النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
◌ِلُ (٩) - الأَغَرَافِ: ١٨٧/٧
﴿ أَيََّنَ مُرْسَنهًا﴾ متى زمن إرسائها واستقرارها وحصولها، ومنه: إرساء
السَّفينة أي إيقافها بالمِرْساة التي تلقى في البحر، فتمنعها من الجريان.
﴿لَا يُجَلِيَهَا﴾ لا يظهرها ولا يكشفها. ﴿ لِوَقْهَا﴾ اللام بمعنى في، أي في
وقتها، كما يقال: كتبت هذا لغرَّة المحرّم أي في غرَّته. ﴿ثَقُلَتُ﴾ عظمت.
﴿بَغْنَةً﴾ فجأة على غفلة من غير توقُّع ولا انتظار، كما قال عليه الصَّلاة
والسَّلام فيما ذكر قتادة: ((إنَّ الساعة تهيج بالناس، والرَّجل يصلح حوضه،
والرَّجل يسقي ماشيته، والرَّجل يقيم سلعته في السُّوق، ويخفض ميزانه
ویرفعه))(١).
﴿حَفِىُّ عَنْهَا﴾ عالم بها أو مبالغ في السؤال عنها، من حفي عن الشيء: إذا
سأل عنه، فإن من بالغ في السؤال عن الشيء والبحث عنه، استحكم علمه
به، ولذلك عدي بعن والحفيّ: المستقصي في السؤال عن الشيء المعتني بأمره،
قال الأعشى:
فإن تسألي عنّي، فيا رُبَّ سائل حفيٍّ عن الأعشى به حيث أَصْعَدا
والإحفاء: الاستقصاء، ومنه: إحفاء الشَّارب، وحفي عن الشيء: إذا
بحث للتعرُّف عن حاله.
٠
سبب النزول:
كانت اليهود تقول للنّي وَّه: ((إن كنت نبيّاً فأخبرنا عن الساعة متى
تقوم؟)). وأخرج ابن جرير الطَّبري عن قتادة أن المشركين قالوا ذلك، لفرط
الإنكار(٢). وأخرج الطَّبري أيضاً وغيره عن ابن عباس قال: قال خمل بن
قشير وسموءل بن زيد لرسول الله صل *: أخبرنا متى الساعة، إن كنت نبيّاً كما
تقول، فإنّا نعلم ما هي، فأنزل الله: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَهَا﴾.
(١) تفسير ابن كثير: ٢٧١/٢.
(٢) تفسير القرطبي: ٣٣٥/٧.

٢٠٢
لُعُ (٩) - الأَغرافِنْ: ١٨٧/٧
ورجَّح ابن كثير أنها نزلت في قريش؛ لأن الآية مكِّية، وكانوا يسألون عن
وقت السَّاعة، استبعاداً لوقوعها وتكذيباً بوجودها(١)، كما قال تعالى:
﴾ [سبأ: ٢٩/٣٤]،
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
وقال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ
مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَّ إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِى السَّاعَةِ لَفِى ضَلَلٍ بَعِيدٍ
﴾ [الشورى: ١٨/٤٢].
المناسبة:
لما تكلّم الله تعالى في التَّوحيد والنُّبوة والقضاء والقدر، أتبعه بالكلام عن
المعاد. وكذلك لما قال تعالى في الآية المتقدِّمة عن أجل الإنسان: ﴿ وَأَنْ عَسَى أَنْ
يَكُونَ قَدِ أَقْتَبَ أَجَلُهُمْ﴾ بقصد الحثّ على التوبة والإصلاح، وهو الساعة
الخاصة، قال بعده: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ للإرشاد إلى النظر والتَّفكّر في أمر
الساعة العامة التي تنتهي بها الدُّنيا كلّها، ويموت بها جميع النّاس، ولبيان أن
وقت السّاعة مكتوم عن الخلق.
التفسير والبيان:
يسألونك يا محمد عن وقت الساعة. متى يكون؟ ومتى يحصل ويستقر؟ كما
قال تعالى: ﴿يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأحزاب: ٦٣/٣٣]. وفي التعبير
بالإرساء الدَّال على الاستقرار إشارة إلى أن قيام الساعة إنهاء لحركة العالم،
وانقضاء عمر الأرض.
قل لهم: إن علم الساعة مقصور على الله وحده، فلا يطّلع عليه أحد من
الخلق، فإنه هو الذي يعلم جلية أمرها، ومتى يكون على التَّحديد، ولا
يظهرها في وقتها المحدود إلا الله، ولا يعلم بها أحد حتى ولو كان ملكاً مقرَّباً
(١) تفسير ابن كثير: ٢٧١/٢.

٢٠٣
المُ (٩) - الأَغرافِ: ١٨٧/٧
أو نبيّاً مرسلاً، كما قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَتٍ مِّنْ
أَكْمَامِهَا﴾ [فصلت: ٤٧/٤١]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ
وَيُنَزِّكُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان: ٣٤/٣١]. فكلّ من الساعة العامة (القيامة)، والساعة
الخاصّة (أجل الإنسان) من الغيبيات التي اختص الله بعلمها، لتكون فترة
الاختبار صحيحة وعامة غير متأثرة بدافع العلم بها أو بقصد النَّفعية، ولا
مختصَّة بزمن معيَّن يطَّلع عليه الخلق، ولتبقى رهبتها مهيمنة على النُّقوس.
وفي التَّعبير بقوله: ﴿ِنْدَ رَبِّ﴾ إشارة إلى أن ما هو شأن الرَّبّ لا يكون
للمخلوق، وأنَّ مهمة النَّبي ◌َّ الإنذار بوقوعها، لا بتحديد زمنها، حتى لا
يضطرب شأن العالم، فلو علمت لاضطرب الناس واختلَّ العمران.
لذا قال تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ أي خفي علمها على أهل
السماوات والأرض، ولم يعلم أحد من الملائكة المقرَّبين والأنبياء المرسلين
متى يكون حدوثها ووقوعها، وكلّ ما خفي علمه فهو ثقيل على الفؤاد. وقيل
عن الحسن وغيره: كبر مجيئها على أهل السماوات والأرض، وعظم أمرها،
فهم لا يدرون متى تفاجئهم، ويتوقعون دائماً وقوعها، ويخافون منها لشدَّة
وقعها وعظم أهوالها.
وقضى الله أنها لا تأتي إلا بغتة أي فجأةً على غفلة، والناس مشغولون في
شأن الدُّنيا ومصالحها، وهذا تأكيد لما تقدَّم وتقرير لعنصر المفاجأة في إتيانها.
روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله وَل قال: ((لا تقوم الساعة حتى
تطلع الشَّمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين
لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً. ولتقُومنَّ
الساعة، وقد نشر الرَّجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقُومنَّ
الساعة، وقد انصرف الرَّجل بلبن لَفْحَته (١) فلا يطعمه، ولتقُومنَّ الساعة
(١) اللقحة: الشاة الحلوب أو الحامل.

٢٠٤
لُعُ (٩) - الأَغَرَافِ :: ١٨٧/٧
والرَّجل يَليط(١) حوضه، فلا يسقي فيه، ولتقُومنَّ الساعة، والرَّجل رفع أكلته
إلى فيه، فلا يُطْعَمُها)).
يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىُّ عَنْهًا﴾ مبالغ في السؤال عنها، ومهتم بشأن زمنها،
وعالم بها. قل لهم: لست أعلمها، إنما علمها عند الله الذي يعلم الغيب في
السماوات والأرض. و﴿ أَيَانَ﴾ معناه الاستفهام عن زمان المجيء، بمعنى متى.
وتكرار هذا الجواب: ﴿عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ﴾ بعد تكرار السؤال مبالغة في
التأكيد، بل ليس هذا تكريراً، ولكن أحد العلمين لوقوعها، وهو الجواب
الأول عن سؤالهم عن وقت قيام الساعة، والآخر لكنهها، وهو الجواب
الثاني عن سؤالهم عن كنه ثقل الساعة وشدَّتها ومهابتها. فالسؤال الأوّل عن
وقت قيام الساعة، والثاني عن مقدار شدَّتها ومهابتها.
وعبَّر عنها بلفظ الجلالة ﴿اَللَّهِ﴾ إشارة إلى استئثار الله بعلمها لذاته، كما
عبَّر هناك بلفظ ﴿رَبِّ﴾ للتَّنبيه على أنَّ الساعة من شؤون ربوبيَّته.
ونقل عن ابن عباس تفسير ﴿حَفِىٌّ عَنْهًا﴾ بأنه حفيٍّ ببرِّهم وفرِح بسؤالهم،
وكأن بينك وبينهم مودّة، وكأنك صديق لهم؛ لأنهم قالوا: بيننا وبينك قرابة،
فأسِرَّ إلينا بوقت الساعة.
ولكن أكثر الناس لا يعلمون أنه العالم بها، وأنه المختص بالعلم بها، وسرّ
إخفائها، أو سبب عدم معرفة الخلق وقتها المعيَّن، وحكمة ذلك، وإنما يعلم
ذلك القليلون، وهم المؤمنون بالقرآن وبما أخبر به النَّبِي وَ لَّ فيما رواه
الشيخان عن عمر رضي الله عنه حينما سأله جبريل عن الساعة، فقال: ((ما
المسؤول عنها بأعلم من السائل)) أي أنا وأنت سواء في جهل هذا الأمر. ولكن
النَّبِي ◌َّرَ أخبر عن قرب وقوع الساعة، فقد أخرج الترمذي وصححه عن
(١) يليط: يطلي حوضه أو حجارته بحصِّ ونحوه ليمسك الماء.

٢٠٥
المُرُ (٩) - الأَغرافِ: ١٨٧/٧
أنس مرفوعاً: (بُعِثْتُ أنا والساعةُ كهاتين)) وقرن بين أصبعيه: السبابة والتي
تلیھا.
قال الرّازي: السبب في إخفاء الساعة عن العباد: هو أن يكونوا على حذر
منها، فيكون ذلك أدعى إلى الطاعة، وأزجر عن المعصية(١).
وقال الألوسي: وإنما أخفى سبحانه أمر الساعة لاقتضاء الحكمة التَّشريعية
ذلك، فإنه أدعى إلى الطاعة، وأزجر عن المعصية، كما أن إخفاء الأجل
الخاص للإنسان كذلك(٢).
وهذا هو السّر أيضاً في إخفاء ليلة القدر وساعة الإجابة، لينشط الناس في
طلبها والعمل لها في وقت أطول، وليظل الإنسان ملازماً حال الاستقامة
والدُّعاء والعبادة.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلَّت الآية على أحكام عديدة مستنبطة من كلِّ جملة فيها، وهي ما يأتي:
اً - لا يعلم وقت قيام الساعة، ولا مقدار شدَّتها ومهابتها، ولا يعرف
كنهها وحقيقتها إلا الله عزَّ وجلَّ، لقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلَّمُ
السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤/٣١]، وهي محققة المجيء والحدوث؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ
السَّاعَةَ لَنِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا﴾ [غافر: ٥٩/٤٠]، وقريبة الوقوع، لقوله تعالى:
﴿إِنَّ السَّاعَةَ ءَائِيَةُ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥/٢٠]، وتقع كلمح البصر أو أقرب؛
لقوله سبحانه: ﴿وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْجِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل:
١٦/ ٧٧].
(١) تفسير الرّازي: ٨٠/١٥.
(٢) تفسير الألوسي: ٩/ ١٣٤.

٢٠٦
الجُ (٩) - الأَّغَرَافِ: ١٨٧/٧
أَ - إنَّ يوم السَّاعة عظيم الفِّقل على القلوب، بسبب أنَّ الخلق يصيرون
بعدها إلى البعث والحساب والسؤال، ولكون الخوف من الله في ذلك اليوم
شديداً على الخلائق.
◌َّ - لا تجيء الساعة إلا بغتةً فجأةً، على حين غفلة من الخلق، روى
الحسن البصري عن النَّبِي وَّر أنه قال: ((والذي نفس محمد بيده لتقُومنَّ
الساعة، وإنَّ الرَّجل ليرفع اللقمة إلى فيه، حتى تحول بينه وبين ذلك))، وسميت
القيامة بالسّاعة لوقوعها بغتةً، أو لأن حساب الخلق يقضى فيها في ساعة
واحدة، أو لأنها على طولها كساعة واحدة عند الخلق.
٤ - لم يكن النَّبِي وَّ عالماً بالسّاعة ولا كثير السؤال عنها.
٥ - الحكمة التَّشريعية في كون وقت السَّاعة مكتوماً عن الخلق؛ هو حمل
المكلَّفين على المسارعة إلى التوبة، وأداء الواجبات، وسداد الحقوق إلى
أصحابها.
وللسَّاعة أشراط أو علامات ثلاث:
اً - ما وقع بالفعل منذ زمان مثل قتال اليهود وفتح بيت المقدس
والقسطنطينية.
اً - ما حدث بعضه ويتوالى ظهوره مثل كثرة الفتن، وكثرة الدَّجَّالين،
وكثرة الزِّنا، وكثرة النِّساء وتشبههنَّ بالرِّجال، والمجاهرة بالكفر والإلحاد
والشرك.
٣ - ما سيقع قبيل قيام الساعة من علامات صغرى وكبرى، مثل أن تلد
الأمة ربَّتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشّاة يتطاولون في البنيان،
ومثل طلوع الشَّمس من مغربها.

٢٠٧
لِلُعُ (٩) - الأَغرافِ: ١٨٨/٧
الأمور كلّها بيد الله وحده وعلم الغيب
مختصّ بالله تعالى وحقيقة الرسالة
﴿قُل لََّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلَا ضَرَّا إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ
لَاْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيْرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
١٨٨)
القراءات:
﴿السُّوْءُ إِنْ﴾:
بالتسهيل، وبالإبدال واواً خالصة قرأ: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو.
وقرأ الباقون بالتحقيق.
المفردات اللغوية:
﴿اَلْغَيْبَ﴾: هو ما غاب عنّا، وهو إما حقيقي: لا يعلمه إلا الله؛ وإما
إضافي نسبي يعلمه بعض الخلق بتعليم الله كالأنبياء والرُّسل. ﴿اٌلْخَيْرِ﴾ ما
يرغب الناس فيه عادة من المنافع المادية كالمال، والمعنوية كالعلم. ﴿السُّوءُ﴾ ما
يرغب عنه الناس لضرره كالفقر وغيره . ﴿إِنْ أَنَاْ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ أي ما أنا إلا منذر
بالنّار للكافرين، والإنذار: التَّبليغ المقترن بالتَّخويف من العقاب على الكفر
والمعاصي. والتَّبشير: التَّبليغ المقترن بالتَّرغيب في الثَّواب مع الإيمان والعمل
الصالح. والبشير: المبشر بالجنَّة للمؤمنين.
سبب النزول:
روي أن أهل مكة قالوا: يا محمد، ألا يخبرك ربُّك بالرُّخص والغلاء حتى
نشتري فتربح، وبالأرض التي تجدب لنرتحل إلى الأرض الخصبة، فأنزل الله
تعالى هذه الآية.

٢٠٨
لُ (٩) - الأَغَرَافْ: ١٨٨/٧
المناسبة:
بعد أن أخبر الله عن أنَّ وقت الساعة (القيامة) لا يعلمه إلا الله وحده،
أمر رسول الله ﴿ ﴿ أن يبيِّن للناس أنَّ كل الأمور بيده تعالى وحده، وأنَّ علم
الغيب كله عنده، وأنه لا يدَّعي علم الغيب، إن هو إلا نذير وبشير، كما قال
تعالى في سورة يونس: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ (٨) قُل لََّ
أَمْلِكُ لِنَفْسِىِ ضَرَّ وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلُ﴾ [يونس: ٤٨/١٠-٤٩].
التفسير والبيان:
أمر الله تعالى رسوله أن يفوِّض الأمور إليه، وأن يخبر عن نفسه أنه لا يعلم
الغيب المستقبل، ولا اطلاع له على شيء من ذلك إلا بما أطلعه الله عليه، كما
قال تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًا (٨) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن
رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦/٧٢-٢٧].
قل أيُّها الرَّسول للناس: إنِّي لا أملك لنفسي ولا لغيري جلب أي نفع ولا
أستطيع دفع أي ضرر علِّي ولا عن غيري، إلا بمشيئة الله وقدرته، فيلهمني
إيّاه ويوفِّقني له.
وهذا يدلُّ على إظهار العبودية، والتَّرِّي من ادِّعاء العلم بالغيوب،
ومنصب الرِّسالة لا يقتضي علم الساعة وغيرها من علم الغيب، فالغيب لله
وحده.
وإنما وظيفة الرِّسالة تبليغ الوحي المنزل، والتَّعليم والإرشاد، وفيما عدا
ذلك فإن الرَّسول بشر كسائر الناس: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَّ﴾
[الكهف: ١١٠/١٨].
ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير كالمال ونحوه من المنافع، ولما
أصابني السّوء، أي لاجتنبت ما يكون من الشَّر قبل أن يكون، وتوقيت
المضار قبل أن تقع.

٢٠٩
الُ (٩) - الأَشْرَافِ: ١٨٨/٧
وليس لي مزية عن البشر إلا بتبليغ الوحي عن الله بالإنذار والتَّبشير، فما
أنا إلا عبد مرسل للإنذار والبشارة، نذير من العذاب، وبشير للمؤمنين
بالجنّات، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشْرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ
وَتُنْذِرَ بِهِ، قَوْمًا لََّّا (﴿1﴾﴾ [مريم: ٩٧/١٩].
وكوني المنذر والمبشر للمؤمنين؛ لأنهم هم المنتفعون بالإنذار والتَّبشير.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه آية من أصول العقيدة والدِّين، بيّنت حقيقة الرِّسالة، وميَّزتها عن
الرُّبوبية، وهدمت قواعد الشِّرك والوثنية.
فما الرَّسول إلا بشرٌ مبلِّغ عن الله ما يوحيه إليه، وهو قدوة صالحة للنّاس
في العمل بما جاء به من عند الله، وليس له شيء من صفات الله وأفعاله، ولا
سلطان له بالتأثير في الأشياء، لا نفعاً ولا ضّاً، ولا خيراً ولا شرّاً، ولا
إيماناً ولا كفراً.
وبما أنَّ الإيمان نفع والكفر ضرّ، فإنهما لا يحصلان إلا بمشيئة الله
سبحانه؛ فهو الخالق للإيمان والكفر، والمريد لهما، والعبد هو الموجد ما خلق
الله عنده من قدرة إما إلى الإيمان والخير، وإما إلى الكفر والشّرِّ.
وليس أدلّ على الإقناع بعدم علم الرَّسول بالغيب من أنه لو كان عالماً
بالغيب، لحقَّق لنفسه منافع الدُّنيا وخيراتها، من مال ومجد، وعظمة دولة،
ونصر حربي، وتفوق دائم، وأرباح ومكاسب كثيرة، ولدفع عن نفسه آفات
الدُّنيا ومضارِّها، كالفقر والمرض والجرح والهزيمة ونحوها من ألوان السّوء
والشّر، ولحذر من مكر الأعداء ومكائدهم، ولاستطاع التَّمييز بين من تؤثر
فيه الدَّعوة إلى الدِّين الحقّ ومن لا تؤثِّر فيه.

٢١٠
الُ (٩) - الأَّغَرَافِ: ١٨٩/٧ -١٩٣
التذكير بالنشأة الأولى والأمر بالتوحيد
واتباع القرآن والنهي عن الشرك
هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا
فَلَمَّا تَغَشَّنْهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ، فَلَمَّا أَثْقَلَتَ ذَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَبِنْ
فَلَمَآ ءَاتَنُهُمَا صَلِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَّكَآءَ فِيمَآ
٨٩
ءَ تَيْتَنَا صَِحًا لَّتَكُونَنَّ مِنَ الشَِّكِينَ
ءَاتَنْهُمَأَ فَتَعَلَى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
١٩٠
أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ
١٩١
وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَّ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ (٣)
وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا
يَتَّبِعُوكُمْ سَوَآءُ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَحِتُونَ
القراءات:
﴿شُرَّكَآءَ﴾ :
وقرأ نافع (شِرْكاً).
﴿لَا يَتَِّعُوكُمْ﴾ :
وقرأ نافع: (لا يَتْبعوكم).
الإعراب:
﴿لَيِنْ ءَاتَيْتَنَا صَلِحًا﴾ صالحاً صفة المفعول الثاني المحذوف، وتقديره: ابناً
صالحاً، والمفعول الأول: (نا) في الفعل.
﴿شُرَّكَاَءَ﴾ جمع شريك، وفيه حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أي
جعل أولادهما له شركاء. وكذلك ﴿فِيمَآ ءَاتَنْهُمَا﴾ أي آتى أولا دهما، وقد دلَّ
على ذلك قوله تعالى: ﴿فَتَعَلَى اَللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ حيث جمع الضمير، وآدم

٢١١
الجزءُ (٩) - الأَغَرَافِ: ١٨٩/٧ -١٩٣
وحواء بريئان من الشرك، ومعنى إشراكهم فيما آتاهم الله: تسميتهم أولادهم
بعبد العزى، وعبد مناة، وعبد شمس، وما أشبه ذلك، مكان عبد الله وعبد
الرحمن وعبد الرحيم.
البلاغة:
﴿ فَلَمَّا تَغَشَنْهَا﴾ التَّغشي: كناية عن الجماع.
المفردات اللغوية:
﴿مِّن نَفْسِ وَحِدَةٍ﴾ أي من آدم، أو من جنس واحد ﴿وَجَعَلَ﴾ خلق
﴿زَوْجَهَا﴾ حواء ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ ليأنس بها ويطمئن إليها ويألفها
﴿تَغَشَّنَهَا﴾ جامعها، مثل غشيها ﴿حَمَلَتْ﴾ علقت منه ﴿حَمْلًا خَفِيفًا﴾ هو
النطفة، والحمل بفتح الحاء: ما كان في بطن أو على شجرة، وبالكسر: ما
كان على ظهر ﴿فَمَرَّتْ بِهِ،﴾ استمرت حاملة له إلى وقت ميلاده ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَت﴾
صار الحمل ثقيلاً وقرب وضعها ﴿صَلِحًا﴾ أي ولداً أو نسلاً صالحاً أي سوياً
سليماً في الجسم والفطرة ﴿فَتَعَلَى اَللَّهُ﴾ تعاظم وتنزه عن الشريك والولد
﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي أهل مكة به من الأصنام. وأجريت الأصنام مجرى
العقلاء أولي العلم في قوله: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ بناء على اعتقادهم فيها وتسميتهم
إياها آلهة. والمعنى: أيشركون مالا يقدر على خلق شيء كما يخلق الله وهم
يُخلقون.
وجملة ﴿فَتَعَلَى﴾ عطف على ﴿خَلَقَكُمْ﴾ وما بينهما اعتراض.
المناسبة:
موضوع الآيات عود على بدء، فقد بدئت السورة بالكلام عن التوحيد
واتباع القرآن، ثم ختمت بالكلام عن التوحيد وعن القرآن، والتذكير بالنشأة
الأولى، كما ذكَّر بها سابقاً، لترسيخ العقيدة بوجود الله ووحدانيته، والامتناع
عن الشرك، والبعد عن وسوسة الشيطان.

٢١٢
لُعُ (٩) - الأَغْزَافِن: ١٨٩/٧ -١٩٣
التفسير والبيان:
الله هو الذي خلقكم في الأصل من نفس واحدة، قال جمهور المفسّرين:
المراد بالنفس الواحدة: آدم عليه السلام، ثم خلق منه زوجته حواء، ثم انتشر
الناس منهما، كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى
وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ﴾ [الحجرات: ١٣/٤٩]، وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ
أَتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا
وَنِسَآءُ﴾ [النساء: ١/٤].
ورأي بعض المفسّرين أن المعنى، خلقكم من جنس واحد وطبيعة واحدة،
وجعل زوجه من جنسه، ليسكن إليها، ويطمئن بها، كما خلق من كل
الأنواع زوجين اثنين، كما قال عزّ وجلّ: ﴿وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلَفْنَا زَوْجَيْنِ
ج) [الذاريات: ٤٩/٥١].
لَعَلَّكُمْ نَذَكَّرُونَ
وقوله: ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ أي ليأنس بها ويطمئن ويألفها، كقوله تعالى:
﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجَا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ
بَيْنَكُمْ قَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١/٣٠]. وهذا التآلف قائم في أعمال كل من
الرجل والمرأة، ففي عهد الشباب لا تسكن النفس إلا بالاقتران بزوج آخر،
ولا نجد ألفة بين روحين أعظم مما بين الزوجين، والجنس ميال بطبيعته إلى
جنسه، والتعاون على شؤون الحياة يحتاج إلى التزاوج، وبقاء النوع الإنساني
مرهون بهذا الترابط بين الجنسين: الذكر والأنثى.
ثم ذكر الله تعالى ثمرة هذا التزاوج بين الرجل والمرأة فقال: ﴿فَلَمَّا
تَغَشَّنهَا﴾ وهو كناية عن الوقاع، أي فلما حدث الوطء أو الوقاع أو الجماع
بين الجنسين، بدأ تكون الجنين، وحدث الحمل الخفيف، وهو أول الحمل
الذي لا تجد فيه المرأة ثقلاً ولا ألماً، إنما هي النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة،
ويرتفع الحيض عادة ببدء الحمل، وتستمر المرأة في متابعة أعمالها المعتادة دون

٢١٣
اِلُعُ (٩) - الأَغَرَافِ: ١٨٩/٧ -١٩٣
مشقة، وهذا هو المراد من قوله: ﴿فَمَرَّتْ بِّ﴾ أي استمرت بذلك الحمل
الخفيف.
فلما أثقلت المرأة الحامل أي صارت ذات ثقل بحملها بسبب كبر الولد في
بطنها، وحان وقت الوضع، دَعَوا الله ربَّهما، أي دعا الزوجان وهما المشركان
مقسمين: لئن آتيتنا ولداً صالحاً، أي بشراً سوياً، تام الخلق، سليم الفطرة،
لنكونن لك من الشاكرين نعمتك، المشتغلين بشكر تلك النعمة.
فلما آتاهما الله ما طلبا، ورزقهما ولداً صالحاً سوياً كامل الخلقة، جعل
الزوجان لله شركاء أي شريكاً فيما آتاهما وأعطاهما، فتعالى أي تعاظم وتنزه
الله عما يشركون وينسبون له من الولد والشريك.
ومِنَ المراد بقوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَّكَاءَ فِيمَآ ءَاتَنْهُمَاً﴾ ؟.
ذكر بعض المفسّرين كالسيوطي أن المراد آدم وحواء، بالاعتماد على حديث
ضعيف في الترمذي وغيره، وهو ما رواه سمرة عن النبي ◌َّ قال: لما ولدت
حواء، طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سِيه عبد الحارث -
وكان اسم إبليس حارثاً بين الملائكة - فإنه يعيش، فسمَّته، فعاش، فكان
ذلك من وحي الشيطان وأمره. وتؤيده روايات إسرائيلية كثيرة لا ثبات لها،
فلا يعول عليها، وأمثال ذلك لا يليق بالأنبياء.
والواقع - على افتراض أن المراد بالنفس الواحدة: آدم - أن نسبة هذا
الجعل إلى آدم وحواء يراد به بعض أولادهما، قال الحسن البصري: هم اليهود
والنصارى، رزقهم الله أولاداً، فهوَّدوا ونصّروا(١).
وأيَّد ابن كثير هذا التأويل عن الحسن رضي الله عنه، فقال: وهو من
(١) تفسير ابن كثير: ٢٧٥/٢.

٢١٤
لُعُ (٩) - الَّغَرَافِ: ١٨٩/٧ -١٩٣
أحسن التفاسير، وأولى ما حملت عليه الآية .. وأما نحن فعلى مذهب الحسن
البصري رحمه الله في هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنما
المراد من ذلك المشركون من ذريته، ولهذا قال الله: ﴿فَتَعَلَى اللَّهُ عَمَّا
يُشْرِكُونَ﴾ أي بصيغة الجمع. فذكر آدم وحواء أولاً كالتوطئة لما بعدهما من
الوالدِين، وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس، كقوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَا
السَّمَةَ الدُّنْيَا بِعَصَبِيحَ وَجَعَلْنَهَا رُجُومًا لِلشَّيَطِيْنِّ﴾ [الملك: ٥/٦٧]. ومعلوم أن
المصابيح وهي النجوم التي زينت بها السماء ليست هي التي يرمى بها، وإنما
هذا استطراد من شخص المصابيح إلى جنسها، ولهذا نظائر في القرآن
الكريم(١).
والخلاصة: إن الشرك نسب إلى آدم وحواء، والمراد به أولادهما، كاليهود
والنصارى والمشركين؛ لأن آدم وزوجته لم يكونا مشركين.
قال الزمخشري في قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَّكَآءَ﴾ أي جعل أولا دهما له شركاء،
على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذلك ﴿فِيمَآ ءَاتَنْهُمَأَ﴾ أي
آتى أولادهما، وقد دلَّ على ذلك قوله: ﴿فَتَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ حيث جمع
الضمير، وآدم وحواء بريئان من الشرك. ومعنى إشراكهم فيما آتاهم الله:
تسميتهم أولادهم عبد العزى، وعبد مناة، وعبد شمس، وما أشبه ذلك،
مكان عبد الله، وعبد الرحمن، وعبد الرحيم(٢). وقد ذكر الرازي هذا التأويل.
وذكر أيضاً أي الرازي تأويلاً آخر للآية وهو أن قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَّكَءَ﴾
ورد بمعنى الاستفهام على سبيل الإنكار والتبعيد، وتقريره: فلما آتاهما
صالحاً، أجعلا له شركاء فيما آتاهما؟ ثم قال: ﴿فَتَعَلَى اَللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي
(١) المرجع السابق: ٢٧٥/٢ - ٢٧٦.
(٢) الكشاف: ٥٩٢/٢.

٢١٥
الُ (٩) - الأَغَرَافِ: ١٨٩/٧ -١٩٣
تعالى الله عن شرك هؤلاء المشركين الذين يقولون بالشرك، وينسبونه إلى آدم
عليه السلام(١).
وهذا كله على تسليم أن القصة من أولها إلى آخرها في حق آدم وحواء.
وهناك من جعل الخطاب في الآية لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله وَلآ،
وهم آل قصي، إذ سَّى قصي وزوجته القرشيان أولادهما بعبد مناف، وعبد
العزى، وعبد قصي، وعبد اللات.
وقال القفال: إنه تعالى ذكر هذه القصة على سبيل ضرب المثل، وبيان أن
هذه الحالة صورة حالة هؤلاء المشركين في جهلهم، وقولهم بالشرك، على
أساس أن المراد بالزوجين الجنس أي خلق كل واحد منكم من نفس واحدة أو
جنس واحد، وجعل من جنسها زوجها إنساناً يساويه في الإنسانية.
ثم فنّد الله تعالى آراء المشركين، ونقض الشرك من جذوره، فقال:
﴿ أَيْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ أي أيشركون بالله شيئاً لا يستطيع إطلاقاً خلق أي
شيء؟ أو أيشركون به من المعبودات مالا يخلق شيئاً، ولا يستطيع ذلك. وإنما
الله هو الخالق لهم ولأولادهم ولكل مخلوق، كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ
ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوْ لَهُنَّ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَابًا
وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَِّ وَإِن يَسْلُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنَقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ
اُلْطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
(٧٣) ﴾ [الحج: ٢٢ /٧٣].
وهذه الأصنام مخلوقة مصنوعة، كما قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ
﴾ [النحل: ٢٠/١٦].
٢٠
اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ
وهم لا يستطيعون لعابديهم تحقيق أي معونة أو نصر، بل إنهم لا
يستطيعون نصر أنفسهم على من يعتدي عليهم بإهانة أو سب أو أخذ شيء مما
(١) تفسير الرازي: ٦٧/١٥ وما بعدها.

٢١٦
الجُرُ (٩) - الْأَغْرَافِن: ١٨٩/٧ -١٩٣
عندهم من طيب أو حلي، فلا نصر لأنفسهم ممن أرادهم بسوء. وقال:
﴿ يُخْلَقُونَ﴾ لأنهم اعتقدوا أن الأصنام تضر وتنفع، فأجريت مجرى الناس.
فهذا كله إنكار من الله على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأنداد
والأصنام والأوثان، وهي مخلوقة لله، مربوبة، مصنوعة لا تملك شيئاً من
الأمر، ولا تضر ولا تنفع، ولا تسمع ولا تبصر، ولا تنتصر لعابديها، بل
هي جماد لا تتحرك، وعابدوها أكمل منها بسمعهم وبصرهم وبطشهم.
ثم ذكر الله تعالى أن هذه الأصنام لا تصلح تبعاً فضلاً عن أن تكون
متبوعة، فقال: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْمُدَى﴾ أي وإن تدعوا هذه الأصنام إلى ما
هو هدى ورشاد، أو إلى أن يهدوكم إلى ما تريدون تحقيقه، لا يستجيبون لكم
ولا ينفعونكم، فهم في الحالين عديمو النفع، فإن تطلبوا منهم كما تطلبون من
الله الخير والهدى، لا يتبعوكم إلى مرادكم وطلبكم، ولا يجيبوكم كما يحیبكم
الله، ويدل عليه قوله تعالى:
﴿فَأَدْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُتُمْ
صَدِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧ /١٩٤].
سواء لديكم دعاؤكم إياهم، أو سكوتكم عن دعائهم في أنه لا فلاح
معهم، ولا خير يرتجى منهم، إذ هم لا يفهمون الدعاء، ولا يسمعون
الأصوات، ولا يعقلون الكلام.
ومثل من كانت هذه صفته، لا يصلح ربّاً معبوداً، وإنما الرَّب الموجود
المعبود هو السميع البصير، العليم الخبير، الناصر القادر، النافع من يعبده،
الضار من يعصيه، الهادي إلى الرشاد، المنقذ من الردى، المجيب المضطر إذا
دعاه.
وعبَّر بالجملة الاسمية المفيدة للدوام والاستمرار: ﴿أَمْ أَنْتُمْ صَحِتُونَ﴾
[الأعراف: ١٩٣/٧] بدلاً عن الجملة الفعلية المشعرة بالتجدد المتكرر: ((أم
صَمَثُمْ)) لأنهم كانوا إذا حزبهم أمر، دعوا الله دون أصنامهم، كقوله: ﴿وَإِذَا

٢١٧
الُ (٩) - الأَغَرَافِ: ١٨٩/٧ -١٩٣
مَسَ النَّاسَ ضُرُّ﴾ فكانت حالهم المستمرة أن يكونوا صامتين عن دعوتهم، فقيل
لهم: إن دعوتموهم، لم تفترق الحال بين إحداثكم دعاءهم، وبين ما أنتم عليه
من الاستمرار على سكوتكم ومن عادة صمتكم عن دعائهم(١). أي فلا فرق
بين تجديد دعاء الأصنام بفعل متجدد وبين الاستمرار والثبات على حال
الصمت وعدم دعائها، وبذلك صلح عطف الجملة الاسمية على الجملة الفعلية
الذي لا يجوز إلا لفائدة وحكمة.
فقه الحياة أو الأحكام:
دَّت الآيات على ما يأتي:
اً - الناس في الأصل مخلوقون من نفس واحدة. المشهور أنها نفس آدم.
وحواء مخلوقة من نفس آدم: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ على معنى أنه تعالى خلقها من
ضلع من أضلاع آدم، وحكمة ذلك أن الجنس أميل إلى الجنس، والجنسية علة
الضم واللقاء والألفة بين الرجل والمرأة. واستشكل الرازي هذا الكلام؛ فإن
الله قادر على أن يخلق حواء خلقاً مستقلاً كما خلق آدم ابتداء، فلماذا يقال:
إنه تعالى خلق حواء من جزء من أجزاء آدم؟ ثم رجح أن المراد من كلمة ((من))
في قوله: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ خلق حواء من نوع آدم ومن جنسه في الإنسانية،
وجعل زوج آدم إنساناً مثله (٢).
أَ - من رحمة الله تعالى بالأم أن جعل خلق الجنين واكتمال الحمل على
مراحل متدرجة من الأخف إلى الأثقل، كيلا تشعر بالثقل المفاجئ، ولتظل
قائمة بأعمالها المعتادة دون إرهاق.
٣ - يفهم من ظاهر قوله تعالى: ﴿دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ أن الحمل مرض من
(١) الكشاف: ٢/ ٥٩٢.
(٢) تفسير الرازي: ٨٩/١٥.

٢١٨
لُ (٩) - الْأَغراف :: ١٨٩/٧ -١٩٣
الأمراض، ولأجل عظم الأمر جُعل موتُها شهادة، كما ورد في حديث تعداد
الشهداء الذي رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي وابن ماجه والحاكم: ((الشهادة
سبع سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغريق شهيد، وصاحب
ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، وصاحب الحريق شهيد، والذي يموت
تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت ◌ُجُمع شهيدة)) أي تموت وفي بطنها ولد. فيكون
حال الحامل في رأي الإمام مالك حال المريض في أفعاله بعد مضي ستة أشهر
من الحمل، أي المريض مرض الموت، وهو الذي لا تنفذ تبرعاته من هبة
ومحاباة في بيع إلا في ثلث ماله. وقال الأئمة الثلاثة: إنما يكون ذلك في الحامل
بحال الطَّلْق، فأما قبل ذلك فلا؛ لأن الحمل عادة، والغالب فيه السلامة.
ورد المالكية بقولهم: كذلك أكثر الأمراض غالبه السلامة، وقد يموت من لم
مرَض.
ويعد الزاحف في الصف للقتال والمحبوس للقتل في قصاص بمنزلة الحامل
والمريض المخوف عليه، ما كان بتلك الحال، في رأي الإمام مالك، فلا يتبرع
إلا في الثلث.
٤ - الأوثان لا تصلح للألوهية؛ لأنها مخلوقة، وغير قادرة على خلق شيء
أو إيجاد نفع، أو ضر فكيف يعبد مالا يقدر على أن يخلق شيئاً؟! والمقصود من
الآية إقامة الحجة على أن الأوثان لا تصلح للألوهية.
هَ - ليس المراد من قوله تعالى: ﴿فَتَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ما ذكر من
قصة إبليس مع آدم عليه السلام السابق ذكرها؛ إذ لو كان المراد ذلك، لكانت
هذه الآية غريبة عن تلك القصة غرابة كلية، وأدى الأمر إلى إفساد النظم
والترتيب، وإنما المراد بها الرد على عبدة الأوثان، كما ذكر القفال، فهي بيان
لخلق الرجل والمرأة من جنس واحد ومن أصل واحد في الإنسانية، ثم التنديد
بفعل بعض الأزواج، فلما تغشى الزوج زوجته (واقعها) وظهر الحمل، دعا

٢١٩
المُ (٩) - الَِّغرافِ: ١٨٩/٧ -١٩٣
الزوجان ربهما لئن آتيتنا ولداً صالحاً سوياً، لنكونن من الشاكرين لنعمائك،
فلما آتاهما الله ولداً صالحاً سوياً، جعلا لله شركاء فيما آتاهما؛ لأن الأزواج
تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع، كما هو قول الطبيعيين، وتارة إلى
الكواكب، كما هو قول الفلكيين، وتارة إلى الأصنام والأوثان، كما هو قول
عبدة الأصنام.
أَ - احتجَّ أهل السنة بقوله: ﴿أَيْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَفُونَ
١٩١
على أن العبد لا يخلق ولا يوجد أفعاله، وإنما الذي يخلق هو الإله، فلو كان
العبد خالقاً لأفعال نفسه، كان إلهاً.
لاً - دلَّ قوله: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ على أن الأصنام لا تنصر من
أطاعها، ولا تنتصر ممن عصاها، والمعبود يجب أن يكون قادراً على إيصال
النفع، ودفع الضرر، وهذه الأصنام عاجزة عن ذلك، فكيف يليق بالعاقل
عبادتها؟!
٨ - ودلَّ قوله: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَِّعُوَّكُمْ﴾ على أنه أيضاً لا علم
للأصنام بشيء من الأشياء، فلا يتصور منها الاتباع إذا دعيت إلى الخير،
فكيف تصلح أن تكون معبودة؟!
والخلاصة: إن هذه الأصنام لا تسمع دعاء من دعاها، وسواء لديها من
دعاها ومن أهملها، كما قال إبراهيم: ﴿يَأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ
وَلَا يُغْنِى عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢/١٩].
.

٢٢٠
لُزُ (٩) - الَّغرافي: ١٩٤/٧-١٩٨
واقع الأصنام والأوثان المعبودة
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادُ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ
لَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ ﴿٢ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَاَ أَمَ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا
أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌّ يَبْصِرُونَ بِهَاْ أَمْ لَهُمْ ءَاذَانُ يَسْمَعُونَ بِهَاْ قُلِ أَدْعُواْ شُرَّكَآءَ كُمْ ثُمَّ
كِيدُونِ فَلَا نُنظِرُونِ ﴿ إِنَّ وَلِغِىَ اللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ الْكِنَبِّ وَهُوَ يَتَوَلَى الصَّلِينَ
١٩٩)
وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ، لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَّ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ () وَإِن
تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُواْ وَتَرَنهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُصِرُونَ
القراءات:
﴿قُلِ أَدْعُواْ﴾: قرئ:
١- (قلِ ادعوا) وهي قراءة عاصم، وحمزة.
٢- (قلُ ادعوا) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿عِبَادُّ أَمْثَالُكُمْ﴾ عباد خبر ﴿إِنَّ﴾ مرفوع، و﴿أَمْثَالُكُمْ﴾ صفة،
وجاز أن يكون وصفاً للنكرة، وإن كان مضافاً إلى المعرفة؛ لأن الإضافة في نية
الانفصال، وأنه لا يتعرف بالإضافة، للشيوع الذي فيه.
وقرأ سعيد بن جبير: (إن الذين تدعون من دون الله عباداً أمثالكم)
بتخفيف (إن) ونصب: (عباداً أمثالكم)، والمعنى: ما الذين تدعون من دون
الله عباداً أمثالكم، على إعمال: إن عمل ما الحجازية، وهو مذهب المبرد،
وأما مذهب سيبويه فهو إهمالها.