النص المفهرس

صفحات 621-640

٦٢١
الزُُّ (٨) - الأَشْرَافِ: ٥٩/٧-٦٤
وكان ابن نوح في عداد الهالكين؛ لأنه كان ظالماً كافراً، بدليل تمام الآية
الأولى: ﴿ وَلَا نَزِدِ الَّلِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ والظلم هو الكفر. وهذا ابن نوح حقيقة
في رأي جماعة، وقال آخرون: إنه كان ابن امرأته من غيره، ولم يكن ابناً
حقیقیاً له.
وكانت امرأة نوح تقول: زوجي مجنون، كما كانت امرأة لوط تدل الناس
على ضيفه إذا نزلوا به: ﴿ضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُواْ أَمْرَأَتَ نُوحٍ وَأَمْرَأَتَ
لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اْللَّهِ
[التحريم: ١٠/٦٦].
شَيْئًا وَقِيلَ أَدْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ
ولم ينص القرآن الكريم على حجم السفينة، وإنما أشير إليها بأنها ﴿اُلْفُلْكِ
اُلْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١/٣٦] وبأنها ﴿ذَاتِ أَلْوَجِ وَدُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣/٥٤] أي
مسامير، وبأن صناعتها بوحي من الله وإلهام: ﴿وَأَصْنَعِ اٌلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا
وَوَحْيِنَا﴾ [هود: ٣٧/١١].
التفسير والبيان:
أقسم الله تعالى لأهل مكة وغيرهم بأنه أرسل نوحاً إلى قومه الإنذارهم،
ودعوتهم إلى توحيد الله، وعبادته دون سواه، فقال لهم: ﴿يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا
لَكُم مِّنْ إِلَه غيرُهُ﴾ أي توجهوا بعبادتكم إلى الله وحده لا شريك له، إذ ليس
لكم إله غير الله، تتوجهون إليه بالعبادة والدعاء وطلب الخير، فالله هو خالق
كل شيء، وبيده ملكوت السماوات والأرض، وهو الإله الحق القائم على هذا
الكون، وهو المستحق للعبادة والتقديس والتعظيم.
﴿إِنَّ أَخَافُ﴾ إني أخاف عليكم بسبب الشرك عذاب يوم عظيم من عذاب
يوم القيامة إذا لقيتم الله، وأنتم تشركون به. فاليوم العظيم: هو يوم القيامة،
أو يوم نزول العذاب عليهم، وهو الطوفان.

٦٢٢
لُرُ (٨) - الَّغرافي: ٥٩/٧-٦٤
وموقع الجملتين بعد قوله: ﴿أُعْبُدُواْ اللَّهَ﴾: أن الأولى: بيان لوجه
اختصاصه بالعبادة، والثانية: بيان للداعي إلى عبادته.
قال الملأ من قومه أي أشراف القوم والسادة والقادة: إنا لنراك في دعوتك
إيانا إلى ترك عبادة الأصنام لفي غمرة من الضلال أحاطت بك، وهكذا حال
الفجار يرون الأبرار في ضلالة، وهم أعداء دائماً للهداة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا
رَأَوْهُمْ قَالُواْ إِنَّ هَؤُلَاءٍ لَضَالُونَ
اُلّذِينَ
وَقَالَ
[المطففين: ٣٢/٨٣] وقوله :
كَفَرُوا لِلَّذِينَ ءَامَنُوْ لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ، فَسَيَقُولُونَ
﴾ [الأحقاف: ١١/٤٦].
هَذَا إِنْكُ قَدِيمٌ
قال نوح مجيباً لهم: يا قوم، ما أنا فيما أمرتكم به من توحيد الله وعبادته
دون الأنداد بضال عن جادة الحق، ولكن أنا رسول من رب العالمين إليكم،
ربِّ كل شيء ومليكه، أهديكم إلى سبيل الرشاد، وأدعوكم إلى ما فيه
سعادتكم في الدنيا والآخرة. والضلالة كما ذكر الزمخشري أخص من
الضلال، فكانت أبلغ في نفي الضلال عن نفسه، كأنه قال: ليس بي شيء من
الضلال.
أبلغكم ما أرسلني به ربي من الدعوة إلى التوحيد الخالص، والإيمان بالله
وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وما اشتمل عليه من جنة ونار، وثواب
وعقاب، وأبيِّن لكم أصول العبادات والمعاملات وأحكامها العامة وفضائل
الأخلاق والآداب، وفي الجملة: كل الأوامر والنواهي والمواعظ والزواجر
والبشائر والنزائر.
وأنصح لكم نصحاً خالصاً من شوائب المصلحة والمكر، بتحذيركم من
عقاب الله علی کفرکم وتکذیبکم لي. روى مسلم وأبو داود والنسائي عن تميم
الداري أن رسول الله وَ﴿ قال: ((الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟.
قال: لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم)).

٦٢٣
الُ (٨) - الأغراف: ٥٩/٧-٦٤
وأنا في هذا التبليغ والنصح أعلم من الله وشؤونه مالا تعلمون من مصير
هذا العالم، وإن إنذاري عاقبة الشرك بعذاب الدنيا، ونصحي لكم ناشئ عن
علم يقيني لا تعلمونه. وهذا شأن الرسول: أن يكون مبلِّغاً فصيحاً ناصحاً
عالماً بالله. ويكون المقصود من قوله: ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ حمل
القوم على أن يرجعوا إليه في طلب العلوم المتعلقة بتوحيد الله وصفات جلاله،
وعقابه الشديد في الدنيا والآخرة على عصيان أوامره.
جاء في صحيح مسلم أن رسول الله ◌َ ر قال لأصحابه يوم عرفة، وهم
أوفر ما كانوا وأكثر جمعاً: ((أيها الناس، إنكم مسؤولون عني، فما أنتم
قائلون؟ قالوا : نشهد أنك قد بلغت وأدیت ونصحت، فجعل يرفع أصبعه إلى
السماء، وينكسها عليهم ويقول: اللهم اشهد، اللهم اشهد».
ثم أخبر الله تعالى عن نوح أنه قال لقومه: أكذبتم وعجبتم أن جاءکم ذكر
يذكّركم، ووعظ من ربكم، على لسان رجل منكم، ليحذّركم عاقبة كفركم،
وينذركم عاقبة الشرك في العبادة، وليعدّكم بالتقوى (أي التزام الأوامر.
واجتناب النواهي) لرحمته تعالى التي ينزلها على المؤمنين، أو ليوجد فيكم
التقوى وهي الخشية بسبب الإنذار، ولترحموا بالتقوى إن وجدت منكم.
ليس هذا بعجب أن يوحي الله إلى رجل من جنسكم، رحمة بكم، ولطفاً
وإحساناً إليكم، لينذركم، ولتتقوا نقمه ولا تشركوا به، وليرحمكم ربكم
بطاعته والإيمان برسله.
لكنهم لم يُصغوا لنداء الحق والإخلاص هذا، وتمادوا في تكذيبه ومخالفته
من قبل الأكثرية، وما آمن معه منهم إلا قليل، كما قال تعالى في موضع آخر :
﴿وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠/١١] قيل: كانت عدتهم ثلاثة عشر:
نوح وبنوه: سام وحام ويافث وزوجاتهم، وستة آخرون آمنوا به. وقيل:
كانوا أربعين أو ثمانين: أربعين رجلاً وأربعين امرأة.

٦٢٤
لُ (٨) - الأَغَافِ: ٥٩/٧-٦٤
فكان العقاب إغراقهم بالطوفان: ﴿ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ﴾ أي وأغرقنا
الذين كذبوا بآياتنا أو جحدوا بها بالطوفان، بسبب كفرهم وتماديهم في
ضلالهم وشركهم، إنهم كانوا قوماً عُمْياً عن الحق، لا يبصرونه ولا يهتدون
له. فقوله: ﴿عَمِينَ﴾ يراد به عُمْيُ القلوب غير مستبصرين، والفرق بين
العَمِيّ والأعمى أن الأول بسبب عمى البصيرة، والثاني بسبب عمى البصر.
ونجى الله رسوله نوحاً والمؤمنين القلائل معه.
وهكذا بيَّن الله تعالى في هذه القصة أنه انتقم لأوليائه من أعدائه، وأنجى
رسوله والمؤمنين، وأهلك أعداءهم من الكافرين، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا
لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ
٥١
[غافر: ٥١/٤٠].
فاحذروا أيها المخاطبون بدعوة الإسلام أن تكونوا مثلهم، أو تسيروا على
منوالهم. وسيأتي في سورة هود تفصيل أشمل لهذه القصة.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت قصة نوح عليه السلام على أنه اهتم في دعوة قومه بثلاثة عناصر:
أحدها : أنه أمرهم بعبادة الله تعالى.
والثاني: أنه حكم أن لا إله غير الله. والمقصود من الكلام الأول: إثبات
التكليف، والمقصود من الكلام الثاني الإقرار بالتوحيد، والثاني كالعلة
للأول.
والثالث: ﴿إِنِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: وهو إما عذاب يوم
القيامة، أو عذاب يوم الطوفان. والمراد من الخوف: اليقين؛ لأنه كان جازماً
بنزول العذاب بهم إما في الدنيا وإما في الآخرة إن لم يقبلوا ذلك الدين. وقال
آخرون: بل المراد منه الظن والشك.

٦٢٥
الُعُ (٨) - الأعراف: ٧/ ٥٩-٦٤
وظاهر هذه الآية يدل على أن الإله هو الذي يستحق العبادة؛ لأن قوله:
﴿أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ إثبات ونفي، يجب أن يتواردا على مفهوم
واحد حتى يستقيم الكلام، فكان المعنى: اعبدوا الله مالكم من معبود غيره،
حتى يتطابق النفي والإثبات.
ودلت الآية أيضاً على أن الفجار والكفار يرون الأبرار والمؤمنين عادة في
ضلال، ويكونون دائماً أعداء للهداة، فقد نسبوا نوحاً عليه السلام في ادعاء
النبوة إلى الضلال، وكذبوه وتمردوا على دعوته، وأمعنوا في إيذائه، وأصروا
على عبادة الأصنام.
ومهمة الأنبياء عادة هي تبليغ الرسالة. وهناك فرق بين تبليغ الرسالة وبين
النصيحة وهو أن التبليغ معناه: التعريف بأنواع تكاليف الله وأقسام أوامره
ونواهيه. وأما النصيحة: فهو الترغيب في الطاعة، والتحذير من المعصية،
بالاعتماد على وسائل الترغيب والترهيب.
وذكرت الآيات الغاية التي من أجلها يبعث الله الرسول، فقال تعالى:
﴿ ◌ِيُنذِرَكُمْ﴾ وما لأجله ينذر، وقال: ﴿وَلِنَنَّقُواْ﴾ وما لأجله يتقون، وقال
﴿ وَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ إذ طاعة الرسول سبيل لاستدرار الرحمة الإلهية. فالمقصود
من البعثة: الإنذار، والمقصود من الإنذار: التقوى عن كل مالا ينبغي،
والمقصود من التقوى: الفوز بالرحمة في دار الآخرة. قال الجبائي والكعبي
والقاضي عبد الجبار المعتزلي: هذه الآية دالة على أنه تعالى أراد من الذين
بعث الرسل إليهم: التقوى، والفوز بالرحمة.
والنبي أو الرسول یکون عادة من جنس المرسل إليهم، فهو بشر من جنس
البشر الذين يدعوهم إلى الله. ولو كان ملكاً فربما كان في اختلاف الجنس تنافر
الطباع. لذا تكرر في قصة كل نبي: ﴿رَجُلٍ مِّنكُمْ﴾ ﴿رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾ الخ.
وكانت عاقبة قوم نوح المكذبين الجاحدين المشركين إغراقهم بالطوفان
"العظيم.

. ٦٢٦
الجزء (٨) - الأَغزافن: ٦٥/٧ -٧٢
قصة هود عليه السلام
وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُ هُودًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، أَفَلاَ
تَتَّقُونَ
قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَا لَنَرَكَ فِى سَفَاهَةٍ وَإِنَّا
٦٥
◌َظُنُّكَ مِنَ الْكَذِبِينَ ﴿ قَالَ يَقَوْمِ لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّ رَسُولٌ مِّن رَّبِّ
أُبُلِغُكُمْ رِسَلَتِ رَبِّ وَأَنَاْ لَكُنْ نَاصِعُ أَمِينُ ﴿ أَوَ عِبْتُمْ أَنْ
٦٧
اُلْعَلَمِينَ
جَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّيِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِسُنْذِرَكُمْ وَأَذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ
مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِى الْخَلْقِ بَصْطَةً فَذْكُرُوْ ءَالَآءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَاؤُنًا فَأَنْنَا بِمَا
٦٩٦
قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسُ
تَعِدُنَا إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ
وَغَضَبٌّ أَتُجَدِلُونَنِ فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن
فَأَنْجَيَّنَهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ
سُلْطَانٍ فَأَنَظِرُوْاْ إِ مَعَكُمْ مِّنَ الْمُتَظِرِينَ
١٧٣
بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَتِنَّا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ
القراءات:
﴿أُبَلِغُّكُمْ﴾
وقرأ أبو عمرو (أُبْلِئُكُم).
بَصْطَةً﴾: قرئ:
١- (بسطة) وهي قراءة: قنبل، وأبي عمرو، وحفص، وهشام.
٢- (بصطة) وهي قراءة الباقين.
(أَجِئْتَنَا﴾ :

٦٢٧
لُرُ (٨) - الأَغراف: ٦٥/٧-٧٢
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (أجيتنا).
﴿فَأَيْنَا﴾:
وقرأ السوسي، وورش، وحمزة وقفاً (فاتنا).
الإعراب:
﴿أَخَاهُمْ﴾ عطف على: ﴿نُوحًا﴾، و﴿ هُودًا﴾ عطف بيان له.
﴿ءَالَآءَ اللَّهِ﴾ نعماؤه، واحدها: إليّ، وأليّ، وإلي. وهي بمنزلة آناء الليل
وهي ساعاته. و﴿ءَالَآءَ﴾: مفعول به منصوب.
﴿وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ عطف على: ﴿كَذَّبُواْ﴾. و﴿عَادٍ﴾: من لم يصرفه
جعله اسماً للقبيلة، ومن صرفه جعله اسماً للحي.
البلاغة:
﴿ وَقَطَّعْنَا دَابِرَ﴾ كناية عن استئصالهم وإهلاكهم جميعاً.
المفردات اللغوية:
﴿ وَإِلَى عَادٍ﴾ وأرسلنا إلى عاد الأولى ﴿أَخَاهُ﴾ أي واحداً من جنسهم أو
منهم، كقولك: يا أخا العرب للواحد من إخوة الجنس، وإنما جعل واحداً
منهم؛ لأنهم أفهم عن رجل منهم، وأعرف بحاله في صدقه وأمانته، وهو هود
ابن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح، فهي أخوة في النسب لا في الدين.
﴿قَالَ﴾ لم يقل: (فقال) كما في قصة نوح؛ لأنه على تقدير سؤال سائل،
قال: فما قال لهم هود؟ فقيل: قال: ياقوم اعبدوا الله. وكذلك: ﴿قَالَ
الْمَلَأُ﴾ أي أشراف القوم. ووصف الملأ بالذين كفروا دون الملأ من قوم نوح؛
لأنه كان في أشراف قوم هود من آمن به سراً مثل مرثد بن سعد الذي أسلم

٦٢٨
الجزء (٨) - الأغافِن: ٦٥/٧-٧٢
وكان يكتم إسلامه، ولم يكن في أشراف قوم نوح مؤمن، فأريدت التفرقة
بالوصف.
﴿سَفَاهَةٍ﴾ خفة حلم وسخافة عقل ﴿نَاصِعُ أَمِينٌ﴾ أي عرفت فيما بينكم
بالنصح والأمانة، فما حقي أن أُتهم، وأنا لكم ناصح فيما أدعوكم إليه، أمين
على ما أقول لكم، لا أكذب فيه.
﴿خُلَفَآءَ﴾ أي خلفتموهم في الأرض، أو جعلكم ملوكاً في الأرض، قد
استخلفكم فيها بعدهم ﴿فِىِ اُلْخَلْقِ بَصَّطَةً﴾ أي زاد أجسامكم في الطول
والقوة والبدانة قيل: كان طويلهم مئة ذراع وقصيرهم ستين . ﴿ءَالَآءَ اللَّهِ﴾
نِعَمه في استخلافكم وبسطة أجسادكم، وما سواهما من عطاياه، وواحد
الآلاء: ألي ﴿نُفْلِحُونَ﴾ تفوزون. ﴿وَنَذَرَ﴾ نترك ﴿بِمَا تَعِدُنَا﴾ به من
العذاب ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ﴾ حق عليكم ووجب أو قد نزل عليكم.
{رِجْسُ﴾ عذاب ﴿وَغَضَبٌّ﴾ سخط وانتقام ﴿أَتُجَدِلُونَنِ﴾ المجادلة: المماراة
والمخاصمة ﴿فِي أَسْمَاءِ سَمَّيْتُمُوهَآَ﴾ أي سميتم بها أصناماً تعبدونها. أي في
أشياء ماهي إلا أسماء ليس تحتها مسميات؛ لأنكم تسمونها آلهة، ومعنى
الألوهية فيها معدوم محال وجوده.
سُلْطَانٍ﴾ حجة وبرهان ﴿فَأَنَظِرُواْ﴾ العذاب ﴿إِ مَعَكُم مِّنَ
الْمُنْتَظِرِينَ﴾ ذلكم بتكذيبكم لي، فأرسلت عليهم الريح العقيم.
﴿فَأَنْجَيَّنَهُ﴾ أي هوداً ﴿ وَاُلَّذِينَ مَعَهُ﴾ من المؤمنين ﴿وَقَطَعْنَا دَابِرَ﴾
الدابر: الآخر، أي أهلكناهم جميعاً بعذاب الاستئصال، أو استأصلناهم.
فمعنى قطع دابر القوم: استئصالهم وتدميرهم عن آخرهم.
،
المناسبة وتاريخ القصة:
قبيلة عاد قوم هود من أقدم الأمم وجوداً وآثاراً في الأرض، وهم على ما

٦٢٩
الُرعُ (٨) - الأشراف: ٦٥/٧-٧٢
يظهر أقدم من إبراهيم، لذا ناسب ذكرها بعد قصة نوح مع قومه، بدليل قوله
تعالى: ﴿وَأَذْكُرُوْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ فأصبح الناس على
علم بواقعة قوم نوح العظيمة وهي الطوفان العظيم، لذا كان قول هود لقومه
عاد: ﴿أَفَلاَ نَتَّقُونَ﴾ إشارة إلى التخويف بتلك الواقعة المتقدمة المشهورة في
الدنيا.
أخرج ابن إسحاق عن الكلبي قال: إن عاداً كانوا أصحاب أوثان
يعبدونها، اتخذوها على مثال ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، فاتخذوا صنماً
يقال له ((صمود)) وآخر يقال له: ((الهتَار))، فبعث الله إليهم هوداً وكان من قبيلة
يقال لها ((الخلود))، وكان من أوسطهم نسباً وأصبحهم وجهاً، فدعاهم إلى
عبادة الله وأمرهم أن يوحّدوه، وأن يكفوا عن ظلم الناس، فأبَوْا ذلك
وكذبوه وقالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥/٤١]؟ كما جاء في تفسير
المنار.
وكانت منازلهم أي مساكنهم باليمن بالأحقاف: وهي جبال الرمل، فيما
بين عُمَان إلى حضرموت باليمن، وكانوا مع ذلك قد أفسدوا في الأرض
كلها، وقهروا أهلها، بفضل قوتهم التي آتاهم الله تعالى.
فعاد: قبيلة عربية، كانت بالیمن بالأحقاف شمال حضرموت، وكانوا قد
تبسطوا في الدنيا مابين عُمَان إلى حضرموت، وكانت لهم أصنام يعبدونها :
ضداء وصمود والهتار. وهم عاد الأولى، وأما عاد الثانية فهم سكان اليمن
من قحطان وسبأ. ولم تذكر عاد فيما سوى القرآن الكريم من الكتب المقدسة.
فبعث الله إليهم هوداً نبياً، وهو هود بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح.
وكان من أوسطهم وأفضلهم حسباً، فكذبوه، وازدادوا عتواً وتجيراً، فأمسك
الله عنهم القطر ثلاث سنين، حتى جهدوا، وكان الناس إذا نزل بهم بلاء،
طلبوا إلى الله تعالى الفرج منه عند بيته المحرم، مسلمهم ومشركهم، وأهل مكة

٦٣٠
الجزء (٨) - الأثرافن: ٦٥/٧-٧٢
إذ ذاك العماليق أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، وسيدهم معاوية بن
بکر.
فجهزت عاد إلى مكة من أماثلهم سبعين رجلاً، منهم: قيل بن عنز ومرثد
ابن سعد الذي كان يكتم إسلامه، فلما قدموا نزلوا على معاوية بن بكر وهو
بظاهر مكة خارجاً عن الحرم، فأنزلهم وأكرمهم، وكانوا أخواله وأصهاره،
فأقاموا عنده شهراً يشربون الخمر، وتغنيهم الجرادتان (قينتان كانتا لمعاوية)
فلما رأى طول مقامهم وذهولهم باللهو عما قدموا له، أهمه ذلك، وقال: قد
هلك أخوالي وأصهاري، وهؤلاء على ماهم عليه، وكان يستحيي أن
يكلمهم، خيفة أن يظنوا به ثقل مقامهم عليه، فذكر ذلك للقينتين، فقالتا :
قل شعراً نغنيهم به، لا يدرون من قاله، فقال معاوية:
ألا يا قَيْلُ، ويحك قم فهينم لعل الله يسقينا غماما
فيسقي أرض عاد إن عاداً قد امسوا ما يبينون الكلاما
فلما غنَّتا به قالوا: إن قومكم يتغوّثون(١) من البلاء الذي نزل بهم، وقد
أبطأتم عليهم، فادخلوا الحرم، واستسقوا لقومکم، فقال لهم مرثد بن سعد:
والله لا تسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم نبيكم، وتبتم إلى الله سُقيتم،
وأظهر إسلامه.
فقالوا لمعاوية: احبس عنا مرثداً، لا يقدمن معنا مكة، فإنه قد اتبع دين
هود، وترك ديننا، ثم دخلوا مكة، فقال قَيْل: اللهم اسق عاداً ماكنت
تسقیھم.
فأنشأ الله تعالى سحابات ثلاثاً: بيضاء، وحمراء، وسوداء، ثم ناداه مناد
من السماء: يا قَيل، اختر لنفسك ولقومك، فقال: اخترت السوداء، فإنها
(١) غوّث الرجل تغويثاً: قال: واغوثاه.

٧٫٠
٦٣١
لُعُ (٨) - الأَغراف :: ٦٥/٧-٧٢
أكثرهن ماء، فخرجت على عاد من واد لهم يقال له المغيث، فاستبشروا بها،
وقالوا: هذا عارض ممطرنا، فجاءتهم منها ريح عقيم، فأهلكتهم، ونجا هود
والمؤمنون معه، فأتوا مكة، فعبدوا الله فيها حتى ماتوا(١).
وذكر هود في القرآن الكريم سبع مرات، في سورة الأعراف في الآية ٦٥،
وفي سورة هود في الآيات: ٥٠، ٥٣، ٥٨، ٦٠، ٨٩، وفي سورة الشعراء في
الآية ١٢٤.
وظل هود عليه السلام ينذر قومه ويحذرهم بأس الله، ویذکرهم بقوم نوح
وَبنعم الله تعالى عليهم: طول القامة وقوة البدن، والإقامة في أرض كثيرة
الخير من الزروع والماشية، ويدعوهم إلى نبذ عبادة الأصنام، ثم توحيد الله
تعالى، والتوبة والاستغفار من الشرك في العبادة.
ولكن أغلب القوم كذبوه، ووصفوه بالسفاهة، لتركه ما ورثوه عن الآباء
من عبادة الأصنام، وإفراد الله تعالى بالعبادة.
ثم اشتطوا فاتهموه بالجنون والخبال والعته، وأن آلهتهم مسته بسوء، فتبرأ
من تلك الآلهة، وتحداهم وسخر من تأثيرها المزعوم، وأعلن أن الله وحده هو
المؤثر الآخذ بنواصي كل ما على الأرض من دابة، وأنذرهم أنه إن لم يستمعوا
لنصيحته، فإن الله تعالى سيبيدهم ويستخلف قوماً غيرهم، وسيحل بهم عذاب
قريب: ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسُ وَغَضَبٌّ﴾.
وعتا قوم هود وتجبروا وعصوا هوداً وكذبوه وجحدوا بآيات الله التي أيده
الله بها لتصديقه في أنه رسول من ربه. ومع ذلك ظل هود عليه السلام يحذرهم
ويذكرهم بأن نجاتهم بالإيمان بدعوته والعمل بنصائحه، فزادهم ذلك عتواً إلى
أن دمرهم الله بالريح العقيم، سلطها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً.
(١) الکشاف: ٥٥٤/١ وما بعدها.

٦٣٢
الجُرْجُ (٨) -الأعراف: ٦٥/٧-٧٢
· وفجّى الله هوداً والذين آمنوا معه برحمة منه، وظل هود بعد هلاك عاد
ساكناً بلاد حضرموت، إلى أن مات، ودفن في شرقي بلادهم، على نحو
مرحلتين من مدينة ((تريم)) قرب وادي برهوت. روى ابن جرير عن علي كرم الله
وجهه أنه مدفون في كثيب أحمر وعند رأسه سمرة (سدر) في حضرموت.
التفسير والبيان:
وأرسلنا إلى قبيلة عاد أخاهم هوداً، ليس أخاً في الدين، وإنما كان واحداً
من تلك القبيلة أو من جنسهم جنس بني آدم، لا من جنس الملائكة، وذلك
ليفهموا كلامه ويأنسوا بمنطقه وأفعاله، ولتكون أخلاقه دليلاً معروفاً على
سلوكه، فيكونوا أقرب إلى تصديقه.
قال هود: يا قوم، اعبدوا الله وحده، ولا تجعلوا معه إلهاً آخر. أفلا تتقون
ربكم، وتبتعدون عما أنتم عليه من الشرك والمعصية؟
فقال الملأ أي الجمهور والسادة والقادة منهم: إنا لنراك في خفة حلم،
وسخافة عقل، حيث تهجر دين قومك إلى دين آخر. وجُعلت السفاهة ظرفاً
على طريق المجاز، للإشارة إلى تمكنه فيها. ووصف الملأ هنا بالكفر دون ملأ
قوم نوح؛ لأن منهم من کان قد آمن و کتم إسلامه مثل مرثد بن سعد.
وإنا لنظنك في كلامك وادعائك أنك رسول من رب العالمين أنك أحد
الكاذبين الذين يكذبون على الله في ادعائهم الرسالة من الله.
قال لهم غاضاً عن اتهامهم بأدب حسن وخلق عظيم: ليس بي سفاهة أي
ضلالة وحماقة، ولكني بحق رسول من رب العالمين، أرسلني إليكم لتبليغكم ما
أرسلت به من التكاليف الإلهية، وأنا لكم ناصح فيما أدعوكم إليه، أمين فيما
أبلغكم إياه، فلا أكذب على الله. وهذه هي صفات الرسل: التبليغ والنصح
والأمانة.

٦٣٣
المُ (٨) - الأَغراف: ٦٥/٧-٧٢
ولا تعجبوا أن بعث الله إليكم رسولاً من أنفسكم لينذركم أيام الله
ولقاءه، بل احمدوا الله على ذاكم. فقوله: ﴿أَوَ عِبْتُمْ﴾ معطوف على محذوف
تقديره: أكذبتم وعجبتم من إنزال وحيه بتذكيركم وعظتكم على لسان رجل
منكم، لينذركم عقابه ويحذركم من بأسه؟!
واذكروا فضل الله عليكم ونعمته، إذ جعلكم ورثة نوح، ومنحكم طولاً في
القامة وقوة في الجسد تفوق أمثالكم من أبناء جنسكم.
واذكروا آلاء الله، أي نعمه ومننه عليكم، واشكروه عليها بإخلاص
العبادة وترك الشرك به لتفوزوا بجنان الخلد والنعيم الأبدي.
فردوا عليه متمردين بقولهم: أجئتنا لأجل أن نعبد الله وحده، ونفرده
بالتعظيم، ونترك ماكان عليه آباؤنا من اتخاذ الأصنام شركاء معه؟ أي أنهم
أنكروا عليه دعوته، واستبعدوا اختصاص الله وحده بالعبادة، وترك دين
الآباء في اتخاذ الأصنام شركاء معه، حباً لما نشؤوا عليه، وإلفاً لما يتدين به
آباؤهم.
وازدادوا طغياناً وعناداً وإنكاراً على هود عليه السلام، بل اشتطوا في
الحماقة والتحدي فطلبوا إنزال العذاب عليهم على ترك الإيمان به، قائلين:
﴿فَأَنْنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ أي استعجل إنزال العذاب علينا .
إن كنت صادقاً في تهديدك ووعيدك.
فأجابهم هود عليه السّلام: إنه قد وجب عليكم وحقّ بمقالتكم هذه من
ربِّكم عذاب وسخط وطرد من رحمته، أو قد نزل عليكم، جاعلاً المتوقع الذي
لا بدّ من نزوله بمنزلة الواقع، وقد كان عذابهم ريحاً صرصراً (شديدة
الصوت) عاتية تلقي الناس على الأرض ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْفَعِرٍ﴾ [القمر:
٢٠/٥٤] أي أصول نخل قلع من جذره.

٦٣٤
٢٠
الُ (٨) - الأَغرافِف: ٦٥/٧-٧٢
أتحاجونني في هذه الأصنام التي سميتموها أنتم وآباؤكم آلهة، وهي لا تضر
ولا تنفع، وما أنزل الله من حجّة ولا برهان أو دليل على عبادتها؟!
ثم هددهم وأوعدهم بقوله: ﴿فَأَنْتَظِرُوْاْ إِ مَعَكُم مِّنَ الْمُتَظِرِينَ﴾ أي
انتظروا نزول العذاب الشديد من الله الذي طلبتموه بقولكم: ﴿فَأَنِنَا بِمَا
تَعِدُنَا﴾ إني معكم أحد المنتظرين لنزوله بكم.
وقد نزل بهم العذاب ونَجَّى الله هوداً والذين آمنوا معه برحمة عظيمة من
الله، واستأصل الكافرين، وقطع دابر الذين جحدوا بآيات الله؛ لأنهم لم
يكونوا مؤمنين بالله تعالى، وكذبوا بآيات الله، فهاتان صفتان استوجبتا
التّعذيب، وهما: التكذيب بآيات الله، والكفر أو عدم الإيمان.
وكان العذاب كما في آيات أخرى بالأعاصير الهوجاء والرِّيح العاتية:
﴿وَفِ عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْرِيعَ الْعَقِيَمَ ﴿ مَا نَذَرُ مِن شَىْءٍ أَنَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتَهُ
﴾ [الذاريات: ٤١/٥١-٤٢]، ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيج صَرْصَرٍ
كَالرَّمِيمِ الرَّجمام
سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَ اُلْقَوْمَ فِيَهَا
عَانِيَةٍ
صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةِ ﴿ فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّنْ بَاقِيَةٍ
(+) [الحاقة:
٦/٦٩-٨]، فلما تمرّدوا وعتوا أهلكهم الله بريح عاتية، فكانت تحمل الرّجل
منهم، فترفعه في الهواء، ثم ترميه على رأسه، فتخلع رأسه من بين جثّته
﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُواْ لَا يُرَىَ إِلَّا مَسَكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥/٤٦].
ومظاهر عتوّهم: عبادة الأوثان، وظلم الناس، والاغترار بالقوّة: ﴿فَأَمَّا
عَادٌ فَأَسْتَكْبَرُواْ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥/٤١]،
وبناء الأبنية الضخمة في كل مكان عبئاً بغير نفع، فعاتبهم هود وكلمهم:
وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ
٣٨
﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيع ◌َايَةً تَغْبَثُونَ
وَإِذَا
(٢٩)
) فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (﴿٢﴾ [الشعراء: ١٢٨/٢٦-١٣١]،
بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَّارِينَ
﴿قَالُواْ يَدَهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيّ ◌َالِهَئِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ

٦٣٥
للُعُ (٨) - الأَغراف :: ٦٥/٧ -٧٢
إِن تَقُولُ إِلَّا أَعْتَرَئِكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوْءٍ﴾ [هود: ٥٣/١١-٥٤]
٥٣
لَكَ بِمُؤْمِنِينَ
أي بجنون.
فقه الحياة أو الأحكام:
في قصة هود مع قومه عبر وعظات أهمها ما يأتي:
اً - ضرورة التَّحلِّي بالصبر بسبب معاناة الأنبياء الشديدة في دعوة أقوامهم
إلى عبادة الله وحده لاشريك له، ورفض الإشراك به معه إلهاً آخر. فقد دعا
هود قومه إلى عبادة الله وحده، وذكّرهم بنعم الله وأفضاله عليهم من التّمكين
في الأرض وزيادة القوة البدنية وطول القامة، قال ابن عباس: كان أطولهم
مئة ذراع، وأقصرهم ستين ذراعاً.
أَ - خيبة الآمال بالتّفوق حين استمر عناد القوم (قوم عاد) وتمرّدهم
وإنكارهم دعوة نبيِّهم، فقد حملهم غرورهم بقوتهم الجسدية والمادية في البناء
والمصانع على الاستهانة بتهديد النَّبي ووعيده، فاستعجلوا إنزال العذاب
علیھم.
◌َ - النَّبي يكون عادةً من جنس قومه، فهو بشر مثلهم، وهو أيضاً واحد
من القبيلة، لكنه يكون من أوسطهم نسباً وأفضلهم حسباً، وأكرمهم معشراً،
وأرفعهم خلقاً وأدباً. وهذا كله كان منطبقاً على هود عليه السّلام، بدليل
إجابته لقومه الذين اتهموه بالسّفاهة إجابة صادرة عن الحكمة، والتّرفُّع عما
قالوا ووصفوه بالسّفاهة والضّلالة. وهذا منهج أصحاب السّمو والرّفعة،
يقابلون السّفهاء بالحلم، ويغضون عن قول السّوء بالصَّفح والعفو والمغفرة.
٤ - إنّ نتيجة التّمرّد والعتو والظُغيان هي الانهيار والدّمار، وقد دَمَّر الله
عاداً بسبب تكذيبهم بآيات الله، وكفرهم وعدم إيمانهم، فعصف بهم بالرِّيح
العاتية.

٦٣٦
الُعُ (٨) - الأَغراف: ٧٣/٧-٧٩
٥ - نجى الله هوداً وجماعة الإيمان؛ لاستحقاقهم الرّحمة بسبب إيمانهم،
وأنزل على عاد عذاب الاستئصال الذي هو الرِّيح، معجزةً لهود عليه السّلام.
قصة صالح عليه السلام
﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَِحَّأْ قَالَ يَدَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمٍ مِّنْ إِلَاءِ
غَيْرُهُ قَدْ جَآءَنْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً فَذَرُوهَا
تَأْكُلُ فِي أَرْضِ اَللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوْءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيُ (﴿ وَأَذْكُرُواْ إِذْ
جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِى الْأَرْضِ تَنَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا
قُصُورًا وَتَنْحِنُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَأَذْكُرُوْ ءَالَآءَ اللَّهِ وَلَا نَعْثَوْ فِىِ الْأَرْضِ
قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ، لِلَّذِينَ أُسْتُضْعِفُوْ لِمَنْ
٤/
مُفْسِدِينَ
ءَامَنَ مِنْهُمْ أَنَعْلَمُونَ أَنَ صَلِحًا مُرْسَلٌ مِّن رَّبِّهٍ، قَالُواْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ،
٧٦
قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبُواْ إِنَّا بِالَّذِىّ ءَامَنتُم بِهِ، كَفِرُونَ
٧٥
مُؤْمِنُونَ
فَعَقَرُواْ النَاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَصَلِحُ اثْتِنَا بِمَا نَعِدُنَّا إِن
كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿﴾ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَثِمِينَ
٧٨
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَنَقَوْمِ لَقَدْ أَبَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لَّا تُحِبُّونَ
٧٩
النَّصِحِينَ
القراءات:
سلے
﴿غَيْرُهُ﴾:
جوُ
وقرأ الكسائي: (غیرِهِ).
سِلے
بُيُوتًا﴾: قرئ:
١- (بُيُوتاً) وهي قراءة: ورش، وأبي عمرو، وحفص.

٦٣٧
الُرُ (٨) - الأَغراف: ٧٣/٧-٧٩
٢- (بِيُوتاً) وهي قراءة الباقين.
﴿مُفْسِدِينَ ، قَالَ﴾:
وقرأ ابن عامر: (مفسدين وقال).
الإعراب:
﴿ءَايَةٌ﴾ حال، عاملها معنى الإشارة، وكانوا سألوه أن يخرجها من
صخرة عينوها ﴿يُوتًا﴾ حال مقدرة لأن الجبل لا يكون بيتاً في حال النّحت.
﴿لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ﴾ بدل من قوله: ﴿لِلَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ﴾ بإعادة العامل الجارّ،
كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ
لِبُيُوتِهِمْ﴾ [الزخرف: ٣٣/٤٣]: فقوله: ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ بدل من قوله: ﴿لِمَن يَكْفُرُ
بِالرَّحْمَنِ﴾ وهذا يدلّ على أن العامل في البدل غير العامل في المبدل منه.
أما الضمير ﴿مِنْهُمْ﴾ فإن رجع إلى ﴿قَوْمِهِ،﴾ فهو بدل الشيء من الشيء،
وهما لعين واحدة، وإن رجع إلى ﴿لِلَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ﴾ فهو بدل بعض من كل.
وعلى الأوّل يكون المعنى: أن استضعافهم كان مقصوراً على المؤمنين، وعلى
الثاني لم يكن الاستضعاف مقصوراً عليهم، ويدلّ على أن المستضعفين كانوا
مؤمنين وكافرين.
البلاغة:
﴿هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ﴾ إضافة تشريف وتكريم.
﴿ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوْءٍ﴾ التّنكير للتّقليل والتّحقير، أي لا تمسّوها بأدنى سوء.
﴿مُؤْمِنُونَ﴾ و﴿ كَفِرُونَ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿ثَمُودَ﴾ قبيلة عربية كانت تسكن الحِجْر بين الحجاز والشّام، إلی وادي
القرى قرب تبوك، سموا باسم جدّهم: ثمود بن عامر بن إرَم بن سام بن نوح.

٦٣٨
لُ (٨) - الَّيْرَافِ :: ٧٣/٧ -٧٩
فإذا كانت ممنوعة من الصّرف فيراد بها القبيلة، وإذا صرفت يراد بها الحي،
أو باعتبار الأصل؛ لأنه اسم أبيهم الأكبر.
﴿أَخَاهُمْ صَلِحًا﴾ هو نبيُّهم، وكان من أشرفهم نسباً وأعلاهم حسباً،
وأخوته لثمود كأخوة هود لقومه: أخوة في القبيلة أو الجنس، أي من بني آدم
ومن جنسهم لا من جنس الملائكة، فهي أخوة في النّسب لا في الدِّين.
﴿بَيِّنَةٌ﴾ معجزة ظاهرة الدّلالة من الله على صدقه . ﴿ وَلَا تَمَسُوهَا بِسُوْءٍ﴾
بعقر أو ضرب. ﴿ وَأَذْكُرُواْ﴾ تذكّروا ﴿إِذْ جَعَلَكُتْ خُلَفَآءَ﴾ أي في الأرض.
﴿وَبَوَّأَكُمْ فِى الْأَرْضِ﴾ أسكنكم فيها أو أنزلكم فيها، والأرض: أرض
الحجر بين الحجاز والشام. ﴿مِن سُهُولِهَا قُصُورًا﴾ تسكنونها في الصيف.
﴿ وَنَنْحِئُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ تسكنونها في الشتاء. والنّحت: نحر الشيء الصُّلْب.
﴿ فَاذْكُرُوْ ءَالَآءَ اللَّهِ﴾ تذكّروا نعم الله الكثيرة. ﴿ وَلَا نَعْثَوْاْ﴾ من العِثِيّ
والعُتُوّ: الفساد. ﴿أَسْتَكْبَرُواْ﴾ تكبَّروا عن الإيمان به.
﴿فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ﴾ نحروها بالذّبح، وأصل العقر: الجرح، وعقر الإبل:
قطع قوائمها، وكانوا يفعلون ذلك بها قبل نحرها لتموت في مكانها ولا تنتقل.
والذي عقرها هو: ((قُدار بن سالف)) حيث قتلها بأمرهم بالسَّيف، وإنّما نسب
الفعل إليهم جميعاً؛ لأن العقر كان برضاهم وأمرهم، والآمر والرّاضي
بالفعل: شريك في الجريمة.
﴿وَعَنَوْ﴾ تمرّدوا مستكبرين. ﴿الرَّجْفَةُ﴾ الزّلزلة الشديدة من الأرض أو
الحركة والاضطراب، والصَّيحة من السّماء. ﴿حَثِمِينَ﴾ باركين على الرُّكب،
أو قاعدين لا حراك بهم، والمراد: أنهم أصبحوا جثثاً هامدة ميتة لا تتحرّك.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله في أوّل السّورة قصة آدم الدّالة على قدرته وتوحيده

٦٣٩
الُرُ (٨) - الأعراف: ٧٣/٧-٧٩
وربوبيته، وأقام الأدلّة الدّامغة على صحّة البعث بعد الموت، أتبع ذلك
بقصص الأنبياء وموقف أقوامهم المعاندين لهم، فذكر قصة نوح ثم قصة هود،
ثم قصة ثمود، وكان قوم ثمود يتلون قوم عاد في الوجود والظّهور بين الأُمم،
كما قال تعالى على لسان صالح عليه السّلام: ﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ
مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾.
أضواء من التاريخ:
ثمود بن عائر بن إرم بن نوح، وهو أخو جديس بن عائز، وكذلك قبيلة
طسم، كل هؤلاء من العرب العاربة البائدة قبل إبراهيم الخليل عليه السّلام.
وكانت ثمود - قوم صالح - بعد عاد، ورثوا أرضهم وديارهم، وكانت
مساكنهم بالْحِجْر بين الحجاز والشّام، إلى وادي القرى وما حوله. ومدائن
صالح ظاهرة إلى اليوم، تعرف بـ ((فجّ النّاقة)). وحجر ثمود في الجنوب الشرقي من
أرض مدين، وهي مصاقبة لخليج العقبة. وقد كان يقال لعاد: عاد إرم، إلى
أن هلكوا، فقالوا: ثمود إرم.
وقد مرَّ رسول الله وَلي على ديارهم ومساكنهم، وهو ذاهب إلى تبوك سنة
تسع، قال الإمام أحمد عن ابن عمر قال: لما نزل رسول الله ولو بالناس على
تبوك، نزل بهم الحِجْر عند بيوت ثمود، فاستقى الناس من الآبار التي كانت
تشرب منها ثمود، فعجنوا منها، ونصبوا لها القدور، فأمرهم النَّبِي وََّ،
فأهرقوا القدور، وعلفوا العجين الإبل، ثم ارتحل بهم، حتى نزل على البئر
التي كانت تشرب منها النّاقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا،
وقال: «إني أخشى أن یصیبکم مثل ما أصابهم، فلا تدخلوا عليهم)). وروى
أحمد أيضاً عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَلجر، وهو بالحجر: ((لا تدخلوا
على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين، فلا تدخلوا
عليهم، أن يصيبكم مثل ما أصابهم)) وأصل هذا الحديث مخرج في الصحيحين.
من غير وجه.

٦٤٠
اِلُ (٨) - الأَّغرافي: ٧٣/٧-٧٩
وكانت قبيلة ثمود مثل قوم نوح وعاد تدين بعبادة الأصنام يشركونها مع الله
في العبادة، وآتاهم الله نعماً كثيرة، فأرسل الله إليهم صالحاً نبيّاً عليه السّلام،
واعظاً لهم ومذكِّراً لهم بنعم الله وآياته الدّالة على توحيده وأنه لا شريك له،
وأنه يجب إفراده بالعبادة دون سواه.
فآمن به المستضعفون من قومه، وكفر الملأ (السّادة والأشراف والقادة) ولم
يؤمنوا به، وعصوا وتكبروا وكفروا، وأنكروا نبوته: ﴿أَلْقِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ
[القمر: ٢٥/٥٤]، وقالوا للمستضعفين:
٢٥
بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ
﴿أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَلِحًا مُرْسَلٌ مِّن زَبِهِ، قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ.
مُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٧٥/٧]، فأجاب المستكبرون: ﴿إِنَّا بِالَّذِىّ ءَامَنتُم بِهِ،
كَفِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٦/٧].
وطلب المستكبرون منه آية على صدقه، فأيَّده الله بالنّاقة وقال لهم: ﴿لَّا
شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥/٢٦]، ﴿إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ
فَأَرْتَقِبُهُمْ وَأَصْطَبْ ﴿ وَنَبِتْهُمْ أَنَّ الْمَآءَ قِسْمَةٌ بََّهُمْ كُلُّ شِرْبٍ تُخْتَضَرٌ
٢٨) ﴾ [القمر:
٢٧/٥٤-٢٨]، فكانت تشرب ماء البئر أو النّهر الصغير في يوم، ويشربون منه
في اليوم التالي، ويحلبون منها ما شاؤوا فلا ینضب حليبها.
وأمرهم ألا يمسّوها بسوء، وأن يذروها تأكل في أرض الله، وبذل صالح
عليه السّلام قصارى جهده في تذكير قومه بنعم الله تعالى عليهم، ونهاهم عن
أن يعثوا في الأرض مفسدين.
فتكگَّروا عن الإيمان به، واستخفّوا به، وعاندوه، وعتوا عن أمر ربّهم،
وعقروا النّاقة، عقرها قُدار بن سالف بأمرهم: ﴿فَعَفَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ
أَمْيِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَصَلِحُ أَثْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
VV
(قتَ)). [القمر: ٢٩/٥٤].
[الأعراف: ٧٧/٧]، ﴿فَنَادَوْاْ صَاِجَهُمْ فَنَعَاطَى فَعَقَرَ