النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١
الُعُ (٩) - الأَغراف: ١٥٩/٧ - ١٦٠
والحال الثانية: أنه تعالى صيّر قوم موسى اثنتي عشرة فرقة أو قبيلة تسمى
أسباطاً، أي أمماً وجماعات، تمتاز كل جماعة منهم بنظام خاص بها في المعيشة
وممارسة شؤون الحياة.
والحال الثالثة: حال الأسباط إزاء نعم الله تعالى عليهم، والنعمة الأولى:
إغاثة الله لهم، حينما طلبوا من موسى السقيا، وقد عطشوا في التيه، فأوحى
الله إلى موسى: ﴿أَنِ أَضْرِب ◌ِعَصَاكَ الْحَجَرِّ﴾، فضربه، فانفجرت منه
اثنتا عشرة عيناً من الماء بقدر عدد أسباطهم، كل سبط له عين خاصة به ﴿قَدْ
عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ﴾ أي سبط مشربهم منه. والفرق بين الانبجاس والانفجار أن
الأول: خروج الماء بقلّة، والثاني: خروجه بكثرة.
والنعمة الثانية: تظليل الغمام، فكانوا إذا اشتد عليهم الحر في الصحراء،
يسخر الله تعالى لهم الغمام أي السحاب، يظلهم بظله الظليل، رحمة من الله.
والنعمة الثالثة: إنزال المن والسلوى: فكان الطعام الشهي ينزل عليهم
بسهولة، دون عناء ولا مشقة، وهو المن الذي كان يقوم مقام الخبز عندهم
وهو مادة حلوة الطعم يجتمع كالندى على ورق الشجر وغيره صباحاً،
والسلوى: يقوم مقام سائر اللحوم، وهو طير أكبر من السُّمانى.
ثم قيل لهم: ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمٌ﴾، فهي نعم خصصناها
بكم، فما عليكم إلا شكر النعمة.
﴿وَمَا ظَلَمُوْنَا﴾ بكفرهم بهذه النعم، ولكنهم ظلموا أنفسهم وأضروها
بهذا الجحود والإنكار؛ لأن المكلف إذا أقدم على المعصية، فهو ما أضر إلا
نفسه، حيث عرَّض نفسه للعقاب الشديد، ومن ظلم نفسه كان لغيره أظلم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية الأولى: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىَ أُمَّةٌ﴾ على أن الإسلام لا عصبية فيه.
١٤٢
الُعُ (٩) - الأَغراف :: ١٥٩/٧ - ١٦٠
وأن الله تعالى يعلمنا طريق الحكم على الناس والأشياء، وهو طريق الحق
والعدل، فهو الحكم الموضوعي المجرد، وهو الحكم الأبقى والأخلد. إنها
شهادة عظيمة من الله تعالى لجماعة من بني إسرائيل أنهم التزموا الحق والعدل
في أنفسهم ومع غيرهم، فآمنوا بالنبي موسى عليه السلام وبمن بعده من
الانبياء، وقضوا بين الناس بالعدل، ودعوا الناس إلى الهداية بالحق.
وهذه المزية أيضاً قائمة في أمة النبي وَالر، فقد أنزل الله على نبيه محمد وَله
ليلة الإسراء بعد رجوعه إلى الدنيا: ﴿وَمِعَنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ،
[الأعراف: ١٨١/٧] يعني أمة محمد عليه الصلاة والسلام، فالله
٨٢
يَعْدِلُونَ
يعلمه أن الذي أعطيت موسى في قومه أعطيتك في أمتك.
ودلت آية ﴿وَقَطَّعْنَهُمُ﴾ على قسمة بني إسرائيل اثنتي عشرة فرقة؛ لأنهم
كانوا من اثني عشر رجلاً من أولاد يعقوب، فميزهم وفعل بهم ذلك، لئلا
يتحاسدوا، فيقع بينهم الهرج والمرج. ولا شك أن القسمة تريح من عناء
الاختلاف والنزاع في استيفاء المنافع، وليكون أمر كل سبط معروفاً من جهة
رئيسهم، فيخف الأمر على موسى.
وأرشد قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى﴾ إلى النعم العظمى التي أنعم
الله بها على بني إسرائيل، وهي: أولاً - الشرب في التيه من ينابيع تفجرت
اثنتي عشرة عيناً بعدد الأسباط، بضرب موسى الحجر، وهذه معجزة خارقة
له، كمعجزة العصا واليد وفلق البحر لإنجائهم من فرعون وقومه. وثانياً -
تظليل الغمام. وثالثاً - إنزال المن والسلوى، وقد أباح الله لهم تلك الطيبات،
وسهل لهم الطعام والشراب.
ولكن بني إسرائيل لم يشكروا تلك النعم العظيمة، وجحدوا بها، وظلموا
أنفسهم بارتكاب المعاصي، وكانوا فاسقين لخروجهم عن طاعة الله تعالى.
١٤٣
لُعُ (٩) - الأَغْرَافِ: ١٦١/٧ - ١٦٢
أمر بني إسرائيل بسكنى القرية (بيت المقدس)
﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ أَسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ
حِظَّةٌ وَأَدْخُلُواْ الْبَابَ سُجْدًا تَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَتِكُمُّ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلًا غَيّرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا
مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ
(٢٢
القراءات:
قيل﴾ :
بإشمام كسرة القاف الضم، قرأ الكسائي.
وقرأ الباقون بكسرة خالصة.
(شِئْتُمْ﴾:
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً: (شيتم).
﴿َّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيْئَتِكُمْ﴾: قرئ:
١- (تُغْفَر لكم خطيئاتكم) وهي قراءة نافع.
٢- (تُغفر لكم خطيئتكم) وهي قراءة ابن عامر.
٣- (نَغفر لكم خطاياكم) وهي قراءة أبي عمرو.
٤- (نَغفر لكم خطيئاتكم) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيَشَيِكُمْ﴾ هذا مفعول به منصوب بالكسرة نيابة عن
١٤٤
لُ (٩) - الأَغراف :: ١٦١/٧ -١٦٢
الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ومن قرأ يُغفَر وتُغفَر، رفع خطيئاتكم على أنه
نائب فاعل. ومن قرأ يغفر بالياء بالتذكير فلوجود الفصل بـ ﴿لَكُمْ﴾. ومن قرأ
بالتاء بالتأنيث فعلى الأصل، ولم يعتبر الفصل.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِذْ قِيلَ﴾ واذكر إذا قيل ﴿اُلْقَرْيَةَ﴾ بيت المقدس ﴿حِظَّةٌ﴾ أي أمرنا
حطة أي حط عنا أوزارنا وخطايانا ﴿اَلْبَابَ﴾ أي باب القرية ﴿سُجَّدًا﴾
سجود انحناء ﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ بالطاعة ثواباً ﴿فَبَدَّلَ اُلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾
فقالوا: حبة في شعرة، ودخلوا يزحفون على أستاههم ﴿رِجْزًا﴾ عذاباً.
المناسبة:
بعد أن عدد الله تعالى أحوال بني إسرائيل وأصناف النعم التي أنعم بها
عليهم، وجحودهم لها وظلمهم أنفسهم، ناسب أن يذكر نوعاً آخر من أنواع
العصيان أو الظلم ومخالفة أمر الله، وهو دخول القرية بقول معين (حطة)
وهيئة معينة (ساجدين) فالمناسبة بين الآيات واضحة وهي تبيان أحوال الظلم
من هؤلاء القوم، لذا ختمت الآيتان بإثبات صفة الظلم فيهم.
التفسير والبيان:
سبق بيان هذه القصة في سورة البقرة في الآيتين (٥٨، ٥٩) مع اختلاف في
الألفاظ فقط، ليتناسب ذلك مع بلاغة القرآن وكمال الإعجاز؛ لأن تكرار
اللفظ نفسه غير بليغ، والبلاغة تقتضي إبراز المعنى الواحد بأساليب مختلفة
وألفاظ متنوعة.
وقد ذكر الرازي ثمانية وجوه للمخالفة في الألفاظ بين السورتين(١)، وهي
(١) تفسير الرازي: ٣٤/١٥ وما بعدها.
١٤٥
لُ (٩) - الأعراف: ١٦١/٧ -١٦٢
مايأتي، علماً بأنه لا بأس باختلاف العبارتين إذا لم يكن هناك تناقض، ولا
تناقض فيهما :
١ - هنا قال: ﴿أَسْكُنُواْ﴾ وهناك قال ﴿ادْخُلُواْ﴾ والفائدة هنا أتم؛ لأن
السكنى تستلزم الدخول دون العكس، فمن يسكن يدخل قطعاً، وليس
العکس.
٢ - قال هنا: ﴿وَكُلُواْ﴾ وهناك قال: ﴿فَكُلُواْ﴾ لأن بدء الأكل يكون
عقب الدخول، فيحسن ذكر فاء التعقيب بعده. وأما الواو فيدل على أن الأكل
حاصل مع السكنى لا بعده.
٣ - وصف الأكل هناك بقوله: ﴿رَغَدًا﴾ أي واسعاً هنيئاً، ولم يذكر
الوصف هنا؛ لأن الأكل للقادم في أول الدخول يكون ألذ وأمتع، وتهفو
النفس إليه عادة، أما بعد طول المقام والانتظار فلا يحدث إلا عند الحاجة
الشديدة وتكامل اللذة، فترك قوله: ﴿رَغَدًا﴾ فيه.
٤ - قدم هنا قول ﴿حِظَّةٌ﴾ على الدخول، وعكس الأمر هناك، ولا فرق
بين التعبيرين؛ لأن الواو لا تقتضي الترتيب، فسواء دعوا أولاً ثم أظهروا
الخضوع بالسجود أي تنكيس الرؤوس، أو أعلنوا التواضع والخضوع أولاً ثم
دعوا بقولهم: ﴿حِطَّةٌ﴾؛ لأن المقصود تعظيم الله تعالى، وإظهار الخضوع
والخشوع.
٥ - قال هنا: ﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَتِكُمْ﴾ وقال هناك: ﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ
خَطَيَكُمْ﴾ وكلا الجمعين سواء، وفيهما إشارة إلى أن مغفرة الذنوب تشمل
القليل والكثير.
٦ - قال هنا: (سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ بدون واو، وهناك ذكر الواو:
﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ بالعطف، والمعنى واحد، لكن ترك الواو الذي يفيد
١٤٦
لُجُرُ (٩) - الأَغْرَافِ :: ١٦١/٧ - ١٦٢
الاستئناف أدل على أن زيادة الإحسان مستقلة عن المغفرة بعد الدعاء، تفضلاً
من الله تعالى، وأن الموعود به شيئان: المغفرة وزيادة الحسنة.
٧ - قال هنا: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا﴾ وقال هناك في سورة البقرة
﴿فَأَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ والإنزال لا يشعر بالكثرة، والإرسال يشعر بها،
فكأنه تعالى بدأ بإنزال العذاب القليل، ثم جعله كثيراً.
٨ - قال هنا: ﴿بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ﴾ وقال هناك: ﴿بِمَا كَانُواْ
يَفْسُقُونَ﴾ إشارة إلى حصول الوصفين منهم، فهم ظالمو أنفسهم، وهم
فاسقون خارجون عن طاعة الله تعالى، ثم إن الظلم فيه معنى الاعتداء على
الغير، والفسق فيه معنى الخروج عن الدين.
وزيد هنا كلمة ﴿مِنْهُمْ﴾ في قوله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ ولم تذكر
هناك، وزيادتها تأكيد في البيان. ومعنى التبديل أنهم تجرؤوا على المخالفة التامة
بالقول والفعل، دون اجتهاد ولا تأويل.
والمعنى العام للآية: أن الله تعالى يذكّر بني إسرائيل المعاصرين للنبي وَّ بما
حصل من أسلافهم، وهم ملومون مثلهم لرضاهم بأفعال الأسلاف، فقد
أمرهم الله بأن يدخلوا القرية وهي بيت المقدس أو قرية غيرها، والعرب
تسمي المدينة قرية، داعين الله أن يغفر ذنوبهم، ومظهرين الخضوع والخشوع
لله تعالى، وقد وعدهم الله بشيئين: الغفران وزيادة الإحسان. ولكن طبيعة
اليهود التي يغلب عليها العصيان والتمرد أبت عليهم إلا تحدي الأمر الإلهي،
والتنكر له، والتجرؤ على المخالفة بالقول والفعل، فقالوا: حَبَّة في شَعْرة، بدل
﴿حِظَةٌ﴾ وزحفوا على أستاههم، بدل تنكيس رؤوسهم وخشوعهم
وتواضعهم لله، شكراً له على نعمه عند دخول القرية، والتنعم بخيراتها من
طعام وفاكهة وشراب.
وماذا كانت النتيجة المنتظرة؟ النتيجة أن الله تعالى صب عليهم عذاباً من
١٤٧
لُعُ (٩) - الأَغراف: ١٦٣/٧-١٦٦
السماء صباً، بسبب ظلمهم أنفسهم وغيرهم، وفسقهم وخروجهم عن طاعة
الله تعالى إلى طاعة أهوائهم وشياطينهم، ولسخريتهم من أوامر الله تعالى.
فقه الحياة أو الأحكام:
إن العبرة واضحة من هذه الواقعة أو القضية، وهي أن الله تعالى يعاقب
الناس على ذنوبهم في الدنيا قبل الآخرة، فما عليهم إلا الابتعاد عن الظلم
والفسق؛ فقد عاقب الله بني إسرائيل على ظلمهم وفسقهم، بالرغم من
فضائلهم، ككثرة الأنبياء فيهم، وتفضيلهم على العالمين، أي عالمي زمانهم.
حيلة اليهود على صيد الأسماك
يوم السبت وعقاب المخالفين
{ وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ اٌلَتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى
السَبْتِ إِذْ تَأْتِهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا
وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ
تَأْتِيهِمَّ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (
قَوَّمَا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَيَّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ
فَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِةٍ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ اُلُّوْءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ
ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَعِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (9) فَلَمَّا عَنَوْ عَن ◌َا نُهُوْ عَنَّهُ قُلْنَا لَمُ
(١٢٦
كُونُواْ قِرَدَةً خَسِينَ
القراءات:
﴿ وَسْئَلْهُمْ﴾:
وقرأ ابن كثير والكسائي، وحمزة وقفاً: (وسلهم).
( مَعْذِرَةً﴾: قرئ:
١٤٨
لِلُ (٩) - الأَغراف :: ١٦٣/٧-١٦٦
١- (معذرةً) وهي قراءة حفص.
٢- (معذرةٌ) وهي قراءة الباقين.
﴿بَِيِ﴾: قرئ:
١- (بِيْس) وهي قراءة نافع.
٢- (بِثْس) وهي قراءة ابن عامر.
٣- (بئيس) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿إِذْ يَعْدُونَ﴾ يتعلق بسأل، وتقديره: سلهم عن وقت عدوهم في
السبت، وهو مجرور بدل من القرية، و﴿ إِذْ تَأْتِيهِمْ﴾: بدل من ﴿إِذْ﴾
الأولى، ويجوز نصبه بيعدون، و﴿شُرَّعًا﴾: منصوب على الحال من
حِيتَانُهُمْ﴾، والعامل فيه: ﴿تَأْتِيهِرَّ﴾.
( مَعْذِرَةً﴾ مفعول لأجله، فكأنهم لما قالوا: لم تعظون؟ ﴿قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى
رَبِّكُمْ﴾ أي لمعذرةٍ إلى ربكم. وقرئ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف،
وتقديره: موعظتنا معذرة.
﴿يِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ على وزن فعيل، مصدر ((بيس)) وتقديره: بعذاب ذي
بيس، أي: ذي بؤس، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
المفردات اللغوية:
﴿وَسْئَلَّهُمْ﴾ يا محمد توبيخاً عما وقع لأهل القرية ﴿عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ هي
أَيْلَة، وخليج أيلات معروف اليوم وقيل: مدين، وقيل: طبرية، والمراد
بالقرية: أهلها، والعرب تسمى المدينة قرية، وعن أبي عمرو بن العلاء: ما
١٤٩
لِلُزُ (٩) - الأَغرافِن: ١٦٣/٧-١٦٦
رأيت قرويين أفصح من الحسن والحجاج، يعني رجلين من أهل المدن
﴿حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ قريبة مجاورة للبحر الأحمر (بحر القلزم) على شاطئه، وهي
أيلة ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِ السَّبْتِ﴾ يعتدون ويتجاوزون حد الله فيه، وهو
اصطيادهم في يوم السبت، وقد نهوا عنه. و﴿اُلسَّبْتِ﴾: مصدر سبتَت
اليهود: إذا عظمت سبتها بترك الصيد وغيره من الأعمال، والاشتغال
بالعبادة، والمعنى: يعدون في تعظيم السبت. وكذلك قوله: ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾
معناه يوم تعظيمهم أمر السبت.
حِيتَانُهُمْ﴾ سمكهم، وأكثر ما تستعمل العرب الحوت في معنى السمكة
﴿ شُرَّعًا﴾ ظاهرة على الماء ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ﴾ لا يعظمون السبت أي
سائر الأيام ﴿لَا تَأْتِيهِمُّ﴾ ابتلاء من الله ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُم﴾ أي مثل ذلك
البلاء الشديد نبلوهم بسبب فسقهم، ومعنى ﴿نَبْلُوهُمْ﴾ نختبرهم. ولما صادوا
السمك يوم السبت بحيلة حجزه وراء حواجز يوم الجمعة، افترقت القرية
أثلاثاً: ثلث صادوا معهم، وثلث نهوهم، وثلث أمسكوا عن الصيد والنهي.
﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ﴾ معطوف على ﴿إِذ﴾ قبله، والأمة منهم: الجماعة منهم
وهي التي لم تصد ولم تنه كمن نهى ﴿قَالُواْ مَعْذِرَةً﴾ أي موعظتنا معذرة نعتذر
بها إلى الله، لئلا ننسب إلى تقصير في ترك النهي، أي قياماً منا بعذر أنفسنا عند
ربنا بقصد التنصل من الذنب ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ الصيد.
﴿فَلَمَّا نَسُواْ﴾ تركوا ﴿مَا ذُكِرُواْ بِةٍ﴾ وعظوا به، أي تركوه ترك الناسي،
وأعرضوا عنه إعراضاً تاماً، فلم يرجعوا عن المخالفة ﴿السُّوءِ﴾ العمل الذي
تسوء عاقبته ﴿بَئِيسٍ﴾ شديد، مأخوذ من البأس وهو الشدة، أو من البؤس
وهو المكروه ﴿يَفْسُقُونَ﴾ يخرجون عن الطاعة.
﴿عَوْ﴾ تكبروا عن ترك ما نهوا عنه ﴿خَسِئِينَ﴾ صاغرين. أما الفرقة
الساكتة فقال ابن عباس: ما أدري مافعل بالفرقة الساكتة. وقال عكرمة: لم
١٥٠
لُ (٩) - الأَغَرَافِن: ١٦٣/٧ -١٦٦
تهلك؛ لأنها كرهت ما فعلوه، وقالت: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾؟ وروى الحاكم عن ابن
عباس: أنه رجع إلى قول عكرمة وأعجبه.
المناسبة:
تذكر الآيات نوعاً آخر من مخالفات اليهود وعصيانهم، فبعد أن ذكرت
قصتهم في دخول القرية، ذكرت قصة احتيالهم على صيد الأسماك. وقد ذكرت
هذه القصة في سورة البقرة إجمالاً في قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُ الَّذِينَ أَعْتَدَوْاْ
مِنْكُمْ فِى السَّبْتِ﴾ [٦٥] وأشير إليها في سورة النساء أيضاً في الآيتين [٤٧،
١٥٤]. وذكرت قبل ذلك هنا في سورة الأعراف التي نزلت بمكة قبل ملاقاة
النبي وَلّ أحداً من اليهود، للدلالة على الإعجاز؛ لأن النبي ◌َّ كان رجلاً
أمياً، لم يتعلم علماً، ولم يطالع كتاباً، فإخباره بالقصة معجز، ودليل على أن
ذلك من إخبار الله وكلامه.
وهناك فائدة أخرى من إيراد القصة: وهو التنبيه على أن الكفر بمحمد وله
وبمعجزاته ليس شيئاً جديداً حادثاً في هذا الزمان، وإنما كان الكفر والإصرار
حاصلاً في أسلافهم من الزمان القديم.
أضواء من التاريخ على القصة:
روي أن اليهود أمروا باليوم الذي أمرنا به، وهو يوم الجمعة، فتركوه،
واختاروا يوم السبت، فابتلوا به، وحرِّم عليهم فيه الصيد وأمروا بتعظيمه،
فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شُرَّعاً بيضاً سماناً، كأنها المخاض، لا يرى
الماء من كثرتها، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، فكانوا كذلك برهة من الدهر، ثم
جاءهم إبليس، فقال لهم: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت، فاتخذوا حياضاً
تسوقون الحيتان إليها يوم السبت، فلا تقدر على الخروج منها، وتأخذونها يوم
الأحد. وأخذ رجل منهم حوتاً، وربط في ذنبه خيطاً إلى خشبة في الساحل، ثم
١٥١
الجُزءُ (٩) - الأَغراف: ١٦٣/٧ -١٦٦
شواه يوم الأحد، فوجد جاره ريح السمك، فتطلع في تنوره، فقال له: إني
أرى الله سيعذبك، فلما لم يره عذب، أخذ في السبت القادم حوتين، فلما
رأوا أن العذاب لا يعاجلهم، صادوا وأكلوا، وملَّحوا، وباعوا، وكانوا نحواً
من سبعين ألفاً.
فصار أهل القرية أثلاثاً: ثلث نهوا وكانوا نحواً من اثني عشر ألفاً، وثلث
قالوا: لم تعظون قوماً؟ وثلث هم أصحاب الخطيئة.
فلما لما ينتهوا، قال المسلمون: إنا لا نساكنكم، فقسموا القرية بجدار،
للمسلمين باب، وللمعتدين باب، ولعنهم داود عليه السلام، فأصبح الناهون
ذات يوم في مجالسهم، ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إن للناس شأناً،
فنظروا، فإذا هم قردة، ففتحوا الباب، ودخلوا عليهم، فعرفت القرود
أنسباءهم من الإنس، والإنس لا يعرفون أنسباءهم من القرود، فجعل القرد
يأتي نسيبه، فيشم ثيابه ويبكي، فيقول: ألم ننهك؟ فيقول برأسه: بلى. وقيل:
صار الشباب قردة والشيوخ خنازير.
وعن الحسن البصري: أكلوا والله أوخم أكلة أكلها أهلها، أثقلها خزياً في
الدنيا، وأطولها عذاباً في الآخرة، هاه، وايم الله، ما حُوتُ أخذه قوم
فأكلوه، أعظم عند الله من قتل رجل مسلم، ولكن الله جعل موعداً، والساعة
أدهى وأمر(١).
التفسير والبيان:
واسأل يا محمد يهود عصرك عن قصة أصحابهم الذين خالفوا أمر الله،
ففاجأتهم نقمته على صنيعهم واعتدائهم واحتيالهم في المخالفة، والسؤال
للتوبيخ والتقريع، وبيان أن كفر المعاصرين للنبي وَل ◌ّ ليس جديداً، بل هو
موروث، فإن أسلافهم ارتكبوا الذنب العظيم، وخالفوا أوامر الله تعالى.
(١) انظر القصة في الكشاف: ٢ /٥٨٤ - ٥٨٥
١٥٢
الجُرُ (٩) - الأَغراف: ١٦٣/٧ -١٦٦
وحذرهم من مخالفتك لئلا يحل بهم ماحل بسلفهم.
اسألهم عن أهل المدينة التي كانت قريبة من البحر على شاطئه، وهي أيلة
على شاطئ البحر الأحمر، بين مدين والطور، حين اعتدوا حدود الله،
وتجاوزوها يوم السبت الذي يعظمونه، بترك العمل فيه، وتخصيصه للعبادة،
فخالفوا أمر الله فيه بالوصية لهم به إذ ذاك، واصطادوا السمك فيه، وقد نهوا
عنه.
فكان السمك يأتيهم كثيراً على سطح الماء يوم تعظيم السبت، ولا يحتاج
صيده إلى عناء.
ويوم لا يسبتون، في سائر الأيام غير السبت، تختفي الأسماك ولا تظهر،
ولا تأتيهم كما كانت تأتيهم يوم السبت.
فاحتالوا على صيدها بإقامة الأحواض حيث يأتي المد بالسمك ثم إذا انحسر
الماء بالجزْر، تبقى الأسماك في الأحواض، فيأخذونها يوم الأحد.
مثل ذلك البلاء بظهور السمك يوم السبت المحرم عليهم صيده، وإخفائه
عنهم في الأيام التي يحل لهم صيده، نبلو أي نختبر السابقين والمعاصرين،
ونعاملهم معاملة من يختبر حالهم، ليجازى كل واحد على عمله، بسبب
فسقهم المستمر وخروجهم عن طاعة الله؛ لأن من سنة الله أن من أطاعه،
سهل له أمور الدنيا، وأثابه في الآخرة، ومن عصاه، ابتلاه بأنواع المحن
والمصائب.
وحين ظهور المعصية فيهم، انقسم أهل تلك القرية فرقاً ثلاثاً، هي فرقة
المؤيدين، وفرقة المعارضين الواعظين، وفرقة المحايدين الذين لم يجدوا فائدة
من الوعظ ولاموا الواعظين قائلين لهم: لم تعظون قوماً قد قضى الله بإهلاكهم
وإفنائهم، وقد علمتم أن الله سيهلكهم ويعاقبهم في الدنيا والآخرة.
١٥٣
لُجُزءُ (٩) - الأعراف: ١٦٣/٧-١٦٦
فأجابهم الواعظون: نعظهم لنبرئ أنفسنا من السكوت عن المنكر، ونعتذر
إلى ربكم بأننا أدينا واجبنا في الإنكار عليهم، ونحن لا نيأس من صلاحهم
وعودتهم إلى الحق، ولعلهم بهذا الإنكار يتقون ماهم فيه ویترکونه، ویرجعون
إلى الله تائبين، فإذا تابوا تاب الله عليهم ورحمهم.
﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ﴾ أي فلما أبى الفاعلون قبول النصيحة، أنجينا
الناهين عن السوء وهم فريق الواعظين وفريق اللائمين، إلا أن الفريق الأول
كانوا أحزم وأقوى؛ لأنهم أنكروا بالقول والفعل، لذا صرح القرآن بنجاة
الناهين، والفريق الثاني أنكر بالقلب فقط، لذا سكت القرآن عن الساكتين،
فهم لا يستحقون مدحاً فيمدحوا، ولا ارتكبوا ذنباً، فيذموا.
وعذبنا الظالمين الذين ارتكبوا المعصية بعذاب شديد.
وذلك العذاب أنهم لما عتوا أي تمردوا وتكبروا عن ترك ما نهوا عنه، وأبوا
سماع نصيحة الواعظين، جعلهم الله قردة صاغرين أذلاء منبوذين مبعدين عن
الناس. هذا عذاب الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.
والظاهر وهو رأي الجمهور أنهم مسخوا قردة على الحقيقة؛ لمخالفتهم
الأوامر وتماديهم في العصيان، لا لمجرد اصطياد الحيتان. وهل هذه القردة من
نسلهم أو هلكوا وانقطع نسلهم؟ لا دلالة في الآية عليه.
وقال مجاهد: أصبحوا كالقردة في سوء الطباع والطيش والشر والإفساد،
بسبب جنایاتهم.
والراجح رأي العلماء الذين قالوا: إن الساكتين كانوا من الناجين؛
لرجوع ابن عباس إلى رأي عكرمة في نجاة الساكتين، وقد رجح ابن كثير هذا
الاتجاه، قائلاً: وهذا أولى من القول بأنهم من الهالكين؛ لأنه تبين حالهم بعد
ذلك.
١٥٤
لُ (٩) - الْأَّغرافية: ١٦٣/٧ -١٦٦
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات في هذه القصة على مايأتي:
١ - الإخبار بالقصة علامة لصدق النبي ◌َّقة؛ إذ أطلعه الله على تلك
ج
الأمور من غير تعلم. وكانوا يقولون: ﴿فَحْنُ أَبْنَوُاْ اللَّهِ وَأَحِبَّتَؤُهُ﴾ [المائدة: ٥٪
١٨]؛ لأنا من سِبْط خليله إبراهيم، ومن سبط إسرائيل، ومن سبط موسى
كليم الله، ومن سبط ولده عزير، فنحن من أولادهم، فقال الله عز وجل
لنبيه: سلهم يا محمد عن هذه القرية: أما عذبتهم بذنوبهم؟
٢ - إبطال الحيل الممنوعة المؤدية لتعطيل شرع الله، وهدم مبادئه، وتجاوز
أحكامه، ومخالفة أوامره.
٣ - القول بسدّ الذرائع، أي تحريم كل وسيلة تؤدي إلى الممنوع أو المحظور
شرعاً، فما أدى إلى الحرام فهو حرام.
٤ - إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واعتزال أهل الفساد
ومجانبتهم، وأن من جالسهم، كان مثلهم.
٥٠٠ - دل قوله: ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُم﴾ على أن من أطاع الله تعالى، خفف الله
عنه أحوال الدنيا والآخرة، ومن عصاه ابتلاه بأنواع البلاء والمحن. وهذا يعني
أن المعاصي سبب النقمة.
٦ - واحتج أهل السنة بالآية على أنه تعالى لا يجب عليه رعاية الصلاح
والأصلح، لا في الدين ولا في الدنيا؛ لأنه تعالى علم أن تكثير الحيتان يوم
السبت، ربما يحملهم على المعصية والكفر، فلو وجب عليه رعاية الصلاح
والأصلح، لوجب أن لا يكثر هذه الحيتان في ذلك اليوم، صوناً لهم عن ذلك
الكفر والمعصية.
٧ - الفرقة التي عصت أوامر الله، وتمادت في معصية الله، كانت هالكة،
١٥٥
المُ (٩) - الأَغراف: ١٦٧/٧ -١٧١
والفرقة التي أنكرت العصيان ووعظت العصاة، كانت ناجية. وأما الفرقة
الساكتة فكانت على الراجح من الناجين، لإنكارها بالقلب، ويأسها من
الإصلاح.
٨ - قد لا يأتي العذاب الشديد فجأة، وإنما بالتدريج، فقد عاقب الله بني
إسرائيل أولاً بتنكيل البابليين، ثم النصارى بهم، وسلبوا ملكهم. ومن ألوان
عذاب الدنيا: المسخ قردة وخنازير بسبب التمادي في العصيان، ثم يأتي عذاب
الآخرة.
رفع الجبل فوق اليهود وإذلالهم إلى يوم القيامة
وتفريقهم في الأرض واستثناء الصالحين
﴿وَإِذْ تَأَذَنَ رَبُّكَ لَيْبَعَثَنَّ عَلَيَّهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ،
إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿ وَقَطَّعْنَهُ فِى الْأَرْضِ
أُمَمَّا مِنْهُمُ الصَّلِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكٌ وَبَلَوْنَهُم بِالْحَسَنَتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ
بِرَجِعُونَ
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِنَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى
وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُ يَأْخُذُوهُ أَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِيثَقُ الْكِتَبِ أَنْ لَّا
يَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيَةٍ وَالذَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونُّ أَفَلَا
٦٩
تَعْقِلُونَ ﴿
وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَبِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ
جير
٧٠
اْمُصْلِحِينَ
وَإِذْ نَثَقْنَا الْجَلَ فَوْقَهُمْ كَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ
مَآ ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ وَأَذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ نَنَّقُونَ
القراءات:
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: قرئ:
١- (أفلا تعقلون) وهي قراءة نافع، وابن عامر، وحفص.
١٥٦
الخُُ (٩) - الَّغَرَافِن: ١٦٧/٧ -١٧١
٢- (أفلا يعقلون) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكٌ﴾ دون: صفة لموصوف محذوف، وتقديره: ومنهم جماعة
دون ذلك، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، وهو منصوب على
الظرف. ﴿أُمَمَّآٌ﴾ مفعول ثانٍ أو حال ﴿مِّنْهُمُ الصَّلِحُونَ﴾ صفة أو بدل منه.
﴿ وَرِثُواْ الْكِنَبَ﴾: جملة فعلية في موضع رفع؛ لأنها صفة ﴿خَلْفٌ﴾
(يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من واو
﴿ وَرِثُواْ﴾.
﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضُ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ الجملة حال من ﴿وَيَقُولُونَ﴾
ج
﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ معطوف على ﴿يَأْخُذُونَ﴾.
﴿وَدَرَسُواْ﴾ معطوف على ﴿وَرِثُواْ الْكِنَبَ﴾.
﴿أَلَّمَّ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيَتَقُ اُلْكِتَبِ أَنْ لََّ يَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ اعتراض
وقع بين: ورثوا ودرسوا . ﴿أَنْ لَّا يَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ عطف بيان لميثاق
الکتاب.
﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِنَبِ﴾ في موضع رفع لأنه مبتدأ، وخبره: ﴿إِنَّا لَا
تُضِيعُ أَجْرَ اُْصْلِحِينَ﴾ وتقديره: إنا لا نضيع أجر المصلحين منهم، ليعود من
الخبر إلى المبتدأ عائد. ويجوز أن يكون ذكر ﴿اَلْمُصْلِحِينَ﴾ من قبيل وضع المظهر
موضع المضمر أي أجرهم، تنبيهاً على أن الإصلاح كالمانع من التضييع.
﴿ وَإِذْ نَثَقْنَا﴾ وإذ: في موضع نصب بتقدير فعل، وتقديره: واذكر إذ نتقنا.
كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ في موضع نصب على الحال من ﴿الْجَبَلَ﴾. وقيل: في موضع
رفع بتقدير مبتدأ محذوف.
هـہ
١٥٧
الُ (٩) - الأَغراف: ١٦٧/٧ -١٧١
البلاغة:
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب، لزيادة التوبيخ.
المفردات اللغوية:
(تَأَذَّنَ﴾ مثل أذَّن: أي أعلم ونادى للإعلام ﴿لَيْبَّعَثَنَّ﴾ ليسلطن
﴿عَلَيَّهِمْ﴾ أي على اليهود ﴿يَسُومُهُمْ سُوَءَ اٌلْعَذَابِ﴾ يذيقهم سوء العذاب
بالذل وأخذ الجزية، فبعث عليهم سليمان، وبعده البابليين المجوس بقيادة
بختنصر، فقتلهم وسباهم وضرب عليهم الجزية، ثم النصارى، ثم المسلمين، ثم
الألمان في العصر الحديث ﴿لَسَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ لمن عصاه ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ﴾ لأهل
طاعته ﴿رَّحِيمٌ﴾ بهم.
﴿وَقَطَّعْنَهُمْ﴾ فرقناهم في الأرض ﴿أُمَمَّا﴾ أي جماعات وفرقاً ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ
ذَلِكٌ﴾ أي ناس منحطون عنهم وهم الكفار والفساق ﴿وَبَلَوْنَهُم﴾
اختبرناهم ﴿بِلْحَسَنَتِ﴾ بالنِّعَمِ ﴿وَالسَّيِّئَاتِ﴾ النقم ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ عن
فسقهم . ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ بسكون اللام: من يخلف غيره في الشر،
ومنه قوله تعالى: ﴿َفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُّ أَضَاعُواْ الصَّلَوةَ﴾ [مريم: ٥٩/١٩] وبفتح
اللام: من يخلف غيره بالخير، والخلف: مصدر نعت به، ولذلك يقع على
الواحد والجمع، وقيل: جمع ﴿وَرِثُواْ الْكِتَبَ﴾ التوراة عن آبائهم ﴿ يَأْخُذُونَ
عَرَضَ هَذَا اُلْأَدْنَى﴾ العرض: متاع الدنيا وحطامها، والأدنى: الشيء الدنيء
وهو الدنيا، والمراد يأخذون المال أو هذا الشيء الدنيء من حلال وحرام.
﴿لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُ يَأْخُذُوهُ﴾ الجملة حال، أي يرجون المغفرة، وهم
عائدون إلى ما فعلوه، مصرون عليه، وليس في التوراة وعد المغفرة مع
الإصرار، وإنما غفران الذنوب لا يصح إلا بالتوبة، والمصرّ لا غفران له.
﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ﴾ استفهام تقرير ﴿مِيثَقُ الْكِتَبِ﴾ الإضافة بمعنى في، وهو
١٥٨
الجُزءُ (٩) - الأَغراف :: ١٦٧/٧-١٧١
قوله في التوراة: من ارتكب ذنباً عظيماً، فإنه لا يغفر له إلا بالتوبة. ﴿وَدَرَسُواْ
مَا فِيَةٍ﴾ عطف على: ﴿يُؤَخَذْ﴾ أي قرؤوه وفهموه، فهم عارفون الحكم
ذاكرون له. فلِمَ كذبوا عليه بنسبة المغفرة مع الإصرار ﴿لِلَّذِينَ يَّقُونٌ﴾
الحرام . ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ أو بالياء: أنها خير، فتؤثروها على الدنيا. ﴿ وَالَّذِينَ
يُمَسِّكُونَ﴾ بالتشديد والتخفيف أي يتمسكون به ويعملون ﴿وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ﴾
كعبد الله بن سلام وأصحابه.
﴿ وَإِذْ نَنَقْنَا﴾ واذكر إذ رفعنا الجبل من أصله ﴿ظُلَّةٌ﴾ أي مظلة وهي كل ما
أظلك من سقف أو سماء أو جناح طائر ﴿وَظَنُواْ﴾ أيقنوا ﴿أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾
ساقط عليهم، بإنذار الله لهم بوقوعه إن لم يقبلوا أحكام التوراة، وكانوا أبوها
لثقلها، فقبلوا. ﴿خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُم﴾ أي قلنا لهم: خذوا ما آتيناكم بجد
واجتهاد. ﴿ وَأَذْكُرُواْ مَا فِيهِ﴾ بالعمل به.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى بعض قبائح اليهود وعقابهم عليها بالمسخ قردة، ذكر
في هذه الآية أنه تعالى حكم عليهم بالذل والصغار إلى يوم القيامة، عقاباً على
أفعالهم، ثم ذكر أنه فرقهم جماعات مشردين في الأرض، وأن خَلْفَهم جماعة
ماديون تهمهم الدنيا فقط، وأن أسلافهم قبلوا الأخذ بالتوراة بعد إنذارهم
بإسقاط الجبل عليهم. وهذا كله للعبرة، فكل أمة تفسق عن أمر الله وتخالف
أحكام الدين مهددة بمثل هذا العقاب.
التفسير والبيان:
واذكر يا محمد حين أعلم ربك أسلاف اليهود على لسان أنبيائهم أنه قضى
عليهم في علمه وأوجب على نفسه، ليسلطنَّ عليهم إلى يوم القيامة من يذيقهم
العقاب الشديد، ويلحق بهم الذل والصغار، ويفرض عليهم الجزية، ويبدد
مُلکهم، ويفرق شملهم، حتى يصبحوا أذلة مشردين.
١٥٩
الُ (٩) - الأَغراف: ١٦٧/٧ -١٧١
إن ربك لسريع العقاب لمن عصاه وخالف شرعه، وإنه لغفور لمن تاب إليه
وأناب، ورحيم بأهل الطاعة والإنابة.
وقد تحقق مدلول الآية، فكان موسى عليه السلام أول من فرض الخراج
عليهم، وألزمهم به، ثم قهرهم اليونانيون والكشدانيون والكلدانيون
والبابليون، ثم الروم النصارى، أخذوا منهم الجزية والخراج، ثم المسلمون
الذين أخذوا منهم الجزية والخراج، ثم الألمان بقيادة هتلر في العصر الحديث،
الذي قتلهم وشردهم في البلاد.
والآية بمعنى قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِىّ إِسْرَِّيلَ فِىِ الْكِنَبِ لَنُفْسِدُنَّ
فِ الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَنَعْلُنَّ عُلُوَّا كَبِيرًا (٣) إلى أن قال: ﴿وَإِنْ عُدُمُ عُدْنَاَ﴾
[الإسراء: ٤/١٧-٨] أي وإن عدتم إلى الإفساد بعد المرة الآخرة، عدنا إلى
التعذيب والإذلال.
وأما وجود اليهود في فلسطين الآن فهو أمر عارض مؤقت زائل بإذن الله،
لثقتنا بوعد الله وكلامه.
هذا هو العقاب الأول على معاصي اليهود المتكررة وتمردهم على أحكام
الله، وهو تسليط الأمم عليهم لإذلالهم وتعذيبهم.
والعقاب الثاني: هو تفريقهم وتمزيقهم جماعات وطوائف وفرقاً في أنحاء
الأرض، فلا يخلو منهم قطر من الأقطار، فيهم الصالح وغير ذلك.
فمنهم الصالحون المحسنون الذين يؤمنون بالأنبياء بعد موسى، ويؤمنون
بمحمد وهو، ويؤثرون الآخرة على الدنيا، مثل أولئك الذين نَهَوْا عن الاعتداء
في السبت، ومثل عبد الله بن سَلام وأصحابه الذين أسلموا.
ومنهم من هو دون غيره في الصلاح، ومنهم الفسقة الفجرة الكفرة الذين
كانوا يقتلون الأنبياء بغير حق، ومنهم السماعون للكذب الأّالون للسُّحْتِ
١٦٠
الجُرُ (٩) - الأَغْرَافِينَ: ١٦٧/٧ -١٧١
كالرشا والربا لتبديل الأحكام والقضاء بغير ما أنزل الله. وفي الجملة: معنى
﴿ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ أي منحطون عن الصلاح، وهم كَفَرَتُهُمْ وفَسَقَتُهُمْ.
والله يعامل الفريقين كما يعامل غيرهم، فيختبرهم بالحسنات أي بالنعم
وبالسيئات أي بالنقم، لعلهم يرجعون عن ذنبهم، ويشكروا النعمة، ويصبروا
على النقمة.
ثم ظهر من الصالحين ومن دونهم خلف ورثوا التوراة عن أسلافهم، أي
تلقفوا ما فيها من الأحكام وقرؤوها واطلعوا على ما فيها. وهم الذين كانوا
في عصر النبي ◌ِّ، ولكنهم هجروها وآثروا الدنيا ومتاعها وزينتها وتفانوا في
جمع حطامها، لا يبالون، حلالاً كان أو حراماً أي من غير طريق شرعي،
كالسحت والرشوة والمحاباة في الحكم والاتجار في الدين وتحريف الكلم عن
مواضعه، وزعموا أن الله سيغفر لهم ولا يؤاخذهم على أفعالهم وسيئاتهم،
قائلين: إننا أبناء الله وأحباؤه، وسلائل أنبيائه، وهم مقيمون على المعاصي،
مصرون على الذنوب، لا يتورعون عن ضم الحرام إلى غيره، فإن یأتهم عرض
آخر من عروض الدنيا مثل الذي أخذوه أولاً بالباطل، يأخذوه بلهف دون
تعفف، وهم يعلمون أن وعد الله بالمغفرة مخصوص بالتائبين الذين يقلعون عن
ذنوبهم.
فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَقُ اَلْكِتَبِ﴾ أي أن الله
تعالى ينكر عليهم صنيعهم هذا؛ لأنه قد أخذ عليهم العهد والميثاق ألا يقولوا
على الله غير الحق، فيما يتمنون على الله من غفران ذنوبهم التي يصرون عليها
ولا يتوبون منها، وهذا هو المذكور في التوراة: من ارتكب ذنباً عظيماً فإنه
لا يغفر له إلا بالتوبة، ومن جملة الميثاق أن يبينوا للناس الحق ولا يكتمونه،
وألا يحرفوا الكلم ولا يغيروا الشرائع لأجل أخذ الرشوة، وهم قد درسوا
الكتاب (التوراة) وفهموا مافيه، من تحريم أكل مال الغير بالباطل والكذب
على الله.