النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
الُرُ (٩) - الَّغرافي: ١٣٠/٧-١٣٣
الأنفس والأرزاق ﴿يَطَّيِّرُواْ﴾ يتشاءموا ويتطايروا، وأطلق التّطيُّر على
التَّشاؤم أخذاً بعادة العرب في زجر الطّير، فكانوا يتأمّلون الخير إذا طار
الطائر يميناً ويسمّونه (السّانح) ويتوقّعون الشّرّ إذا طار شمالاً، ويسمّونه
(البارح) ﴿طَهِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾ ما قضي لهم وقدّر، والمراد به أن شؤمهم: هو
عقابهم الموعود به في الآخرة. وعند الله: أي يأتيهم به ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا
يَعْلَمُونَ﴾ أنّ ما يصيبهم به من عنده.
﴿اُلُوفَانَ﴾ هو ماء دخل بيوتهم، ووصل إلى حلوق الجالسين سبعة أيّام.
﴿وَالْجَرَادَ﴾ طائر معروف يأكل النبات، وقد أكل زرعهم وثمارهم أيضاً.
﴿ وَالْقُمَّلَ﴾ هو السُّوس الذي ينخر الحنطة، وقيل: هو الدّود أو القراد الذي
يأكل الزرع، ويتبع ما أكله الجراد ﴿ وَالضَّفَادِعَ﴾ المعروفة، فملأت بيوتهم
وطعامهم ﴿ وَالدَّمَ﴾ هو الرّعاف، وقيل: هو دمّ كان يحدث في مياه المصريين.
﴿مُفَصَّلَتٍ﴾ بِيِّنَات ﴿فَاسْتَكْبَرُواْ﴾ عن الإيمان بها.
التفسير والبيان:
هذا هو الفصل الثّامن من قصّة موسى مع فرعون، وهو فصل الجزاء
والعقاب أو الآيات التي أنزلها الله على فرعون وقومه، فبعد أن بشَر موسى
عليه السّلام قومه بإنزال العذاب على فرعون وقومه بقوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ
يُهْلِكَ عَدُوَكُمْ﴾ ذكر هنا ألوان العذاب قبل حلول عذاب الاستئصال،
للتّحذير والزّجر وتنبيه السَّامعين من خطر الكفر والتكذيب. وأما عذاب
الاستئصال فهو إغراق فرعون في اليم ونجاة بني إسرائيل.
وقد ذكر الله تعالى في سورة الإسراء أن الآيات أي آيات العقاب تسع،
بقوله: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُؤْسَى تِسْعَ ءَايَاتٍ بَيِّنَتِّ﴾ [١٠١].
وذكر هنا سبع آيات، ويضاف إليها المذكور في سورة يونس، وهو:
وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَاْ إِنَّكَ ءَاتَّيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَّهُ زِينَةٌ وَأَمْوَلَا فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَُّ

٦٢
الُ (٩) - الأَغراف: ١٣٠/٧ -١٣٣
رَبَّنَا لِيُضِلُواْ عَن سَبِيلِكٌ رَبَّنَا أَطْمِسْ عَلَّ أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ
[٨٨]، والطّمس على الأموال: هو محقها
(M)
حَتَّى يَرَوَّأْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ
وهلاكها.
وفشَر البيضاوي الآيات التّسع بأنها آيات أُرسل بها موسى إلى بني
إسرائيل، وهي أحكام أُمروا بالأخذ بها آيات عقاب، عوقب بها فرعون
وجنوده، وهي: العصا، واليد، والجراد، والقمل، والضفادع، والدّم،
وانفجار الماء من الحجر، وفلق البحر، ونتق الطّور على بني إسرائيل. وقيل:
الطّوفان، والسّنون، ونقص الثَّمرات؛ مكان الثّلاث الأخيرة.
والواقع أنّ فلق البحر إنّما كان بعد تمام الآيات، وانبجاس الحجر بالماء إنما
كان بعد هلاك فرعون، فلا يصحّ أن يكون آية لفرعون وقومه. وأمّا العصا
واليد فهما معجزتان لموسى عليه السّلام، وليستا آيتي عذاب. فيكون في
تقديري مجموع الآيات هكذا: السّنون، نقص الأموال، نقص الأنفس،
نقص الثّمرات، الظُّوفان، الجراد، القُمَّل، الضّفادع، الدّم(١). سبع منها
مذكور هنا في سورة الأعراف، وواحدة مذكورة في سورة يونس، كما أبنت،
أمّا نقص الأنفس فهو ناجم عادةً عن الجدب، ونقص الثِّمار، والطوفان،
قال مجاهد وعطاء: الطُوفان: الموت.
. ومعنى الآيات هنا: ولقد اختبرنا آل فرعون وامتحنّاهم وابتليناهم بسنين
الجوع بسبب قلّة الزّروع، أي في البادية، وبنقص الثَّمرات، أي في الأمطار،
قال رجاء بن حيوة: ((كانت النّخلة لا تحمل إلا ثمرة واحدة))، ثم قال تعالى:
﴿ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي ليتذكّروا ويتّعظوا ويرجعوا عن كفرهم وتكذيبهم
لآيات الله وعن ظلمهم لبني إسرائيل، ويؤمنوا بالله ربّاً، ويستجيبوا لدعوة
موسى عليه السّلام؛ لأنّ من سنّته تعالى أن يرسل الزّواجر تنبيهات، ودلّت
(١) قصص الأنبياء للنّجار: ص ١٩٨

٦٣
الُ (٩) - الأَغرافِ :: ١٣٠/٧-١٣٣
التّجارب على أنّ الشَّدائد تليّن النّفوس، فتكون المصائب والآفات ونقص
الثَّمرات سبباً في رجوع الناس إلى الله تعالى، فإن عادوا إلى ربهم واهتدوا كان
الخير والرّخاء، وإن أعرضوا كان القحط والجدب والهلاك المحتوم، وقد
أعرض آل فرعون عن الاستجابة لدعوة موسى بعد أن أنذرهم، فكانوا من
الهالكين.
ثم بَيَّن الله تعالى أنّ المصائب زادت آل فرعون عتوّاً وبغياً، فقال: ﴿فَإِذَا
جَآءَ تْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ أي إذا جاءهم الخصب والرّزق وزيادة الثِّمار والمواشي
قالوا: لنا هذه، يعني هذا لنا بما نستحقّه من العمل والمعرفة والتّفوّق، وإن
أصابتهم سيئة، أي جدب وقحط، تشاءموا بموسى ومن معه، وقالوا: هذا
بسببهم وما جاؤوا به، وغفلوا عن واجب شكر نعمة الله، وعن سيئاتهم
وفساد أعمالهم وشرور أنفسهم، كما قال تعالى في حقّ النَّبِي وَّ: ﴿ وَإِنِ
تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ، مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِهِ مِنْ عِندَِكَ
قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨/٤].
ثم ردّ الله عليهم بقوله: ﴿أَلََّ إِنَّمَا طَهِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾ أي إن كل ما يصيبهم
من خير أو شرّ، فهو بقضاء الله وقدره، فالله جعل الخير ابتلاء ليعرف الشاكر
من الجاحد، وجعل الشّر ابتلاء أيضاً ليعرف الصابر من الساخط، وليرجع
أهل الغي والفساد عن غيِّهم وفسادهم، ويقلعوا عن طغيانهم وضلالهم. والله
تعالى أيضاً جعل أعمال العباد سبباً لما ينزل بهم من خير وشرّ غالباً. قال
الزّمخشري(١) في تفسير ﴿طَِّرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾: أي سبب خيرهم وشرّهم عند
الله، وهو حكمه ومشيئته، والله هو الذي يشاء ما يصيبهم من الحسنة
والسَّيئة، وليس شؤم أحد ولا يمنه بسبب فيه، كقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلُّ مِّنْ عِندِ
اللَّهِ﴾ ويجوز أن يكون معناه: ألا إنما سبب شؤمهم عند الله، وهو عملهم
(١) الكشاف: ٥٦٨/١ - ٥٦٩

٦٤
لِجُ (٩) - الَّغرافي: ١٣٠/٧-١٣٣
المكتوب عنده الذي يجري عليهم ما يسوؤهم لأجله، ويعاقبون عليه بعد
موتهم بما وعدهم الله في قوله سبحانه: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ [غافر: ٤٠/
٤٦].
ولكن أكثر الناس لا يعلمون حكمة الله في تصريف الكون، ولا يعلمون
كيفية ارتباط الأسباب بالمسببات، ولا أن الأمور تجري بالمقادير، وأنّ كل
شيء عنده بمقدار، فليس الشؤم بسبب موسى وقومه، وإنما بسبب سوء
العمل، وبمقتضى النظام الإلهي في قانون السَّبية المذكور.
وفضلاً عن أن كلّاً من الحسنات والسيئات لم تذكّرهم بما يجب عليهم نحو
ربِّهم، فإنهم تمرّدوا وعتوا، وعاندوا الحق، وأصرّوا على الباطل بقولهم
لموسى: إن أي آية جئتنا بها، وأي حجّة ودلالة أظهرتها لنا، وأثبتها لإقناعنا
وصرفنا عما نحن عليه من ديننا، رددناها ولم نقبلها منك، ولا نؤمن بك ولا
بما جئت به، ولا نصدّق برسالتك وقولك أبداً.
لذا عاقبهم الله على كفرهم وتكذيبهم وجرائمهم، فأرسل عليهم الطوفان:
وهو كثرة الأمطار المتلفة الزروع والثمار، كما قال ابن عباس، فالطّوفان: ما
طاف بهم وغلبهم من مطر أو سيل.
وأرسل عليهم الجراد، فأكلت كل زروعهم وثمارهم، ثم أكلت كل شيء،
حتى الأبواب وسقوف البيوت والثياب. ولم يدخل بيوت بني إسرائيل منها
شيء، ففزعوا إلى موسى، فكشف عنهم بعد سبعة أيام. خرج موسى عليه
السّلام إلى الفضاء، فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب، فرجع الجراد إلى
النّواحي التي جاء منها، فقالوا: ما نحن بتاركي ديننا.
فأقاموا شهراً، فسلّط عليهم القُمَّل: وهو كبار القراد، أو السّوس، فأكل
ما أبقاه الجراد، وَس الأرض، أو صغار الذّباب أو البراغيث أو القمل
المعروف الذي يلدغ وبمصّ الدّم، أي أنّه سلّط عليهم بعد الجراد من الآفات

٦٥
الُ (٩) - الَّغراف: ١٣٠/٧-١٣٣
الزراعية من صغار الذّر كالدودة، فأكلت الزّروع واستأصلت كل شيء
أخضر. ثم فزعوا إلى موسى فكشف عنهم، ثم عادوا إلى ما كانوا عليه.
فأرسل الله الضّفادع، فدخلت بيوتهم، وامتلأت منها آنيتهم وأطعمتهم،
وكان الرجل إذا أراد أن يتكلم وثبت الضفدع إلى فمه، وامتلأت منها
مضاجعهم فلا يقدرون على الرّقاد، وكانت تقذف بأنفسها في القدور وهي
تغلي، وفي التنانير وهي تفور، فشكوا إلى موسى، وقالوا: ارحمنا هذه المرة،
فما بقي إلا أن نتوب التوبة النصوح، ولا نعود، فأخذ عليهم العهود، ودعا
فكشف الله عنهم، ثم نقضوا العهد.
فأرسل الله عليهم الدّم، أي تحوّلت مياههم إلى دم، فكانوا إذا ما استقوا
من الأنهار والآبار، وجدوه دماً عبيطاً، فشكوا إلى فرعون، فقال: إنه قد
سحركم، فكان يجمع بين القبطي والإسرائيلي على إناء واحد، فيكون ما يلي
الإسرائيلي ماء، وما يلي القبطي دماً.
كل ذلك آيات مفصّلات أي واضحات بيِّنات ظاهرات، لا يُشْكِلُ على
عاقل أنها من عند الله، ولا يقدر عليها غيره، وأنها عبرة ونقمة على كفرهم،
وهي دالّة على صدق موسى؛ إذ قد توعّدهم بوقوع كل واحدة منها تفصيلاً.
أما فرعون وقومه فظلّوا على عنادهم وكبريائهم فاستكبروا عن عبادة الله،
ولم يتّعظوا، وكانوا قوماً مجرمين في حقّ أنفسهم وغيرهم، مصرّين على الجرم
والذّنب.
فقه الحياة أو الأحكام:
ترشد الآيات في الجملة إلى قانون السَّببيّة: وهو ربط الأسباب بالمسيّبات
والنتائج على حسب مشيئته تعالى، وإلى أن ما يتعرّض له الناس من آفات
زراعية ومصائب فهو بسبب أعمالهم.

٦٦
الُعُ (٩) - الَّغَرَافِي: ١٣٠/٧-١٣٣
وأما تفصيلاً فدلّت الآيات على أنه تعالى إنما أنزل عليهم هذه المضار،
لأجل أن يتركوا العناد والتَّمرد، ويرجعوا إلى الانقياد والعبودية لله؛ لأن
أحوال الشّدّة ترقّق القلب، وترغِّب فيما عند الله، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا
مَسَّكُمُ الْفُرُ فِىِ الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧/١٧]، وقال:
﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَُّ فَذُو دُعَاءِ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١/٤١].
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي ليتّعظوا وترِقَّ قلوبهم، يدلّ على أنه
تعالى فعل ذلك إرادة منه أن يتذكّروا، لا أن يقيموا على ما هم عليه من الكفر.
وأول آية على فرعون وقومه من آيات العقاب: السّنين أي الجدوب،
يقال: أصابتهم سَنَة أي جدب، وفي الحديث الثابت: ((اللهم اجعلها عليهم
سنین کسني يوسف)». يروى أنه كان بين الآية والآية ثمانية أيام، وقيل: شهر،
وقيل: أربعون يوماً.
والثانية: نقص محصول الثِّمار وغلاته نقصاً شديداً مريعاً، لا يكفي أحداً.
وهذان عقابان، كل منهما أخفّ من أنواع العقاب الأخرى، بدءاً بالتّدرُّج في
العذاب لعلّهم ينزجروا، ولكن القوم عند نزول تلك المحن عليهم لم يتّعظوا ولم
يرعووا، وإنما أقدموا على ما يزيد في كفرهم ومعصيتهم، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا
جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِّهِ،﴾ الآية.
فهم ينسبون الخير من الخصب والثِّمار وسعة الرِّزق والعافية والسّلامة
والمواشي إلى أنفسهم، مدّعين أنهم جديرون بذلك، مستحقّون للإكرام
والإنعام؛ لتفوّقهم وذكائهم، وعملهم ومعرفتهم. أمّا الشّر من الجدب
والقحط والمرض والضّر والبلاء فهو بسبب موسى وقومه وشؤمهم.
والحقّ أن ما لحقهم من القحط والشدائد إنما هو من عند الله عزّ وجلّ
بذنوبهم، لا من عند موسى وقومه، ولكنّهم قوم يجهلون هذا المعنى، فطائرهم
عند الله، أي ما قدِّر لهم وعليهم.

٦٧
لُزُ (٩) - الأَغراف: ١٣٠/٧-١٣٣
أمّا التّطُّ والتّشاؤم فجاء الإسلام بالنّهي عنه عند سماع صوت طائر ما
كان، وعلى أي حال كان؛ لأن الواحد من أهل الجاهلية كان كثيراً إذا أراد
الحاجة أتى الطّير في وَكْرها فنفَّرها؛ فإذا أخذت ذات اليمين مضى حاجته،
وهذا هو السّانح عندهم. وإن أخذت ذات الشمال رجع، وهذا هو البارح
عندهم، فنهى النَّبي ◌َّر عن هذا بقوله فيما رواه أبو داود والحاكم عن أم
كرز: ((أَقِرُّوا الطَّير على مَكِناتها)) أي بيضها أو على تمكنها فلا تنفّروها. وقال
عكرمة: كنت عند ابن عباس، فمرَّ طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير
خير، فقال ابن عباس: ما عند هذا لا خير ولاشرّ. وقال عليه الصّلاة
والسّلام فيما رواه أحمد ومسلم عن جابر: ((لا طيرة ولا هام)).
قال العلماء: وأما أقوال الطّير فلا تعلّق لها بما يجعل دلالة عليه، ولا لها
علم بكائن، فضلاً عن مستقبل فتخبر به، ولا في الناس من يعلم منطق
الطَّر؛ إلا ما كان الله تعالى خصّ به سليمان الكلّي من ذلك، فالتحق الطّير
بجملة الباطل(١).
وروى أبو داود عن عبد الله بن مسعود عن التَّبِي وَّ قال: ((الطَّيَرة شرك -
ثلاثاً - وما منّا إلا(٢)، ولكن الله يذهبه بالتّوكل)).
واشتدّ تمادي قوم فرعون في عنادهم، فقالوا لموسى: مهما تأتنا من آية
لتصرفنا عما نحن عليه، فلن نصدق بك. ففي الآية الأولى: ﴿فَإِذَا جَاءَتُهُمُ
الْخَسَنَةُ﴾ أسندوا حوادث هذا العالم، لا إلى قضاء الله تعالى وقدره، ثم وقعوا
بجهالة وضلالة أخرى في الآية الثانية: ﴿وَقَالُواْ مَهْمَا تَأَئِنَا بِهِ، مِنْ ءَايَةٍ﴾ وهي
(١) تفسير القرطبي: ٢٢٦/٧
(٢) قال ابن الأثير: هكذا جاء في الحديث مقطوعاً، ولم يذكر المستثنى، أي إلا وقد يعتريه
التّطُّر، وتسبق إلى قلبه الكراهة، فحذف اختصاراً واعتماداً على فهم السّامع. وقوله: ((ولكن
الله يذهبه بالتّوكل)): معناه أنه إذا خطر له عارض التّطيُّر، فتوكل على الله وسلَّم إليه، ولم
يعمل بذلك الخاطر، غفره الله له ولم يؤاخذه به.

٦٨
الُرُ (٩) - الَّغَافِ: ١٣٠/٧-١٣٣
أنهم لم يميزوا بين المعجزات وبين السّحر، وجعلوا جملة الآيات الدالة على
صدق موسى مثل انقلاب العصا حيّة من باب السّحر منهم، وقالوا لموسى:
إنّا لا نقبل شيئاً منها ألبتة.
قال ابن عباس: إن القوم لما قالوا لموسى: مهما أتيتنا بآية من ربك، فهي
عندنا من باب السّحر، ونحن لا نؤمن بها ألبتة، وكان موسى عليه السّلام
رجلاً حديداً، فعند ذلك دعا عليهم، فاستجاب الله له، فأرسل عليهم
الطوفان الدّائم ليلاً ونهاراً، سبتاً إلى سبت، ثم ذكر بقية الآيات الخمسة،
وهي: الجراد، والقُمَّل، والضَّفادع، والدَّم.
أمّا الظُوفان: فهو المطر الشَّديد حتى عامُوا فيه، وأمّا الجراد فأكل النّبات؛
وأما القمَّل فلم يبقِ في أرضهم عوداً أخضر إلا أكلته؛ وأما الضَّفادع فخرج
من البحر مثل الليل الدّامس ووقع في الثِّياب والأطعمة، فكان الرَّجل منهم
يسقط وعلى رأسه ذراع من الضّفادع؛ وأما الدّم فجرت أنهارهم دماً، فلم
يقدروا على الماء العذب. وبنو إسرائيل يجدون الماء العذب الطَّيِّب.
فاشتكوا إلى موسى وفرعون، فقال فرعون لموسى: ﴿لَبِن كَشَفْتَ عَنَّا
اُلِّجْزَ﴾ إلى آخر الآية الآتي بيانها.
وتلك الآيات البيّنات لا يخفى على عاقل أنها من آيات الله التي لا يقدر
عليها غيره. ومع ذلك استكبروا عن عبادة الله وعن الإيمان به وكانوا قوماً
مجرمين أي مصرِّين على الجرم والذَّنب.
واختلف العلماء في قتل الجراد إذا حلّ بأرض فأفسد، فقيل: لا يقتل،
وقال أكثر الفقهاء: يقتل.
احتجّ الأوّلون: بأنه خَلْق عظيم من خلق الله، يأكل من رزق الله، ولا
يجري عليه القلم، أي لا تبعة عليه، وبما روى الطبراني والبيهقي عن أبي
زهير، وهو ضعيف: ((لا تقتلوا الجراد فإنه من جند الله الأعظم)).

٦٩
اِلُ (٩) - الأَغرافِ: ٧/ ١٣٠-١٣٣
واحتجّ الجمهور: بأن في ترك الجراد فساد الأموال، وقد رخّص النَِّي وَلّ
بقتال المسلم إذا أراد أخذ ماله؛ فالجراد إذا أرادت فساد الأموال، كانت أولى
أن يجوز قتلها. وروى ابن ماجه عن جابر وأنس بن مالك أنّ النَّبِي وَلّ كان إذا
دعا على الجراد قال: ((اللهم أهلك كباره، واقتل صغاره، وأفسد بيضه،
واقطع دابره، وخُذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا، إنك سميع الدُّعاء))، قال
رجل: يا رسول الله، كيف تدعو على جند من أجناد الله بقطع دابره؟ قال:
((إن الجراد نَثَرة(١) الحوت في البحر)).
وأما أكله فجائز في السّنّة، ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن أبي أوفى
قال: غزونا مع رسول الله وَّو سبع غزوات، كنّا نأكل الجراد معه. وأكله
جائز باتفاق الأمة، وأنه إذا أخذ حيّاً وقطعت رأسه أنه حلال بالاتِّفاق،
وذلك بمنزلة الذّكاة (الذَّبح). واختلفوا هل يحتاج إلى اصطياد؟ فقال
الجمهور: لا يحتاج إلى ذلك، ويؤكل كيفما مات، كالحيتان، لما روى
الدار قطني عن ابن عمر أن رسول الله وسلم قال: ((أحلّ لنا ميتتان: الْحُوت
والجراد، ودمان: الكَبِد والطّحال)).
وذهب مالك إلى أنه لا بدّ للجراد من سبب يموت به، كقطع رؤوسه أو
أرجله أو أجنحته إذا مات من ذلك، أو يطرح في النّار؛ لأنه عنده من حيوان
البر، فميتته محرَّمة.
وأما الضَّفادع فلا تؤكل إلا في مذهب مالك.
(١) النّثرة: شبه العطسة.

٧٠
لُعْ (٩) - الأعراف: ١٣٤/٧ -١٣٦
اللجوء إلى موسى لرفع العذاب
ونقض العهد وإغراق فرعون وقومه
﴿ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الْرِجْزُ قَالُواْ يَمُوسَى أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكٌ لَِن
كَشَفْتَ عَنَّا الْرِّجْزَ لَتُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ
فَلَمَّا
٣٤
كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَلِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ
فَأُنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ
فَأَغْرَقْنَهُمْ فِى الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِشَايَئِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِلِينَ
الإعراب:
﴿بِمَا عَهِدَ عِندَكَ﴾ ما: مصدرية، والمعنى: بعهده عندك، وهو النبوة،
والباء إما أن تتعلق بقوله: ﴿أَدْعُ لَنَا﴾ أي أسعفنا بالدعاء لنا بحق ما عندك من
عهد الله وكرامته بالنبوة، وإما أن يكون قسماً جوابه: ﴿لَنُؤْمِنَنَّ﴾ أي أقسمنا
بعهد الله عندك لنؤمنن ﴿لَبِن﴾ اللام لام القسم.
﴿ إِلَى أَجَلٍ هُم بَلِغُوهُ﴾: هم بالغوه: جملة اسمية في موضع جر صفة
﴿أَجَلٍ﴾.
﴿إِذَا هُمْ يَنْكُتُونَ﴾ جواب ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا﴾.
المفردات اللغوية:
﴿الرِّجْزُ﴾ العذاب الشديد الذي يضطرب له الناس في شؤونهم . ﴿يِمَا
عَهِدَ عِندَكَ﴾ أي من كشف العذاب عنا إن آمنا، والعهد: النبوة والرسالة،
وكشف العذاب من إكرام الله لنبيه.
﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا﴾ بدعاء موسى العذاب عنهم لأجل مؤقت. ﴿يَنْكُتُونَ
ينقضون عهدهم ويصرون على كفرهم. ﴿اَلْيَمِ﴾ البحر المالح. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب
أنهم. ﴿غَفِلِينَ﴾ متجاهلين لها لا يتدبرونها.

٧١
لُعُ (٩) - الَغراف: ١٣٤/٧-١٣٦
التفسير والبيان:
هذا هو الفصل التاسع من فصول قصة موسى مع فرعون، وهو أنه لما
نزلت آيات العذاب المتقدمة على فرعون وجماعته الكافرين، اضطربوا
وتضايقوا، وطلبوا من موسى عليه السلام أن يرفع الله عنهم العذاب،
وعاهدوه على الإيمان برسالته إن فعل، فلما دعا موسى ربه، فكشف عنهم،
نقضوا العهد، كل مرة طلبوا فيها ذلك، حتى استأصلهم الله بالإغراق في
البحر.
والمعنى: ولما نزل العذاب الشديد بجماعة فرعون واضطربوا واشتد
فزعهم، طلبوا من موسى أن يدعو ربه بسبب ما عهد عنده من النبوة والرسالة
والكرامة والمحبة أن يكشف عنهم ما نزل بهم، وأقسموا له: لئن كشفت عنا
ذلك العذاب لنصدقن برسالتك، ونؤمنن بما جئت به من عند ربك،
ولنرسلن معك بني إسرائيل إلى أرض الميعاد: فلسطين، كما طلبت منا،
لیعبدوا ربهم كما شاؤوا.
فلما رفع الله عنهم العقاب وكشف العذاب، مرة بعد أخرى، إلى أجل
محدود منتهون إليه حتماً، فمعذبون فيه، وهو الغرق، إذا هم ينقضون العهد
ويحنثون في كل مرة. أي أنا لم نزل عنهم العذاب مطلقاً، بل إنما أزلنا عنهم
العذاب إلى أجل معين، وعند حلول ذلك الأجل لا نرفع عنهم العذاب، بل
نهلكهم به. والدليل أنهم بادروا بعدئذ إلى النكث بالعهد.
وقد روي أنهم كانوا يمكثون في العذاب الواحد من الطوفان والجراد
والقمل والضفادع، وصيرورة مياههم دماً فاسداً أسبوعاً، ثم يطلبون من
موسى الدعاء برفعه، ويَعِدُونه بالإيمان بالله تعالى، ثم ينقضون العهد.
ولما كشف عنهم العذاب من قبلُ مرات وكرات، ولم يمتنعوا عن كفرهم
وجهلهم، ثم حان الأجل المؤقت، انتقم الله منهم، بأن أهلكهم بالغرق،

٧٢
لُعُ (٩) - الَّغرافية: ١٣٤/٧ -١٣٦
بسبب تكذيبهم بآيات الله التي نزلت عليهم كلها، وكانوا غافلين عما يتبعها
من العذاب في الدنيا والآخرة. والمراد بالغفلة هنا: الإعراض عن الآيات
وعدم الالتفات إليها، فهم أعرضوا عنها، حتى صاروا کالغافلين عنها.
أغرق الله الكافرين منهم ونَجّى المؤمنين الذين كانوا يكتمون إيمانهم،
أغرقهم في اليم وهو البحر الذي فرقه لموسى، فجاوزه وبنو إسرائيل معه، ثم
ورده فرعون وجنوده على أثرهم، فلما أصبحوا في وسط البحر، أطبقه الله
عليهم، فغرقوا عن آخرهم بسبب تكذيبهم بآيات الله وتغافلهم عنها.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على أمور أربعة:
أَ - اللجوء إلى موسى عند الشدة والضيق بدافع نداء الإيمان الفطري،
وهذا شأن الناس غالباً لا يجدون في وقت المحنة غير الله ملجأ وملاذاً.
أَ - سمة جماعة فرعون: تكرار نقض العهود وخُلْف الوعود، وتمرير
المصالح إلى وقت محدود.
◌ّ - كان الجزاء المحتم لقوم فرعون هو عذاب الاستئصال بالإغراق في
البحر.
٤ - الواجب في الآيات النظر فيها وتدبرها والتأمل بأسبابها ونتائجها،
ولذلك ذمهم بأن غفلوا عنها، وذلك يدل على أن التقليد طريق مذموم.
١

٧٣
لُ (٩) - الأَغراف: ١٣٧/٧
وراثة بني إسرائيل أرض مصر والشام
بعد الفراعنة والعمالقة
﴿ وَأَوْرَتْنَا اُلْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا الَّتِىِ
بَرَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِيّ إِسْرَِّيلَ بِمَا صَبِّرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا
كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْثُ وَقَوْمُهُ, وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ
القراءات:
﴿ كَلِمَتُ﴾:
رسمت بالتاء، فوقف عليها بالهاء: ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي.
ووقف الباقون بالتاء.
{ يَعْرِشُونَ﴾ :
وقرأ ابن عامر (يعرُشون).
الإعراب:
﴿مَشْرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا﴾: منصوب إما على أنه مفعول به لأورثنا،
أي جعلناهم في عصرهم ملوك الشام ومصر، وإما على الظرف، والعامل:
﴿ يُسْتَضْعَفُونَ﴾. ﴿الَِّىِ بَرَكْنَا فِيهَا﴾: ﴿الَّتِىِ﴾ إما في موضع نصب على
الوصف لمشارق الأرض ومغاربها، وإما في موضع جر على الوصف للأرض.
والضمير في ﴿فِيَهَا﴾: إما أن يعود إلى ﴿مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا﴾،
وإما أن يعود إلى ﴿اَلْأَرْضِ﴾ وتقديره: مشارق الأرض التي باركنا فيها
ومغاربها. ففصل بين الصفة والموصوف بالمعطوف على المضاف إلى الموصوف،
وهذا جائز لغة، كقولك: أكرمتُ صاحبَ زيدٍ وجاريتَه العاقلِ.

٧٤
لُ (٩) - الأَغرافِنْ: ١٣٧/٧
﴿مَا كَانَ يَصْنَعُ﴾ اسم ﴿كَانَ﴾ مضمر فيها، وهو يعود على ﴿مَا﴾:
و﴿يَصْنَعُ﴾: خبرها، والهاء منه محذوفة، وتقديره: يصنعه، وهو عائد على
اسم ﴿كَانَ﴾ الضمير العائد على: ﴿مَا﴾. وقيل: إن ﴿كَانَ﴾ زائدة،
وتقديره: ودمّرنا ما يصنع فرعون، وقد جاء زيادة: كان في كلامهم، فقالوا:
زيد كان قائمٌ، أي زيد قائم.
البلاغة:
﴿مَا كَانَ يَصْنَعُ﴾ و﴿وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾: عدل فيهما عن الماضي
إلى المضارع لاستحضار الصورة في ذهن المخاطب، والأصل: ما صنعوا وما
عرشوا.
المفردات اللغوية:
﴿ وَأَوْرَتْنَا اُلْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ﴾ هم بنو إسرائيل كان يستضعفهم
فرعون وقومه . ﴿مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا﴾ المراد جميع نواحيها أو جهاتها،
والمراد بالأرض: أرض مصر والشام، ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة
والعمالقة، وتصرفوا كيف شاؤوا في أطرافها ونواحيها الشرقية والغربية.
﴿بَرَّكْنَا فِيهَا﴾ بالماء والشجر والخصب وسعة الأرزاق، وهي صفة للأرض.
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أي وصلت إلى آخر الحد، والمعنى: مضت عليهم
واستمرت، من قولك: تم على الأمر: إذا مضى عليه، وكلمة الله: هي وعده
لبني إسرائيل بإهلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض، في قوله تعالى: ﴿عَسَى
رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٩/٧] وقوله:
﴿ وَثُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ فِىِ الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٥/٢٨].
﴿بِمَا صَبَرُواْ﴾ أي بسبب صبرهم على أذى عدوهم. ﴿ وَدَمَّرْنَا﴾ أهلكنا
وخربنا ﴿مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْثُ وَقَوْمُ﴾: ما كانوا يعملون ويبنون من

٧٥
◌ِلُ (٩) - الأَغرافِ: ١٣٧/٧
العمارات والقصور . ﴿ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾ ما كانوا يرفعون من الأبنية
المشيدة في السماء كصرح هامان وغيره، أو ما يرفعون من السقائف والمباني
للنبات والشجر المتسلق، كعرائش العنب، ومنه: عرش الملك.
التفسير والبيان:
هذا هو الفصل العاشر من قصة موسى مع فرعون، فبعد أن بيَّن الله تعالى
جزاء فرعون وملئه من أهل مصر على تكذيبهم بموسى، بالرغم من توالي
الآيات الدالة على صدقه، وهو جزاء الظالمين، أبان تعالى جزاء المؤمنين
الصابرين من بني إسرائيل، إذ أصبحوا ملوك مصر والشام بعد الفراعنة
والعمالقة.
والمعنى: وأورثنا القوم المستضعفين من بني إسرائيل بقتل أبنائهم واستحياء
نسائهم وتعذيبهم واستخدامهم وأخذ الجزية منهم، أورثناهم أرض مصر
والشام التي باركنا فيها بالخصب والنماء، وسعة الأرزاق والخيرات، ووفرة
الأنهار، تحقيقاً لوعدنا السابق وهو: ﴿وَثُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَ عَلَى الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ
فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَبِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ اُلْوَرِثِنَ جَ وَنُمَكِنَ لَمْ فِ الْأَرْضِ وَنُرِىَ
[القصص: ٢٨/
فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَهُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ
٥-٦]. ومشارق الأرض ومغاربها: جهات الشرق والغرب بها، والمراد
بالأرض: أرض مخصوصة، وهي أرض الشام ومصر؛ لأنها هي التي كانت
تحت سلطة فرعون، ولوصفها بالبركة، وذلك لا يليق إلا بأرض الشام،
وقيل: المراد جنس الأرض؛ لأن داود وسليمان من بني إسرائيل قد ملكا
الأرض.
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى﴾ أي مضت واستمرت ونفذت كلمة الله
الحسنى على بني إسرائيل، بسبب صبرهم على أذى فرعون وملئه، وما كابدوه
من الشدائد منهم، كما أمرهم موسى: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أُسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ

٧٦
الجزءُ (٩) - الأَغْرَافِن: ١٣٧/٧
وَأَصْبِرُوَأْ﴾ [الأعراف: ١٢٨/٧] وهكذا فإن الصبر مفتاح الفرج. والحسنى: صفة
للكلمة، تأنيث الأحسن. وقيل: معنى تمام الكلمة الحسنى: إنجاز الوعد الذي
تقدم بإهلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض؛ لأنه إذا حصل الموعود به،
فقد تم لك الوعد وكمل.
تم وعد الله لهم حينما استقاموا، ثم سلبهم تلك الأرض بظلمهم لأنفسهم
وللناس، ولم يصدر وعد آخر من الله بالعودة إلى الأراضي المقدسة مرة أخرى.
وخربنا ما كان فرعون وقومه يصنعونه من العمارات والمزارع، وما كانوا
يقيمونه من العرائش والسقف في البساتين، أو يبنونه من القصور الشاهقة.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآيات واردة على سبيل المقارنة والموازنة بين المؤمنين والكافرين،
وجزاء كل منهم، فلما بيَّن الله تعالى إهلاك قوم فرعون معه بالغرق على وجه
العقوبة، بَيَّن ما فعله بالمؤمنين من الخيرات، وهو أنه تعالى أورثهم أرضهم
وديارهم.
لقد أنقذ الله موسى وهارون وبني إسرائيل من ظلم فرعون وقومه، وكان
عبورهم في البحر معجزة خارقة لموسى، إذ أوحى الله إليه بأن يضرب بعصاه
البحر: ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنِ أَضْرِبِ بِعَصَاكَ الْبَحْرِّ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ
كَلَطَوْدِ الْعَظِيمِ
﴾ [الشعراء: ٦٣/٢٦].
وذلك لصموده مع أخيه في وجه الطاغية فرعون، أكبر ملِك في أكبر دولة
في الأرض، استعبدت شعب مصر عدة قرون، فما زالا يجادلانه بالحجج
والبينات، حتى نصرهما الله، وهكذا فلا تُسْتَعظم قوة أي دولة كبرى أمام قوة
الحق، ويفعل الإيمان القوي في القلب المليء باليقين ما لا تفعله قوى الشر
المتكاثرة، وهكذا يتصدى موسى وأخوه هارون لعدو الله، وقومهما أذلة

٧٧
لُرُ (٩) - الْأَغراف: ١٣٨/٧-١٤١
مستضعفون، وفرعون مصر صاحب السلطة والمال والجند والأتباع، ثم ينتصر
الضعفاء، ويتلاشى الأقوياء: ﴿إِنَّ فِىِ ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾
[آل عمران: ١٣/٣] ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَىْ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبُ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ
◌َ﴾ [ق: ٣٧/٥٠].
شَهِيدٌ
جحود بني إسرائيل نعم الله عليهم
﴿وَجَزْنَا بِبَنِيّ إِسْرَّءِيلَ الْبَحْرَ فَأَنَوْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَّ أَصْنَاءِ لَّهُمَّ قَالُواْ
يَمُوسَى أَجْعَل لَّنَا إِلَهَا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ
قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْفِيكُمْ إِلَهَا وَهُوَ
مُتَبِّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَيَطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
وَإِذْ أَنَجَيْنَكُمْ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوّءَ
فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ (®
اُلْعَذَابٍ يُقَئِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلٌَّ مِّن رَّبِّكُمْ
١٤١
عَظِيمُ
القراءات:
يَعَّكُفُونَ﴾: قرئ:
١- (يعكِفُون) وهي قراءة حمزة، والكسائي.
٢- (يعكُّفُون) وهي قراءة باقي السبعة.
وكلاهما لغتان فصيحتان.
﴿ وَإِذْ أَنْجَيْنَكُمْ﴾ :
وقرأ ابن عامر: (وإذ أنجاكم).
يُقَنِّلُونَ﴾ :

٧٨
لُ (٩) - الأَشْرَافِي: ١٣٨/٧-١٤١
وقرأ نافع (يَقْتُلون).
الإعراب:
﴿كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ﴾ ما: اسم موصول بمعنى الذي، و﴿لَهُمْ﴾: صلته،
ج
والعائد الضمير في ﴿لَّمْ﴾. و﴿ءَالِهَةٌ﴾: مرفوع إما على أنه بدل من الضمير
المرفوع في ﴿لَهُمْ﴾، وإما على أنه خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: هي آلهة، وإما
على أنه مرفوع بـ ﴿لَّمْ﴾ على تقدير: كما استقر لهم آلهة. ﴿مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ﴾: ﴿كَانُوا﴾: صلة زائدة.
﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْفِيكُمْ إِلَهَا﴾ تقديره: أبغي لكم إلهاً غير الله، و﴿أَغَيْرَ
اللَّهِ﴾: منصوب على الحال؛ لأن صفة النكرة إذا تقدمت عليها انتصب على
الحال.
البلاغة:
﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ أتى بالمضارع بدل الماضي إشعاراً بأن ذلك منهم
بمثابة الطبع الملازم لهم، لا يتخلون عنه ولو في المستقبل.
المفردات اللغوية:
﴿وَجَزْنَا﴾ عبرنا، يقال: جاز الشيء وجاوزه وتجاوزه: انتقل عنه
﴿فَأَتَواْ﴾ فمروا. ﴿يَعَكُّفُونَ عَلَى أَصْنَاءٍ﴾ يقيمون على عبادتها. والأصنام: جمع
صنم، وهو ما يصنع من خشب أو حجر أو معدن مثالاً لشيء حقيقي أو
خيالي، بقصد تعظيمه تعظيم العبادة، وهو شرك. أما التمثال: فلا بد أن
يكون مثالاً لشيء حقيقي، فإن عبد فهو صنم. وقد يتخذ التمثال للزينة
كالمتخذ على جدران الأبنية أو في مداخل الجسور، وقد يكون التمثال لتذكر
سيرة بعض القادة بقصد التعظيم غير الديني، كتماثيل بعض الزعماء والعلماء
في الساحات العامة.

٧٩
لِلُعُ (٩) - الأعراف: ١٣٨/٧-١٤١
﴿أَجْعَل لَّنَا إِلَهَا﴾ صنماً نعبده. ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ حيث قابلتم نعمة
الله عليكم بما قلتموه . ﴿مُتَبِّرٌ﴾ هالك، والتبير: الإهلاك والتدمير.
﴿ وَيَطِلٌ﴾ زائل لا بقاء له. ﴿أَبْفِيكُمْ إِلَهًا﴾ مثل أبتغيكم: أي أطلب لكم.
المناسبة:
بعد أن بيَّن الله تعالى أنواع نعمه على بني إسرائيل، بأن أهلك عدوهم،
وأورثهم أرضهم وديارهم، أتبع ذلك بالنعمة العظمى: وهي أن الله جاوز
بهم البحر مع السلامة. وهذا تكملة الفصل العاشر من قصة موسى مع فرعون.
ثم ارتدوا وجهلوا وطلبوا من موسى عبادة الأصنام. وفي هذا تسلية للنبي
لر عما رآه من يهود المدينة، فقد فعلوا ما هو أعظم مع نبيهم موسى عليه
السلام. وفي بيان ذلك تذكير للمؤمنين أن يشكروا نعمة الله، وألا يكونوا مثل
بني إسرائيل.
التفسير والبيان:
أنقذ الله بني إسرائيل من كيد فرعون وملئه، فعبروا البحر آمنين بالسير في
أرضه دون سفن، بعد أن أوحى الله لنبيه موسى بضرب البحر فانفلق، فكان
كل فرْق كالطود العظيم، ثم أغرق الله فرعون وقومه حينما لحقوا بهم، وفي
وسط البحر أطبق عليهم الماء، كما وصف تعالى هذا الحادث العجيب بقوله:
﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنِ أَضْرِبِ بِعَصَالَكَ الْبَحْرِّ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَلْطَوْدِ
اُلْعَظِيمِ
وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ
وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ: أَجْمَعِينَ
٦٥
ثُمَّ
إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم ◌ُؤْمِنِينَ
أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ
● [الشعراء:
٦٧
٦٣/٢٦-٦٧].
وبعد أن جاوز بنو إسرائيل البحر، وقد رأوا من آيات الله وعظيم سلطانه
ما رأوا، وشاهدوا أنه تعالى أهلك فرعون وجنوده، وخصهم بالنجاة

٨٠
الُعُ (٩) - الأَغرافِم: ١٣٨/٧-١٤١
والسلامة، كانوا في غاية الجهالة والضلالة وجحود النعمة، إذ طلبوا من
موسى اتخاذ إله من الأصنام، تأثراً بما رأوه من بعض العرب أو من غيرهم
يعبدون الأصنام ويعظمونها ويلازمونها ويقبلون عليها، وتشبهاً بالمصريين
الذين كانوا يعبدون التماثيل. وكأنهم لم يدركوا معنى التوحيد الذي دعاهم إليه
موسى عليه السلام.
أما القوم الذين رأوهم فهم من الكنعانيين (وهم الذين أمر موسى عليه
السلام بقتالهم) وقيل: كانوا من لخم. قال الطبري: وكانوا يعبدون أصناماً
على صور البقر، فلهذا أثار ذلك شبهة لهم في عبادتهم العجل بعدئذ.
فقالوا: يا موسى، اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، أي اجعل لنا صنماً نعكف
عليه ونلازمه، كما لهم آلهة أصنام يعكفون عليها، والمراد أنهم طلبوا منه أن
يعين لهم أصناماً. وهذا يدل على تأثرهم بالبيئة المصرية وحنينهم لها، وعلى
نزعتهم المادية بتجسيد الإله في صورة معدن أو حجر.
فأجابهم موسى تعجباً من قولهم على أثر ما رأوا من الآية العظمى والمعجزة
الكبرى، فوصفهم بالجهل المطلق وأكده؛ لأنه لا جهل أعظم مما رأى منهم
ولا أشنع، فإنهم جهلوا مقام التوحيد، وما يجب من إفراد الله بالعبادة بلا
واسطة من إنسان أو مادة، جهلوا عظمة الله وجلاله وما يجب أن ينزه عنه من
الشريك والمثيل.
واتخاذ الواسطة إلى الله بهذه الأصنام كفر؛ فقد أجمع كل الأنبياء عليهم
السلام على أن عبادة غير الله تعالى كفر، سواء اعتقد في ذلك الغير كونه إلهاً
للعالم، أو اعتقدوا أن عبادته تقربهم إلى الله تعالى؛ لأن العبادة نهاية التعظيم،
ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام والإكرام(١).
(١) تفسير الرازي: ٢٢٣/١٤