النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١
لُ (٩) - الأَغْرَافِ: ١٦٧/٧-١٧١
ثم رغبهم الله في جزيل ثوابه، وحذرهم من وبيل عقابه، فقال:
ألم يعلموا أن الدار الآخرة ومافيها من نعيم خالد خير للذين يتقون
المعاصي ومحارم الله، ويتركون هوى نفوسهم، ويقبلون على طاعة ربهم، إنها
خير من حطام الدنيا الفاني الذي يؤخذ بطريق الحرام كالرُّشا والسحت وغير
ذلك، أفلا تعقلون؟ أي أفليس لهؤلاء الذين اعتاضوا بعرض الدنيا عما
عندي من ثواب عقل يردعهم عماهم فيه من السفه والتبذير؟!
والخلاصة: أن الدار الآخرة خير من ذلك العرض الخسيس.
وفي هذا إيماء إلى أن الطمع في متاع الدنيا هو الذي أفسد بني إسرائيل، وفي
هذا عبرة للمسلمين الذين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة.
ثم أثنى الله تعالى على من تمسك بكتابه الذي يقوده إلى اتباع رسوله محمد
وَّ، كما هو مكتوب فيه، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ﴾ أي والذين
يستمسكون بأوامر الكتاب الإلهي، ويعتصمون به، ويقتدون بمنهجه،
ويتركون زواجره، وأقاموا الصلاة، وخصها بالذكر مع أن الكتاب يشتمل
على كل عبادة، ومنها إقامة الصلاة؛ إظهاراً لعلو مرتبتها، وأنها أعظم
العبادات بعد الإيمان، وأنها عماد الدين، والفارقة بين الكفر والإيمان.
إنا لا نضيع أجر المصلحين أي لا نضيع أجرهم؛ لأن المصلحين في معنى
الذين يمسكون بالكتاب، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
إِنَّا لَا تُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (جَ﴾ [الكهف: ٣٠/١٨].
وبعد أن بيَّن الله تعالى مخالفة بني إسرائيل لأحكام دينهم ذكّر ببدء حالهم في
إنزال الكتاب عليهم، فقال: ﴿وَإِذْ نَنَقْنَا الْجَلَ﴾ أي واذكر أيها النبي إذ رفعنا
فوقهم جبل الطور لقوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [البقرة: ٦٣/٢ ,٩٣]،
﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ اُلْطُورَ﴾ [النساء: ١٥٤/٤]، وأصبح كأنه سقيفة، لما أبوا أن
١٦٢
الجُزُرُ (٩) - الأَغَرَافِ: ١٦٧/٧-١٧١
يقبلوا التوراة لثقلها، وعلموا وأيقنوا أنه ساقط عليهم؛ لأن الجبل لا يثبت في
الجو، ولأنهم كانوا يوعدون به، وقلنا لهم: خذوا ما أعطيناكم من أحكام
الشريعة بجد واجتهاد، وحزم وعزم على احتمال المشاق والتكاليف.
واذكروا ما فيه من الأوامر والنواهي، ولا تنسوه، أو: واذكروا مافيه من
الإعداد للثواب والعقاب، فترغبوا في الثواب العظيم، وترهبوا من العقاب
الشديد، رجاء أن تتحقق التقوى في قلوبكم، فتصبح أعمالكم متفقة مع
الدين، وفي ذلك الفلاح لكم، أو لتتقوا ما أنتم عليه، فإن قوة العزيمة في إقامة
الدين تزكي النفوس وتهذب الأخلاق، كما أن التهاون في احترام الدين
يغري النفوس على اتباع الشهوات، كما قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّنْهَا
﴾ [الشمس: ٩/٩١-١٠].
١٠
وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّنْهَا
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآيات واردة في حق اليهود الذين بقوا على الكفر واليهودية، فأما
الذين آمنوا بمحمد وّل﴿ فخارجون عن هذا الحكم.
وقد دلت الآيات على مايلي:
١ - إعلام اليهود الأسلاف ومن باب أولى الخلف أنهم إن غيروا نصوص
التوراة، ولم يؤمنوا بالنبي الأمي، بعث الله عليهم من يعذبهم إلى يوم القيامة.
وهذا تنصيص على أن ذلك العذاب مستمر إلى يوم القيامة، وهو يقتضي أن
العذاب إنما يحصل في الدنيا. وللعذاب ألوان ومظاهر، فهو إما أخذ الجزية،
وإما الاستخفاف والإهانة والإذلال لقوله تعالى: ﴿ضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا
ثُقِفُواْ﴾ [آل عمران: ١١٢/٣] وإما الإخراج والإبعاد من الوطن. وقد أذاقهم
العذاب أمم كثيرة في الماضي من عهد تُخْتَنصَر، إلى العهد الإسلامي، وإلى
العصر الحديث. وأما دولة إسرائيل فلا يجسد موقفها فهي تبع لأمريكا
١٦٣
الُزُ (٩) - الأَغراف :: ١٦٧/٧-١٧١
والغرب، وتعيش في قلق واضطراب ومخاوف، فلا تنعم بالأمن والاستقرار،
ولا تهدأ ساحتها، لا في الداخل ولا في الخارج، وزوالها محقق مع الزمن،
كما يثبت أهل العلم، فإن مرور الزمان ليس في صالحهم إطلاقاً.
٢ - اليهود أمة مشتتة ممزقة مفرقة في أنحاء الأرض، لا يخلو منهم قطر،
منهم الصلحاء ومنهم الكفرة الفسقة الفجرة، وقد اختبرهم الله بأنواع عديدة
من الاختبارات، أو عاملهم معاملة المختبر، فأمدهم بالحسنات أي بالخصب
والعافية، والسيئات، أي الجدب والشدائد، ليرجعوا عن كفرهم ويتوبوا من
فسقهم. قال أهل المعاني: وكل واحد من الحسنات والسيئات يدعو إلى
الطاعة، أما النعم فلأجل الترغيب، وأما النقم فلأجل الترهيب.
٣ - أولاد الذين فرّقهم الله في الأرض، ورثوا التوراة كتاب الله، فقرؤوه
وعلموه، وكانوا خلف سوء، خالفوا أحكامه وارتكبوا محارمه، مع دراستهم
له، فاستحقوا التوبيخ والتقريع من الله تعالى.
ومن قبائحهم: ماديتهم الطاغية، وربما هم الذين علّموا أوربا وأمريكا
النزعة المادية الشديدة، فهم كانوا يأخذون مايعرض لهم من متاع الدنيا من
حلال أو حرام، لشدة حرصهم ونهمهم: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾
ويزعمون أنه سيغفر لهم مع بقائهم على المعاصي، بل إنهم لا يتوبون، وقد
ذمهم الله على اغترارهم بقولهم: ﴿سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ مع أنهم مصرون على الذنوب.
وإن جاءتهم عروض أخرى دنيوية وهي الرُّشا والمكاسب الخبيثة، أخذوها
أيضاً. وفي هذا دلالة على أن الطمع في الدنيا هو سبب فساد اليهود. قال
الحسن البصري: هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا، وأنهم لا يستمتعون
منها(١).
(١) تفسير الرازي: ١٤/١٥
١٦٤
لِجُعُ (٩) - الْأَّغَافِن: ١٦٧/٧-١٧١
وقال القرطبي: وهذا الوصف الذي ذمّ الله تعالى به هؤلاء موجود فينا،
أسند الدارمي أبو محمد عن معاذ بن جبل قال: ((سيبلى القرآن في صدور أقوام
كما سيبلى الثوب فيتهافَت، يقرؤونه لا يجدون له شهوة ولا لذة، يَلْبَسون
جلود الضأن على قلوب الذئاب، أعمالهم طمع لا يخالطه خوف، إن قصّروا
قالوا: سنبلُغ، وإن أساؤوا قالوا: سيغفر لنا، إنا لا نشرك بالله شيئاً))(١).
٤ - أخذ الله العهد والميثاق على بني إسرائيل في التوراة وفي جميع الشرائع
على اتباع قول الحق في الشرع والأحكام، وألا يميل الحكام بالرُّشا إلى الباطل.
وهذا عهد أيضاً على المسلمين في كتاب ربنا وسنة نبينا.
ثم خالف اليهود الميثاق، مع أنهم قرؤوا التوراة، وهم قريبو عهد بها. قال
ابن زید: کان یأتیھم المحقُّ برشوة، فيخرجون له کتاب الله، فیحکمون له به،
فإذا جاء المبطل أخذوا منه الرشوة، وأخرجوا له كتابهم الذي كتبوه بأيديهم،
وحكموا له.
٥ - المتمسكون بكتاب الله، والمقيمو الصلاة، لهم أجرهم الجزيل عند
ربهم، لا يضيع من حسناتهم شيء.
٦ - من قبائح اليهود أنهم رفضوا الأخذ بالتوراة لغلظها وثقلها، ولم
يعودوا للعمل بما فيها إلا بتهديدهم بإسقاط جبل الطور عليهم. وقد سبق
بيان قصة الجبل في سورة البقرة (٦٣، ٩٣) وفي سورة النساء (١٥٤).
(١) تفسير القرطبي: ٣١١/٧ - ٣١٢
١٦٥
اِلُعُ (٩) - الإِغَرَافِ: ١٧٢/٧ -١٧٤
الميثاق العام المأخوذ على بني آدم
{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِيََّهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىّ أَنفُسِهِمْ أَسْتُ
بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىْ شَهِدْنَاْ أَنْ تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ
١٧٢
أَوَ نَقُولُواْ إِنَّ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّنْ بَعْدِهِمْ أَفَتْهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ
وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
اُلْمُبْطِلُونَ
القراءات:
﴿ ذُرِّيَّنَهُمْ﴾: قرئ:
١- (ذرياتهم) وهي قراءة نافع، وأبي عمرو، وابن عامر.
٢- (ذريتهم) وهي قراءة الباقين.
﴿أَنْ تَقُولُواْ﴾ .. ﴿أَوَ نَقُولُواْ﴾:
وقرأ أبو عمرو (أن يقولوا .. أو يقولوا).
الإعراب:
{وَإِذْ أَخَذَ﴾ إذ: في موضع نصب؛ لأنه يتعلق بقولهم: ﴿قَالُواْ بَىّ﴾ وقيل:
بتقدير: اذكر. و﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾: بدل من ﴿بَنِىّ ءَادَمَ﴾ بإعادة الجار، وهو
بدل بعض من كل، وتقديره: وإذ أخذ ربك من ظهورهم من بني آدم ذرياتهم.
﴿أَن تَقُولُواْ﴾ في موضع نصب على المفعول له أي لأجله، وتقديره: لئلا
يقولوا، أو كراهة أن تقولوا.
البلاغة:
﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ فيه التفات من المتكلم إلى المخاطب، والأصل: وإذ
١٦٦
لُزْءُ (٩) - الأَغَرَافِ: ١٧٢/٧ -١٧٤
أخذنا، والمقصود تعظيم شأن الرسول بتوجيه الخطاب له. والإضافة إلى
ضميره عليه الصلاة والسلام: ﴿رَبَّكَ﴾ فيها تكريم وتشريف.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِذْ أَخَذَ﴾: واذكر حين أخذ أي أخرج، وإنما عبّر به، لما فيه من
الاصطفاء والانتقاء ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾ جمع ظهر: وهو مافيه العمود الفقري
للإنسان ﴿ذُرِّيَُّهُمْ﴾ سلالتهم ذكوراً وإناثاً، بأن أخرج بعضهم من صلب
بعض، من صلب آدم، نسلاً بعد نسل، كنحو ما يتوالدون كالذر ﴿وَأَشْهَدَهُمْ﴾
أخذ منهم شهادة على أنفسهم، والشهادة: إما قولية، كما قال: ﴿شَهِدْنَا عَلَّ
أَنْفُسِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٠/٦] أو حالية، كما قال: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِنَ أَنْ يَعْمُرُواْ
مَسَجِدَ أَللَّهِ شَهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِم بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧/٩] أي حالهم شاهدة
علیهم بذلك، لا قائلین.
﴿ يَّ شَهِدْنٌَ﴾ أي بلى أنت ربنا، شهدنا بذلك ﴿أَن تَقُولُواْ﴾ أي أن
الإشهاد لئلا تقولوا أيها الكفار ﴿عَنْ هَذَا﴾ التوحيد ﴿غَفِلِينَ﴾ لا نعرفه.
﴿وَكُنَا ذُرِّيَّةً مِّنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي فاقتدينا بهم؛ لأن التقليد عند قيام الدليل
والتمكن من العلم به لا يصلح عذراً ﴿أَفَهْلِكُنَا﴾ تعذبنا ﴿بِمَا فَعَلَ اُلْمُبْطِنُونَ﴾
من آبائنا بتأسيس الشرك. المعنى: لا يمكنهم الاحتجاج بذلك مع إشهادهم
على أنفسهم بالتوحيد. والتذكير به على لسان النبي وَّر قائم مقام ذكره في
النفوس.
﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْأَيَتِ﴾ مثل ذلك البيان للميثاق نبينها، ليتدبروها
﴿ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ عن كفرهم أو عن التقليد واتباع الباطل.
المناسبة:
لما شرح الله تعالى قصة موسى عليه السلام مع توابعها، ذكر في هذه الآية
١٦٧
الُ (٩) - الْأَيْرَافِن: ١٧٢/٧ -١٧٤
ما هو حجة على جميع المكلفين. وبعد أن ذكر الميثاق الخاص على اليهود بقوله:
﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّوَرَ﴾ [البقرة: ٦٣/٢] وقوله: ﴿وَإِذْ نَنَقْنَا
اَلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ ذكر هنا الميثاق العام الذي أخذه على بني آدم جميعاً
وهم في صلب آدم.
والمقصود من هذا الكلام ههنا إلزام اليهود بمقتضى الميثاق العام بعدما
ألزمهم بالميثاق المخصوص بهم، والاحتجاج عليهم بالحجج النقلية والعقلية،
ومنعهم عن التقليد، وحملهم على النظر والاستدلال.
التفسير والبيان:
واذكر يا محمد للناس جميعاً ما أخذه الله على البشر كافة من ميثاق يتضمن
الاعتراف على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا الله، وذلك حين
أخذ ربك من ظهور بني آدم ذريتهم كما تثبت الآية، ومن آدم نفسه كما ثبت
في الخبر(١)، أي استخرج من بني آدم ذريتهم أو سلالتهم، وخلقهم على فطرة
التوحيد والإسلام.
وأشهد كل واحد على نفسه من هؤلاء الذرية قائلاً لهم قول إرادة وتكوين،
لا قول وحي وتبليغ: ألست بربكم؟ فقالوا بلسان الحال، لا بلسان المقال:
بلى أنت ربنا المستحق وحدك للعبادة.
وسبب هذا الإشهاد هو ألا يعتذروا يوم القيامة إذا أشركوا: إنا كنا عن
التوحيد غافلين، أي لم ينبهنا إليه أحد، فلا عذر لكم بعد إقامة الأدلة على
وحدانية الله، ووجود العقل، وتكوين الفطرة.
وخلق الناس على فطرة التوحيد مقرر في آية أخرى هي قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ
(١) وهو مارواه الترمذي وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله العفو: ((لما
خلق الله آدم مسح ظهره. فسقط من ظهره كلُ نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة .. )».
١٦٨
الُرُ (٩) - الأَّغَرَافِن: ١٧٢/٧ -١٧٤
وَجْهَكَ لِلدِينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾
[الروم: ٣٠/٣٠] وفي الصحيحين ما يؤيد ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
قال رسول الله ويلشير: ((كل مولود يولد على الفطرة)) وفي رواية: ((على هذه الملة،
فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تلد البهيمة بهيمة جمعاء، هل
◌ُحسّون فيها من جدعاء)) وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال: قال
رسول الله وَله: ((يقول الله: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين،
فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم)). والجمعاء: السليمة
الخلقة، والجدعاء: المقطوعة بعض الأعضاء.
وقد اختلف العلماء في هذه الآية آية ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ على رأيين: رأي
السلف، ورأي الخلف. أما السلف من المفسرين فقالوا: إن الله خلق آدم
وأخرج من ظهره ذريته كالذر، وأحياهم وجعل لهم عقلاً وإدراكاً، وألهمهم
ذلك الحديث وتلك الإجابة، وأخذ عليهم العهد بأنه ربهم، فأقروا بذلك،
وقد روي هذا المعنى عن النبي وسلّر من طرق كثيرة لا يخلو بعضها من ضعف
وانقطاع، وقال به جماعة من الصحابة (١).
وأما الخلف فقالوا: هذا من قبيل التمثيل والتصوير، والمجاز والاستعارة
فلا سؤال ولا جواب، وإنما أقام الله الأدلة الكونية على وحدانيته وربوبيته
للكون كله، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم، وجعلها مميزة
بين الضلالة والهدى، فكأنه قال للخلق: أقروا بأني ربكم، ولا إله غيري،
وكأنه أشهدهم على أنفسهم، وقال لهم: ألست بربكم؟ فقالوا: بلى(٢). وهذا
ما اختاره الزمخشري وأبو حيان وأبو السعود والبيضاوي. وقال عنه الرازي:
لا طعنَ فيه ألبتة.
(١) تفسير الرازي: ٤٦/١٥، تفسير ابن كثير: ٢٦١/٢ - ٢٦٤
(٢) روي عن ابن عباس أنه قال: (لو قالوا: نعم، لكفروا ((لأن)) نعم ((تصديق للمخبر بنفي أو
إيجاب، فكأنهم أقروا أنه ليس ربهم، بخلاف ((بلى)) فإنها حرف جواب، وتختص بالنفي وتفيد
إبطاله، والمعنى: بلى أنت ربنا، ولو قالوا: نعم، لصار المعنى: نعم لست ربنا.
١٦٩
لُ (٩) - الأَغْرَافِ: ١٧٢/٧-١٧٤
وحدد ابن كثير دلالة الأحاديث، فقال: هذه الأحاديث دالة على أن الله
عز وجل استخرج ذرية آدم من صلبه، وميَّز بين أهل الجنة وأهل النار، وأما
الإشهاد عليهم هناك بأنه ربهم، فما هو إلا في حديث ابن عباس، وفي حديث
عبد الله بن عمرو، وهما موقوفان لا مرفوعان، ومن ثم قال قائلون من السلف
والخلف: إن المراد بهذا الإشهاد، إنما هو فطرهم على التوحيد، كما تقدم في .
حديث أبي هريرة وعياض بن حمار المجاشعي، وقد فسر الحسن الآية بذلك.
قالوا: ولهذا قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَدَمَ﴾ ولم يقل: من آدم، ﴿مِن
ظُهُورِهِمْ﴾ ولم يقل: من ظهره ﴿ ذُرِيَّنَهُمْ﴾ أي جعل نسلهم جيلاً بعد جيل،
وقرناً بعد قرن. ثم قال: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىّ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىْ﴾ أي
أوجدهم شاهدين بذلك، قائلين له حالاً ومقالاً، والشهادة تكون بالقول،
كقوله: ﴿قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنًا﴾ الآية، وتارة تكون حالاً، كقوله تعالى:
﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُواْ مَسَجِدَ اللَّهِ شَهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ﴾
[التوبة: ١٧/٩] أي حالهم شاهد عليهم بذلك، لا أنهم قائلون ذلك، وكذا قوله
﴾ [العاديات: ١٠٠/ ٧].
٧
تعالى: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ.
فالمراد من الآية أن الله تعالى جعل الفطرة التي فطروا عليها من الإقرار
بالتوحيد حجة مستقلة عليهم، ولهذا قال: ﴿أَن تَقُولُواْ﴾ أي لئلا تقولوا يوم
القيامة: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا﴾ أي التوحيد ﴿غَفِلِينَ﴾ أي لم ننبه إليه ﴿أُوْ
نَقُولُواْ إِنَّ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا﴾ الآية.
وإني لميَّال لهذا الرأي، وهو أولى الآراء بالصواب.
﴿أَوْ نَقُولُواْ إِنَّ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا﴾ أي إن سبب الإشهاد لمنع اعتذارهم يوم
القيامة بغفلتهم عن التوحيد، أو بادعائهم التقليد، وقولهم: إن آباءنا أشركوا
من قبلنا، ونحن خلف لهم، نجهل بطلان شركهم، وقد قلدناهم في أعمالهم
واعتقادهم، مع حسن الظن بهم، ولم نهتد إلى التوحيد.
١٧٠
لُرُ (٩) - الَّغَرافة: ١٧٢/٧-١٧٤
أفتهلكنا بالعذاب وتؤاخذنا بما فعله المبطلون من آبائنا؟! ولكن الله لا
يقبل عذرهم أبداً؛ لأن التقليد في الاعتقاد وأصول الدين لا يجوز.
ومثل ذلك التفصيل البليغ الواضح للميثاق، نفصل للناس الآيات
البينات، ليتدبروها بعقل وبصيرة، ولعلهم يرجعون بها عن شركهم،
وجهلهم، وتقليدهم الآباء والأجداد.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على مايأتي:
١ - خلق الله البشر على فطرة التوحيد أي الإقرار بأن الله ربهم وأنه واحد
لا شريك له.
٢ - لا يعذر الإنسان بالجهل بخالقه، لما يرى من الدلائل، فمن لم تبلغه
دعوة رسول لا يعذر يوم القيامة في الشرك بالله، ولا بفعل الفواحش التي تنفر
منها الطباع السليمة وتدرك ضررها العقول الرشيدة.
٣ - إن من مات صغيراً دخل الجنة لإقراره في الميثاق الأول، ومن بلغ
عاقلاً لم يغنه الميثاق الأول، وبناء عليه: أطفال المشركين في الجنة.
٤ - إيطال حجة المشركين يوم القيامة بأنه لم يأتهم رسول ينبههم إلى
التوحيد، وإبطال التقليد الآباء والأجداد في أصول العقيدة والدين، فكما لا
يقبل الاعتذار بالجهل لقيام الأدلة على التوحيد، لا يقبل الاعتذار بالتقليد،
بعد قيام الأدلة الفطرية والعقلية على معرفة الله ووحدانيته.
٥ - في كتاب الله تعالى وهو القرآن تفصيل كل شيء، فكما فصل الله في
الآية بناء الإنسان على فطرة التوحيد، بيَّن سائر الآيات ليتدبرها الناس،
فيرجعوا إلى الحق، ويعرضوا عن الباطل.
١٧١
الُ (٩) - الأَغَرَافِ: ١٧٥/٧ -١٧٧
قصة بلعم بن باعوراء وأمثاله من الضالين المكذبين
﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ ءَيَِنَا فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَنُ فَكَانَ
مِنَ الْغَاوِينَ ﴿ وَلَوْ شِئْنَا نَفَعْنَهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَتَّبَعَ هَوَنَهُ
فَمَثَلُهُ, كَمَثَلِ اَلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكُهُ يَلْهَثَّ ذَلِكَ مَثَلُ
اُلْقَوْيِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَيِنَا فَأَقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
سَآءَ مَثَلًا
٧٧
اُلْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَئِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ
القراءات:
شِئْنَا» :
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (شينا).
الإعراب:
﴿يَلْهَثْ﴾ في الموضعين حال، أي لاهثاً ذليلاً بكل حال.
﴿سَآءَ مَثَلًا الْقَوْمُ﴾: فاعل ﴿سَآءَ﴾ مقدر فيها، وتقديره: ساء المثل مثلاً.
و﴿ اَلْقَوْمِ﴾ : أي مثل القوم، فحذف المضاف وأُقيم المضاف إليه مقامه،
وارتفع بما كان يرتفع به (مثل). وهو يرتفع إما لأنه مبتدأ وما قبله خبره، وإما
لأنه خبر مبتدأ محذوف، كقولهم: بئس رجالاً زيدٌ، أي هو زيد، و﴿مَثَلًا﴾:
منصوب على التمييز.
﴿ وَأَنْفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ﴾ إما معطوف على قوله: ﴿كَذَّبُواْ﴾ فيصير المعنى
أنهم جمعوا بين التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم، وإما كلام منقطع بمعنى:
وما ظلموا إلا أنفسهم بالتكذيب.
١٧٢
اِلُعُ (٩) - الَّغراف: ١٧٥/٧-١٧٧
البلاغة:
﴿فَثَلُهُ, كَمَثَلِ اَلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثَّ﴾
تشبيه تمثيلي، شبه حاله التي هي مثل في السوء كحال أخس الحيوانات، وهي
حالة الكلب في دوام لهئه، سواء في حالة التعب أو الراحة، والتشبيه التمثيلي:
هو حالة انتزاع الصورة من متعدد.
المفردات اللغوية:
{وَأَتْلُ﴾ اقرأ ﴿نَبَأَ﴾ خبر مهم ﴿فَأَنْسَلَغَ مِنْهَا﴾ خرج من الآيات
بكفره، كما تخرج الحية من جلدها، وهو بلعم بن باعوراء من علماء بني
إسرائيل، الذي دعا على موسى مقابل هدية من اليهود. وعبر بالانسلاخ
للدلالة على كمال مباينته للآيات، بعد أن كان بينهما كمال الاتصال، كما
قال أبو السعود.
﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ أدركه ولحقه فصار قرينه ﴿اَلْغَاوِينَ﴾ الراسخين في
الغواية والضلالة، بعد أن كان من المهتدين ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَهُ بِهَا﴾ لو شئنا
لرفعناه إلى منازل العلماء، بأن نوفقه للعمل ﴿أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ ركن إلى
الدنيا ومال إليها ﴿وَتََّعَ هَوَنَّهُ﴾ في دعائه إليها، فأصبح من الحقيرين ﴿فَمَثَلُهُ﴾.
صفته ﴿إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ تشد عليه بالطرد والزجر ﴿يَلْهَثْ﴾ اللهث: التنفس
الشديد مع إخراج اللسان. والقصد: التشبيه في الخسة والحقارة.
﴿ذَلِكَ﴾ المثل ﴿مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِعَايَئِنَا﴾ بعد أخذ الميثاق عليهم
وعلى الناس ﴿فَأَقْصُصِ الْقَصَصَ﴾ على اليهود ﴿سَلَّ مَثَلَا اُلْقَوْمُ﴾ أي بئس
وقبح، والمثل: الصفة ﴿يَظْلِمُونَ﴾ بالتكذيب.
المناسبة:
بعد أن ذكر. الله تعالى أخذ الميثاق على الناس قاطبة، وإقرارهم بأن الله
١٧٣
الجُرُ (٩) - الأَغراف :: ١٧٥/٧ -١٧٧
ربهم، ضرب المثل للمكذبين بآياته المنزلة على رسوله، ومضمون هذا المثل أن
العالم بآيات الله غير العامل بها كالحية تنسلخ من جلدها وتتركه على الأرض.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد رحمهم الله: نزلت هذه الآية في بلعم
ابن باعوراء.
التفسير والبيان:
واقرأ أيها الرسول على اليهود خبر الذي علمناه آياتنا، ولكنه لم يعمل بها،
وتركها وراءه، وتجرد منها إلى الأبد، فلحقه الشيطان وأدركه وصار قريناً له،
وتمكن من الوسوسة له، فأصغى إليه، فصار من الضالين الكافرين، لميله إلى
الدنيا واتباع الهوى والشيطان.
وهو عالم من علماء بني إسرائيل، وقيل: من الكنعانيين، وروي عن ابن
عباس أنه رجل من اليمن، اسمه بلعم بن باعوراء، أوتي علم بعض كتب الله،
فانسلخ منها، وكفر بآيات الله، ونبذها وراء ظهره.
وذلك أن موسى عليه السلام قصد بلده الذي هو فيه، وغزا أهله وكانوا
كفاراً، فطلبوا منه أن يدعو على موسى عليه السلام وقومه، وكان مجاب
الدعوة، وعنده اسم الله الأعظم، فامتنع منه، فما زالوا يطلبونه منه، حتى
دعا عليه، فاستجيب له، ووقع موسى وبنو إسرائيل في التيه بدعائه (١). وقال
مالك بن دينار: كان من علماء بني إسرائيل، وكان مجاب الدعوة، يقدمونه في
الشدائد، بعثه نبي الله موسى عليه السلام إلى ملك مدين، يدعوه إلى الله،
فأقطعه وأعطاه، فتبع دينه، وترك دين موسى عليه السلام(٢).
(١) تفسير الرازي: ٥٤/١٥.
(٢) تفسير ابن كثير: ٢٦٤/٢.
١٧٤
لُزُعُ (٩) - الَّغرافي: ١٧٥/٧-١٧٧
ولو شئنا لرفعناه بالآيات، وجعلنا له منزلة عظيمة من منازل العلماء
الأبرار، بأن نوفقه للهداية والعمل بالآيات.
ولكنه ركن إلى الدنيا ومال إليها ورغب فيها واهتم بلذائذها، واتبع هواه،
فلم يوجه همّه إلى نعيم الآخرة، ولم يهتد بآياتنا، ولم ترق نفسه إلى سلَّم الكمال
الروحي، ولم يحترم نعمة الله عليه باستعمالها في مرضاته.
وأصبح مثله أو صفته في الذِّلة والحقارة، والخسة والدناءة كمثل الكلب أو
صفته في أخس أحوالها وأذلها، وهي حال دوام اللهث به، سواء حمل عليه أي
شدّ عليه وطرد، أو ترك دون طرد.
وهذه الصفة هي أقبح حالات الكلب وأخسها، وقد شبِّه بها حال عجيبة
غريبة، هي حال ذلك الذي تجرد من معرفة آيات الله تعالى.
ذلك المثل الغريب هو مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله، واستكبروا
عنها، ولم تنفعهم الموعظة، وهم اليهود بعدما قرؤوا نعت رسول الله وَله في
التوراة، وبشروا الناس باقتراب مبعثه، وكانوا يستنصرون أو يستفتحون به،
وجاء القرآن المعجز كاشفاً هذه الحقيقة التي أنكرها اليهود بعد بعثة النبي وَ ل.
فاقصص أيها الرسول قصص ذاك الرجل الذي تشبه حاله حال المكذبين
بآياتنا، لعل بني إسرائيل العالمين بحال بلعم وما جرى له في إضلال الله إياه
وإبعاده من رحمته، بسبب استعماله نعمة الله في تعليمه الاسم الأعظم - الذي
إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب - في غير طاعة ربِّه، بل دعا به على
حزب الرحمن، لعلهم يتفكرون فيحذروا أن يكونوا مثله، فإن الله أعلمهم
بصفة محمد ودية، فهم أحق الناس وأولاهم باتباعه ومناصرته ومؤازرته.
ساء مثلاً مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله، أي قبحت أشد القبح صفة
المعرضين عن النظر في آيات الله أن شبهوا بالكلاب التي لا همَّ لها إلا تحصيل
١٧٥
لُ (٩) - الأَغراف: ٧/ ١٧٥ -١٧٧
أكلة أو شهوة، وهم بهذا الإعراض كانوا ظالمين لأنفسهم بالتكذيب، فما
ظلمهم الله، ولكن هم ظلموا أنفسهم بإعراضهم عن اتباع الهدى، وطاعة
المولى.
وقد ذكر سوء هذا المثل في السنة، فقد ثبت في الصحيح وفي الكتب الستة
عن ابن عباس أن رسول الله و الله قال: «ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته
کالکلب یعود في قیئه)».
فقه الحياة أو الأحكام:
الهدف من هذه القصة ضرب مثل لجميع الكفار، المعرضين عن الإيمان بالله
والرسول بعدما عرفوا الحق، فمن آتاه الله العلم والدين، فمال إلى الدنيا،
وأخلد إلى الأرض، كان مشبَّهاً بأخس الحيوانات، وهو الكلب اللاهث،
حيث واظب على العمل الخسيس والفعل القبيح، لا لحاجة أو ضرورة.
وشبَّه حال كل كافر بحال رجل عرف آيات الله، ثم تركها وراء ظهره وهذا
ينطبق على بلعم بن باعوراء أو غيره ممن اتصف بهذه الصفة، فلم تعين الآية
اسم من ضرب به المثل، وحينئذ لا يهم سواء أكان ذلك مطابقاً لبعض
الروايات بأنه رجل من بني إسرائيل أم الكنعانيين أم أهل اليمن، أم من
غيرهم.
وتكون الآية تحذيراً للناس عن اتباع أهوائهم، وركونهم إلى الدنيا
وشهواتها، واتباع الأغراض الدنيئة، وترك ما أرشدتهم إليه آيات الله من
الإيمان بالله وبرسوله وبالآخرة. والآية واضحة الدلالة على أن المعرض عن
آيات الله، واقع في الضلالة والغواية، بسبب سوء فعله، واختياره العمل بما
هو قبيح شرعاً ومروءة.
وعلى الإنسان الاعتبار بهذه القصة، والتأمل والتفكر في آيات الله بعين
١٧٦
المُعُ (٩) - الْأَغرافِن: ١٧٨/٧ -١٧٩
البصيرة والعقل، لا بالهوى والحقد والعداوة. وفي إيراد هذا المثل والتشبيه
بالصورة الواقعية إشارة إلى أن للأمثال تأثيراً قوياً في إقناع السامعين، وأنها
أقوى أثراً من إيراد الحجج والبراهين.
وفيها إشارة أيضاً إلى أهمية التفكر، وأنه مبدأ الوصول إلى الحقيقة والعلم
والمعرفة الصحيحة، كما قال تعالى في مناسبات كثيرة في کتابه، مثل: ﴿إِنَّ فِی
ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَنَفَكْرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢/٣٩] ومثل: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ
اُلَيَتِ لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤/١٠].
وهذه الآية - كما قال الرازي - من أشد الآيات على أصحاب العلم،
فإن العالم إذا لم يعمل بعمله، حرم بركة العلم، وكان بُعْدُه عن الله أعظم،
كما نقل عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال فيما رواه الديلمي في الفردوس عن
علي رضي الله عنه: ((من ازداد علماً، ولم يزدد زهداً، لم يزدد من الله إلا بُعداً))
أو كما قال.
أسباب الهداية والضلالة
﴿ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِىّ وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ (١٨) وَلَقَدْ
ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنّ وَالْإِنسِّ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَهُمْ أَعْيُرٌ لَّا
◌ُصِرُونَ بِهَا وَهُمْ ءَاذَاٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَاْ أُوْلَكَ كَالْأَنْعَمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ
اَلْغَفِلُونَ
القراءات:
ذَرَأْنَا
:
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً: (ذرانا).
١٧٧
اِلُ (٩) - الْأَيْرافِ: ١٧٨/٧ -١٧٩
الإعراب:
﴿فَهُوَ اُلْمُهْتَدِىّ﴾ حمل على اللفظ ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ حمل على
المعنى، والقصد من الإفراد في الأول والجمع في الثاني: هو التنبيه على أن
المهتدين كواحد؛ لاتحاد طريقهم، بخلاف الضالين.
البلاغة:
﴿أُوْلَئِكَ كَاَلْأَنْعَمِ﴾: التشبيه هنا مرسل مجمل.
المفردات اللغوية:
﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا﴾ خلقنا وأوجدنا ﴿اَلْجِنّ﴾ مخلوقات خفية لا تدرك بالحواس
﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ أي لا يفهمون بها الحق، والقلب هنا هو الذي
يسمونه أحياناً (الضمير) ويراد به هنا العقل أو الوجدان أي محل الحكم على
الأشياء المدركة، وسبب هذا الاستعمال أن آثار الأحداث من خوف أو
سرور تنعكس عليه، فيحدث الانقباض أو الانشراح. وكثيراً ما يستعمل في
القرآن بمعنى دقة الفهم والتعمق في العلم.
﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ دلائل قدرة الله، بصر عظة واعتبار ﴿وَهُمْ
ءَذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ الآيات والمواعظ سماع تدبر واتعاظ ﴿أُوْلَكَ كَالْأَنْعَمِ﴾
في عدم الفهم والبصر والاعتبار ﴿بَلّ هُمْ أَضَلُّ﴾ من الأنعام؛ لأنها تحرص
على ما ينفعها، وتهرب مما يضرها، وهؤلاء يقدمون على النار معاندة
﴿ اَلْغَفِلُونَ﴾ الكاملون في الغفلة.
المناسبة:
بعد أن ضرب الله المثل للمنسلخ من الدين الخارج منه، ليتعظ أولئك
الضالون، ويتركوا ضلالهم، ويعودوا إلى الحق، بيَّن أسباب الهدى والضلال.
من استعمال العقل والحواس، واستخدام هداية الفطرة في سلوك أحد
١٧٨
الزُعُ (٩) - الأَغْرَافِظ: ١٧٨/٧ -١٧٩
السبيلين: الخير والشر، كما قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ
١٠].
@ [البلد: ٩٠/
التفسير والبيان:
من يوفقه الله للإيمان والخير واتباع الشرع والقرآن باستعمال عقله
وحواسه، فهو المهتدي حقاً لا سواه، ومن يخذله ولا يوفقه، ولا يهديه إلى
الخير واتباع القرآن، بسبب تعطيل عقله وحواسه في فهم آياته الكونية
والشرعية، فهو الخاسر البعيد عن الهدى، الذي خسر الدنيا والآخرة.
وبما أن الهداية الإلهية نوع واحد والضلالة أنواع متعددة، أفرد الله
المهتدي، وجمع الخاسرين، فقال: ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِىّ﴾ ثم قال: ﴿فَأَوْلَئِكَ هُمُ
اْخَسِرُونَ﴾.
ثم أوضح تعالى ما أجمله بالنسبة لأهل الضلالة فقال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا﴾ أي إن
الله تعالى يقسم بأنه خلق أو أوجد خلقاً كثيراً من الجن والإنس مستعدين
لعمل يستحق دخول جهنم، وخلق أيضاً خلقاً آخرين مستعدين لعمل يدخلهم
الجنة، كما قال في بيان مآل الفريقين: ﴿فَرِيقٌ فِى الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِ السَّعِيرِ﴾
[الشورى: ٧/٤٢] وقال في بيان مصيرهم يوم القيامة: ﴿فَمِنْهُمْ شَفِىٌّ وَسَعِيدٌ﴾
[هود: ١٠٥/١١].
وأسباب استحقاق أهل النار دخول جهنم: هي أنهم لا يستعملون عقولهم
استعمالاً صحيحاً للوصول إلى حقيقة الإيمان، وإدراك لذة السعادة الدنيوية
والأخروية، وأن الخير فيما أمر الله به، وأن الشر فيما نهى عنه الله، وإنما
نظرتهم ظاهرية، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَِهِرًا مِّنَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْأَخِرَةِ
هُمْ غَفِلُونَ (٣)﴾ [الروم: ٧/٣٠] فهم بمنزلة من لا يفقه؛ لأنهم لا ينتفعون
بقلوبهم الواعية، ولا يعقلون ثواباً ولا يخافون عقاباً.
١٧٩
الُعُ (٩) - الأَغراف: ١٧٨/٧ -١٧٩
وهم أيضاً لا ينظرون بأعينهم نظر تبصر واعتبار وإمعان في آيات الله
الكونية وآياته القرآنية التي ترشدهم إلى ما فيه سعادتهم.
ولا يسمعون بآذانهم سماع تدبر وإصغاء آيات الله المنزلة على أنبيائه، ولا
يسمعون أخبار التاريخ والأمم الغابرة، وكيف كان مصيرهم بسبب إعراضهم
عن هداية الله وإرشاد الرسل. وليس الغرض من نفي السمع والبصر نفي
الإدراكات عن حواسهم، وإنما المقصود بيان حجبها عن إبصار الهدى وسماع
المواعظ.
ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ
الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَكِنِهِمَّ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتِّ أَفَلَا يَسْمَعُونَ ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْأ
أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ، زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَمُهُمْ وَأَنْفُسُهُمَّ
[السجدة: ٢٦/٣٢ -٢٧].
(٣٧)
أَفَلاَ يُبْصِرُونَ
أولئك الموصوفون بما ذكر من تعطيل عقولهم وحواسهم هم كالأنعام
(البقر والإبل والغنم) لا همَّ لهم إلا الأكل والشرب والتمتع بلذات الحياة
والدنيا، بل هم أضل سبيلاً منها؛ لأن الأنعام تحرص على ما ينفعها، وتنفر
مما يضرها، ولا تسرف في أكلها وشربها، وهؤلاء يقدمون على النار معاندة،
وهم مسرفون في جميع اللذات، ولا يهتدون إلى ثواب، ولا قدرة للحيوانات
على تحصيل للفضائل، وأما الإنسان فأعطي القدرة على تحصيلها.
أولئك هم كاملو الغفلة عن آيات الله وعن استعمال مشاعرهم وعقولهم
فيما خلقت من أجله، وهو الاستفادة من المسموعات، والانتفاع من
المبصرات، وهم الأغبياء الجاهلون الذين لا ينظرون إلى المستقبل، وإنما
انصرفوا إلى الحياة الدنيا، وتركوا الاشتغال بما يؤهلهم للخلود في نعيم الحياة
الآخرة. وعلى هذا تكون غفلتهم بمعنى ترك التدبر، والإعراض عن الجنة
والنار.
١٨٠
الُ (٩) - الَِّغَرَافِ: ١٧٨/٧ -١٧٩
أما العقلاء الفطنون فهم الذين عملوا للآخرة، ولم يهملوا ما تتطلبه
الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَأَبْتَغْ فِيمَآ ءَاتَنْكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةٌّ وَلَا تَنْسَ
نَصِيبَكَ مِنَ الذُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَّا أَحْسَنَ اَللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ اُلْفَسَادَ فِ
[القصص: ٢٨ / ٧٧].
VV
اُلْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
فقه الحياة أو الأحكام:
يرى المعتزلة أن الهداية والضلالة باختيار الإنسان، وأما هذه الآية ﴿وَلَقَدْ
ذَرَأْنَاَ لِجَهَنَّمَ﴾ فهي في المطبوع على قلوبهم الذين علم الله أنه لا لطف لهم،
ونظراً لإيغالهم في الكفر وإصرارهم عليه، وأنه لا يأتي منهم إلا أفعال أهل
النار، جعلهم الله مخلوقين للنار، فالآية تدل على توغلهم في موجبات النار،
وتمكنهم فيما يؤهلهم لدخولها(١).
ويرى أهل السنة أن الآية تدل على أن الهداية من الله، وأن الضلال من الله
تعالى، فمن هداه الله، فإنه لا مضل له، ومن أضله فقد خاب وخسر لا
محالة، فإنه تعالى ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولهذا جاء في حديث ابن
مسعود الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن وغيرهم: ((إن الحمد لله نحمده
ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من
يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله
وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله))(٢).
قال البيضاوي عن قوله تعالى: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِىّ وَمَن يُضْلِلْ
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ (٨)﴾: تصريح بأن الهدى والضلال من الله، وأن هداية
الله تختص ببعض دون بعض(٣).
(١) الكشاف: ٥٨٨/١.
(٢) تفسير ابن كثير: ٢٦٧/٢.
(٣) تفسير البيضاوي: ص ٢٢٩.