النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١
الُزُ (٩) - الأَغَافِظ: ١٤٨/٧-١٤٩
(الذهب والفضة) تقليداً للمصريين في عهد الفراعنة الذين كانوا يعبدون
الأصنام والأوثان من شمس وغيرها، ثم عبدوه من دون الله.
وهذا هو الفصل الأول من قصة عبادة العجل.
التفسير والبيان:
اتخذ بنو إسرائيل بعد خروج موسى إلى جبل الطور، لمناجاة ربه، على
حسب الموعد الذي وعده الله به، اتخذوا من حلي القبط الذي كانوا استعاروه
منهم، عجلاً جسداً له خوار، أي تمثالاً بصورة العجل وصوته، ثم عبدوه.
وكان بقاء حلي القبط في أيدي بني إسرائيل بعد أن أغرق الله القبط،
وأهلك قوم فرعون.
وقد جمع موسى السامري تلك الحلي، وكان رجلاً مطاعاً فيهم، وصاغ لهم
عجلاً، واتخذوه إلهاً لهم، ثم عبدوه. وإنما نسب إليهم جميعاً؛ لأنه عمل برأي
جمهورهم، ولم ينكر عليه أحد، فصاروا مجمعين عليه، مريدين لاتخاذه،
راضین به.
وكانوا قد سألوا موسى عليه السلام أن يجعل لهم إلهاً يعبدونه، كما لغيرهم
من المصريين والشعوب التي مروا بها في فلسطين آلهة.
واختلف المفسرون على قولين في هذا العجل، هل صار لحماً ودماً له
خوار، أو استمر على كونه من ذهب، إلا أنه يدخل فيه الهواء، فيصوت
كالبقر(١)؟.
قال جماعة مثل قتادة والحسن البصري بالرأي الأول: وهوأن السامري
(١) تفسير ابن كثير: ٢٤٧/٢
١٠٢
الُءُ (٩) - الأَّغراف :: ١٤٨/٧ -١٤٩
رأى جبريل حين جاوز ببني إسرائيل البحر راكباً فرساً، ما وطئ بها أرضاً إلا
حلَّت فيها الحياة، واخضرّ نباتها، فأخذ كفاً من أثرها، فألقاها في جوف ذلك
العجل، فانقلب لحماً ودماً، وظهر منه الخوار مرة واحدة، فقال السامري:
هذا إلهكم وإله موسى !.
وقال أكثر مفسري المعتزلة بالرأي الثاني: إنه كان قد جعل ذلك العجل
مجوّفاً، ووضع في جوفه أنابیب علی شکل مخصوص، وكان قد وضع ذلك
التمثال على مهب الرياح، فكانت الريح تدخل في جوف الأنابيب، ويظهر
منه صوت مخصوص يشبه خوار العجل.
ورأى آخرون أن ذلك الخوار كان تمويهاً يشبه عمل السحرة (الحواة) وذاك
أنه جعل التمثال أجوف، وجعل تحته في الموضع الذي نصب فيه العجل من
ينفخ فيه من حيث لا يشعر به الناس، فسمعوا الصوت من جوفه كالخوار،
والناس يفعلون مثل هذا في النافورات التي تقذف المياه (١).
ثم رد الله على اتخاذهم العجل إلهاً بقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْأَ﴾ أي ألم ينظروا أنه
فاقد لمقومات الإله، فلا يكلمهم ولا يرشدهم إلى خير، ولا يهديهم سبيل
السعادة، فهو تعالى ينكر عليهم ضلالهم وذهولهم عن خالق السماوات
والأرض أن عبدوا معه عجلاً فاقداً صفة الإله الحق، وهي الكلام الذي
يصدر عنه الهداية والإرشاد، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرَجِعُ إِلَيْهِمْ
﴾ [طه: ٨٩/٢٠] ولكن الجهل والعمى
٨٩
قَوْلاً وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرَّ وَلَا نَفْعًا
حجبهم عن إدراك الحقيقة، روى الإمام أحمد وأبو داود عن أبي الدرداء قال:
قال رسول الله وَيقول: ((حبّك الشيء يعمي ويصمّ)). لذا قال تعالى مؤكداً
ضلالهم: ﴿أَتَّخَذُوُهُ وَكَانُواْ ظَلِمِينَ﴾ أي إنهم اتخذوه إلهاً بلا دليل ولا
برهان، بل عن جهل وتقليد لغيرهم، كالمصريين الذين يعبدون العجل:
(١) تفسير الرازي: ٥/١٥ وما بعدها.
١٠٣
لُ (٩) - الأعراف :: ١٤٨/٧ -١٤٩
((أبيس)) والأقوام العاكفين على عبادة الأصنام في فلسطين، فكانوا بذلك
ظالمين لأنفسهم؛ إذ عبدوا مالا ينفعهم، وإنما يضرهم.
ولما عاد موسى من مناجاة ربه أو من الميقات، وكان قد أخبره الله تعالى،
وهو على الطور، باتخاذ قومه عبادة العجل كما قال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا
﴾ [طه: ٨٥/٢٠] لما عاد، ندم بنو إسرائيل
١٨٥
قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُ السَّامِرِىُّ
على ما فعلوا، وهذا هو معنى قوله: ﴿ وَلَّا سُقِطَ فِى أَيدِیهِمْ﴾ ورأوا أنهم قد
ضلوا ضلالاً بعيداً بعبادة العجل، فتابوا واستغفروا ربهم، وقالوا: إن لم
يرحمنا ربنا بقبول توبتنا، ومغفرة ذنبنا، لنكونن من الهالكين، ومن الذين
خسروا سعادة الدنيا وهي الحرية والاستقلال في أرض الموعد، وخسروا
سعادة الآخرة وهي الإقامة في جنات النعيم. وهذا اعتراف منهم بذنبهم
والتجاء إلى الله عز وجل.
فقه الحياة أو الأحكام:
يتبين من الآية أن بني إسرائيل يصعب عليهم الاستقرار على حال واحدة،
وإن كانت هذه الحال من أسعد الأحوال، فهم قوم متناقضون، مترددون،
متحيرون لا يدرون ماذا يفعلون، كثيرو الشكوى والضجر، قليلو الحمد
والشكر على النعمة، نظرتهم أحياناً سطحية ساذجة، وتفكيرهم بدائي متأثر
بالتقليد، والتقليد داء يسري في الأمة كما يسري في الفرد من حيث لا يشعر،
أرادوا تقليد المصريين الذين عاشوا معهم في عبادة الأصنام والأوثان، وأكد
حنينهم للوثنية ما وجدوه من عكوف على الأصنام عند الأقوام الذين سبقوهم
في فلسطین.
ووجد موسى السامري رغبتهم باتخاذ العجل إلهاً، فصاغه لهم بذكائه من
الحلي، ولكنهم لم يفكروا في جدارة العجل للألوهية، وظلموا أنفسهم؛ إذ إن
هذا العجل لا يمكنه أن يكلمهم، ولا يمكنه أن يهديهم إلى الصواب والرشد،
فهو إما جماد وإما حيوان عاجز، وفي الحالين فإنه لا يصلح للألوهية.
١٠٤
الُزُحُ (٩) - الأَّغرافِن: ١٤٨/٧ -١٤٩
ثم تابوا وندموا على سوء فعلهم، واستغفروا ربهم، وطلبوا منه قبول التوبة
والمغفرة على ذنبهم العظيم، وتأكدوا كونهم من الخاسرين إن لم يغفر الله لهم.
وهذا إقرار واضح بالعبودية، واعتراف بألوهية الإله الحق، وفي قراءة حمزة
والكسائي: (لئن لم ترحمنا ربنا وتغفر لنا) معنى الاستغاثة والتضرع والابتهال
في السؤال والدعاء. وفي ذلك أيضاً دلالة على اعترافهم بعظيم الجرم الذي
أقدموا عليه، وأنه لا ملجأ من الله في إقالة عثرتهم إلا إليه.
واحتج أهل السنة بآية: ﴿أَلَمْ يَرَوَأْ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾ على أن من لا يكون
متكلماً ولا هادياً إلى السبيل، لم يكن إلهاً؛ لأن الإله هو الذي له الأمر
والنهي، وذلك لا يحصل إلا إذا كان متكلماً، فمن لا يكون متكلماً لم يصح
منه الأمر والنهي. وبما أن العجل عاجز عن الأمر والنهي لم يكن إلهاً.
وبمناسبة اتخاذ السامري العجل إلهاً لبني إسرائيل يذكر علماء التوحيد
مقارنة لطيفة تدل على أن السعادة والشقاوة في علم الله من الأزل، فموسى بن
عمران عليه السلام ربّاه فرعون، فكان مؤمناً بإلهام من الله تعالى، وموسى
السامري ربّاه جبريل وكان في النهاية كافراً، وقال بعضهم:
إذا المرء لم يُخْلَق سعيداً من الأزلْ فقد خاب من ربى وخاب المؤمَّل
فموسى الذي ربّاه جبريل كافر وموسى الذي رباه فرعون مُرْسَل
وهذا لا يعني أن التربية والتوجيه لا أثر لهما، وإنما للبيئة كما هو معروف
في حديث ((كل مولود يولد على الفطرة)) (١) تأثير كبير، وللتربية دور مهم جداً،
فلولا المربي ما عرفت ربي، ولكن الإرادة الإلهية فوق كل شيء، والله غالب
على أمره، ولله في خلقه شؤون، وله الحكمة العليا، وقد تجنح نفس الإنسان
إلى السوء والفساد والانحراف، بالرغم من حسن التربية ورقابة المربي، كما
نشاهد في بعض أولاد العلماء والصلحاء والأشراف.
(١) رواه أبو يعلى والطبراني والبيهقي عن الأسود بن سريع.
١٠٥
لُ (٩) - الأَغراف: ٧/ ١٥٠-١٥١
غضب موسى وتعنيفه هارون لاتخاذ العجل إلهاً
﴿وَلَنَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ، غَضَْبَنَ أَسِفًا قَالَ بِثْسَمَا خَلَفْتُونِ مِنْ بَعْدِىّ
أَعَجِلْتُمْ أَمَْ رَبِكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيٍّْ قَالَ أَبْنَ أُمَّ إِنَّ
الْقَوْمَ اُسْتَضْعَفُونِ وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِ فَلَا تُشْمِتْ بِىَ الْأَعْدَآءَ وَلَا تَّتْعَلْنِى مَعَ الْقَوْمِ
الظَّالِمِينَ
قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِ وَلِأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكٌ وَأَنْتَ أَرْحَمُ
١٥٠
(١٥)
الرَّحِمِينَ
القراءات:
﴿بِئْسَمَا﴾:
وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً (بيسما).
﴿بَعْدِىٌّ﴾ : قرئ:
١- (بعديَ) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو.
٢- (بعدي) وهي قراءة الباقين.
﴿بَأْسِ﴾:
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً: (براس).
﴿ أَبْنَ أُمّ﴾ : قرئ:
١- (ابن أمِّ) وهي قراءة ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (ابن أمَّ) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿أَبْنَ أُمّ ﴾ أمّ: تقرأ بكسر الميم وفتحها، فمن كسر الميم فعلى الأصل؛ لأن
١٠٦
لُ (٩) - الأَغراف: ٧/ ١٥٠-١٥١
الأصل فيه: أمّي، وتكون فتحة ﴿أَبْنَ﴾ فتحة إعراب؛ لأنه منادى مضاف.
ومن فتح الميم بنى ابن مع أم، وجعلهما بمنزلة اسم واحد، كخمسة عشرَ،
وتكون فتحة ﴿أَبْنَ﴾ فتحة بناء، وليست بإعراب.
المفردات اللغوية:
﴿غَضْبَنَ﴾ بسبب فعل قومه ﴿أَسِفًا﴾ شديد الحزن، ومن استعمال الأسف
بمعنى الحزن قول يعقوب: ﴿يَتَأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤/١٢] وقد
يستعمل الأسف بمعنى الغضب مثل: ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُوْنَا أُنثَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾
[الزخرف: ٥٥/٤٣] قال أبو الدرداء: الأسف: أشد الغضب.
{بِئْسَمَا خَلَفْتُهُونِ﴾ أي بئس خلافة خلفتمونيها من بعد خروجي إلى ميقات
ربي لمناجاته . ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمَْ رَبِّكُمْ﴾ استعجلتم، والعجلة: التقدم بالشيء قبل
وقته أما السرعة فهي عمل الشيء في أول أوقاته ﴿ وَأَلْفَى الْأَلْوَاحَ﴾ طرح ألواح
التوراة غضباً لربه، فتكسرت ﴿ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾ أي بشعره بيمينه، ولحيته
بشماله ﴿يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ غضباً على وجه المعاتبة لا على وجه الإهانة ﴿ أَبْنَ أُمّ﴾
ذكر الأم أعطف لقلبه ﴿وَكَادُواْ﴾ قاربوا ﴿فَلَا تُشْمِتْ﴾ تفرح، والشماتة:
الفرح بالمصيبة، ولا تشمت بي الأعداء: بإهانتك إياي. ﴿ وَلَا تَّجْعَلْنِ مَعَ الْقَوْمِ
اُلَّلِمِينَ﴾ بعبادة العجل في المؤاخذة.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى قصة السامري باتخاذ العجل إلهاً لبني إسرائيل، ذكر
أثر ذلك ووقعه على موسی؛ إذ أنه في حال رجعته، كان غضبان أسفاً، واشتد
أساه وحزنه حين رأى الواقع المؤلم من ضلال قومه وغيهم، فبادر إلى تعنيف
أخيه هارون بسبب عبادة قومه العجل، ولا مه علی سکوته على قومه. وهذا هو
الفصل الثاني من قصة عبادة العجل.
١٠٧
الجُزءُ (٩) - الَغرافية: ٧/ ١٥٠-١٥١
التفسير والبيان:
أخبر الله موسى بفعل بني إسرائيل، وهو على الطور، بقوله: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ
فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُ السَّامِرِىُّ ﴿ فَرَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ
أَسِفَأَ قَالَ يَقَوْرِ أَلَمْ يَعِذْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنَاْ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ
(٨٦) ﴾ [طه: ٢٠ / ٨٥-٨٦].
أَرَدَُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُ مَّوْعِدِى
فكان موسى أثناء رجوعه من الميقات غضبان أسفاً، أي ساخطاً شديد
الحزن والأسى، وقال لقومه: بئسما فعلتم من بعد غيبتي، وبئست الخلافة
التي خلفتموها من بعد ذهابي إلى جبل الطور لمناجاة ربي، حيث عبدتم العجل
واتبعتم السامري، وتركتم عبادة الله وتوحيده، وقد كنت أوضحت لكم
عقيدة التوحيد، وغرست في قلوبكم تلك العقيدة، وطهرت نفوسكم من
الشرك والوثنية، وحذرتكم من ضلال القوم الذين كانوا يعكفون على أصنام
لهم من تماثيل البقر. وكان موسى في ذلك كله شديد الشكيمة، قوي العزيمة،
لقنهم التوحيد الخالص، وأنكر عليهم حين طلبوا منه أن يجعل لهم إلهاً
کغیرهم.
وقال موسى: أعجلتم أمر ربكم؟ أي استعجلتم ميعاد ربكم فلم تصبروا
له، وهو ما وعدكم من الأربعين، وذلك لأنهم قدروا أنه لما لم يأت على رأس
الثلاثين، فقد مات(١)، أي تعجلتم في الحكم علي. قال الزمخشري: المعنى:
أعجلتم عن أمر ربكم، وهو انتظار موسى حافظين لعهده، وما وصاكم به،
فبنيتم الأمر على أن الميعاد قد بلغ آخره ولم أرجع إليكم، فحدثتم أنفسكم
بموتي، فغيرتم كما غيرت الأمم بعد أنبيائهم. وروي أن السامري قال لهم.
حين أخرج لهم العجل: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ [طه: ٨٨/٢٠] إن موسى
لن يرجع وأنه قد مات(٢).
(١) تفسير الرازي: ١١/١٥
(٢) تفسير الكشاف: ٥٧٨/١
١٠٨
لُ (٩) - الْأَّغرافِ :: ٧/ ١٥٠-١٥١
وطرح موسى الألواح من يده، لما اعتراه من فرط الدهشة، وشدة الضجر
عند استماعه حديث العجل، غضباً لله، وحمية لدينه، وكان في نفسه حديداً
(ذا حدة) شديد الغضب، وكان هارون ألين منه جانباً، ولذلك كان أحب إلى
بني إسرائيل من موسى.
وروي أن التوراة كانت سبعة أسباع، فلما ألقى الألواح تكسرت، فرفع
منها ستة أسباعها، وبقي منها سبع واحد، وكان فيما رفع تفصيل كل شيء،
وفيما بقي الهدى والرحمة.
روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله: ((يرحم الله
موسى، ليس المعاين كالمخبَر، أخبره ربه عز وجل أن قومه فتنوا بعده، فلم يلق
الألواح، فلما رآهم وعاينهم ألقى الألواح)).
وأخذ بشعر رأس أخيه يجره إليه بذؤابته، لشدة ما استفزه من الأمر،
وذهب بفطنته، وظناً بأخيه أنه قصر في خلافته، وفرط في كفّ القوم عن عبادة
العجل، ومن حق الخليفة اتباع سيرة سلفه: ﴿قَالَ يَهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْنَهُمْ
[طه: ٩٢/٢٠ -٩٣] أي أن تتبعني
ضَلُّوَأْ ﴿﴿ أَلَّا تَتَِّعَنِّ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى
إلى جبل الطور.
ولقد كان موسى عليه السلام معذوراً فيما فعل فهو غضب للحق، فقد
كان نبينا عليه الصلاة والسلام لا يغضب لنفسه، فإذا انتهكت حرمات الله،
كان أشد ما يكون غضباً لله.
فأجابه هارون قائلاً: يا ابن أمي، لا تتعجل بلومي وتعنيفي واتهامي
بالتقصير في واجبي نحو الله تعالى، فإني أنكرت عليهم، ونصحتهم، ولكن
القوم استضعفوني فوجدوني فرداً واحداً، ولم يلتفتوا إلى كلامي، بل قاربوا أن
يقتلوني.
١٠٩
الُءُ (٩) - الَِّغَرَافِ: ٧/ ١٥٠-١٥١
يا ابن أمي لا تشمت بي الأعداء، أي لا تفعل بي ماهو أمنيتهم من
الاستهانة بي والإساءة إلي، ولا تجعلني في حنقك علي، وعقوبتك لي قريناً لهم
وصاحباً، أو ولا تعتقد أني واحد من زمرة الظالمين لأنفسهم، يعني الذين
عبدوا العجل، مع براءتي منهم ومن ظلمهم.
ولما اعتذر إليه أخوه واستعطف قلبه قال موسى: رب اغفر لي ما قد فرط
مني من قول أو فعل فيهما غلظة وجفوة لأخي، واغفر لأخي ما قد فرط أثناء
خلافته عني، من مؤاخذة القوم على ما ارتكبوه من جرم وإثم، وأدخلنا في
رحمتك الواسعة، فأنت أرحم الراحمين، أي اجعل رحمتك ملازمة لنا لا
تفارقنا في الدنيا والآخرة.
دعا موسى بهذا الدعاء ليرضي أخاه، ويظهر لأهل الشماتة رضاه عنه، فلا
یشمتون به.
ودل ذلك على أن هارون كان دون موسى في شدة العزيمة وقوة الإرادة
وأخذ الأمور بالحزم.
وأرشد اعتذار هارون أنه بريء من جريمة اتخاذ العجل إلهاً، وأنه لم يقصر
في نصحهم والإنكار عليهم، وقد غفر الله له. وهذا مخالف لما في التوراة أن
هارون هو الذي صنع العجل لهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
تختلف أحوال الناس وطبائعهم في سياسة الآخرين والاحتكاك بهم،
فمنهم الحاد الطبع، السريع الانفعال كموسى عليه السلام، الذي غضب
للحق، وهو محق فيما فعل، ومتوقع منه كل ما فعل، ومنهم الهادئ الطبع،
اللين العريكة، الحليم مثل هارون عليه السلام الذي لم يأل جهده في الإنكار
على قومه، ولكنهم لم يرعووا لِنُصحه وهُّوا بقتله.
٠
١١٠
الُ (٩) - الأَغَافِن: ٧/ ١٥٠-١٥١
ولم يغضب موسى لخبر ربه غضباً مماثلاً لما شاهده من الواقع المر؛ لأنه
ليس الخبرُ كالعِيان، والشاهد يتألم ويتأثر عادة أكثر مما يتأثر به الغائب؛ لأن
الشاهد يرى مالا يراه الغائب.
وكل هذه أحوال نفسية فطرية، لا سلطان للإنسان عليها، ومن المعروف
أن الأمور الجبليّة من غضب وسرور ونحوهما لسنا مكلفين بها.
أما إلقاء موسى الألواح فكان بسبب دهشته واستفزازه ومن غير شعور منه
تأثراً بما رأى، ففعل ما فعل، ولم يدر ما صنع. ولم يتعمد كسر الألواح، بل
كان في غيبة وانفعال شديد، حتى لو كان بين يديه بحر من نار خاضه.
وأما أخذه برأس أخيه يجره إليه من شعره ولحيته فلا يتنافى مع عصمة
الأنبياء؛ لأنه لم يفعل ذلك على سبيل الإهانة والإذلال والاستخفاف، وإنما
على سبيل الإكرام والتعظيم، كما تفعل العرب عادة من قبض الرجل على لحية
أخيه إكراماً وتعظيماً. ولكن هارون كره ذلك لئلا يظن بنو إسرائيل أنه أهانه.
وكان هارون أكبر من موسى عليهما السلام بثلاث سنين، وأحب إلى بني
إسرائيل من موسى؛ لأنه كان ليِّن الغضب. ثم إن موسى فعل ذلك بأخيه؛ لظنه
أو توهمه أن هارون مائل مع بني إسرائيل فيما فعلوه من أمر العجل، ومثل
هذا الميل لا يجوز على الأنبياء.
وزال الإشكال باعتذار هارون أن عبدة العجل استضعفوه، وقاربوا
يقتلونه، فقبل موسى عذره ودعا له ولأخيه بالمغفرة وطلب الرحمة، المغفرة له
على ماكان من الغضب الذي ألقيت من أجله الألواح، والمغفرة لأخيه لما ظنه
أنه مقصّر في الإنكار عليهم، وإن لم يقع منه تقصير، أي اغفر لي طرح
الألواح، ولأخي إن قصر.
قال الحسن البصري: عبد كلهم العجل غير هارون، إذ لو كان ثَمَّ مؤمن
غير موسى وهارون، لما اقتصر على قوله: رب اغفر لي ولأخي، ولدعا لذلك
المؤمن أيضاً.
١١١
لُزُ (٩) - الأَغرافِ :: ١٥٢/٧-١٥٣
وإنما أقام هارون ولم يتبع أخاه موسى إلى الطور، خوفاً على نفسه من
القتل، فدلت الآية على أن من خشي القتل على نفسه عند تغيير المنكر له أن
یسکت.
قال ابن العربي: هذا دليل على أن الغضب لا يغير الأحكام، كما زعم
بعض الناس، فإن موسى عليه السلام لم يغيّر غضبُه شيئاً من أفعاله، بل
اطّردت على مجراها من إلقاء لوح، وعتاب أخ، وصكّ ملَك(١). قال
المهدوي: لأن غضبه كان الله عز وجل، وسكوته عن بني إسرائيل خوفاً أن
يتحاربوا ويتفرقوا.
وكان موسى لشدة حدته فيما رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة، أنه لما
أرسل ملَك الموت إليه، صكَّه صكّة، ففقأ بها عينه، فرجع إلى ربه، فقال:
أرسلتني إلى عَبْد لا يريد الموت، فقال: ارجع إليه، فقل له: يضع يده على
مَثْن ثور، فله بكل شعرة سنة، قال: أي رب، ثم ماذا؟ قال: الموت، قال:
فالآن .. الحديث.
جزاء الظالمين باتخاذ العجل وقبول توبة التائبين
﴿إِنَّ الَّذِينَ أُمَّخَذُواْ أَلْعِجْلَ سَيَنَاهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَزِلَةٌ فِ الْحَوَةِ الدُّنْيَاً
وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِنْ بَعْدِهَا وَءَامَنُواْ إِنَّ
١٥٢
وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُفْتَرِينَ
١٥٣
رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
الإعراب:
﴿ اَّخَذُواْ الْعِجْلَ﴾ المفعول الثاني محذوف، والتقدير: اتخذوا العجل إلهاً
ومعبوداً.
(١) أحكام القرآن: ٧٨٣/٢
١١٢
الُ (٩) - الأَغرافِ :: ١٥٢/٧-١٥٣
{وَالَّذِينَ عَمِلُواْ﴾ ﴿ وَلَّذِينَ﴾: مبتدأ مرفوع، والجملة من ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا
لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ باسمها وخبرها في موضع رفع، خبر المبتدأ.
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ﴾ إلهاً ﴿سَيَنَاهُمْ غَضَبٌ﴾ عذاب وهو ما أمروا
به من قتل أنفسهم، أي قتل بعضهم بعضاً، كما تقدم في سورة البقرة . ﴿ وَزِلَّةٌ
فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ شعور بهوانهم على الناس، واحتقارهم لهم، وخروجهم من
ديارهم ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي كما جزيناهم ﴿نَجْزِى الْمُفْتَرِينَ﴾ على الله بالإشراك
وغيره
﴿ثَُّّ تَابُواْ﴾ رجعوا عن السيئات ﴿وَءَامَنُواْ﴾ بالله ﴿مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي
التوبة ﴿لَغَفُورٌ﴾ لهم ﴿َزَّحِيمٌ﴾ بهم.
المناسبة:
الربط بين هذه الآيات وما قبلها واضح، فبعد أن ذكر تعالى عتاب موسى
لأخيه هارون عليهما السلام، ثم استغفاره لنفسه ولأخيه، ذكر جزاء الظالمين
باتخاذ العجل إلهاً ومعبوداً، وقبول توبة التائبين. وهذا هو الفصل الثالث من
قصة عبادة العجل.
التفسير والبيان:
إن الذين اتخذوا العجل من بني إسرائيل إلهاً ومعبوداً بعد غيبة رسولهم
موسى عليه السلام، وبقوا على تأليهه واستمروا على عبادته كالسامري
وأتباعه، سيصيبهم عذاب شديد من ربهم، وهو المذكور في سورة البقرة، وهو
أن الله تعالى لن يقبل توبتهم حتى يقتتلوا، ويقتل بعضهم بعضاً: ﴿فَتُوبُوا إِلَى
بَارِيَّكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِيِكُمْ فَثَابَ عَلَيْكُمَّ إِنَّهُ هُوَ النَّوَّابُ
الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٥٤/٢].
وسينالهم أيضاً ذلة وصغار في الحياة الدنيا، بخروجهم من ديارهم
١١٣
الجُزُ (٩) - الَّيْرَافِن: ١٥٢/٧-١٥٣
وتشردهم، وهوانهم على الناس واحتقارهم لهم، وتهالكهم على حب الدنيا،
فهم الماديون المنبوذون المكروهون في كل أمة، وتلك هي ذلة عظيمة المعني،
ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ﴾
[البقرة: ٦١/٢] والذلة بمعناها القريب والبعيد. وأما قيام دولتهم في فلسطين
فهي محنة للمسلمين، فربما أناس سُلِّط عليهم من هو شر لهم، وقد أثبتت
الدراسات العلمية أن بقاء دولة الصهاينة في فلسطين شيء مستحيل، ولا
تؤيده الظروف والقرائن المشاهدة، وقد بشرت الأحاديث النبوية بقتلهم
وطردهم منها، ولكل أجل كتاب.
ومثل ذلك الجزاء الذي نزل بالظالمين من بني إسرائيل في الدنيا نجزي القوم
المفترين على الله في كل زمان، والمعنى: أن كل مفتر في دين الله جزاؤه غضب
الله والذلة في الدنيا.
ويشمل ذلك كل من افترى بدعة وخالف الرشاد، وقال الحسن البصري:
إن ذل البدعة على أكتافهم، وإن هُمْلَجَت بهم البغلات، وطقطقت بهم
البراذین(١).
وروي عن أبي قلابة الجرمي أنه قرأ هذه الآية: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُفْتَرِينَ﴾
فقال: هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة.
وقال سفيان بن عيينة: كل صاحب بدعة ذليل
٠
(٢)
ومن عادة القرآن مقابلة الأشياء بأضدادها، فبعد أن ذكر جزاء الظالمين،
فتح باب الأمل أمام التائبين، فنبه الله تعالى عباده وأرشدهم إلى أنه يقبل
توبتهم من أي ذنب كان، حتى ولو كان من كفر أو شرك أو نفاق أو شقاق،
(١) تفسير ابن كثير: ٢٤٨/٢
(٢) المرجع والمكان السابق.
١١٤
الجُزءُ (٩) - الَّغرافي: ١٥٢/٧-١٥٣
فقال: ﴿ وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ﴾ أي والذين ارتكبوا الأعمال السيئة والمعاصي
المنكرة شرعاً وعلى رأسها الكفر والشرك، ثم تابوا أي رجعوا من بعدها إلى
الله، بأن آمن الكافر، وأقلع العاصي عن عصيانه، واستقام المؤمن على منهج
ربه، وآمنوا إيماناً خالصاً من الشوائب، وقرنوا الإيمان بالعمل الصالح، إن
ربك یامحمد من بعد تلك الفعلة لغفور لهم، ستار لذنوبهم، رحيم بهم يجزي
بالحسنة عشر أمثالها، ويكافئ على القليل بالجليل الكثير.
سئل ابن مسعود عن الرجل يزني بالمرأة ثم يتزوجها، فتلا هذه الآية:
﴿وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِنْ بَعْدِهَا وَءَامَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ
رَّحِيمٌ (6)﴾ فتلاها عبد الله عشر مرات، فلم يأمرهم بها ولم ينههم عنها.
وهذا يفيد أن من عمل السيئات فلابد وأن يتوب عنها أولاً، وذلك بأن
يتركها ويرجع عنها، ثم يؤمن بعد ذلك، يؤمن بالله تعالى، ويصدق بأنه لا إله
غيره. وهذه الآية تدل على أن جميع السيئات قابلة للغفران بالتوبة، وهذه
بشارة عظمى للمذنبین.
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيتان مبدأين مهمين: مبدأ العدل في العقاب، ومبدأ الرحمة
بالعصاة التائبين.
أما المبدأ الأول - وهو عدالة العقاب فهو ما قامت عليه شريعة الله، فمن
أشرك بالله إلهاً آخر، كما فعل بنو إسرائيل في غيبة موسى عليه السلام، فهو
ظالم لنفسه، يستحق غضب الإله عليه، ومصاحبة الذلة والهوان له في الحياة
الدنيا. ومن ابتدع شيئاً ليس في دين الله فهو مفترٍ يناله من الجزاء مثل جزاء
الظالمين الكافرين؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُفْتَرِينَ﴾ أي المبتدعين، قال
الإمام مالك رحمه الله: مامن مبتدع إلا وتجد فوق رأسه ذلّة.
١١٥
المُرُ (٩) - الأَغراف: ١٥٤/٧
وينطبق ذلك على الناس كلهم في الماضي والحاضر والمستقبل، فهو يشمل
فعلة بني إسرائيل في عهد موسى عليه السلام، وكل من رضي بفعلهم كاليهود
في زمن النبي ◌َّ، وفي كل زمن على ممر الأجيال.
وأما المبدأ الثاني - مبدأ الرحمة بالعصاة التائبين فهو فضل عظيم من الله
تعالى على هذه الأمة المسلمة وعلى الأمم كلها، ففي الآية خبر قاطع وقرار
حاسم وحكم دائم وهو أن الله يقبل توبة التائب من الشرك وغيره من
المعاصي؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّبِّئَاتِ﴾ يشمل الكفر وسائر
المعاصي. ورحمة الله سبقت غضبه، ورحمته وسعت كل شيء، فمن آمن بالله
رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وبالقرآن دستوراً، وتاب من كفره أو
معصيته، وعمل صالحاً فإن الله من بعد توبته غفور له رحيم به.
نهاية قصة اتخاذ العجل إلهاً
﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ تُمُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ اُلْأَلْوَاحٌ وَفِي نُشْخَتِهَا هُدَى وَرَحْمَةٌ
١٥٤
لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِهِمْ يَزْهَبُونَ
الإعراب:
﴿ وَلَمَّا سَكَتَ﴾ (لمّا): ظرف زمان، ويفتقر إلى جواب، وجوابها ﴿أَخَذَ
اَلْأَلْوَاحٌ﴾ وهو العامل فيها.
﴿وَفِ نُتَّخَتِهَا هُدَى﴾ مبتدأ وخبر في موضع نصب على الحال من
اُلْأَلْوَاحَ﴾ والعامل فيه ﴿أَخَذَ﴾.
﴿لِرَبِهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ أدخل اللام على المفعول لتقدمه.
البلاغة:
﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن ◌ُوسَى الْغَضَبُ﴾ استعارة مكنية، شبه الغضب بإنسان
١١٦
الجُزُ (٩) - الْأَّغرافِن: ١٥٤/٧
ثائر يرعد بصوته، طالباً الانتقام، ثم حذف المشبه به، وصرح بشيء من لوازمه
وهو: ﴿سَكَتَ﴾ أي اختفى الصوت. وهو تشبيه لطيف رائع بليغ.
المفردات اللغوية:
﴿سَكَتَ﴾ سكن، والسكوت لغة: ترك الكلام، نسب إلى الغضب على
طريقة تصويره بصورة شخص ثائر يأمر وينهى. قال الزمخشري: هذا مثل كأن
الغضب كان يغريه على ما فعل، ويقول له: قل لقومك كذا، وألق الألواح،
وجرّ برأس أخيك إليك، فترك النطق بذلك وقطع الإغراء.
﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحٌ﴾ التي ألقاها ﴿وَفِي نُشْخَتِهَا﴾ أي ما نسخ أو كتب فيها
﴿هُدَّى﴾ بيان للحق من الضلالة ﴿ وَرَحْمَةٌ﴾ بالإرشاد إلى الخير والصلاح.
﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ يخافون، والرهبة: أشد الخوف.
المناسبة:
لما بَيَّن الله تعالى لنا ماكان من موسى حال الغضب، وانقسام قومه قسمين:
مصر على عبادة العجل، وتائب إلى الله من ذلك، بيَّن في هذه الآية ماكان منه
عند سكوت الغضب، وسكون النفس وهدأة البال. وإذا كان موسى سريع
الغضب حاد الطبع، فهو أيضاً سريع العودة إلى الحلم حينما يعود الحق إلى
نصابه، ويعدل الظالم عن ظلمه.
وهذا هو الفصل الرابع والأخير من قصة عبادة العجل.
التفسير والبيان:
ولما سكن غضب موسى على قومه، وهدأت نفسه بتوبة أكثرهم، أخذ
الألواح التي كتبت فيها التوراة، والتي كان ألقاها من شدة الغضب على
عبادتهم العجل، غيرةً لله وغضباً له، فوجد فيها هدى للحيارى، ورحمة
١١٧
لُ (٩) - الأَغْرَافِ: ٧ /١٥٤
بالعصاة التائبين الذين يخافون من ربهم أشد الخوف على ما يصدر منهم من
ذنوب، ويخشون عذابه وحسابه. وقد ضمَّن الرهبة معنى الخضوع، فعداها
باللام.
ذكر ابن عباس: أنه لما تكسرت الألواح صام موسى أربعين يوماً، فرُدَّت
عليه، وأعيدت له تلك الألواح في لوحين، ولم يفقد منها شيئاً. قال القشيري:
فعلى هذا: ﴿وَفِ نُتَّخَتِهَا هُدَى﴾ أي وفيما نسخ من الألواح المتكسرة، ونقل
إلى الألواح الجديدة هدىً ورحمةٌ. وقال عطاء: وفيما بقي منها. وذلك أنه لم
يبق منها إلا سبعها، وذهب ستة أسباعها. ولكن لم يذهب من الحدود
والأحكام شيء.
فقه الحياة أو الأحكام:
الحلم سيد الأخلاق، فحينما هدأت نفس موسى عليه السلام، وعاد إلى
أناته وحلمه، أخذ يتدارس الألواح التي كتبت فيها التوراة، فوجد فيها بيان
الحق من الضلال، والهدى من الانحراف، والرحمة من العذاب، ببيان وجه
الرشاد وسلوك طريق الخير والصلاح، لمن كان يخاف ربه ويخشى عقابه.
وفي ضوء ماوجد فيها من حدود وأحكام، أخذ يرشد قومه إلى مافيها،
ويحملهم على العمل بها؛ لأنها شريعة الله لبني إسرائيل. وتلك هي فترة
الاستقرار في حياة موسى على ما يظهر لنا، بعد أن مرّ بتقلبات وأحوال شديدة
التأثير، كاد بها يخسر إيمان قومه برسالته إلى الأبد، لولا عودته إلى النصح
والإرشاد بما نزل في التوراة.
١١٨
لُ (٩) - الأَغْرَافِ: ١٥٥/٧
اختيار موسی سبعين رجلاً
لميقات الكلام والرؤية ومناجاته ربه
(وَأَخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَئِنَّا فَلَمَّآ أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبٍ لَوْ
شِئْتَ أَهْلَكْنَهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّ أَنْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَآءُ مِنَّاْ إِنْ هِىَ إِلَّا فِئْنَتُكَ
تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَفِرِينَ
٢١٥٥
القراءات:
[شِئْتَ﴾:
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (شيت).
الَشَاءُ أَنْتَ﴾ :
بإبدال الهمزة الثانية واواً خالصة (تشاء ونت) قرأ: نافع، وابن كثير، وأبو
عمرو.
وقرأ الباقون بالتحقيق.
الإعراب:
{وَأَخْثَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾: ﴿قَوْمَهُ﴾، و﴿سَبْعِينَ﴾: منصوبان
باختار، إلا أنه تعدى إلى ﴿سَبْعِينَ﴾ من غیر تقدیر حذف حرف جر، وتعدی
إلى ﴿قَوْمَهُ﴾ بتقدير حذف حرف جر، والتقدير فيه: واختار موسى من قومه
سبعین رجلاً، فحذف حرف الجر، فتعدی الفعل إلیه.
البلاغة:
﴿تُضِلُ﴾ و﴿ وَتَهْدِى﴾ بينهما طباق.
١١٩
المُعُ (٩) - الأَغراف: ١٥٥/٧
المفردات اللغوية:
{وَأَخْثَرَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ أي اصطفى من قومه ﴿سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ أي ممن لم
يعبدوا العجل في رأي أكثر المفسرين، اختارهم بأمره تعالى ﴿لِّمِيقَئِنّ﴾ للوقت
الذي وعدناه بإتيانهم فيه، ليعتذروا من عبادة أصحابهم العجل ﴿فَلَمَّآ أَخَذَتْهُمُ
الرَّجْفَةُ﴾ أي فخرج بهم، فلما أصابتهم الصاعقة أو الزلزلة الشديدة التي
هزت القلوب والأبدان ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلگنھُم مِّن قَبْلُ﴾ أي قبل خروجي بهم،
ليعاين بنو إسرائيل ذلك ولا يتهموني.
(أَخْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الشُّفَهَاءُ مِنََّ﴾ استفهام استعطاف، أي لا تعذبنا بذنب
غيرنا . ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا فِئْنَئُكَ﴾ أي ماهي أي الفتنة التي وقع فيها السفهاء إلا
اختبارك وابتلاؤك وامتحانك ﴿مَنْ تَشَآءُ﴾ إضلاله ﴿مَن تَشَاءُ﴾ هدايته ﴿أَنْتَ
وَلِيُّنَا﴾ متولي أمورنا.
المناسبة:
هذه الآية استمرار في بيان ماحدث لموسى عليه السلام أثناء مناجاة ربه،
فقد بدأ الله تعالى قصة ميقات الكلام وطلب الرؤية بقوله: ﴿وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى
لِيقَئِنَا﴾ ثم استطرد لبيان قصة عبادة العجل، ثم عاد لإتمام ما حدث في ذلك
الميقات، فهو ميقات الكلام والرؤية نفسه، وليس ميقاتاً آخر، كما رجح
الرازي؛ لأنه تعالى قال: ﴿ وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَئِنَا﴾ ثم قال: ﴿وَأَخْتَرَ مُوسَى
قَوْمَلُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَئِنَا﴾ فدل على أن المراد بهذا الميقات هو عين ذلك
الميقات(١).
التفسير والبيان:
أوحى الله إلى موسى أن يختار معه لميقات الكلام والرؤية سبعين رجلاً من
(١) تفسير الرازي: ١٧/١٥ - ١٨
١٢٠
لُزْءُ (٩) - الأَغرافِن: ١٥٥/٧
قومه بني إسرائيل، ففعل، وأتى بهم للميقات الذي وقَّته الله تعالى وهو مكان
في جبل الطور: طور سيناء حيث ناجى ربه، وقد أمرهم أن يصوموا،
ويتطهروا، ويطهروا ثيابهم.
والظاهر من ترتيب سرد الآيات أن اختيار هذا العدد كان عند طلب موسى
رؤية الله عز وجل قبل اتخاذ عبادة العجل، وذلك ليكون سماعهم مناجاة
موسى ربه دليلاً على صدقه، فلما أتوا ذلك المكان قالوا: ياموسى، لن نؤمن
لك حتى نرى الله جهرة، فإنك قد كلمته فأرناه، فأخذتهم رجفة الجبل
وصعقوا حينما ألحوا في طلب الرؤية.
ولم تكن تلك الرجفة موتاً، ولكن القوم لما رأوا تلك الحالة المهيبة،
أخذتهم الرعدة ورجفوا، وخاف موسى عليه السلام الموت، فعند ذلك بكى
ودعا، فكشف الله عنهم تلك الرجفة. قال وهب: ما ماتوا، ولكن أخذتهم
الرجفة من الهيبة حتى كادت أن تَبين مفاصلُهم، وخاف موسى عليهم الموت.
ولما أخذتهم الرجفة قال موسى: رب أتمنى لو كانت مشيئتك قد سبقت
بإهلاكهم قبل هذا الوقت وقبل خروجهم معي إلى هذا المكان، أي حين طلب
الرؤية، وأهلكتني معهم كذلك قبل أن أرى ما رأيت من رعدتهم، كيلا
أحرج مع قومي، فيقولوا: قد ذهبت بخيارنا لإهلاكهم.
ثم أردف موسى قائلاً: ﴿أَهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَآءُ مِنَّاً﴾ أي حيث طلبوا
الرؤية لك جهاراً لسماعهم كلامك، وهو قولهم: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ أي لا
تهلكنا بما فعل السفهاء منا من العناد وسوء الأدب.
وما هي إلا فتنتك أي ابتلاؤك واختبارك وامتحانك حين كلمتني، فسمعوا
كلامك وطلبوا الرؤية، فليس الأمر إلا أمرك، وما الحكم إلا لك، فما شئت
كان، تضل بالمحنة من تشاء من عبادك وهم الجاهلون غير المتثبتين في معرفتك،
ولست بالظالم لهم أبداً في تقديرك، بل هذا موافق لطبعهم وكسبهم