ٢٠٤/٧-٢٠٦
وأخرج أيضاً عنه قال: كانوا يتكلمون في الصّلاة، فنزلت: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ
اٌلْقُرْءَانُ﴾ الآية.
وأخرج عن عبد الله بن مُغَفَّل نحوه. وأخرج ابن جرير الطّبري عن ابن
مسعود مثله.
وأخرج عن الزُّهري قال: نزلت هذه الآية في فتى من الأنصار كان رسول
الله ◌َليّ كلما قرأ شيئاً قرأه.
وقال سعيد بن منصور في سننه عن محمد بن كعب قال: كانوا يتلقّفون من
رسول الله وَ﴿ إذا قرأ شيئاً قرؤوا معه، حتى نزلت هذه الآية التي في
الأعراف: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾.
وعقب السيوطي على هذه الرّوايات فقال: ظاهر ذلك أن الآية مدنيّة.
يظهر من هذه الرِّوايات أن الآية نزلت في الصّلاة، وهو مروي عن ابن
مسعود وأبي هريرة وجابر، والزُّهْري وعُبيد الله بن عمير، وعطاء بن أبي
رباحٍ، وسعيد بن المسيِّب. قال سعيد: كان المشركون يأتون رسول الله وَليه إذا
صلّ، فيقول بعضهم لبعض بمكّة: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ لَا تَسْمَعُواْ لِهَذَا اُلْقُرْءَانِ
وَالْغَوْاْ فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦/٤١]. فأنزل الله جل وعز جواباً لهم: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ
اُلْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾
وقيل: إنها نزلت في الخطبة، قاله سعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء،
وعمرو بن دينار، وزيد بن أسلم، والقاسم بن مُخَيْمَرة، ومسلم بن يَسَار،
وشَهْر بن حَوْشَب، وعبد الله بن المبارك. قال ابن العربي: وهذا ضعيف؛ لأن
القرآن فيها قليل، والإنصات يجب في جميعها.
المناسبة:
لما ذكر الله تعالى أن القرآن بصائر للناس وآيات بيِّنات للمؤمنين، وهدى
ورحمة لهم، أمر تعالى بالإنصات عند تلاوته إعظاماً له واحتراماً، وتوصُّلاً

٢٤٢
الُرُ (٩) - الأَغراف :: ٢٠٤/٧-٢٠٦
لنيل الرّحمة به، والفوز بالمنافع الكثيرة التي يشتمل عليها، لا كما كان يفعل
كفار قريش في قولهم: ﴿لَا تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْ فِيهِ﴾.
التفسير والبيان:
إذا قرئ القرآن الكريم فأصغوا إليه أسماعكم، لتفهموا آياته وتتعظوا
بمواعظه، وأنصتوا له عن الكلام مع السّكون والخشوع، لتعقلوه وتتدبروه،
ولتتوصلوا بذلك إلى رحمة الله بسبب تفهُّمه والاتِّعاظ بمواعظه، فإنه لا يفعل
ذلك إلا المخلصون الذين استنارت قلوبهم بنور الإيمان.
والآية تدلّ على وجوب الاستماع والإنصات للقرآن، سواء أكانت التّلاوة
في الصلاة أم في خارجها، وهي عامّة في جميع الأوضاع وكل الأحوال،
ويتأكّد ذلك في الصّلاة المكتوبة إذا جهر الإمام بالقراءة، كما رواه مسلم في
صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله
وَلجر: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا قرأ فأنصتوا)) رواه
أيضاً أصحاب السّنن عن أبي هريرة.
وهذا هو المروي عن الحسن البصري، لكن الجمهور خصّوا وجوب
الاستماع والإنصات بقراءة الرّسول 18 في عهده، وبقراءة الصّلاة والخطبة
من بعده يوم الجمعة؛ لأن إيجاب الاستماع والإنصات في غير الصّلاة والخطبة
فيه حرج عظيم؛ إذ يقتضي ترك الأعمال.
وأما ترك الاستماع والإنصات للقرآن المتلو في المحافل، فمكروه كراهة
شديدة، وعلى المؤمن أن يحرص على استماع القرآن عند قراءته، كما يحرص
على تلاوته والتّأذُّب في مجلس التّلاوة.
وتستحب القراءة بالتّرتيل والنّغم الدّالة على التّأثّر والخشوع من غير تكلف
ولا تصنُّع ولا تمطيط ولا تطويل في المدود، فقد روى الشَّيخان عن أبي هريرة.
مرفوعاً: ((ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حَسَن الصوت، يتغنى بالقرآن)).

٢٤٣
الجزء (٩) - الإغراق: ٢٠٤/٧-٢٠٦
وثواب الاستماع كثواب التِّلاوة، روى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي
الله عنه أن رسول الله وَلي قال: ((من استمع إلى آية من كتاب الله، كتبت له
حسنة مضاعفة، ومن تلاها كانت له نوراً يوم القيامة)).
ثم أمر الله تعالى بذكره أول النّهار وآخره كثيراً، كما أمر بعبادته في هذين
الوقتين في قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ اُلْغُرُوبِ﴾
[ق: ٣٩/٥٠].
ومعنى الآية: اذكر ربّك في نفسك سرّاً، بذكر أسمائه وصفاته وشكره
واستغفاره، اذكره بقلبك: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَيِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ١٣/
٢٨]، واذكره ضارعاً متذلِّلاً خائفاً راجياً ثوابه وفضله، واذكره بلسانك ذكراً
متوسِّطاً بين الإسرار والجهر: ﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَفِتْ بِهَا وَأَبْتَغِ بَيْنَ
ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠/١٧]، والخطاب قيل: للتَّبِي ◌َّ، وقيل: لمستمع
القرآن، والأولى أن يكون عاماً.
وينبغي أن يكون ذكر اللسان مقروناً باستحضار القلب وملاحظة المعاني،
فذكر اللسان وحده لا نفع فيه ولا ثواب عليه، فالواجب الجمع بين ذكر
القلب وذكر اللسان، وأن يكون الذّكر رغبة ورهبة.
وأنسب الأوقات للذّكر: وقت الصَّباح والمساء وهو وقت الغدو
والآصال؛ لأنّ بقية النهار للعمل وكسب الرّزق، ولأنّ هذين الوقتين وقتا
هجوع وسكون.
جاء في الصَّحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: رفع الناس
أصواتهم بالدُّعاء في بعض الأسفار، فقال لهم النَّيِ وَ ل ◌َ: ((يا أيُّها النَّاس،
اربْعَوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً، إنّ الذي تدعونه سميع
قریب، أقرب إلى أحدکم من عنق راحلته)).

٢٤٤
الجزء (٩) - الإشراف : ٢٠٤/٧-٢٠٦
﴿ وَلَا تَكُنْ مِّنَ اُلْغَفِلِينَ﴾ تأكيد للأمر بالذّكر، فهو نهي عن الغفلة عن ذكر
الله، والواجب جعل القلب على صلة دائمة مع الله، وأن يشعر القلب الخضوع
لله والخوف من قدرته وعظمته إذا غفل الإنسان عنه.
ثم أكّد الله تعالى الأمر والنّهي السّابقين بما يرغّب في الذّكر، فقال: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ﴾ أي إنّ الملائكة المقرَّبين من الله، لا يتكبَّرون عن عبادة
الله، وينزهونه عن كل مالا يليق بعظمته وكبريائه، وله وحده يصلّون
ويسجدون، فلا يشركون معه أحداً.
وهذا تذكير بفعل الملائكة، ليقتدى بهم في كثرة طاعتهم وعبادتهم، لهذا
شرع لنا السُّجود ههنا وفي بقية سجدات التّلاوة، وهذه أول سجدة في القرآن
فيشرع لتاليها ومستمعها السجود بالإجماع، روى ابن ماجه عن أبي الدرداء
عن النَّبِي وَّ أنّه عدّها في سجدات القرآن.
والآية ترشد إلى أن الأفضل إخفاء الذِّكر، روى أحمد وابن حبّان عن سعد
عن النَّبِي وَ ◌ّ قال: ((خير الذّكر الخفي)).
فقه الحياة أو الأحكام:
الأدب مع القرآن الكريم أمر مطلوب شرعاً، وتعظيم الله واجب عقلاً
وشرعاً، وذكر الله تعالى همزة وصل القلب والنفس مع الله، وشأن الملائكة
دوام العبادة والتّسبيح (تنزيه الله عما لا يليق).
والصّحيح وجوب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن في كل الأحوال
وعلى جميع الأوضاع في الصّلاة وغيرها.
لكن اختلف العلماء على آراء ثلاثة في قراءة المأموم خلف الإمام، هل
يسقط عنهم فرض القراءة في الصلاة الجهريّة والسّريّة، أو يجب، وهل
الوجوب خاص في السّريّة دون الجهريّةِ؟

٢٤٥
الزُعُ (٩) - الأَخراف: ٢٠٤/٧-٢٠٦
اً - الحنفيّة: رأوا أن المأموم لا يقرأ خلف الإمام مطلقاً، جهراً كان يقرأ
أو سرّاً؛ لظاهر هذه الآية، فإن الله طلب الاستماع والإنصات، وفي الجهريّة
يتحقّق الأمران معاً، وفي السّريَّة يتحقق الإنصات؛ لأنه الممكن؛ لأن الإمام
يقرأ، فعليه التزام الصّمت. ويؤيِّده ما أخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله وَله: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا قرأ
فأنصتوا)) ورواه مسلم عن أبي موسى كما تقدّم، وأخرج ابن أبي شيبة أيضاً
عن جابر أنّ النَّبِي وَِّ قال: ((من كان له إمام، فقراءته له قراءة)) وهذا الحديث
وإن كان مرسلاً فإنه يحتج به عند الحنفيّة، وقد رواه أبو حنيفة مرفوعاً بسند
صحیح.
وهو مذهب كثير من الصحابة: علي، وابن مسعود، وسعد، وجابر، وابن
عباس، وأبي الدّرداء، وأبي سعيد الخدري، وابن عمر، وزيد بن ثابت،
وأنس رضي الله عنهم.
اً - المالكية والحنابلة: رأوا أن المأموم يقرأ خلف الإمام إذا أسرّ، ولا
يقرأ إذا جهر، وهو قول عروة بن الزُّبير، والقاسم بن محمد، والزُّهري.
ودليلهم حديثان: الأول - ما رواه مالك وأبو داود والنّسائي عن أبي
هريرة أنّ رسول الله و ﴿ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ
أحد منكم آنفاً؟ فقال رجل: نعم يا رسول الله، فقال: ((إني أقول ما لي أُنازع
القرآن؟!)) فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله وَلير فيما جهر فيه من
الصّلوات بالقراءة، حين سمعوا ذلك من رسول الله وَله.
والثاني - ما روى مسلم عن عمران بن حصين قال: صلى رسول الله وَله
بنا صلاة الظهر أو العصر، فقال: ((وأيّكم قرأ خلفي بسبِّح اسم ربِّك
الأعلى؟)) فقال رجل: أنا، فقال رسول الله وَ له: ((قد علمت أن بعضكم
خاجنیها».

٢٤٦
الجُرُ (٩) - الأَغراف :: ٢٠٤/٧-٢٠٦
وروي عن عبادة بن الصّامت قال: صلَّ رسول الله وَّ الصبح، فثقلت
عليه القراءة، فلما انصرف، قال: ((إنِّي لأراكم تقرؤون وراء إمامكم؟))،
قال: قلنا: يا رسول الله، أي والله، قال: ((فلا تفعلوا إلا بأُمّ القرآن)).
لكن يلاحظ أن هذين الحديثين يدلان على مذهب الشّافعية، لا على مذهبي
المالكية والحنابلة.
◌َّ - الشّافعية: يقرأ المصلِّي بفاتحة الكتاب مطلقاً، سواء كان إماماً أو
مأموماً أو منفرداً، في صلاة جهريّة أو سريّة. واستدلّوا بالحديثين السَّابقين كما
لاحظنا، وبقوله تعالى: ﴿فَأَقْرَهُواْ مَا يَشَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ [المزمل: ٢٠/٧٣]، وبقوله
* - فيما رواه الجماعة: أحمد وأصحاب الكتب السّة عن عبادة بن
الصامت: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)). وهذا ما اختاره البخاري
والبيهقي.
ودلّت آية: ﴿وَأَذْكُرُ زَبَّكَ﴾ على أن رفع الصّوت بالذّكر ممنوع.
وأرشدت آية: ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ على طلب السّجود ممن قرأ هذه الآية أو
سمعها، وقد شرع سجود التّلاوة إرغاماً لمن أبى السُّجود من المشركين، واقتداء
بالملائكة المقرّبين. روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَل ور: ((إذا
قرأ ابن آدم السَّجدة، فسجد، اعتزل الشّيطان يبكي، يقول: يا ويله، أُمر ابن
آدم بالسُّجود فسجد، فله الجنّة، وأُمرتُ بالسُّجود، فأبيت فلي النّار)).
وإذا سجد يقول في سجوده كما كان النَّبي ◌َلّ يقول فيما رواه ابن ماجه
عن ابن عباس: ((اللهم احطط عني بها وِزْراً، واكتب لي بها أجراً، واجعلها
لي عندك ذخراً»، وفي رواية: «اللهم لك سجد سوادي، وبك آمن فؤادي،
اللهم ارزقني علماً ينفعني، وعملاً يرفعني".
واختلف العلماء في وجوب سجود التّلاوة، فقال مالك والشّافعي وأحمد:

٢٤٧
الُهُ (٩) - الإشراف: ٢٠٤/٧-٢٠٦
ليس بواجب؛ لحديث عمر الثابت في صحيح البخاري: أنه قرأ آية سجدة على
اْمِنْبر، فنزل فسجد وسجد الناس معه، ثم قرأها في الجمعة الأخرى، فتهيأ
الناس للسّجود، فقال: ((أيها الناس على رِسْلِكم! إن الله لم يكتبها علينا إلا أن
نشاء)) وذلك بمحضر الصحابة من الأنصار والمهاجرين رضي الله عنهم.
ومواظبة النَّبِي وَ ر تدلّ على الاستحباب. وأما قوله وَّرَ: ((أُمر ابن آدم
بالسّجود)» فإخبار عن السُّجود الواجب.
وقال أبو حنيفة: سجود التلاوة واجب؛ لأن مطلق الأمر بالسّجود يدل
على الوجوب، ولقوله عليه الصّلاة والسّلام: ((إذا قرأ ابن آدم سجدة، اعتزل
الشیطان ییکي، يقول: یا وَيْلَه)» وفي رواية أبي كريب: ((يا ويلي))، وقوله عليه
الصّلاة والسّلام أيضاً إخباراً عن إبليس فيما رواه مسلم: ((أُمر ابن آدم
بالسُّجود فسجد، فله الجنة، وأُمرت بالسُّجود فأبيت فلي النّار)).
ولا خلاف في أنّ سجود القرآن يحتاج إلى ما تحتاج إليه الصّلاة من طهارة
حَدَث وَجَس ونيّة واستقبال قبلة ووقت.
أما الوقت فقيل: يسجد في سائر الأوقات مطلقاً؛ لأنها صلاة لسبب،
وهو مذهب الشافعي والجماعة. وقيل: يسجد في غير الأوقات المكروه فيها
صلاة النافلة مثل ما بعد الصُّبح وما بعد العصر، وهو مذهب الحنفية، وفي
رأي عند المالكية. وسبب الخلاف: معارضة سبب قراءة السَّجدة من السُّجود
المرتب عليها لعموم النّهي عن الصّلاة بعد العصر وبعد الصبح، واختلافهم
في المعنى الذي لأجله تُهي عن الصّلاة في هذين الوقتين.
وهل يحتاج السّاجد إلى تحريم ورفع يدين وتكبير وتسليم؟ اختلف الفقهاء
في ذلك، فذهب الشّافعي وأحمد وإسحاق إلى أنه يكبر ويرفع للتكبير لها أي
السجدة التِّلاوة، وروي في الأثر عن ابن عمر أنّ النَّبِي وَِّ كان إذا سجد كبَّر،
و کذلك إذا رفع کبَّر.

٢٤٨
الجزء (٩) - الأَغراف: ٢٠٤/٧-٢٠٦
ومشهور مذهب مالك أنه يكتر لها في الخفض والرّفع في الصّلاة، واختلف
المنقول عنه في التّكبير لها في غير الصّلاة.
وقال الجمهور: ولا سلام لها، وقال الشَّافعية: لها سلام، وهذا كما قال
ابن العربي أولى، لقوله عليه الصّلاة والسّلام فيما رواه أحمد وأبو داود
والترمذي وابن ماجه عن علي: ((مفتاح الصّلاة الطّهور، وتحريمها التّكبير،
وتحليلها التّسليم))، وهذه عبادة لها تكبير، فكان لها تحليل كصلاة الجنازة بل
أولى؛ لأنها فعل، وصلاة الجنازة قول.
فإن قرأ شخص السّجدة في صلاة، فإن كان في نافلة سجد، وإن كان في
الفريضة لم يسجد في المشهور عن مالك؛ لكونها زيادة في أعداد سجود
الفريضة، وخوفاً من التّخليط على الجماعة.

٢٤٩.
لِلُعُ (٩) السورة (٨) الأَنْفَّالِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
الأَفَِّ
سُورَةُ
مدنية وهي خمس وسبعون آية
سورة الأنفال:
سورة مدنيّة تتحدّث عن أحكام تشريع الجهاد في سبيل الله، وقواعد
القتال، والإعداد له، وإيثار السّلم على الحرب إذا جنح لها العدوّ في دياره،
وآثار الحرب في الأشخاص (الأسرى) والأموال (الغنائم).
وسبب تسميتها بالأنفال واضح، لسؤال الناس عن أحكامها، والمراد بها
الغنائم الحربية، فقد ابتدئت السورة بقوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾.
وقد نزلت عقب غزوة بدر الكبرى، أول الغزوات المجيدة التي حقّقت
النصر للمسلمين مع قلّتهم على المشركين مع كثرتهم، لذا سميت (يوم الفرقان)
لأنها فرقت بين الحقّ والباطل.
ومناسبتها لسورة الأعراف:
أنها في بيان حال الرّسول وَل﴿ مع قومه، وسورة الأعراف مبيّنة لأحوال
أشهر الرّسل مع أقوامهم.
ما اشتملت عليه هذه السّورة:
تضمّنت سورة الأنفال أحكاماً عديدة في الجهاد والغزوات، أهمها
يأتي:

٢٥٠
الُ (٩) السورة (٨) الأَنْفَّالِّ
اً - أمر قسمة الغنائم متروك للرّسول ◌َله، والأحكام مرجعها إلى الله
تعالى ورسوله لا إلی غیرهما.
أَ - إرادة تحقيق النّصر الإلهي للمؤمنين في معركة بدر، لإحقاق الحق
وإبطال الباطل، وبيان علّة ذلك الحكم في قوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ
اَلْحَقَ بِكَلِمَتِهِ، وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَفِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَبُطِلَ الْبَطِلَ وَلَوْ كَرِهَ
٨
اُلْمُجْرِمُونَ
◌َّ - الإمداد الفعلي بالملائكة للمؤمنين يقاتلون معهم: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ
رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّ مُمِدُكُمْ بِأَلْفٍ ◌ِّنَ الْمَلَتَبِكَةِ مُرْدِفِينَ جَ وَمَا جَعَلَهُ
اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَيِنَّ بِهِ، قُلُوبُكُمْ﴾.
ويفهم من هذين الحكمين أن أحكام الله معللة بمراعاة مصالح الناس.
٤ - النّصر الحقيقي من عند الله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾.
٥ - تعليم المؤمنين قواعد القتال الحربية، وخطابهم لترسيخ المعلومات
ستّ مرات بوصف الإيمان: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ في بداية الأمر بكل
قاعدة أثناء سرد أحداث بدر، وهي تحريم الفرار من المعركة، وطاعة الله
والرّسول، والاستجابة لله وللرّسول إذا دعا إلى ما فيه عزّة الحياة والسعادة،
وتحريم الخيانة بنقل أسرار الأمة للأعداء، والأمر بالتقوى التي هي أساس
الخير كله، والثبات أمام الأعداء، والصبر عند اللقاء، وذكر الله كثيراً. ومن
تلك القواعد كراهة مجادلة الرّسول في الحقّ بعدما تبيَّن، أما قبل تبيّن الحق في
المصلحة الحربية فالمجادلة محمودة، إذ بها تتم المشاورة المطلوبة في القرآن بين
المؤمنين ومع الرّسول. ومن القواعد الحربية الامتناع من التنازع والاختلاف
حال القتال: ﴿وَلَا تَنَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيِحُكُمْ﴾.
٩ - عصمة الرّسول بالهجرة من أذى قريش وتآمرهم على حبسه أو نفيه أو
قتله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾.

٢٥١
◌ِلُعُ (٩) السورة (٨) الأَفَّالِ
اً - رفع البلاء العام عن الناس قاطبة ما دام الرّسول فيهم: ﴿وَمَا
كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمَّ﴾.
٨ - التّوكُل على الله بعد اتّخاذ الأسباب المطلوبة في كل شيء، وبخاصة
الإعداد للقتال.
٩ - الظّلم مؤذن بالخراب، ومعجّل بالفناء، ويعمّ أثره الأمّة كلها:
﴿وَأَثَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَصَّةٌ﴾.
. ١ - إن تغيّر أحوال الأُمم من الذّل إلى العزّةٍ، ومن الضَّعف إلى القوّة،
منوط بتغيير ما في النّفوس من عقائد فاسدة وأخلاق مرذولة.
اأَ - الافتتان بالأموال والأولاد مَدْعاة للفساد: ﴿وَأَعْلَمُوْاْ أَنَّمَا
أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾.
١٢ - إعداد مختلف القوى الماديّة والمعنويّة لقتال الأعداء: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم
مَّا أُسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾.
١٣ - إيثار السّلم على الحرب إذا مال لها العدوّ: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ.
.
١٤ - وجوب الوفاء بالعهود والمواثيق، حتى ولو مس ذلك مصلحة بعض
المسلمين: ﴿وَإِنِ اسْتَصَرُوَكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم
مِيثَوُ﴾.
٢٥ - وجوب تأديب ناقضي العهد ومعاملتهم بالشّدّة: ﴿فَإِمَّا نَثْقَفَنَّهُمْ فِى
٥٧
الْحَرْبِ فَشَرِّدُ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ
١٦ - غاية القتال في الإسلام صون حريّة الدِّين ومنع الفتنة في الدِّين:
﴿ وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُ لِلَّهِ﴾.

٢٥٢
المُرُ (٩) السورة (٨) الأَفَّإِلَّ
١٧ - المسلمون أمّة واحدة والولاية والتّناصر بينهم واجب، والكافرون
أمّة واحدة، ولا ولاية بين المؤمنين والكافرين: ﴿ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُواْ أُوْلَتَكَ
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَُّ بَعْضٍِ﴾، ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ﴾
السور المكية والمدنيّة:
سبق في مقدّمة الجزء الأول بيان خواص السّور المكيّة والمدنيّة، وللتّذكير
بتلك الخواص بمناسبة تفسير نماذج من النّوعين أشير إلى بعض هذه الخواص،
علماً بأن سوراً ثلاثاً مما ذكر مكيّة وهي: (الفاتحة والأنعام والأعراف)
وأربعاً هي مدنيّة وهي: (البقرة وآل عمران والنساء والمائدة) وكذا سورة
الأنفال مدنيّة إلا الآيات (٣٠ - ٣٦) فمكيّة.
أما السّور المكيّة: فموضوعاتها العقيدة والأخلاق، ببيان أصول الإيمان
من إثبات التّوحيد والنّبوة والبعث، وقصص الرّسل مع أقوامهم في هذا
المضمار، وتقرير أصول الآداب والأخلاق، ومحاجّة المشركين ودعوتهم إلى
الإيمان بتلك الأصول.
وأما السّور المدنيّة: فتُعنى ببيان أحكام التّشريع المفصّلة، ومحاجّة أهل
الكتاب بسبب الانحراف عن هداية كتبهم، ففي سورة البقرة محاجة اليهود،
وفي سورة آل عمران محاجّة النّصارى، وفي سورة المائدة محاجّة الفريقين، وفي
سورتي النّساء والتوبة مجادلة المنافقين وأحكامهم، بعد إعلان البراءة من
المشركين في سورة التوبة.
وأمّا سورة الأنفال: فهي تنظيم لقواعد السّلم والحرب بالنّسبة للمسلمين،
وسرد أحداث معركة بدر الكبرى، ثم بيان إحباط مكائد المشركين ومؤامراتهم
على قتل النَّبي ◌َله أو حبسه أو إخراجه من مكّة.

٢٥٣
المُ (٩) - الأَنْفَالَ: ١/٨-٤
السؤال عن حكم قسمة الغنائم
وبيان أوصاف المؤمنين
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ
بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا
ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَلُونَ
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ
حَقّاً لَهُمْ دَرَجَثُ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمُ
الإعراب:
صلى
﴿ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ ذات: مفعول به، وهو مضاف، وبینکم: مضاف إليه،
وأصل ذات: ذوية، فحذفوا اللام التي هي الياء، كما حذفت من المذكر في
((ذو)) فإن أصله: ذو، فلما حذفت الياء من ذوية، فتحركت الواو، وانفتح ما
قبلها، فقلبت ألفاً، فصار ذات. والوقف عليها بالتاء عند أكثر العلماء
والقراء.
البلاغة:
﴿ وَأَطِيعُوْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾﴾ ذكر الاسم الجليل في هذا وفي قوله ﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ﴾
لتربية المهابة وتعليل الحكم.
﴿أُوْلَتِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الإشارة بالبعيد لعلو رتبتهم وشرف منزلتهم.
﴿حَقّاً﴾ صفة لمصدر محذوف تقديره: أولئك هم المؤمنون إيماناً حقاً، أو هو
مصدر مؤكد للجملة التي هي: أولئك هم المؤمنون.
﴿لَهُمْ دَرَجَتُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ الدرجات مستعارة لمراتب الجنة ومنازلها العالية.

٢٥٤
لُزُ (٩) - الأَفَالَ: ١/٨-٤
المفردات اللغوية:
يَسْئَلُونَكَ﴾ يا محمد، والسؤال بمعنى طلب العلم يتعدى إلى مفعولين
ثانيهما بـ عن، وقد يتعدى بنفسه، وإذا كان بمعنى طلب المال فيتعدى إلى
مفعولين بنفسه، نحو سألت زيداً مالاً، وقد يتعدى بمن مثل: سألت محمداً
من ماله. والسؤال هنا سؤال استفتاء لا استعطاء، وموجه ممن حضر معركة
بدر. ﴿عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ غنائم بدر، والمراد بها هنا الغنائم الحربية، وهي ما حصل
مستغنَماً من العدو، بتعب كان أو بغير تعب، قبل الظفر أو بعده. وهذا مروي
عن ابن عباس ومجاهد وعطاء والضحاك وقتادة وعكرمة. قال الزمخشري:
النفل: الغنيمة؛ لأنها من فضل الله تعالى .
وقد يراد بالأنفال جمع نفل: ما يشترطه الإمام للمجاهد، زيادة على سهمه.
﴿لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي أن حكمهالله يجعلها حيث شاء، والرسول يقسمها بأمر
الله، فقسمها وَّل بينهم على السواء، كما رواه الحاكم في المستدرك.
(ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ حقيقة ما بينكم بالمودة وترك النزاع، وذات البين:
الصلة التي تربط بين شيئين. أي الحال والصلة التي بينكم، وتربط بعضكم
ببعض وهي رابطة الإسلام، وإصلاحها يكون بالوفاق والتعاون والمواساة
والإيثار، وترك الأثرة أو حب الذات. وقيل: إن ذات بمعنى صفة لمفعول
محذوف، أي أحوالاً ذات بينكم يحصل بها اجتماعكم.
وتوسيط الأمر بإصلاح ذات البين بين الأمر بالتقوى والأمر بالطاعة
لإظهار كمال العناية بالإصلاح.
والبين في أصل اللغة: يطلق على الاتصال والافتراق وكل ما بين طرفين،
كما قال تعالى: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤/٦] برفع بین بمعنی الوصل،
وبنصبه على الظرفية بمعنى وقع التقطع بينكم. ومن استعمال البين بمعنى
الافتراق والوصل قول الشاعر:

٢٥٥
اِلُ (٩) - الَفَالَ: ١/٨-٤
فوالله لولا البَيْنُ لم يكنِ الهوى ولولا الهوى ما حنَّ للبَيْنِ آلف
البين أولاً: هو البعد، والثاني: هو الوصل.
﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في الغنائم وفي كل أمر ونهي وقضاء وحكم. وذكر
الاسم الجليل في هذا وما قبله لتربية المهابة وتعليل الحكم. وذكر الرسول مع
الله تعالى لتعظيم شأنه والإعلام بأن طاعته طاعة لله تعالى.
﴿إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ متعلق بالأوامر الثلاثة، والجواب محذوف لدلالة ما
تقدم عليه، أي فامتثلوا الأوامر الثلاثة. والمراد بالإيمان: التصديق، وقد يراد
به كمال الإيمان.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ الكاملو الإيمان. ﴿ذُكِرَ اللَّهُ﴾ أي وعيده. ﴿وَجِلَتْ﴾
خافت وفزعت. ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ تصديقاً. ﴿وَعَلَى رَبِّهِمُ يَتَوَّكَّلُونَ﴾ به يثقون
لا بغيره وعليه يعتمدون وإليه يفوضون. ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ﴾ يأتون بها كاملة
بحقوقها.﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ﴾ أعطيناهم. ﴿يُنْفِقُونَ﴾ في طاعة الله. ﴿أُوْلَئِكَ﴾
الموصوف بما ذكر . ﴿حَقًّا﴾ صدقاً بلا شك. ﴿لَُّمْ دَرَجَتُ﴾ منازل عالية
رفيعة في الجنة.﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾ في الجنة.
سبب النزول: نزول الآية (١):
أخرج أحمد وابن حبان والحاكم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن
المسلمين اختلفوا في غنائم بدر وفي قسمتها فسألوا الرسول پے، كيف تقسم،
ولمن الحكم فيها، أهي للمهاجرين، أم للأنصار، أم لهم جميعاً؟ فنزلت.
وأخرج الإمام أحمد عن أبي أمامة قال: سألت عبادة بن الصامت عن
الأنفال، فقال: فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النَّفَل، وساءت فيه
أخلاقنا، فانتزعه الله من أيدينا، وجعله إلى رسول الله وَل، فقسمه رسول الله
وَلَه بين المسلمين عن بواء، أي عن سواء.

٢٥٦
الُرُ (٩) - الأنفال: ١/٨-٤
وروى أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال: قال
رسول الله ◌َّل: ((من قتل قتيلاً فله كذا وكذا، ومن أسر أسيراً فله كذا وكذا،
فتسارع في ذلك شبان القوم، وبقي الشيوخ تحت الرايات، فلما كانت المغانم،
جاؤوا يطلبون الذي جعل لهم، فقال الشيوخ: لا تستأثروا علينا، فإنا كنا
ردءاً لكم، لو انكشفتم لفئتم إلينا، فتنازعوا، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ
الْأَنْفَالِ﴾ - إلى قوله - ﴿ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: إِن كُنْتُم ◌ُؤْمِنِينَ﴾.
وروى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن سعد بن أبي وقاص أنه قتل
سعيد بن العاص، وأخذ سيفه، واستوهبه النبي وَّر فمنعه إياه، وأن الآية
نزلت في ذلك، فأعطاه إياه؛ لأن الأمر كله إليه وَالد.
ولا تعارض بين هذه الروايات، فالآية نزلت في شأن قسمة غنائم بدر، لما
اختلف المسلمون في قسمتها، إلا أن بعض الروايات تذكر سبباً عاماً
للخلاف، وبعضها تذكر سبباً خاصاً، ولا مانع من وقوع الأمرين معاً. قال
الجصاص: والصحيح أنه لم يتقدم من النبي وقليل قول في الغنائم قبل القتال،
فلما فرغوا من القتال، تنازعوا في الغنائم، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ
اُلْأَنْفَالِ﴾ فجعل أمرها إلى النبي ◌َّ في أن يجعلها لمن شاء، فقسمها بينهم على
السواء(١).
وإحلال الغنائم مما اختص الله به الأمة الإسلامية، فهي من خصائص
الإسلام بدليل ما ثبت في الصحيحين عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله وله
قال: ((أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي - فذكر الحديث إلى أن قال - وأحلت
لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي».
قال أبو عبيد: ولهذا سمي ما جعل الإمام للمقاتلة نَفَلاً : وهو تفضیلہ بعض
(١) أحكام القرآن: ٤٥/٣

٢٥٧
الُ (٩) - الأنفال: ١/٨-٤
الجيش على بعض بشيء سوى سهامهم، يفعل ذلك بهم على قدر الغَنَاء (النفع)
عن الإسلام، والنكاية في العدو.
وفي التنفيل (إعطاء النفل لبعض المقاتلين تشجيعاً على القتال) سنن أربع
لكل منها موضع :
اً - لا خمس في النفل الذي هو السَّلَب، أي ما يكون مع القتيل من سلاح
ومال ومتاع.
أَ - النفل يكون من الغنيمة بعد إخراج الخمس المنصوص عليه في آية:
﴿ وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ, وَلِلَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١/٨]. وهو
أن يوجه الإمام السرايا في أرض الحرب، فتأتي بالغنائم، فيكون للسرية مما
جاءت به الربع أو الثلث، بعد الخمس لحديث رواه أحمد وأبو داود عن معن
ابن يزيد: ((لا نَفَل إلا بعد الخُمُس)).
٣۴ - النفل الذي یکون من الخمس نفسه: هو ما يخرجه الإمام من حصته،
وهو أن تحاز الغنيمة كلها، ثم تخمس، فإذا صار الخمس في يدي الإمام، نفل
منه على قدر ما يرى.
٤ - النفل الخارج من جملة الغنيمة قبل أن يخمس منها شيء: هو أن يعطى
الأدلاء ورعاة الماشية والسواق لها(١).
واختلف الفقهاء في هذه الأحوال الأربع، فقال الشافعي: الأنفال ألا
يخرج من رأس الغنيمة قبل الخمس شيء غير السَّلَب. قال أبو عبيد: والوجه
الثاني من النفل من خمس النبي وَلّ، فإن له خمس الخمس من كل غنيمة.
والوجه الثالث يعطى للسرية أو الجيش الذي بعثه الإمام على وفق ماشرطه
(١) تفسير ابن كثير: ٢٨٤/٢

٢٥٨
الجُعُ (٩) - الأَفَّا: ١/٨-٤
لهم. ومذهب مالك وأبي حنيفة رحمهما الله كالشافعي أن الأنفال مواهب
الإمام من الخمس، على ما يرى من الاجتهاد، وليس في الأربعة الأخماس
نفل، قال رَّ: ((ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود
عليكم)) وقال المالكية: النفل قسمان: جائز ومكروه، فالجائز بعد القتال،
والمكروه أن يقال قبل القتل: من فعل كذا وكذا فله كذا. وإنما كره هذا؛ لأن
القتال فيه يكون للغنيمة.
التفسير والبيان:
يسألونك أيها الرسول عن حكم الأنفال أي الغنائم لمن هي، وكيف تقسم؟
فقل لهم: إن حكمها لله أولاً يحكم فيها بما يريد، ثم للرسول يقسمها بينكم
كما أمر الله، فأمرها مفوض إلى الله ورسوله. وهذه الآية محكمة مجملة، بیَّن
إجمالها وفصل مصارفها آية أخرى في السورة نفسها هي قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ
أَنَّمَا غَنِمُتُم مِّنْ شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ
وَأَبْنِ اُلْسَبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١/٨] فلا تكون هذه ناسخة لتلك، وإنما توزع
الغنائم، الخمس لهؤلاء المذكورين في هذه الآية، والأربعة الأخماس الباقية
للغانمين. أما اليوم بعد تنظيم الجيوش ومنح رواتب دائمة للجند فتؤول للدولة.
وللإمام بموجب هذا التفويض أن ينفل من شاء من المقاتلة تحريضاً على
القتال، كما قال النبي ◌َّ يوم حنين فيما أخرجه الشيخان وأبو داود
والترمذي عن أبي قتادة: ((من قتل قتيلاً فله سلبه)).
وإذا كان أمر الغنائم لله ورسوله فاتقوا الله سبحانه في أقوالكم وأفعالکم،
واجتنبوا ما كنتم فيه من التنازع والاختلاف فيها، الموجب لسخط الله
وغضبه، والموقع في الفرقة والعداوة الضارة بكم حال الحرب وغيرها.
وأصلحوا ذات بينكم من الأحوال، حتى تتأكد الرابطة الإسلامية بين
بعضكم، وتشيع المحبة والمودة والوفاق والوئام بين صفوفكم، وبعبارة
أخرى: اجعلوا ما كان موصولاً على أصله، فهو سبب الوصل.

٢٥٩
الجُزْءُ (٩) - الأَفَّالَ: ١/٨-٤
وأطيعوا الله ورسوله في الغنائم وفي كل ما أمر به ونهى عنه، وقضى به
وحکم.
هذه الأمور الثلاثة (تقوى الله، وإصلاح ذات البين، وإطاعة أوامر الله
والرسول) يتوقف عليها صلاح الجماعة الإسلامية؛ لأنها توفر معنى
الانضباط والالتزام في السر والعلن لأحكام الشرع، وتوحد الكلمة
والصف، وتكفل طاعة القيادة المخلصة الحكيمة.
إن كنتم مؤمنين مصدِّقين كلام الله وكاملي الإيمان، فامتثلوا هذه الأوامر
الثلاثة، فإن التصديق الحق يقتضى الامتثال، وكمال الإيمان يوجب هذه
الخصال الثلاث: الاتقاء، والإصلاح، وإطاعة الله تعالى ورسوله، فالمؤمن
بالله حقاً يستحي من عصيانه، ويدفعه إيمانه إلى طاعة ربه، وإلى إصلاح ما بينه
وبين الآخرين من خلاف.
وإذا كان الإيمان مستلزماً للطاعة، فإن الله تعالى ذكر خمس صفات
للمؤمنين تدفعهم إلى تحقيق الخصال الثلاث المتقدمة، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا
اَلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ وهذه الصفات هي ما يأتي:
١ - الخوف التام من الله: الذين إذا ذكروا الله بقلوبهم، وأحسوا بعظمته
وجلاله، وتذكروا وعده ووعيده، خافوا منه أتم الخوف. كما قال تعالى في آية
أخرى: ﴿وَيَشْرِ الْمُخْبِتِينَ، الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اَللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٣٤/٢٢-
٣٥].
٢- زيادة الإيمان بتلاوة القرآن: الذين إذا تليت عليهم آياته القرآنية،
زادتهم إيماناً ويقيناً وتصديقاً، وإقبالاً على العمل الصالح؛ لأن كثرة الأدلة
والتذكير بها، يوجب زيادة اليقين، وقوة الاعتقاد، فالرؤية البصرية أو الحسية
مثلاً تقوي القناعة الذاتية، كما حدث لإبراهيم عليه السلام الذي كان
مؤمناً، وطلب من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ قَالَ بَّ

٢٦٠
الُ (٩) - الأنفال: ١/٨-٤
وَلَكِن لِيَطْمَيِنَ قَلْبِى﴾ [البقرة: ٢٦٠/٢] وهذا يدل على أن منزلة الطمأنينة في
الإيمان أقوى وأعلى من مجرد الإيمان. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿هُوَ اُلَّذِىّ أَنْزَلَ
اُلسَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوَاْ إِيمَنَا مَّعَ إِيمَنِهِمْ﴾ [الفتح: ٤/٤٨] وقوله:
﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهٍِ إِيمَنَّا فَأَمَّا الَّذِينَ
[التوبة: ١٢٤/٩].
١٢٤
ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
٣ - التوكل على الله أي الاعتماد عليه والثقة به والتفويض إليه: الذين
يتوكلون على ربهم وحده، وإليه يلجؤون، ولا يرجون غيره، ولا يقصدون إلا
إياه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، وذلك بعد اتخاذ الأسباب، فمن تعاطى
الأسباب المطلوبة منه عقلاً وعادة، ثم فوض الأمر لله، وأيقن أن الأمر كله
بيد الله، فهو من أهل الإيمان. أما ترك الأسباب فهو جهل بمفهوم التوكل.
٤ - إقامة الصلاة: الذين يقيمون الصلاة، أي يؤدونها كاملة الأركان
والشروط من قيام وركوع وسجود وتلاوة وأذكار في مواقيتها المعينة شرعاً،
مع خشوع القلب، ومناجاة الرحمن، وتدبر قراءة القرآن.
٥ - الإنفاق في سبيل الله: الذين ينفقون بعض أموالهم في وجوه الخير
بإخراج الزكاة المفروضة، وأداء الصدقات التطوعية، والنفقات الواجبة
للأصول والأهل، والمندوبة للأقارب والمحتاجين وفي مصالح الأمة وجهاد .
العدو، فإن الأموال عواري وودائع عند الإنسان لا بد أن يفارقها.
وهذه الأعمال تشمل أنواع الخير كلها، لذا قال تعالى بعد بيانها: ﴿أُوْلَكَ
هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ أي أولئك الموصوفون: بما ذكرهم دون غيرهم المؤمنون
حق الإيمان. وقد أشير إليهم بأولئك المفيد للبعد لبيان كمالهم وعلو منزلتهم.
روى الطبراني عن الحارث بن مالك الأنصاري رضي الله عنه أنه مرّ برسول
الله وَّه، فقال له: ((كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمناً حقاً،
قال: انظر ماذا تقول، فإن لكل شيء حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ قال: عَزَّفَتْ