النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ لُعُ (٩) - الأَغراف: ١٠٣/٧-١١٦ وكان السحر في زمانهم غالباً كثيراً، فتوهموا أن ما جاء به موسى عليه السلام من قبيل شعوذة الساحرين، فجمعوا له السحرة، ليعارضوه بنظير ما أراهم من البينات، كما أخبر تعالى عن فرعون حيث قال: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا فَلَتَأْنِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ، فَأَجْعَلْ بَيْنَنَا ٥٧ لِتُخْرِحَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَكُمُوسَى وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُ نَحْنُ وَلَّ أَنْتَ مَكَنَا سُوَ ﴿ قَالَ مَوْعِدُكُمُ يَوْمُ الزِّينَةِ (ج) [طه: فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَنَى ٥٩٦ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحَّى ٢٠ / ٥٧ - ٦٠ ]. ﴿يَأْتُوُكَ بِكُلِّ سَحِرٍ عَلِيمِ (1) أي إن ترسلهم يأتوك بكل ساحر ماهر بفنون السحر. وواضح أن الهدف الإتيان بالمهرة لتحقيق الغلبة والتفوق. قال الزمخشري: وكانت هذه مؤامرة مع القبط. ثم جاء الفصل الرابع وهو دور السحرة. وجاء السحرة من كل مكان، وقالوا لفرعون: هل لنا أجر لقاء الغلبة على موسى؟ فقال فرعون: نعم لكم أجر عظيم، وتصبحون من المقرّبين إلي في المركز والمجلس، وهذا إغراء في الجمع بين المركز المالي والأدبي. قال السحرة لموسى في اليوم المخصص: إما أن تلقي بسحرك أولاً، وإما أن نلقي ما عندنا؟ وفي هذا التخيير اعتزاز شديد بأنفسهم، وثقة بخبرتهم، وعدم مبالاة بعمله. فأجاب موسى جواب الذكي الخبير؛ لأن المتأخر في العمل يكون أدرى بما تقتضيه الحال، وهو واثق أيضاً بشأنه وغلبته عليهم: ألقوا ما أنتم ملقون، وهذا إذن بتقديم الفعل، لا أمر يقرهم به على فعل السحر، وهو بقوله المذكور يريد أن يري الناس صنيعهم ويتأملوه، ويستفرغ ما عندهم من طاقات، فإذا فرغوا من زيفهم وشعونتهم، جاءهم الحق الواضح، فيكون أوقع في النفوس. لذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّ أَلْقَوْ سَحَرُوْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَأَسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُ و بِسِحْرٍ ٤٢ الجُزءُ (٩) - الَّغَرافة: ١٠٣/٧-١١٦ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦/٧] أي خيلوا إلى الأبصار أن ما فعلوه، له حقيقة واقعية، ولم يكن إلا مجرد صنعة وخيال، كما قال تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّا تَتْعَىِ ﴿ فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ، خِيفَةً قُوسَى TV ﴿ وَأَلْقِ مَا فِ يَمِينِكَ ثَلْقَفْ مَا صَنَعُوَّ إِنَّمَا قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى الَّـ (9)﴾ [طه: ٦٦/٢٠-٦٩]. صَنَعُواْ كَيْدُ سَحٍِّّ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَنَى وتتجلى ثقة موسى بنفسه وبأن ما لديه معجزة إلهية ليست من جنس السحر، في قوله تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحُرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُّبْطِلُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ اُلْمُفْسِدِينَ، وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَلَوْ كَرِهَ اٌلْمُجْرِمُونَ ﴾ [يونس: ١٠ / ٨١-٨٢]. ومعنى قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ أي لما ألقوا حبالهم وأخشابهم، سحروا أعين المتفرجين، ومنهم موسى الذي خيل إليه من سحرهم أنها تسعى، وجاؤوا بسحر عظيم المظهر، كبير التأثير في أعين الناس. روي أنهم لوّنوا حبالهم وخشبهم وجعلوا فيها ما يوهم الحركة، قيل: جعلوا فيها الزئبق. فقه الحياة أو الأحكام: دلت آيات قصة موسى على ما يأتي: اً - آية (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم ◌ُوسَى بِثَايَئِنَآ﴾ دلت على أن النبي لا بد له من آية ومعجزة يمتاز بها عن غيره؛ إذ لو لم يكن مختصاً بهذه الآية لم يكن قبول قوله أولى من قبول قول غيره. ودلت أيضاً على أنه تعالى آتاه آيات كثيرة ومعجزات كثيرة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: أول آياته: العصا ثم اليد. ودلت كذلك على أن فرعون وجماعته ظلموا بالآيات التي جاءتهم، ۔ ٤٣ الجُزُ (٩) - الأَغرافِ: ١٠٣/٧-١١٦ فاستحقوا العقاب الشامل وهو الإغراق في البحر؛ لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وإنهم وضعوا الإنكار في موضع الإقرار، والكفر في موضع الإيمان، فكان ذلك ظلماً منهم لتلك الآيات. أَ - دل قوله: ﴿إِنِّ رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ﴾ على وجود الإله؛ لأن العالم محتاج إلى إله يوجده ويخلقه، ومتصف بصفات كالضعف والتغير ونحوها تجعله مفتقراً إلى ربّ يربّه. ج سَّ - وقوله: ﴿حَقِيقُ عَّ أَنْ لَّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ يشير إلى أن الرسول لا يقول إلا الحق. ٤ - إن طلب موسى عليه السلام إرسال شعب بني إسرائيل معه الذي رتبه على كونه رسولاً طلب ليس من السهل على حاكم تلبيته، لاحتمال تكوين خصوم ضده، من طريق تبليغهم الحكم الإلهي، وإعدادهم لمجابهة فرعون. ٥ - قوله: ﴿قَدْ حِثْنُكُمْ بِيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ هو المعجزة الظاهرة القاهرة، وقد طلب فرعون من موسى إظهار تلك المعجزة: ﴿إِن كُنْتَ جِئْتَ بَِايَةٍ فَأَتِ بِهَا﴾ دليلاً على صدقه فيما يدعيه من الرسالة المرسل بها من الله. وكانت المعجزة قلب العصا ثعباناً، وإظهار اليد البيضاء. أَ - اختار الطاغية الكافر: فرعون وجماعته تكذيب هذه المعجزة الخارقة، وادعى كون موسى ساحراً، فتشاور مع كبار رجال دولته، فأشاروا بالمبارزة بين سحرة صعيد مصر المهرة وبين موسى. وتم جمع السحرة من أنحاء المملكة، قيل: كانوا سبعين رجلاً أو ثلاثة وسبعين. ودل قوله: ﴿وَأَرْسِلّ فِى الْمَدَآبِنِ حَشِرِينَ﴾ على أن السحرة كانوا کثیرین في ذلك الزمان. ٧ - دل قوله: ﴿فَأَلَّقَى عَصَاهُ﴾ وقوله: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ على أنه تعالى يجعل ٤٤ لُ (٩) - الَّغرافية: ١٠٣/٧-١١٦ معجزة كل نبي من جنس ما كان غالباً على أهل ذلك الزمان، فلما كان السحر غالباً على أهل زمان موسى عليه السلام، كانت معجزته شبيهة بالسحر، وإن كان مخالفاً للسحر في الحقيقة. ولما كان الطب غالباً على أهل زمان عيسى عليه السلام كانت معجزته من جنس الطب، ولما كانت الفصاحة غالبة على أهل زمان محمد عليه الصلاة والسلام كانت معجزته القرآن أبلغ الكلام من جنس الفصاحة. ٨ - دل قوله: ﴿وَجَآءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُواْ﴾ على أن كل الخلق كانوا عالمين بأن فرعون كان عبداً ذليلاً مهيناً عاجزاً، وإلا لما احتاج إلى الاستعانة بالسحرة في دفع موسى عليه السلام. ودل أيضاً على أن السحرة ماكانوا قادرين على قلب الأعيان أو الأشياء، فلم يتمكنوا من قلب الحبال والعصي حيات فعلية، كما لم يتمكنوا من قلب التراب ذهباً، وأن يجعلوا أنفسهم ملوك العالم، ولو كانوا قادرين على ذلك لما احتاجوا إلى طلب الأجر والمال من فرعون. والمقصود من هذه الآيات تنبيه الإنسان لهذه الدقائق، وألا يغتر بكلمات أهل الأباطيل والأكاذيب. ١ - قوله: ﴿وَإِمَّآ أَنْ تَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْفِينَ﴾ فيه ما يدل على رغبتهم في أن يلقوا قبله، من قولهم: ﴿نَّكُونَ﴾ وتأكيد الضمير المتصل بالمنفصل وهو ﴿نَحْنُ﴾ وتعريف الخبر وهو ﴿اٌلْمُلْقِينَ﴾ بقصد كسب الشهرة واجتذاب أنظار الناس. وقد جاراهم موسى في رغبتهم ازدراء لشأنهم وقلة المبالاة بهم، وثقته بالتأييد الإلهي، وأن المعجزة لن يغلبها شيء. ٠ ٢َ - دل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْ سَحَرُوْ أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ على أن السحر محض التمويه. ولو كان السحر حقاً، لكانوا قد سحروا قلوبهم لا ٤٥ الجُرُ (٩) - الأشراف: ١٠٣/٧-١١٦ أعينهم. وكل مافي الأمر أنهم تخيلوا أحوالاً عجيبة، مع أن الأمر في الحقيقة خلاف ذلك. ودل قوله: ﴿وَأَسْتَرْهَبُهُمْ﴾ على أن العوام خافوا من حركات تلك الحبال والعصي. وأما خوف موسى فليس كخوف العوام، وإنما لعله خاف من وقوع التأخير في ظهور حجته على سحرهم. ١١ - السحر كما دلت الآية مجرد خيال وتمويه لا حقيقة فيه، لذا يسمى بالشَّعْوذَة والدجْل، وهو إما أن يعتمد على بعض خواص المادة كتمدد الزئبق الذي وضعه سحرة فرعون في حبالهم وعصيهم، وإما أن يستعان فيه بخفة اليد . في إخفاء بعض الأشياء وإظهار بعضها، وإما أن يلجأ فيه إلى تأثير النفس القوية في إرادة النفس الضعيفة، وقد يستعان حينئذ بأرواح الشياطين، ومنه ما يسمى في عصرنا بالتنويم المغناطيسي. ١٢ - الفرق بين السحر والمعجزة: أن المعجزة حقيقة تظهر على يد مدعي النبوة، والسحر خيال يحدث على يد رجل فاسق. لذا أخطأ من زعم أن النبي ◌ََّ سُحِر، وأن السحر أثَّر فيه، حتى قال: ((إنه يخيّل إلي أني أقول الشيء وأفعله، ولم أقله ولم أفعله)) وإن امرأة يهودیه سحرته في وعاء طلع النخل ووضعته تحت الحجر الذي يقف عليه المستقي من البئر، حتى أتاه جبريل فأخبره بذلك، فاستُخرج وزال عن النبي ◌َّ. وهذا كله من وضع الملحدين الذين يحاولون العبث بالنبوة وإبطال معجزات الأنبياء عليهم السلام. وهذا ينافي قوله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَنَى﴾. وجائز أن تفعل المرأة اليهودية ذلك يجهلها، ثم أطلع الله نبيه على فعلها، لا أن ذلك ضره وخلط عليه أمره. ٤٦ لُرُ (٩) - الأَغَرَافِ: ١١٧/٧-١٢٢ إيمان السّحرة بربِّ العالمين فَوَقَعَ ٠٠٠ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَىَ أَنْ أَلْقِ عَصَالِكٌ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ وَأُلْقِىَ ١١٩ فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَأَنْقَلَبُواْ صَغِرِينَ اُلْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ اُلسَّحَرَةُ سَجِدِينَ ﴿ قَالُوْ ءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ ٢٢ القراءات: ﴿هِىَ تَلْقَفُ﴾: قرئ: ١- (هي تَّلَقّفُ) وهي قراءة البزي وصلاً. ٢- (هِيَ تَلْقَفُ) وهي قراءة حفص. ٣- (هِيَ تَلَقَّفُ) وهي قراءة الباقين. الإعراب: ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكٌ﴾ ﴿أَنْ﴾: إما مصدرية في موضع نصب، وتقديره: بأن ألقِ عصاك، فحذف حرف الجرّ فاتّصل الفعل بها، وإما أن تكون مفسّرة بمعنى أي، فلا يكون لها موضع من الإعراب، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ آَمْثُواْ وَأَصْبِرُواْ﴾ [ص: ٦/٣٨] أي: امشوا. ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ ﴿مَا﴾: موصولة، أي: زال وذهب الذي عملوا به السّحر، أو مصدرية بتقدير: فإذا هي تلقف إفكهم، تسمية للمأفوك بالإفك . ﴿صَغِرِينَ﴾ حال منصوب. البلاغة: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾ استعارة استعير الوقع للثبوت والظهور والحدوث. ٤٧ لُُّ (٩) - الأَغَرَافِ: ١١٧/٧-١٢٢ المفردات اللغوية: ﴿ تَلْقَفُ﴾ تتناول وتبتلع بسرعة. ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ يقلبون بتمويههم، أو يكْذِبون وبموهون، مأخوذ من الإفك: وهو قلب الشيء عن وجهه الأصلي، وهو إما أن يكون بالقول الكاذب، وإما أن يكون بالفعل كالسّحر. والمأفوك: المصروف عن وجهته الأصلية، قال تعالى: ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة ٧٥/٥ ومواضع أخرى] أي يصرفون عن الحقّ في الاعتقاد إلى الباطل، ومنه سميت الرِّياح المعدولة عن مهابها مؤتفكة، كما قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَتُ بِالْخَطِثَةِ﴾ [الحاقة: ٩/٦٩] أي أهل تلك القرى، وهي قرى قوم لوط. التفسير والبيان: هذا هو الفصل الخامس من قصة موسى مع فرعون، وهو موقفه من السّحرة. وهو إخبار من الله تعالى إلى رسوله موسى عليه السّلام في ذلك الموقف العظيم الذي فرّق فيه بين الحق والباطل، ومضمون الإخبار: إلقاء ما في يمينه وهي عصاه. أوحى الله إلى موسى وأمر بإلقاء عصاه، التي تحولت إلى ثعبان عظيم، فإذا هي تبتلع ما ألقوه، وموّهوا به أنه حق وهو باطل، أو ما يقلبونه من الحقّ إلى الباطل ويزوِّرونه. قال ابن عباس: فجعلت لا تمرّ بشيء من حبالهم ولا من خشبهم إلا التقمته، فعرفت السّحرة أن هذا شيء من السّماء، ليس بسحر، فخرّوا سُجَّداً، وقالوا: ﴿ءَمَنَّا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. وكانوا قد جعلوا الحبال مجوَّفة محشوّة بالزّئبق، وقد تحرّكت بتأثير الحرارة: إما بحرارة الشَّمس حين أصابتها، وإما بنار أُعدت لها. ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾ أي فثبت الحقّ وظهر كالشَّمس، وفسد ما كان السّحرة يعملون من الحيل والتّخييل، وذهب تأثيره، وأدركوا أن فعل موسى فوق السّحر. ٤٨ الُ (٩) - الأَّغَافِن: ١١٧/٧-١٢٢ وغُلب السّحرة في ذلك الجمع العظيم بأمر الله وقدرته، وانقلب فرعون وقومه معه صاغرين أذلّة، بما لحقهم من عار الهزيمة والخيبة والخذلان، لكن السَّحرة آمنوا. وأُلقي السّحرة عند ذلك وعند معاينة المعجزة سُجَّداً لربهم؛ لأنّ الحقّ بهرهم وحملهم على السُّجود، وقالوا: صدّقنا وآمنّا بربِّ العالمين، ربِّ موسى وهارون، أي ربِّ جميع الأشياء والخلائق من الإنس والجنّ. وكان هؤلاء منسجمين مع أنفسهم، منطقيين في تصرّفهم، فلم یکابروا، وإنما كانوا صادقين مع نفوسهم، بدليل أن فرعون قبل المبارزة دعا رؤساء السّحرة ومعلميهم، فقال لهم: ما صنعتم؟ قالوا: قد عملنا سحراً لا يطيقه سحرة أهل الأرض، إلا أن يكون أمراً من السّماء، فإنه لا طاقة لنا به. فقه الحياة أو الأحكام: الآيات إظهار واضح لقدرة الله تعالى بإعدام الحبال والعصي وإذهابها من الوجود، مما يدلّ على وجود الإله القادر المختار، وعلى المعجز العظيم لموسى عليه السّلام، والحسم القاطع بين الحقّ والباطل. ولكن المشكلة تكمن في مواقف البشر، فالمعاندون وهم فرعون وقومه، بالرغم من عار الهزيمة والخذلان، ظلّوا على وضعهم من الكفر والعناد والتكذيب، وهو طيش وخفّة عقل ومكابرة للحقّ. وأما السّحرة البسطاء في الظاهر، والعقلاء في الحقيقة والواقع، فإنهم عرفوا أن فعل موسى ليس من قبيل السّحر، وإنما هو معجزة سماوية إلهية، فلم يتمالكوا أنفسهم، وخرّوا ساجدین لربّهم، خاضعين لإله الكون. فما أحرى الناس بتقليد هؤلاء ونبذ أولئك !! ذلك لأنّ السّحرة كانوا مهرة في علم السّحر، متقنين لفنونه وأنواعه، ولأجل مهارتهم وإتقانهم وكمال علمهم بالسّحر انتقلوا من الكفر إلى الإيمان. ٤٩ لُعُ (٩) - الأَغْرَافِ: ١٢٣/٧ -١٢٦ على أن واحتجّ أهل السُّنّة بقوله تعالى: ﴿وَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ غيرهم ألقاهم ساجدين، وما ذاك إلا الله ربّ العالمين. وهذا يدلّ على أن فعل العبد من خلق الله تعالى، فهو سبحانه هو خالق الميل إلى الإيمان في قلوبهم. ولما ظفروا بمعرفة الله تعالى في الحال، جعلوا سجودهم شكراً لله تعالى على الفوز بالمعرفة والإيمان، وعلامة أيضاً على انقلابهم من الكفر إلى الإيمان، وإظهار الخضوع والتّذلل لله تعالى. ولما قالوا: ﴿وَهَرُونَ﴾ زالت الشُّبهة في أن المقصود ليس فرعون مربِّي موسى، وإنما المقصود هو إله السّماء، وإعلان الكفر بفرعون؛ إذ أنهم لما قالوا: ﴿ءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ قال لهم فرعون: إياي تعنون؟ فلما قالوا: ﴿رَبِّ مُوسَى﴾ قال: إياي تعنون؛ لأني أنا الذي ربَّيت موسى، فلما قالوا: ﴿وَهَرُونَ﴾ زالت الشِّبهة وعرف الكل أنهم كفروا بفرعون وآمنوا بإله السّماء. تهديد فرعون للسحرة وإصرارهم على الإيمان بالله ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ ءَامَنتُم بِهِ، قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى الْمَدِينَةِ لُقَطِعَنَّ أَيْدِيَّكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلَفٍ ثُمَّ لِنُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (﴿ قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِنَا مُنْقَلِبُونَ لَأُصَلِبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٢٩) وَمَا نَنِقِمُ مِنَّا إِلَّ أَنْ ءَامَنَا بِثَايَتِ رَبِّنَا لَمَّا جَ تْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَنَا مُسْلِمِينَ المفردات اللغوية: ﴿ءَامَنْتُم﴾ استفهام معناه الإنكار والاستبعاد ﴿لَمَكْرُ﴾ المكر: صرف الإنسان غيره عما يريده بحيلة، والمعنى: إن هذا لحيلة احتلتموها أنتم وموسى في مصر، قد تواطأتم على ذلك لغرض لكم، وهو أن تخرجوا منها القبط، وتسكنوها بني إسرائيل. وكان هذا الكلام من فرعون تمويهاً على الناس، لئلا يتّبعوا السّحرة في الإيمان. ٥٠ لُ (٩) - الأَغْرَافِ :: ١٢٣/٧-١٢٦ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما ينالكم مِّي. ﴿لَأُقَطِعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلَفٍ﴾ أي يد كل واحد اليمنى ورجله اليسرى وبالعكس، والصّلب: الشّدّ على خشبة ونحوها. ﴿ مُنْقَلِبُونَ﴾ راجعون في الآخرة. ﴿نَنِقِمُ﴾ تنكر. ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ أفض علينا صبراً يغمرنا كغمرة الماء، أي هب لنا صبراً واسعاً، عند فعل ما توعدنا به فرعون، لئلا نرجع كفاراً. ﴿ وَتَوَفََّا مُسْلِمِينَ﴾ ثابتين على الإسلام. التفسير والبيان: هذا هو الفصل السادس من قصّة موسى مع فرعون، فيه يخبر الله تعالى عما توعّد به فرعون السّحرة لما آمنوا بموسى عليه السّلام، وبما ردّوا به عليه من تسليم أمرهم الله؛ لأن مصيرهم إليه في الآخرة. ومعنى ﴿ءَامَنْتُمْ﴾ على أنه إخبار بخبر: صدقتم، ويراد به التّوبيخ، وعلى أنه استفهام يراد به الإنكار والاستبعاد، أي آمنتم بموسى واتبعتموه في رسالته قبل أن آذن لكم بذلك. إن صنعکم هذا وغلبته لكم في هذا اليوم، إنما كان عن تشاور منکم ورضا منكم لذلك، كقوله في الآية الأخرى: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيْرُّكُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السِّحْرِّ﴾ [طه: ٧١/٢٠]. إنكم دبّرتم هذه المؤامرة في هذه المدينة لتخرجوا المصريين منها بسحركم، وتسكنوا فيها مع بني إسرائيل، فسوف تعلمون ما أصنع بكم من العذاب والنكال على هذا المكر. وهذا القول من فرعون مجرّد تمويه وتدليس وتغطية للهزيمة، لئلا يتّبعوا السّحرة في الإيمان، كما قال تعالى: ﴿فَأَسْتَخَفَّ قَوْمَهُ، فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف: ٥٤/٤٣]؛ إذ إنه يعلم أن هذا قول باطل، فهو الذي أرسل جنوده في مدائن مملكته، لجمع السّحرة المتفرّقين من سائر الأقاليم بمصر، ووعدهم بالعطاء الجزيل، وموسى عليه السّلام لا يعرف أحداً منهم، ولا رآه ولا اجتمع به، وفرعون يعلم بذلك. ٥١ الُ (٩) - الأَغْرافة: ١٢٣/٧-١٢٦ وقد استفاد فرعون هذه الفكرة أي الاتّهام بالمكر والمؤامرة من مناقشة دارت بين موسى وكبير السّحرة قبل المبارزة، روي أن موسى عليه السّلام قال لأمير السَّحرة أو للسّاحر الأكبر: أتؤمن بي إن غلبتك؟ قال: لآتين بسحر لا يغلبه سحر، وإن غلبتني لأومنن بك. وفرعون يسمع ذلك، فلذلك قال ما قال. وبعد أن أجمل الوعيد السابق بقوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ فَصَّلَهُ بقوله: ◌ْلَأُقَطِعَنَّ أَيْدِيَكُمْ﴾ يعني قَسَماً لأقطعنّ الأيدي والأرجل من خلاف، ثم الأصلبنّ كل واحد على جذوع الشّجر، كما قال: ﴿فِ جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١/٢٠] أي على الجذوع، لتكونوا عبرة لمن يكيد لنا ويخرج عن سلطاننا، قال ابن عباس: وكان أوّل من صلب، وأوّل من قطّع الأيدي والأرجل من خلاف: فرعون. فأجابه السّحرة على تهديده ووعيده: إنّنا لا نأبه بالقتل ولا نبالي بالموت؛ لأننا قد تحقّقنا أنّا إلى الله راجعون، ففي الآخرة يوم الجزاء، فيئيبنا على شدائد القطع والصَّلب، ونريد أن نفدي أنفسنا من عذاب الله، فعذابه أشدّ من عذابك، ونكاله على ما تدعونا إليه اليوم، وما أكرهتنا من السّحر، أعظم من نكالك، فلنصبرنّ اليوم على عذابك، لنخلص من عذاب الله، كما قال تعالى: ﴿ قَالُواْ لَا ضَيْرٌّ لِنَّا إِلَى رَيْنَا مُنْقَلِبُونَ ﴿ إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَا رَبُّنَا خَطَنَآ أَنْ كُتَّ أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥)﴾ [الشعراء: ٥٠/٢٦-٥١]. ويحتمل - كما ذكر الزّمخشري - أن يكون المعنى: إنّا جميعاً نحن وأنت يا فرعون، سننقلب إلى الله، فيحكم بيننا. وفي هذا إيماء إلى تكذيبه في ادِّعاء الرّبوبيّة، وإيثار ما عند الله على ما عنده من شهوات الدُّنيا الفانية. وما تعيب منّا إلا الإيمان بآيات الله، الذي هو خير الأعمال، وأصل المناقب والمفاخر كلها. وفي هذا إعلان لقرار لا رجعة فيه، وكأنّهم يقولون: لا أمل لك في رجوعنا عن إيماننا. ٥٢ لُرُءُ (٩) - الَّغرافِ :: ١٢٣/٧-١٢٦ ربَّنا هب لنا صبراً واسعاً، وعمنا بالصبر على دينك والثَّبات عليه، واغمرنا به حتى يفيض علينا كما يغمر الماء الأشياء. والظاهر أنّ فرعون نفَّذ تهديده ووعيده فعلاً، بدليل قوله تعالى في بداية القصّة: ﴿فَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي فرعون وجماعته. قيل: إنّ فرعون أخذ السَّحرة، وقطعهم على شاطئ النهر، وإنه آمن بموسى عند إيمان السّحرة ست مئة ألف. ﴿وَتَوَقَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ أي ثابتين على الإسلام، متابعين لنبيِّك موسى عليه السّلام، وقالوا لفرعون: ﴿فَقْضِ مَآ أَنْتَ قَاضِ إِنَّمَا نَقْضِى هَذِهِ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَاً ، إِنَّاَ ءَامَنَا بِرَبِنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَنَا وَمَّآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السّحْرِّ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىَ ◌ِنَُّ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْنَى (49) وَمَن يَأْتِّهِ، مُؤْمِنًا [طه: ٢٠ / ٧٢ -٧٥]. قَدْ عَمِلَ الصَِّحَتِ فَأُوْلَِّكَ لَهُمُ اُلَّرَحَتُ الْعُلَى قال ابن كثير نقلاً عن ابن عباس وغيره: فكانوا في أوّل النهار سحرة، فصاروا في آخره شهداء بررة. فقه الحياة أو الأحكام: حاول فرعون إنقاذ نفسه من عار الهزيمة، فلما علم أن أمهر الناس بالسحر أقر بنبوّة موسى عليه السّلام أمام الخلق الكثير، والحشد العظيم، خاف أن يصير ذلك حجّة قويّة عند قومه على صحّة نبوّة موسى عليه السّلام، فألقى في الحال نوعين من الشُّبهة إلى إسماع العوام(١): الشُّبهة الأولى: قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾ أي إن إيمان هؤلاء بموسى عليه (١) تفسير الرازي: ٢٠٧/١٤ - ٢٠٨ ٥٣ الجُزُ (٩) - الأَغراف: ١٢٣/٧-١٢٦ السّلام ليس لقوّة الدَّليل، بل لأجل التّواطؤ مع موسى على الإيمان به والإقرار بنبوّته. والشُّبهة الثانية: أنّ الهدف من التّواطؤ إخراج قوم فرعون من المدينة وإبطال ملكهم والاستيلاء على مصر. ولا شكّ أن مفارقة الوطن والنّعمة المألوفة من أصعب الأمور، فجمع فرعون بين الشُّبهتين، لتغطية آثار الهزيمة، وإبقاء التّماسك حوله. ثم أتبع فرعون التّدليس والتّمويه بالتهديد والوعيد للسّحرة، وبالتّنكيل الشَّديد بهم، وتقطيع أطرافهم، وصلبهم، قال ابن العربي: هذا يدلّ على أنّ الصَّلب وقطع اليد والرّجل من خلاف كان عقوبة متأصِّلة عند الخلق، تلقَّفوها من شرع متقدِّم، فحرَّفوها حتى أوضحها الله في ملّة الإسلام، وجعلها أعظم العقوبات لأعظم الإجرام أي عقوبة المحاربين(١). ولكن غباء فرعون وجماعته وكل الكفار جعلهم لا يدركون ما الذي يفعله الإيمان الحقّ من الأعاجيب، فلم يبالوا بالموت، وطلبوا الثَّبات على الإسلام، والعون على إفراغ الصَّبر عليهم عند القطع والصَّلب. وإذا كان الإيمان بالدِّين الحقّ والصَّبر على الشَّدائد من خَلْق الله تعالى، كما يقول أهل السُّنّة، فإنّ اتِّجاه إرادة الإنسان للأخذ بهما، والاستعانة بالله للثّبات على الإسلام، دليل على استحقاق العبد الثّواب على ما اتّجهت إليه إرادته، إذ لو كان الإيمان مجرّد منحة من الله، لما كان هناك داعٍ الإثابة المؤمن، وتعذيب الكافر. (١) أحكام القرآن: ٧٧٩/٢ ٥٤ الجُزُ (٩) - الأَغَرَافِن: ١٢٧/٧-١٢٩ وموقف السّحرة وإعلان إيمانهم بجرأة وصراحة يدلّ على أنّ الإنسان إذا تجرّد عن هواه، وأذعن للعقل والفكر السَّليم، بادر إلى الإيمان عند ظهور الأدلّة عليه. وصلابة السّحرة ومن تابعهم في إيمانهم أحد المظاهر التي تدلّ على أنّ الإيمان الرّاسخ في النّفس يكون أعزّ وأمنع من الجبال الرّاسيات. وقد دلّت التجارب وأثبت التاريخ قديماً وحديثاً أنّ أهل الإيمان بالله واليوم الآخر هم أشدّ الناس حزماً، وأكثرهم شجاعةً وصبراً في أوقات الأزمات والمحن والحروب، والأمثلة كثيرة في تاريخ الإسلام قديماً في الفتوحات، وحديثاً في لقاء اليهود وأمثالهم في فلسطين والجزائر والهند وأفغانستان وغيرها. تمالؤ فرعون وملئه على موسى وقومه ونصيحة موسى لقومه وحوارهم معه ﴿ وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِ اُلْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَنَّكَّ قَالَ سَنُقَئِّلُ أَبْنَءَهُمْ وَنَسْتَجِىءٍ نِسَآءَ هُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَهِرُونَ (ج) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أَسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ قَالُواْ أُوَذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا ٢٨١ عِبَادِهِ، وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ جِئْتَنَأَ قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِىِ اٌلْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ القراءات: ﴿سَنُقَئِلُ﴾: وقرأ نافع، وابن كثير (سَنَقْتُل). ٥٥ لِلُعُ (٩) - الأَغراف: ١٢٧/٧ -١٢٩ ﴿جِئْتَنَا﴾ : وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (جيتنا). الإعراب: ﴿وَيَذَرَكَ﴾ معطوف على: يفسدوا، والواو عاطفة، ويصحّ أن تكون حالية. المفردات اللغوية: ﴿اَلْمَلَأُ﴾ كما تقدّم: السّادة والأشراف. ﴿أَتَذَرُ﴾ أتترك. ﴿لِيُفْسِدُوا فِى اُلْأَرْضِ﴾ بالدّعوة إلى مخالفتك. ﴿وَيَذَرَكَ﴾ يتركك. ﴿وَءَالِهَنَّكَ﴾ كان صنع لهم أصناماً صغاراً يعبدونها، وقال: أنا ربّكم وربها، ولذا قال: أنا ربّكم الأعلى. والواو في قوله ﴿ وَيَذَرَكَ﴾: قيل: إنّها حالية، أي أتذروه وقومه يفسدون وقد ترك عبادتك؟ وقيل: هي عاطفة، أي أتدعهم يصنعون من الفساد ما قد أقررتهم عليه وعلى ترك آلهتك. ﴿سَنُقَئِلُ أََّهُمْ﴾ المولودين. ﴿وَنَسْتَحِ﴾ نستبقي. ﴿نِسَآءَهُمْ﴾ أحياء كما فعلنا بهم من قبل. ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ فَهِرُونَ﴾ قادرون، ففعلوا بهم ذلك، فشكا بنو إسرائيل. ﴿يُورِثُهَا﴾ يعطيها. ﴿وَالْعَقِبَةُ﴾ المصير المحمود. لِلْمُتَّقِينَ﴾ الله. التفسير والبيان: هذا هو الفصل السّابع من قصّة موسى مع فرعون، يخبر فيه الله تعالى عن تمالؤ فرعون وملئه على موسى وقومه، وما أضمروه لهم من الأذى والبغضاء، بعد إيمان السّحرة بموسى وانضمامهم له على مشهد من الجموع الغفيرة. والمعنى: وقال أشراف قوم فرعون لفرعون: أتترك موسى وقومه أحراراً، ٥٦ لِزُ (٩) - الْأَغَافِ :: ١٢٧/٧ -١٢٩ فيتمكّنوا من إفساد رعيّتك، بإدخالهم في دينهم، أو جعلهم تحت سلطانهم وقيادتهم، ويدعوهم إلى عبادة ربّهم دونك، ويتركك مع آلهتك فلا يعبدونك ولا يعبدونها كما قررت؟! ومن المعروف في التّاريخ المصري القديم أنه كان للمصريين آلهة كثيرة منها (الشمس) ويسمّونها (رع) وفرعون عندهم سليل الشَّمس وابنها. قال الحسن البصري: كان فرعون يعبد الأصنام، فكان يَعْبُد ويُعْبَد. قال التّيمي: كان يعبد شيئاً كان قد جعله في عنقه. فأجابهم فرعون: سنقتل أبناء بني إسرائيل تقتيلاً، ونستبقي نساءهم أحياءً، كما كنّا نفعل من قبل، فلا يتكاثرون حتى ينقرضوا، وإنّا مستعلون عليهم، قاهرون لهم، فلا يقدرون على أذانا ولا الإفساد في أرضنا، ولا الخروج من سلطاننا. وفي موقف آخرِ هم فرعون بقتل موسى كما جاء في قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْثُ ذَرُونِيّ أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ: إِنَّ أَخَافُ أَنْ يُّبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ اَلْفَسَادَ [غافر: ٢٦/٤٠]. وحين قال فرعون: ﴿سَنَفَثِّلُ أَّاءَهُمْ﴾ وسمع الإسرائيليّون ذلك، فزعوا وجزعوا وتضجّروا، فطمأنهم موسى ونصحهم وقال لهم: استعينوا بالله وحده، واطلبوا العون والتأييد منه على رفع ذلك الوعيد عنكم، واصبروا ولا تحزنوا، فالله هو المعين على الشّدائد، والصَّبر سلاح المؤمن ومفتاح الفرج، واعلموا أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده. وهذا وعد لهم بالنّصر، وأنّ الدّار ستصير لهم. واللام في ﴿إِنَ الْأَرْضَ لِلَّهِ﴾ يجوز أن تكون للعهد، ويراد أرض مصر خاصة، كقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ [الزمر: ٧٤/٣٩]، ويجوز أن تكون للجنس، فيتناول أرض مصر؛ لأنها من جنس الأرض. ثم بشّرهم بحسن الخاتمة والعاقبة، فقال: ٥٧ لِلُ (٩) - الأَغْرَافِ: ١٢٧/٧-١٢٩ واعلموا أن العاقبة الحسنى والخاتمة المحمودة لمن اتّقى الله، والنّصر للمؤمنين، لا كما يتوهّم فرعون وقومه. ثم دار حوار بين بني إسرائيل وموسى، وكأنّ الوصية لم تؤثِّر فيهم، ولشدّة فزعهم من فرعون وقومه، فقالوا: أوذينا من قبل مجيئك وقبل ولادتك، ومن بعد إرسالك، وفعلوا بنا مثلما رأيت من الهوان والإذلال من قبل ما جئت يا موسى، ومن بعد ذلك، فقتلوا أولادنا، وعذّبونا وأساؤوا لنا، واليوم يتكرر ما كان في الماضي، وتعود المأساة، كما تسمع من الوعيد والتّهديد. فأجابهم موسى مؤكّداً نصر الله لهم، وما يصيرون إليه في المستقبل القريب، وثقته بالله تعالى، ومبشّراً بهلاك فرعون واستخلافهم بعده في أرض مصر: أملي بالله ورجائي بفضله، والله محققه بمشيئته: أن يهلك عدوّكم فرعون وقومه، ويجعلكم خلفاء في الأرض من بعدهم، فينظر عملكم الكائن منكم، حَسَنه وقبيحه، وشكر النّعمة وكفرانها، وسيجازيكم على حسب ما يوجد منكم، إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشرّ. وهذا حضّ لهم على العزم على الشكر عند حلول النّعمة، وزوال النّقمة. وعبَّر بالرّجاء دون الجزم بذلك، لتفويض المشيئة الله تعالى، ولئلا يتركوا العمل ويتكلوا على ذلك. قال سيبويه: عسى: طمع وإشفاق. وقال الزّجاج: وما يطمع الله تعالى فيه فهو واجب. فقه الحياة أو الأحكام: لم يختلف واقع التّاريخ في الماضي والحاضر والمستقبل بالنّسبة للأقوياء والضُّعفاء، فإن صاحب القوّة والسُّلطة يعتمد على سلطانه وبأسه، فيشيع بين الناس الرّهبة والذّعر والخوف، ويعلن الإنذار والتّهديد والوعيد. المنتفعون من السّلطة لسان حالهم ومقالهم وفعلهم فعل تلك السّلطة، لذلك حرّض السّادة والأشراف من قوم فرعون على موسى وبني إسرائيل. ٥٨ لُ (٩) - الأَغَرَافِن: ١٢٧/٧-١٢٩ وكانت استجابة فرعون الطاغية للتحريض فورية، فجدّد تنكيله ببني إسرائيل وهو قتل أولادهم بعد الولادة، وتشديد قبضة السّلطة عليهم، ليظلّوا مقهورین أذلاء خائفین خاضعین له. أمّا موسى فكان فرعون كلما رآه خافه أشدّ الخوف، لذا لم يتعرّض له، مع أنّ قومه لم يعرفوا ذلك، فحملوه على أخذه وحبسه، ولكنه لم يحبسه لعدم الاهتمام به، ولعدم خوفه في الظاهر منه. وأمّا المستضعفون بقيادة موسى فلا أمل لهم إلا بالله، ولا ملجأ إلا إليه، لذا طلب موسى من قومه أن يطلبوا العون والتأييد من الله تعالى، وأن يتذرّعوا بالصَّبر، فإن صدقوا في إيمانهم، وصبروا على بلائهم، حقّق الله لهم الغلبة والنّصر، وجعل العاقبة الحسنة لهم لتقواهم. أمرهم موسى بشيئين، وبشّرهم بشيئين : أمّا اللّذان أمر موسى عليه السّلام بهما: فهما الاستعانة بالله تعالى، والصَّبر على بلاء الله. وإنّما أمرهم أوّلاً بالاستعانة بالله، فلأن من عرف أنه لا مدبّر في العالم إلا الله تعالى، انشرح صدره بنور معرفة الله تعالى، وحينئذٍ يسهل عليه أنواع البلاء، ولأنه يرى عند نزول البلاء أنّه إنما حصل بقضاء الله تعالى وتقديره. وأمّا اللّذان بشّر بهما، فالأوّل: وراثة الأرض، وهذا إطماع من موسى قومه في أن یورثهم الله تعالى أرض فرعون بعد إهلاكه، وذلك معنی الإرث: وهو جعل الشيء للخلف بعد السَّلف. والثَّاني: قوله: ﴿وَالْعَقِبَةُ لِلْمُنَّقِينَ﴾ أي العاقبة الحسنى والمصير الأفضل ٥٩ اِلُ (٩) - الأَغْرَافِ: ١٣٠/٧-١٣٣ لكل من اتّقى الله تعالى وخافه، سواء في الدّنيا أو الآخرة، أما في الدّنيا فهو الفتح والنّصر على الأعداء، وأمّا في الآخرة فهو نعيم الجنة(١). ولكن النّفس البشرية تخاف عادة من تهديد صاحب السّلطة، فخاف بنو إسرائيل؛ لأنهم كانوا قبل مجيء موسى عليه السّلام مستضعفين في يد فرعون، فكان يأخذ منهم الجزية، ويستعملهم في الأعمال الشّاقة، ومنعهم من التّرقُّه والتّنقُم، ويقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم. فلما بعث موسى عليه السّلام قوي رجاؤهم في زوال تلك المضار والمتاعب، فلما سمعوا إعادة تهديد فرعون، عظم خوفهم وحزنهم، فقالوا: ﴿أُوَذِينَا مِن قَبْلِ﴾. أمّا نبي الله موسى فأعلن بشارته بإهلاك فرعون، وقوَّى قلوبهم بما وعدهم من خلافة الأرض، ليتمسّكوا بالصبر، ويتركوا الضّجر والجزع المذموم، ثم بَيَّن بقوله: ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ ما يريده من حثّهم على التّمسُّك بطاعة الله، والاستعداد لشكر النّعمة، وزوال النّقمة. وقد تحقّق الوعد بالإغراق وبأنواع العذاب الآتية في الآيات التّالية. أنواع عذاب الدُّنيا بآل فرعون الآيات التسع ١٣٠ ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ فَإِذَا جَآءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ، وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيُِّواْ بِمُوسَى وَمَنْ مَّعَةُ: أَّ إِنَّمَا طَِرُهُمْ عِندَ الَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ . وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْيِنَا بِهِ، مِنْ ءَايَةٍ لِنَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْطُوفَانَ وَاَلْجَرَادَ وَالْفُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالذَّمَ ءَايَتٍ مُّفَضَّلَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ (١) تفسير الرازي: ٢١٢/١٤ ٦٠ لِلُعُ (٩) - الَغَرَافِي: ١٣٠/٧-١٣٣ الإعراب: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا﴾ ﴿مَهْمَا﴾: اسم شرط، والدَّليل على أنه اسم عود الضمير إليه من قوله تعالى: ﴿ثَأَلِنَا بِ﴾ وهو منصوب بفعل: ﴿تَأْيِنَا﴾ على قول من قال: زيداً ضربته، ويجوز أن یکون في موضع رفع، علی قول من قال: زید ضربته، و﴿نَأيِنَا﴾: مجزوم بمهما؛ لأنه شرط، وجواب الشّرط قوله تعالى: ﴿فَمَا نَحْنُ لَّكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ءَايَتٍ مُّفَصَّلَتٍ﴾ حالٍ منصوب مما قبله من الأشياء المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَأَرَسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْطُوفَانَ﴾ والعامل: أرسلنا. البلاغة: بين ﴿اَلْحَسَنَةُ﴾ و﴿سَبِّئَةٌ﴾ طباق. وبين ﴿طَِّرُهُمْ﴾ و﴿يَطَّيِّرُواْ﴾ جناس اشتقاق. المفردات اللغوية: ﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ كثر استعمال الأخذ فى العذاب، كقوله : وَلَقَدْ أَخَذَنَا [هود: ١٠٢/١١]. رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ اٌلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَةُ إِنَّ أَخْذَهُ، أَلِمٌ شَدِيدُ ﴿ءَالَ فِرْعَوْنَ﴾ قومه وخاصته، وهم الملأ من قومه، ولا يستعمل الآل إلا فيمن يختص بقرابة مثل: ﴿وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران: ٣٣/٣] أو يختصّ بموالاة ومتابعة في الرّأي مثل: ﴿أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اُلْعَذَابِ﴾. [غافر: ٤٠ /٤٦]. ﴿بِالسّنِينَ﴾ جمع سنة وهي الحول، لكن كثر استعمالها في حول الجدب والقحط، كما هنا، فيكون المراد منها القحط، بدليل نقص الثّمرات ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾ يتعظون فيؤمنوا. ﴿الْحَسَنَةَ﴾ الخصب والنّماء والرّخاء. ﴿قَالُواْ لَنَا هَذِهِ﴾ أي نستحقها ولم يشكروا عليها. ﴿سَيِّئَةَ﴾ جدب أو بلاء في