النص المفهرس

صفحات 601-620

٦٠١
الجُ (٨) - الأَغَرَافِ: ٧ /٥٤
العالم من الخيرات الكثيرة منه، فعلى عباده شكره علیها، وعبادته دون غيره،
كقوله: ﴿تَبَرَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُ (﴾﴾ [الملك: ١/٦٧]
وقوله: ﴿نَبَارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِى السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيَهَا سِرَجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا
[الفرقان: ٦١/٢٥].
روى ابن جرير الطبري عن عبد العزيز الشامي عن أبيه، وكانت له
صحبة، قال: قال رسول الله وله: ((من لم يحمد الله على ما عمل من عمل
صالح، وحمد نفسه، فقد كفر وحبط عمله. ومن زعم أن الله جعل للعباد منٍ
الأمر شيئاً فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه، لقوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾)).
وفي الدعاء المأثور عن أبي الدرداء، وروي مرفوعاً: ((اللهم لك الملك كله،
ولك الحمد كله، وإليك يرجع الأمر كله، أسألك من الخير كله، وأعوذ بك
من الشر کله)).
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآية إلى مايلي:
اً - الله عز وجل هو المنفرد بقدرة الإيجاد، وخالق السماوات والأرض،
فهو الذي يجب أن يعبد.
٢ - استوى الله تعالى على العرش، وخص العرش بذلك؛ لأنه أعظم
مخلوقاته، ورأي السلف الصالح: أنه استوى على عرشه حقيقة، لكن كيفية
الاستواء مجهولة، فإنه لا تعلم حقيقته. قال مالك رحمه الله: الاستواء معلوم
(يعني في اللغة) والكَيْف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة. وكذا قالت أم سلمة
رضي الله عنها.
وأكثر المتقدمين والمتأخرين من علماء المتكلمين على تنزيه الله تعالى عن

٦٠٢
الُعُ (٨) - الأَغراف :: ٥٤/٧
الجهة والتحيُّر في مكان؛ لأنه يلزم من ذلك أنه متى اختص بجهة أن يكون في
مكان أو حيِّز، ويلزم على المكان والحيز: الحركة والسكون للمتحيِّز، والتغيُّر
والحدوث.
وقد يؤوَّل العرش في الآية بمعنى الملك والسلطان، أي ما استوى الملك
المطلق إلا له جل وعز. قال القرطبي: وهو قول حسن، وفيه نظر(١).
٣ - الليل والنهار متعاقبان، وتعاقبهما دليل على كروية الأرض وحركتها
ودورانها. ولم يذكر في هذه الآية دخول النهار على الليل، واكتفى بأحدهما عن
الآخر، مثل: ﴿سَرَبِيلَ تَفِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١/١٦] أي والبرد. ومثل:
﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦/٣] أي والشر.
٤ - الشمس والقمر والنجوم وسائر الكواكب مخلوقة لله، بدليل أنها
معطوفة على السماوات، أي وخلق السماوات، وهي مذللات خاضعات
لتصرف الله.
٥ - لله الخلق والأمر، وقد دلت الآية على صدق الله في خبره، فله الخلق
وله الأمر، خلقهم وأمرهم بما أحب، وهذا الأمر يقتضي النهي. قال سفيان
ابن عُيَيْنة: فرق بين الخلق والأمر؛ فمن جمع بينهما فقد كفر. فالخلق:
كُنْ﴾: ﴿إِنَّمَا
المخلوق، والأمر: كلامه الذي هو غير مخلوق، وهو قوله: ﴿
[يس: ٣٦ /٨٢].
٨٣
أَمْرُهُ، إِذَا أَرَدَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
وفي تفرقته بين الخلق والأمر دليل بيِّن على فساد قول من قال بخلق القرآن؛
إذ لو كان كلامه الذي هو أمر مخلوقاً، لكان قد قال: ألا له الخَلْق والخَلْقِ.
وذلك عِيُّ من الكلام ومستهجن، والله يتعالى عن التكلم بما لا فائدة فيه. ولو
كان الأمر مخلوقاً لافتقر إلى أمر آخر يقوم به، وذلك الأمر إلى أمر آخر إلى مالا
(١) تفسير القرطبي: ٢٢١/٧

٦٠٣
لُعُ (٨) - الأَغراف: ٧/ ٥٥-٥٦
نهاية له، وذلك محال، فثبت أن أمره الذي هو كلامه قديم أزلي غير مخلوق؛
ليصح قيام المخلوقات بأمره، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَئِهِ، أَنْ تَقُومَ السَّمَآءُ
وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِّ﴾ [الروم: ٢٥/٣٠] وقوله هنا: ﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ
مُسَخَّرَتٍِ بِأَمْرِوَّةٍ﴾ فأخبر سبحانه أن المخلوقات قائمة بأمره.
والأمر ليس من الإرادة في شيء. والمعتزلة تقول: الأمر نفس الإرادة. قال
القرطبي: وليس بصحيح، بل يأمر بما لا يريد، وينهى عما يريد. ألا ترى أنه
أمر إبراهيم بذبح ولده، ولم يُرده منه، وأمر نبيه أن يُصلِّي مع أمّته خمسين
صلاة، ولم يرد منه إلا خمس صلوات. وقد أراد شهادة حمزة حيث يقول:
﴿ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَآءَ﴾ [آل عمران: ١٤٠/٣] ونهى الكفار عن قتله، ولم يأمرهم
به(١).
٦ - الله تعالى متعاظم منزه عن الدنايا، باقٍ دائم ثابت، كثير الخيرات
والآثار الفاضلة والنتائج الشريفة، واسع الفضل والإحسان ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ
اُلْعَلَمِينَ﴾.
مشروعية الدعاء وآدابه وتحريم الإفساد في الأرض
وَلَا نُفْسِدُوا فِى
٥٥
﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
اُلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا وَأَدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعَا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنََ
٥٦
اُلْمُحْسِنِينَ
القراءات:
رَحْمَتَ
(١) المرجع السابق: ٢٢٣/٧

٦٠٤
الجزء (٨) - الأعراف: ٥٥/٧-٥٦
رسمت بالتاء، فوقف عليها بالهاء: ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي.
ووقف الباقون بالتاء.
الإعراب:
﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ إما منصوبان على المصدر، أو على الحال على معنى:
ذوي تضرع وخُفية.
﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ إنما قال: قريب بالتذكير لثلاثة أوجه: أنه ذكره
حملاً على المعنى؛ لأن الرحمة بمعنى الرُّحْم أو الترحم وهو مذكر، أو لأن المراد
بالرحمة: المطر، وهو مذكر، أو ذكّره على النَّسب، أي: ذات قرب، كقولهم:
امرأة طالق وطامث وحائض، أي ذات طلاق وطمث وحيض (ابن
الأنباري: ٣٦٥/١). وأضاف الزمخشري: أو لأنه صفة موصوف محذوف،
أي شيء قريب، أو على تشبيهه بفعيل الذي هو بمعنى مفعول، أو لأن تأنيث
الرحمة غير حقيقي (الكشاف: ٥٥١/١) وذكر الرازي في تفسيره (١٣٦/١٤ -
١٣٧) أربعة وجوه من هذه.
وذكر القرطبي في تفسيره: ٢٢٧/٧ سبعة أوجه لقوله: ﴿قَرِيبٌ﴾ ولم يقل:
قريبة، هي أن الرحمة والرُّحْم واحد، وهي بمعنى العفو والمغفرة، وقيل: أراد
بالرحمة الإحسان، وقيل: مالا يكون تأنيثه حقيقياً جاز تذكيره، وقيل: أراد
بالرحمة هنا المطر، وقيل: على تذكير المكان أي مكاناً قريباً، وقيل: ذكّر على
النسب، كأنه قال: إن رحمة الله ذات قرب. وقيل: في غير النسب يجوز التذكير
والتأنيث، يقال: دارك منا قريب، وفلانة منا قريب.
المفردات اللغوية:
﴿تَضَرُعًا﴾ تذللاً، وهو إظهار ذل النفس وخضوعها ﴿وَخُفْيَةً﴾ سراً، وهو
ضد العلانية ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ في الدعاء بالتشدق ورفع الصوت،
والمراد: عدم الثواب وعدم الرضا عن الداعي.

٦٠٥
الُرُ (٨) - الأَّيْرَافِن: ٥٥/٧-٥٦
﴿وَلَا نُفْسِدُواْ فِ اٌلْأَرْضِ﴾ بالشرك والمعاصي ﴿بَعْدَ إِصْلَحِهَا﴾ ببعث
الرسل ﴿خَوْفًا﴾ من عقابه، والخوف: توقع الشر والمكروه ﴿وَطَمَعًا﴾ في
رحمته، وهو توقع الخير.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى الأدلة على توحيد الربوبية من كمال القدرة والتدبير،
والحكمة والتصرف، أتبعه بالأمر بتوحيد الألوهية بإفراده تعالى بالعبادة
والاشتغال بالدعاء والتضرع، فإن الدعاء مخ العبادة.
التفسير والبيان:
أرشد الله تعالى عباده إلى دعائه الذي هو صلاحهم في دنياهم وأخراهم،
فقال: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ أي ادعوا ربكم ومتولي أموركم والمنعم
عليكم، متضرعين متذللين مستکینین، مع إسرار الدعاء وإخفائه، فالدعاء مخ
العبادة. وفيه إيماء إلى ندب الدعاء خُفْية؛ لأنه أبعد عن الرياء، ولقوله تعالى:
﴿ وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ [الأعراف: ٢٠٥/٧] وقوله بالثناء على
زكريا: ﴿إِذْ نَادَى رَبَُّ نِدَاءَ خَفِيًّا (٣)﴾ [مريم: ٣/١٩].
وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: رفع الناس
أصواتهم بالدعاء، فقال رسول الله وَله: ((أيها الناس، ارْبَعُوا(١) على
أنفسكم، فإنكم لا تَدْعون أصمَّ ولا غائباً، إنكم تَدْعون سميعاً قريباً، وهو
معکم)).
وروى أبو الشيخ ابن حيان الأنصاري في الثواب عن أنس رضي الله عنه:
((دعوة في السرّ تعدل سبعين دعوة في العلانية)).
(١) أي ارفقوا بأنفسكم.

٦٠٦
لُرُ (٨) - الأغراف :: ٧/ ٥٥-٥٦
وقال الحسن البصري رحمه الله: ((ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء،
وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همساً بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله تعالى
يقول: ﴿آَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾.
وذكر بعض العلماء: أن الأولى الإسرار بالدعاء في حال اجتماع الناس في
المساجد والمشاعر وغيرها إلا ما ورد فيه رفع الصوت من الجميع كالتلبية في
الحج وتكبير العيدين.
﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ في الدعاء ولا في غيره، بتجاوز الحدود المأمور
بها، والتجاوز هنا في ترك هذين الأمرين المذكورين: وهما التضرع والإخفاء.
وعدم المحبة: أي أن الله لا يثيبه ألبتة، ولا يحسن إليه، فظهر أن قوله تعالى:
﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ كالتهديد الشديد على ترك التضرع والإخفاء في
الدعاء.
روى أحمد وأبو داود عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سمعت
رسول الله وَ* يقول: ((إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء، وقرأ هذه الآية:
﴿ آَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ الآية، وإن بحسبك أن تقول: اللهم إني أسألك
الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من
قول أو عمل)).
وكما أمر الله بدعائه والتضرع إليه، نهى عن الإفساد في الأرض، فقال:
﴿وَلَا نُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ﴾ أي لا تفسدوا شيئاً في الأرض بعد الإصلاح بما
بناه المرسلون وأتباعهم المصلحون، وشيّده العقلاء المخلصون، من النواحي
المادية والمعنوية، كتقوية وسائل الحياة من زراعة وصناعة وتجارة، وتهذيب
الأخلاق، والحث على العدل والشورى والتعاون والتراحم.
والإفساد شامل إفساد الأديان بالكفر والبدعة، وإفساد النفوس بالقتل
وبقطع الأعضاء، وإفساد الأموال بالغصب والسرقة والاحتيال، وإفساد

٦٠٧
الجُزُحُ (٨) - الأعراف :: ٥٥/٧-٥٦
العقول بشرب المسكرات ونحوها، وإفساد الأنساب بالإقدام على الزنى
واللواطة والقذف.
وبعد أن أبان الله تعالى شرط الدعاء وهو التضرع والخفية، نَّه إلى بواعث
الدعاء وموجباته، وأشعر أن من لا يدعو ربه على هذا النحو يكون أقرب إلى
الإفساد، فقال: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾.
أي ادعوا الله خوفاً من عقابه، وطمعاً في جزيل ثوابه، فإن الدعاء مخ
العبادة ولبُّها، لذا صرح بفائدة الدعاء، وأنه مرجو الإجابة متى استكمل
شرائطه وآدابه، فقال: ﴿إِنَّ رَحْمَكَ اللَّهِ﴾ أي إن رحمة الله تعالى قريبة من
المحسنين أعمالهم، وهي مرصدة للمحسنين الذين يتبعون أوامره ويتركون
زواجره، كما قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُهَا لِلَّذِينَ
يَثَّقُونَ وَيُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِشَايَئِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦/٧].
فمن أحسن الدعاء أعطي خيراً مما طلبه، أو مثله، أو دفع عنه من الشر
مثله.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيتان على مايأتي من الأحكام:
١ - الأمر بالدعاء والتعبد به، وهو نوع من أنواع العبادة، ويفيد معرفة
ذل العبودية، ومعرفة عزة الربوبية، ويكون سبباً لجلب الخير ودفع الضر؛ لأن
هناك أموراً معلقة بالأسباب، والدعاء سبب.
٢ - للدعاء آداب وصفات تحسن معه: وهي الخشوع والاستكانة
والتضرع، وكونه سراً في النفس ليبعد عن الرياء، وأن يكون الإنسان في حالة
بين الرجاء والخوف، فيدعو خوفاً من عقاب الله، وطمعاً في ثوابه، قال الله
تعالى: ﴿ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَّا﴾ [الأنبياء: ٩٠/٢١].

٦٠٨
الجزءُ (٨) - الأغراف :: ٧/ ٥٥-٥٦
قال بعض أهل العلم: ينبغي أن يغلب الخوف الرجاء طوال الحياة، فإذا
جاء الموت غلب الرجاء. أخرج مسلم عن النبي وَّ قال: ((لا يموتن أحدكم
إلا وهو يحسن الظن بالله)).
وينبغي عدم الاعتداء في الدعاء: بالجهر الكثير والصياح، أو يدعو
الإنسان أن تكون له منزلة نبي، أو يدعو في محال ونحو هذا من الشطط، أو
يدعو طالباً معصية وغير ذلك، أو يدعو بما ليس في الكتاب والسنة، فيتخير
ألفاظاً مفقَّرة، وكلمات مسجّعة، وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء، والأولى
ترك كل ذلك.
ومجمل آداب الدعاء: أن يكون على طهارة، وأن يستقبل القبلة، وتخلية
القلب من الشواغل، وافتتاحه واختتامه بالصلاة على النبي ◌َّر، ورفع اليدين
نحو السماء، وإشراك المؤمنين فيه، وتحري ساعات الإجابة كثلث الليل
الأخير، ووقت إفطار الصائم، ويوم الجمعة، وحال السفر والظلم وغير
ذلك(١).
٣ - ودل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ على أن كل من خالف
أمر الله ونهيه، فإنه يكون معاقباً إذا ارتكب محرماً، فإن لم يكن من المحرمات
فالأولی ترکه.
٤ - استدل الحنفية بقوله تعالى: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ على أن
إخفاء التأمين ((آمين)) أولى من الجهر بها؛ لأنه دعاء. وقال الشافعي رحمه الله :
إعلانه أفضل.
وأما رفع اليدين في الدعاء، فكرهه طائفة من العلماء مثل عطاء وطاووس
ومجاهد وجبير بن مُطْعِم وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير عملاً بحديث أنس
(١) روح المعاني للألوسي: ١٤٠/٨

٦٠٩
الجزء (٨) - الأشراف: ٧/ ٥٥-٥٦
أن النبي ◌ُّير كان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا عند الاستسقاء، فإنه
کان یرفعهما حتی یُری بیاض إبطيه.
وأجاز جماعة آخرون من الصحابة والتابعين رفع الأيدي، ذكر البخاري
عن أبي موسى الأشعري: دعا النبي ◌ُّژ، ثم رفع يديه، ورأيت بياض إبطيه.
ومثله عن أنس. وقال ابن عمر: رفع النبي وَّر يديه وقال: ((اللهم إني أبرأ
إليك مما صنع خالد». وفي صحيح مسلم عن عمر قال: لما كان يوم بدر نظر
رسول الله ﴾ إلى المشركين، وهم ألف وأصحابه ثلاث مئة وسبعة عشر
رجلاً، فاستقبل نبي الله وَ ﴿ القبلة مادّاً يديه، فجعل يهتف بربه. وروى
الترمذي عن عمر قال: كان رسول الله وَّو إذا رفع يديه، لم يحطهما حتى يمسح
بهما وجهه، وقال: هذا حديث صحيح غريب. وهذه الأحاديث - كما ذكر
القرطبي - أصح طرقاً، وأثبت من حديث أنس المتقدم. ثم قال: والدعاء
حسن كيفما تيسر، فإن شاء استقبل القبلة ورفع يديه فحسن، وإن شاء فلا،
فقد فعل ذلك النبي ◌َّ حسبما ورد في الأحاديث.
٥ - نهى سبحانه عن كل فساد قل أو كثر بعد صلاح قل أو كثر. ودل قوله
تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا﴾ على أن الأصل في المضار
الحرمة والمنع على الإطلاق. وبان في الآية المتقدمة: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اَللَّهِ﴾
أن الأصل في المنافع واللذات الطيبة الإباحة والحل.
٦ - دل قوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ على أن كل ماكان رحمة فهي قريبة من
المحسنين، ويفهم منه: ليس لله في حق الكافر رحمة ولا نعمة؛ لأنه يلزم من
الآية أن كل مالا يكون قريباً من المحسنين ألا يكون رحمة.

٦١٠
الزرعُ (٨) - الأَغراف: ٥٧/٧-٥٨
إنزال المطر وإخراج النبات
ودلالتهما على القدرة الإلهية وإثبات البعث
﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ، حَتَّىَ إِذَا أَقَلَّتُ
سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، مِن كُلِّ الثَّمَرَنِّ
وَالْبَلَدُ الطَِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ
كَذَلِكَ تُخْرِجُ الْمَوْنَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ®
رَبِّهِ، وَالَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ
٥٨)
القراءات:
﴿الْرِّيَحَ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف: (الرِّيح).
﴿بُشْرًا﴾: قرئ:
١- (بُشْراً) وهي قراءة عاصم.
٢- (نَشْراً) وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف.
٣- (نُشُراً) وهي قراءة الباقين.
﴿ مَّتٍ﴾: قرئ:
١- (ميْت) وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر.
٢- (ميِّت) وهي قراءة الباقين.
﴿نَذَكَّرُونَ﴾ : قرئ:

٦١١
لُعُ (٨) - الأشراف :: ٥٧/٧-٥٨
١- (تَذَكَّرون) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (تَذََّّرون) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿بُشْرًا﴾ منصوب على الحال.
﴿إِلَّا نَكِدًّا﴾ حال من الضمير في ﴿يَخْرِجُ
البلاغة:
﴿سُقْنَهُ﴾ فيه التفات عن الغيبة.
﴿ ◌ِبَلَدٍ مَّيِّتٍ﴾ استعارة، إذ شبه جدب البلد وعدم نباته بالجسد الذي لا
روح فيه، من حيث عدم الانتفاع به.
كَذَلِكَ تُخْرِجُ الْمَوْنَ﴾ تشبيه مرسل مجمل، ذكر فيه الأداة ولم يذكر وجه
الشبه، شبَّه إخراج الموتى من قبورهم بإخراج النبات من الأرض.
المفردات اللغوية:
﴿اَلْرِّيَحَ﴾ جمع ريح، وهو الهواء العاصف الشديد الحركة، وإذا جمعت
كانت في معنى الخير، كما هنا، وإذا أفردت كانت في معنى الشر، كما في قوله
تعالى: ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيْحَا صَرْصَرًا فِى يَوْمٍ نَحْسِ مُسْتَمِرٍ﴾ [القمر: ١٩/٥٤] وكان عليه
الصلاة والسلام يقول: ((اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً)).
﴿بُشْرًا﴾ مبشرات متفرقة قبل نزول المطر ﴿بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ،﴾ قبل نزول
المطر ﴿أَقَلَّتْ﴾ حملت ورفعت أي الرياح ﴿سَحَابًا﴾ جمع سحابة وهي الغيوم
ثِقَالًا﴾ مُشْبعة ببخار الماء ﴿سُقْنَهُ﴾ سيرناه أي السحاب ﴿لِبَلَدٍ فَّيِّتٍ﴾
أرض لا نبات فيها ولا مرعى، أي لإحيائها ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ أي بالماء

٦١٢
الُزُ (٨) - الأَغْرَافِ: ٥٧/٧-٥٨
الثَّمَرَتِ﴾ جمع ثمرة، وهي ما تحمله الشجرة، سواء أكان مأكولاً أم لا
كَذَلِكَ نُخْرِجُ اٌلْمَوْنَ﴾ أي كذلك الإخراج للنبات بالمطر نخرج الموتى من
قبورهم بالإحياء .﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ فتؤمنوا.
وَاُلْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ العذب التراب ﴿يَخْرُجُ نَبَاتُهُ﴾ حسناً ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ هذا
مثل للمؤمن، يسمع الموعظة، فينتفع بها ﴿وَالَّذِى خَبُثَ﴾ ترابه ﴿لَا يَخْرِجُ﴾
نباته ﴿إِلَّا نَكِدًا﴾ عسراً بمشقة، لا خير فيه، وهذا مثل للكافر ﴿كَذَلِكَ
نُصَرِّفُ﴾ كما بينا ما ذكر نبين الآيات ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ الله فيؤمنون.
المناسبة:
لما ذكر الله تعالى أنه خالق السماوات والأرض، وأنه المتصرف الحاكم
المدبر للعالم العلوي والسفلي، والمسخِّر للإنسان مافي الكون، وأرشد إلى
دعائه؛ لأنه على ما يشاء قادر، ونهى عن الإفساد في الأرض، وأبان أن رحمته
قريبة من المحسنين، نبّه تعالى إلى أنه الرزاق، وأن أهم مصادر الرزق هو المطر
الذي يترجم إلى خيرات كثيرة ويكون سبباً للنبات الحسن، وأنه يعيد الموتى
أحياء يوم القيامة كإحياء الأرض بعد موتها.
التفسير والبيان:
الله الذي يرسل الرياح قبل نزول المطر، مبشراتٍ بها، فقوله: ﴿بَيْنَ
يَدَىْ رَحْمَيِّهِ،﴾ أي مقدم إنزال المطر، كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ
[الشورى: ٢٨/٤٢]
١٨
بَعْدِ مَا فَنَطُواْ وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ, وَهُوَ اَلْوَلِىُّ الْحَمِيدُ
وقال: ﴿فَأَنْظُرْ إِلَى ءَاثَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحِى الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاْ إِنَّ ذَلِكَ
(®) [الروم: ٥٠/٣٠].
لَمُحِى الْمَوْنَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
فإذا حملت الرياح سحاباً ثقالاً، أي من كثرة ما فيها من الماء، تكون ثقيلة
قريبة من الأرض، سقناه لإحياء أرض مجدبة لا نبات فيها، كقوله تعالى:
﴿ وَءَايَةٌ لَّهُ اُلْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْبَيْنَهَا﴾ [يس: ٣٣/٣٦].

٦١٣
المُرُ (٨) - الأغرافي: ٥٧/٧-٥٨
فأنزلنا بالسحاب الماء، إذ من المعروف علمياً أن الهواء القريب من سطح
البحر يسخن بتأثير الحرارة، فيصعد في الجو ويبرد بتأثير منطقة باردة، أو
بالهواء البارد، فإذا برد تكاثف منه بخار الماء، وتكوّن السحاب، ثم يتحرك
السحاب بقوة الريح، ثم ينزل مطراً بمشيئة الله وإرادته.
وهذا المعنى كثير متردد في الآيات مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِىّ أَرْسَلَ الرَّحَ
فَتُثِرُ سَحَابًا فَسُقْنَهُ إِلَى بَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْبَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ اُلُّشُورُ
٩
[فاطر: ٩/٣٥] ومثل الآية ٤٣ من سورة النور، والآية ٤٨ من سورة الروم.
فأخرجنا بالمطر أنواع النبات والثمار من الأرض، على اختلاف ألوانها
وأشكالها وطعومها وروائحها، مما يدل على قدرة الله وتمام رحمته، كما قال
تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعُ مُتَجَوِرَتُ وَجَنَّتٌ مِّنْ أَعْنَبٍ وَزَرْعُ وَخِيلٌ صِنْوَانٌ
وَغَيْرُ صِنْوٍَ يُسْقَى بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِى الْأُكُلِّ إِنَ فِى
(@) [الرعد: ٤/١٣].
ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، والأمثال تقرن ببعضها لمعرفة تماثلها في
الحكم، فإنه تعالى أشار إلى إنكار البعث، فقال: ﴿كَذَلِكَ تُخْرِجُ﴾ أي مثل
هذا الإخراج لأنواع النبات من الأرض الميتة الجدبة بالماء، نخرج الموتى
ونبعثهم، فالله على كل شيءٍ قدير، يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من
الحي، وقد بينا هذا الشبه لتتذكروا وتتعظوا، فتؤمنوا بالبعث أو اليوم الآخر.
كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحِى الْعِظَامَ وَهِىَ رَمِيمٌ
(ب)﴾ [يس:
قُلْ يُحِيهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوْلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيهُ
٧٨/٣٦-٧٩] وقال: ﴿كَمَا بَدَأَنَا أَوَّلَ خَلْقِ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤/٢١]
وقال: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩/٧].
ولكن استعداد الناس للإيمان بالبعث مختلف باختلاف الطبائع والنفوس،
فمنها الطيب الذي يتجاوب لنداء الإيمان، ومنها الخبيث الذي يعرض عن

٦١٤
الزُعُ (٨) - الأَغَرافة: ٥٧/٧-٥٨
الإيمان، لذا قال تعالى: ﴿وَاُلْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ أي إن الأرض الطيبة التربة يخرج
نباتها سريعاً حسناً، والأرض الخبيثة التربة كالسَّبِخة ونحوها، لا يخرج نباتها
القليل إلا بعسر وصعوبة.
قال ابن عباس: هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر. أي إنه تعالى شبه
المؤمن بالأرض الخيّرة، والكافر بالأرض السبخة، ومثله الحديث الذي رواه
أحمد والبخاري ومسلم والنسائي عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله
وَله: ((مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير، أصاب
أرضاً، فكانت منها نقيّة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان
منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا،
وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبث كلا، فذلك
مثل من فَقِه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به، فعلِمَ وعلَّم، ومثل من لم يرفع
بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به)).
هذه الأمثال والمقارنات وعقد أوجه الشبه بين الأشياء لإقناع الناس
وحملهم على الإيمان والتفكير بالحقائق، لذا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ﴾
أي مثل ذلك البيان والتصريف نردد الآيات الدالة على القدرة الباهرة
ونكررها ونبينها لقوم يشكرون نعمة الله، وهم المؤمنون ليفكروا فيها ويعتبروا
بها.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - الله تعالى مصدر الرزق، فهو الذي ينزل المطر، فينبت الزرع والعشب
والشجر والنبات والثمار، فيستفيد منها الإنسان والحيوان ثم يعود نفع الحيوان
في النهاية إلى الإنسان. والإنزال والإنبات دليل على وجود الله وعلمه وقدرته
و حکمته.

٦١٥
الجُرُ (٨) - الأغزرافن: ٥٧/٧-٥٨
٢ - إخراج الموتى أحياء من القبور مثل إخراج النبات الحي من الأرض
الجدبة الميتة التي لا حراك فيها، وفي ذلك ذكرى، تذكر الناس فيؤمنوا بالبعث
والنشور يوم القيامة.
٣ - ضرب الله تعالى للمؤمن والكافر مثلاً، فإنه شبَّه المؤمن بالأرض
الخيّرة التي نزل عليها المطر، فيحصل منها أنواع الأزهار والثمار، والكافر
بالأرض السَّبِخة التي لا تنبت إلا النزر القليل، وإن نزل عليها المطر، وشبّه
نزول القرآن بنزول المطر، فالروح الطاهرة النقية عن شوائب الجهل
والأخلاق الذميمة إذا اتصل بها نور القرآن، ظهرت فيها أنواع الطاعات
والمعارف والأخلاق الحميدة، والروح الخبيثة وإن اتصل بها نور القرآن، لم
يظهر فيها من المعارف والأخلاق الحميدة إلا القليل.
٤ - يضرب الله الأمثال للناس ليتذكروا ويتعظوا فيؤمنوا، ويصرِّف
الآيات ويرددها، ويأتي بالحجج والدلالات لإبطال الشرك، كما يصرف
الآيات في كل ما يحتاج إليه الناس، لعل الشاكرين يتذكرون فيشكروا الله على
ما أنعم عليهم. وخص الشاكرين؛ لأنهم المنتفعون بذلك، مثل قوله:
﴿هُدِّى لِلْمُثَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢/٢].

٦١٦
الُرءُ (٨) - الأَغراف :: ٥٩/٧-٦٤
قصة نوح عليه السلام
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ,
قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَغَرَكَ فِى
٥٩
إِنِّيَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴿﴿ قَالَ يَقَوْمِ لَيْسَ بِى ضَلَلَةٌ وَلَكِنِّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ
٦١
﴿ أَوَ
أُبَلِغُكُمْ رِسَلَتِ رَبِ وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ
◌َبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِنَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
فَكَذَّبُوهُ فَأَنَجَيْنَهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِ اَلْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَُّواْ بِتَايَتِنَأُ
٦٣
إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا عَمِينَ
القراءات:
غيره﴾ :
وقرأ الكسائي: (غيرِهِ).
﴿ إِنِّ أَخَافُ﴾:
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (إني أخاف).
﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ :
وقرأ أبو عمرو (أُبْلِغُكُمْ).
الإعراب:
ج
﴿مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ﴿غَيْرُهُ﴾: وصف لإله على الموضع؛ لأن
موضعه رفع. وقرئ بالجر صفة لإله على اللفظ.
يَقَوْمِ﴾ نداء مضاف، ويجوز: (يا قومي) على الأصل ﴿أَبَلِّغُكُمْ﴾ إما

٦١٧
لُحُ (٨) - الأَغرافِنْ: ٥٩/٧-٦٤
كلام مستأنف بيان لكونه: ﴿رَسُولٌ مِّن رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾، أو يكون صفة
الرسول. ﴿ وَأَصَحُ لَكُمْ﴾ زيادة اللام مبالغة ودلالة على إمحاض النصيحة.
﴿أَوَ عَبْتُمْ﴾ فتحت الواو؛ لأنها واو عطف، دخلت عليها ألف
الاستفهام للتقرير. والهمزة للإنكار، والواو العطف، والمعطوف عليه
محذوف، كأنه قيل: أكذبتم وعجبتم.
المفردات اللغوية:
﴿لَقَدْ﴾ جواب قسم محذوف ﴿عَذَابَ يَوْمٍ﴾ المراد هنا يوم القيامة
[الْمَلَأُ﴾ أشراف القوم ورؤساؤهم ﴿رِسَلَتِ رَبِ﴾ ما أوحي إلي من الأوامر
والنواهي والمواعظ والزواجر والبشائر والنذائر ﴿ضَلَالٍ﴾ عدول عن طريق
الحق ﴿قُبِينٍ﴾ بَيِّن ﴿وَأَصَحُ لَكُمْ﴾ أريد الخير، وأرشد إلى المصلحة مع
إخلاص النية ﴿ذِكْرٌ﴾ موعظةٌ ﴿عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ﴾، أي على لسان رجل من
جنسكم ﴿ لِيُنْذِرَكُمْ﴾ العذاب إن لم تؤمنوا ﴿اُلْفُلْكِ﴾ السفينة ﴿عَمِينَ﴾ جمع
عم، أي ذو عمى عن الحق، والأعمى: أعمى البصر.
المناسبة:
لما ذكر الله تعالى قصة آدم في أول السورة وما يتصل به، شرع في ذكر
قصص الأنبياء عليهم السلام الأول فالأول، مبتدئاً بنوح عليه السلام الذي
هو أبو البشر الثاني، وأول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد آدم عليه
السلام.
والهدف من إيراد قصص الأنبياء: التنبيه على أن إعراض الناس عن قبول
دعوة الأنبياء ليس مقتصراً على قريش قوم محمد عليه الصلاة والسلام، بل
هذا موقف متبع في جميع الأمم السابقة، والمصيبة إذا عمت خفت، وفي ذلك
تسلية للرسول وَل﴿ وتخفيف على قلبه: ﴿وَكُلَّا نَّقُصُ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا

٦١٨
الُ (٨) - الْأَغرافِن: ٥٩/٧-٦٤
تُشَيِّتُ بِهِ، فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠/١١]. وفي القصص بيان العاقبة: عاقبة المنكرين
وهي اللعن في الدنيا والخسارة في الآخرة، وعاقبة المؤمنين وهي العزة في
الدنيا والسعادة في الآخرة.
وفي إيراد القصص أيضاً التنبيه إلى أن الله وإن كان يمهل هؤلاء المبطلين،
فلا يهملهم، بل ينتقم منهم. وفي هذا من العظة والعبرة للأجيال ما يكفي:
﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبِّ﴾ [يوسف: ١١١/١٢].
وسرد القصة من غير تحريف ولا خطأ دليل على نبوة محمد وآل# الذي كان
أمياً لا يقرأ ولا يكتب، إذ يدل ذلك على أنه إنما عرف القصة بالوحي من
الله، مما يدل على صحة نبوته.
أضواء على قصة نوح من التاريخ:
نوح عليه السلام: هو نوح بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ: وهو
إدريس(١) بن يارد بن مهلئيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم أبي البشر.
وهو أول الرسل إلى المشركين، كما في حديث الشفاعة في صحيح مسلم
عن أبي هريرة: ((يا نوح أنت أول الرسل إلى الأرض)) وهو أول الرسل بتحريم
البنات والأخوات والعمات والخالات. قال محمد بن إسحاق: ولم يلق نبي
من قومه من الأذى مثل نوح إلا نبي قتل. وقد أرسله الله إلى قومه وهو ابن
خمسين سنة، وكان نجاراً.
وقال ابن عباس: وكان ابن أربعين سنة. ثم عاش بعد الطوفان ستين سنة
حتی کثر الناس وفشّوْا.
(١) من قال من المؤرخين: إن إدريس النبي عليه السلام كان قبل نوح عليه السلام، فقد وَهِم،
كما ذكر القرطبي بدليل الحديث الصحيح في الإسراء حين لقي النبي ◌َّر إدريس قال له:
((مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح)) ولم يقل له: ((بالابن الصالح)) كآدم ونوح وإبراهيم.

٦١٩
الجُزءُ (٨) - الأَغْرَافِ: ٥٩/٧-٦٤
وقال يزيد الرقاشي: إنما سمي نوح لكثرة ما ناح على نفسه. وقد كان بين
آدم إلى زمن نوح عليهما السلام عشرة قرون، كلهم على الإسلام.
وذكر الترمذي وغيره أن جميع الخلق الآن من ذرية نوح عليه السلام. ذكر
الزهري أن العرب وفارس والروم وأهل الشام وأهل اليمن من ولد سام بن
نوح. والسند والهند والزنج والحبشة والزط والنوبة وكل السود من ولد حام
ابن نوح. والترك والبربر ووراء الصين ويأجوج ومأجوج والصقالبة كلهم من
ولد یافٹ بن نوح.
وكان أول ما عبدت الأصنام: أن قوماً صالحين ماتوا، فبنى قومهم عليهم
مساجد، وصوروا صورهم، ليتذكروا حالهم وعبادتهم، فيتشبهوا بهم، فلما
طال الزمان جعلوا أجساداً على تلك الصور، فلما تمادى الزمان عبدوا تلك
الأصنام، وسموها بأسماء أولئك الصالحين: وداً وسواعاً ويغوث ويعوق
ونسراً.
فلما تفاقم الأمر بعث الله تعالى رسوله نوحاً، فأمرهم بعبادة الله وحده لا
شريك له، فقال: ﴿يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾.
وذكر نوح في (٤٣) ثلاثة وأربعين موضعاً من القرآن الكريم، وذكرت
قصته مفصلة في سورة الأعراف وهود والمؤمنون والشعراء والقمر ونوح.
ومضمون قصته: أنه دعا قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأن يتركوا
عبادة الأصنام، ولكنهم عاندوه وعارضوه وآذوه، واتبعوا بعض زعمائهم،
ومكروا مكراً عظيماً، وصمموا ألا يذروا عبادة: ود، وسواع، ويغوث،
ويعوق، ونسر. وقالوا في حماقة و کبریاء: إنك جادلتنا فأكثرت جدالنا، وإنا
لن نترك ما نحن عليه، فأتنا بالعذاب الذي تهددنا به، فرد عليهم بأن تعذيبهم
بيد الله تعالى.
ولما يئس نوح من إيمان قومه بعد دعوتهم إليه ألف سنة إلا خمسين، أمره الله

٦٢٠
لُ (٨) - الأَغَافِن: ٥٩/٧-٦٤
تعالى بصناعة سفينة أداة النجاة، وكانوا كلما مروا عليه سخروا منه ومن
عمله. فلما أتمها، وأمره الله تعالى أن يأخذ معه أهله إلا زوجته، وأن يأخذ
من آمن معه من قومه، وكانوا ستة فقط، وقيل: أربعين رجلاً وامرأة، وأن
يصحب معه من أجناس الحيوان والطير والوحش زوجين اثنين.
ثم فار تنور أهله بالماء، وبدأ تفجر الماء الكثير من كل مكان حتى عم
الطوفان قومه وكل ما على الأرض من إنسان وحيوان، فهلكوا حتى ابنه
الذي أبى الركوب في السفينة قائلاً: ﴿قَالَ سَشَاوِىّ إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ
اُلْمَاءِ﴾ [هود: ٤٣/١١]. واستوت السفينة على جبل الجودي في نواحي ديار
بكر من جبال أرمينية جنوب تركيا: ﴿وَقِيلَ يَكَأَرْضُ أَبْلَعِى مَآءَكِ وَيَسَمَاءُ
أَقْلِعِى وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِىَ الْأَمْرُ وَأَسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَِّمِينَ
[هود: ١١/ ٤٤].
٤٤
وللعلماء رأيان في عموم طوفان الأرض، فقال جماعة: لقد عم جميع أنحاء
الأرض، بدليل وجود بقايا حيوانية مائية في أعالي الجبال. وقال آخرون: لم
يكن الطوفان عاماً، وإنما كان على الجهة التي كان يسكنها نوح وقومه، وهي
بلاد الشرق الأوسط وما جاورها.
ومن المعلوم أن البلاء يعم والرحمة تخص، والنقمة لا تقتصرٍ على الظالمين،
فتشمل الأطفال الأبرياء والوحوش والطيور: ﴿وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ
ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةَ﴾ [الأنفال: ٢٥/٨].
وكان نوح قد دعا بدعوتين: الأولى للمؤمنين والثانية على الكافرين، أما
الأولى فقال: ﴿رَبِّ أَغْفِرُ لِى وَلِوَلِدَىَ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ [نوح: ٢٨/٧١].
إِنَّكَ
والثانية هي: ﴿ وَقَالَ نُحُ رَّبٍّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا ®
إِن تَذَرُّهُمْ يُضِلُّوْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوْاْ إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (﴿٢﴾ [نوح: ٢٦/٧١-٢٧].