النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٨١ الُ (٨) - الأَغْرَافِ: ٤٤/٧-٤٧ وأخرج أبو الشيخ ابن حيان الأنصاري والبيهقي وغيرهما عن حُذيفة قال: ((هم قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار، وقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة، جُعلوا هناك حتى يُقضى بين الناس، فبينما هم كذلك، إذ طلع عليهم ربك فقال لهم: اذهبوا فادخلوا الجنة، فإني قد غفرت لكم)). ﴿وَنَادَوْاْ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ﴾ أي ونادى أصحابُ الأعرافِ أهل الجنة قائلين لهم: سلام عليكم، وهو تحية خالصة بعد دخول الجنة؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ [الواقعة: ٢٥/٥٦-٢٦]. فِيهَا لَغْوَ وَلَا تَأْثِيمًا ﴿ إِلَّا قِيلًا سَلَمَا سَلَمَا لَّـ نادوهم مسلِّمين عليهم، حال كونهم لم يدخلوا الجنة، ولكنهم يطمعون في دخولها، لما بدا لهم من يسر الحساب، ولعلمهم بسعة رحمة الله وفضله. تلا الحسن البصري هذه الآية: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ فقال: والله ما جعل ذلك الطمع في قلوبهم إلا لكرامة يريدها بهم. والناس في ذلك الموقف يكونون بين الرجاء والخوف، روى أبو نعيم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لو نادى منادٍ: يا أهل الموقف، ادخلوا النار إلا رجلاً واحداً، لرجوت أن أكون ذلك الرجل، ولو نادى: ادخلوا الجنة إلا رجلاً واحداً، لخشيت أن أكون ذلك الرجل. وإذا حولت أبصار أهل الأعراف نحو أهل النار من غير قصد، فرأوا وجوههم مسودة، وأعينهم مزرقة، قالوا متضرعين إلى الله تعالى: ربنا لا تجعلنا مع هؤلاء القوم الظالمين أنفسهم. والآية تدل على أنهم ينظرون إلى أصحاب الجنة بالقصد والرغبة، ويسلّمون عليهم، ويكرهون رؤية أهل النار، فإذا صّفت أي حولت أعينهم من غير قصد ولا رغبة إلى جهة أهل النار، استغاثوا وتضرعوا ألا يكونوا معهم. ٥٨٢ لُعُ (٨) - الَّغَرَافِ: ٤٤/٧-٤٧ فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: اً - تستهدف المناظرة أو الحوار أو المناداة بين أهل الجنة وأهل النار تقريع الكفار وتعبيرهم، ثم تحسم المناظرة بصوت منادٍ ينادي من الملائكة بأعلى صوته: ﴿لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الَّلِينَ﴾. أَ - الآية تدل على أن الكفار يعترفون يوم القيامة بأن وعد الله ووعيده حق وصدق، ولا يمكن ذلك إذا كانوا عارفين يوم القيامة بذات الله وصفاته. ◌َ - أوقع المؤذن لعنة الله على من كان متصفاً بصفات أربع هي: أ - كونهم ظالمين أي مشركين أو كفاراً بدليل وقوع المناظرة بين أهل الجنة وبين الكفار. ب - وكونهم يصدون عن سبيل الله، أي يمنعون الناس من قبول الدين الحق، إما بالزجر وإما بالحيل. جـ - كونهم يبغونها عوجاً أي يلقون الشكوك والشبهات في دلائل الدين الحق. د - وهم بالآخرة كافرون، وهذا تصريح بأن تلك اللعنة ما وقعت إلا على الكافرين. ٤ - إن أصحاب الأعراف أي السور القائم بين الجنة والنار، يترددون بين حالين: ينادون أصحاب الجنة ويسلّمون عليهم ويتأملون دخول الجنة فضلاً من الله ورحمة، وهم لم يدخلوها بعدُ، ولكنهم يعلمون أنهم يدخلون. ويرون أهل النار فجأة من غير قصد ولا رغبة، فيسألون الله تذللاً وتضرعاً ألا يجعلهم معهم، وقد علموا أنه لا يجعلهم معهم. ٥٨٣ لُ (٨) - الأغرافة: ٤٨/٧-٤٩ وأصحاب الأعراف: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، في رأي جماعة من الصحابة والتابعين، قال ابن عطية: وفي مسند خيثمة بن سليمان حديث عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله وَليقول: ((توضع الموازين يوم القيامة، فتُوزن الحسنات والسيئات، فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال صؤابة(١)، دخل الجنة؛ ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال صؤابة دخل النار. قيل: يا رسول الله، فمن استوت حسناته وسيئاته؟ قال: أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون)». المناظرة بين أصحاب الأعراف وأصحاب النار ﴿وَدَّ أَصْحَبُّ الْأَعْرَافِ رِجَلَا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَهُمْ قَالُواْ مَآ أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ﴿ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ أُدْخُلُواْ الْجُنَّةَ لَا ٤٩ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَّ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ القراءات: بِرَحْمَةٍ أَدْخُلُواْ} بكسرِ التنوين وصلاً قرأ: أبو عمرو، وعاصم، وحمزة. وقرأ الباقون بضمه وصلاً. الإعراب: ﴿ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ الهمزة في ﴿أَهَؤُلاءِ﴾: همزة الاستفهام، و(هؤلاء): مبتدأ، و﴿الَّذِينَ﴾: خبر مبتدأ محذوف تقديره: أهؤلاء هم الذين أقسمتم عليهم، فحذف عليهم. و﴿لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾: جواب ﴿أَقْسَمْتُمْ﴾، والقسم وجوابه في صلة ﴿الَّذِينَ﴾. (١) الصؤابة: بيض القملة. ٥٨٤ لُ (٨) - الأَِّغَافِن: ٤٨/٧-٤٩ ﴿لَا خَوْفُ عَلَيْكُمْ﴾ جملة النفي حال، أي مقولاً لهم ذلك. المفردات اللغوية: ﴿رِجَالًا﴾ من أصحاب النار. ﴿مَآ أَغْنَى عَنْكُمْ﴾ من النار. (جَمْعُكُمْ﴾ المال أو كثرتكم واجتماعكم . ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي واستكباركم عن الإيمان. ﴿ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ﴾ أي ويقول أصحاب الأعراف لأهل النار مشيرين لهم إلى ضعفاء المسلمين. المناسبة: لما بَيَّن الله تعالى أثر التفاتة أصحاب الأعراف على أصحاب النار بقوله: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَرُهُمْ﴾ أتبعه أيضاً بأن أصحاب الأعراف ينادون رجالاً من أهل النار. واستغنى عن ذكر أهل النار لأجل أن الكلام لا يليق إلا بهم، وهو قولهم: ﴿مَآ أَغْنَى عَنكُمْ جَمْتُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ وذلك لا يليق إلا بمن يبكت ويوبخ، ولا يليق أيضاً إلا بأكابرهم. التفسير والبيان: هذا نداء آخر من بعض أصحاب الأعراف لبعض المستكبرين الذين يعتمدون على قوتهم وغناهم، ويحتقرون ضعفاء المؤمنين لفقرهم وضعفهم، مضمونه الإخبار عن تقريع أهل الأعراف لرجال من صناديد المشركين وقادتهم، يعرفونهم في النار بسيماهم وعلامتهم المميزة لهم. ينادي بعض أهل الأعراف رجالاً من المشركين يعرفونهم بعلاماتهم وهي سواد الوجوه وما عليها من الغَبرة وزرقة العيون، وتشويه الخلقة، فيقولون لهم: ما أغنى عنكم جمع المال، أو اجتماعكم وكثرتكم، ولا استكباركم عن الإيمان برسالة محمد، أي لم تنفعكم كثرتكم، ولا جموعكم ولا تكبركم عن الإيمان من عذاب الله، بل صرتم إلى ما أنتم فيه من العذاب والنكال، وكذلك لم ينفعكم تكبركم على الفقراء والمستضعفين المؤمنين. ٥٨٥ الُ (٨) - الأَيْرَافِ: ٤٨/٧-٤٩ وتبددت أفكاركم التي تزعم أن من أغناه الله في الدنيا، وجعله قوياً هو الذي له نعيم الآخرة، كما قال تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ ﴿ وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَلَا وَأَوْلَدًا وَمَا ◌َحْرُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥))﴾ [سبأ: ٣٤/٣٤-٣٥]. ثم سألوهم سؤال توبيخ وتأنيب عن حال المستضعفين الذين كانوا يضطهدونهم في الدنيا بسبب إيمانهم بمحمد رَّ كصهيب الرومي وخبيب بن عدي وبلال الحبشي وآل ياسر، وأشاروا إليهم: أهؤلاء هم الذين حلفتم في الدنيا ألا ينالهم الله برحمة لفقرهم وضعفهم وقلة أتباعهم، وهم يرتعون في نعيم الجنة ويتمتعون بخيراتها، والكفار یتحرقون في سعیر جهنم؟! ثم قال الله تعالى أو قالت الملائكة لأصحاب الأعراف الموقوفين على السور: ادخلوا الجنة، لا خوف عليكم في المستقبل، ولا يطرأ عليكم حزن في حاضر کم. وفائدة المحاورة والقول: تبيان أن الجزاء على قدر العمل، والترغيب في التسابق في أعمال الخير، وأن المعول عليه ليس هو المال والغنى والقوة، وإنما المنظور إليه هو العمل الصالح، وأن الطائعين يتميزون بالنضرة، وأن العصاة يعرفون بالغَبرة والزُّرقة وتشوه الخلقة. فقه الحياة أو الأحكام: إن معايير التفاضل وموازين التقدم والتفوق في الآخرة تختلف عما هي عليه في الدنيا، فليس المال والقوة والتجمع أساس العزة والسعادة والنجاة في الآخرة، وإنما الأساس هو الإيمان والعمل الصالح، ففريق الزعماء المشركين الأشداء المتكبرين والأغنياء هم في النار، وفريق المؤمنين الأتقياء الضعاف المتواضعين لله هم في أعالي الجنان. ٥٨٦ الجُرُ (٨) - الأعراف :: ٧/ ٥٠-٥١ وفضل الله ورحمته يشملان المقصرين أهل الأعراف الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم، وهو رد على أهل النار الذين يحلفون أن أصحاب الأعراف يدخلون معهم النار، فتقول الملائكة لأهل الأعراف: ﴿اَدْخُلُواْ الَّْةَ لَا خَوْفُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾. ما يقوله أهل النار لأهل الجنة أو استغاثة أهل النار بأهل الجنة لإمدادهم بالطعام والشراب ﴿وَنَادَىّ أَصْحَبُ النَّارِ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيَّنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَفِرِينَ ﴿ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهُوًّا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ ٥١ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوْ بِئَايَتِنَا يَجْحَدُونَ القراءات: ﴿اَلْمَاءِ أَوْ﴾ - ﴿هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾: بإبدال الهمزة الثانية ياء خالصة قرأ: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو. الإعراب: ﴿حَرَّمَهُمَا﴾ فعل ماض، لم يقل: حرَّمه، وإن كان التقدير: أفيضوا علينا أحد هذين، لأن ﴿أَوْ﴾ ههنا للإباحة، وهي لتجويز الجمع كقولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين. فيجوز أن يجمع بينهما، فأشبهت الواو التي للجمع، فحملت عليها. أي أنه ثَّى الفعل لأنه أقام ﴿أَوْ﴾ مقام الواو، وإن كانت ﴿أَوْ﴾ لتجويز الجمع، والواو لإيجاب الجمع. ٥٨٧ الجُرُ (٨) - الأَغراف: ٧/ ٥٠-٥١ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ﴾ (ما) في الحالين في تأويل المصدر، والأولى هي في موضع جر بالكاف، وتقديره: فاليوم ننساهم كنسيانهم لقاء يومهم هذا. والثانية في موضع جر بالعطف على (ما) الأولى. المفردات اللغوية: ﴿أَفِيضُواْ عَلَيْنَا﴾ أفاض الماء: صبه، ثم استعمله في الشيء الكثير . ﴿أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ من الطعام. ﴿حَرَّمَهُمَا﴾ منعهما. ﴿نَنْسَهُمْ﴾ نتركهم في النار. ﴿كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ بتركهم العمل له. ﴿وَمَا كَانُواْ بِعَايَتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ أي وكما جحدوا أي أنكروا. المناسبة: الآيتان استمرار في محاورة الناس يوم القيامة، فبعد أن بيَّن الله تعالى الحوار بين أهل الجنة وأهل النار، والحوار بين أصحاب الأعراف وأصحاب النار، وما قاله الفريق الأول للثاني، أتبعه بذكر ما يقوله أهل النار لأهل الجنة. التفسير والبيان: هذا مشهد من مشاهد سوء أهل النار يوم القيامة، فالله يخبر عن ذلة أهل النار وسؤالهم الطعام والشراب من أهل الجنة، وأنهم لا يجابون إلى ذلك. ومعنى الآية: إن أهل النار يطلبون من أهل الجنة أن يفيضوا عليهم من النعم الكثيرة التي يتمتعون بها من شراب وطعام. وقوله: ﴿أَفِيضُواْ﴾ معناه صبوا علينا من الماء أو النعم الشيء الكثير، ومعنى قوله: ﴿أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أي من غيره، فيشمل الطعام والأشربة غير الماء. وقد استغاثوا بهم مع علمهم بأنهم لا يجابون أبداً، بسبب الحيرة في أمرهم، ولشدة حاجتهم إلى الماء، كما يفعل كل مضطر، كالغريق وغيره. وقوله: ﴿أَفِيضُواْ﴾ فيه دليل على أن الجنة فوق النار. ٥٨٨ الْجُرُ (٨) - الأَغْراف: ٥٠/٧-٥١ قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة، طمع أهل النار بفرج بعد اليأس، فقالوا: يا ربنا، إن لنا قرابات من أهل الجنة، فأذن لنا حتى نراهم ونكلمهم، فأمر الله الجنة فتزحزحت، ثم نظر أهل جهنم إلى قراباتهم في الجنة وما هم فيه من النعيم فعرفوهم، ونظر أهل الجنة إلى قراباتهم من أهل جهنم فلم يعرفوهم، وقد اسودَّت وجوههم وصاروا خلقاً آخر، فنادى أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم وقالوا: ﴿أَفِيضُواْ عَلَيَّنَا مِنَ الْمَآءِ﴾. وإنما طلبوا الماء خاصة لشدة ما في بواطنهم من الاحتراق واللهیب، بسبب شدة حر جهنم. وهذا القول يدل على أنهم طلبوا الماء مع جواز الحصول. وقال آخرون: بل مع اليأس؛ لأنهم قد عرفوا دوام عقابهم. وقال سعيد بن جبير في هذه الآية: ينادي الرجل أباه أو أخاه، فيقول له: قد احترقت، فأفض علي من الماء، فيقال لهم: أجيبوهم، فيقولون: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَفِينَ﴾. ومعنى قوله تعالى: ﴿قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَفِرِينَ﴾: قال أهل الجنة: إن الله منع الكفار شراب الجنة وطعامها. ثم وصف الله تعالى الكافرين بما كانوا يعتمدونه في الدنيا، باتخاذهم الدين لعباً ولهواً، واغترارهم بالدنيا وزينتها وزخرفتها، عما أمروا به من العمل للآخرة، فقال: ﴿الَّذِينَ أَتَّخَذُواْ دِينَهُمْ﴾. أي إن هؤلاء الكفار تلاعبوا بدينهم وما كانوا به مجدين، أو اتخذوا اللهو واللعب ديناً لأنفسهم، وجعلوا ديدنهم أعمالاً لا تزكي الأنفس ولا تفيد، بل هي لهو يشغل الإنسان عن الجد، أو لعب لا يقصد منه فائدة صحيحة، فهي كأعمال الأطفال. ٥٨٩ لُ (٨) - الأَغْرَافِ: ٧/ ٥٠-٥١ واغتروا في الحياة الدنيا بشهواتها وزخارفها وزينتها ولذاتها من الحرام والحلال. قال الرازي: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا﴾ مجاز؛ لأن الحياة الدنيا لا تغر في الحقيقة، بل المراد أنه حصل الغرور عند هذه الحياة الدنيا؛ لأن الإنسان يطمع في طول العمر، وحسن العيش، وكثرة المال، وقوة الجاه، فلشدة رغبته في هذه الأشياء يصير محجوباً عن طلب الدين، غرقاً في طلب الدنيا(١). وكان جزاء التلاعب واللهو والغرور ما قاله تعالى: ﴿فَأَلْيَوْمَ نَنْسَهُمْ﴾ أي يعاملهم معاملة من نسيهم من الخير؛ لأنه تعالى لا يشذ عن علمه شيء ولا ينساه، كما قال تعالى: ﴿فِ كِتَبِّ لَا يَضِلُّ رَبِ وَلَا يَنَسَى﴾ [طه: ٥٢/٢٠] وإنما قال تعالى هذا من باب المقابلة كقوله: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧/٩] وقوله: ﴿أَنَتْكَ ءَيَتُنَا فَنَسِينَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُنسَى﴾ [طه: ٢٠ /١٢٦]. فمعنى قوله ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَهُمْ﴾: نعاملهم معاملة الشيء المنسي، فلا يذكرون بخير، وإنما يتركون في النار. ومعنى ﴿كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾: كما فعلوا بلقائه فعل الناسين، فلم يخطر لهم ببال ولم يهتموا به، وكما أنكروا آيات الله، ورفضوا ما جاءت به الرسل. والحاصل: أن الله تعالى يتركهم في عذاب النار، كما تركوا العمل في الدنيا للقاء الله يوم القيامة، وكما جحدوا بآيات الله. وقد سمى الله جزاء نسيانهم بالنسيان من قبيل المشاكلة، كما في قوله تعالى: ﴿ وَجَزَّؤُأْ سَيْئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠/٤٢] والمراد من هذا النسيان: أنه لا يجيب دعاءهم ولا يرحمهم. (١) تفسير الرازي: ٩٣/١٤ ٥٩٠ الجزء (٨) - الأَغراف :: ٧/ ٥٠-٥١ فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية الأولى على أن شراب أهل الجنة وطعامهم ممنوع حرام على الكافرين. وهو تحريم قهر وعقاب. ودلت الآية الثانية على إهمال الكافرين في عذاب جهنم ومعاملتهم معاملة المنسيين، لنسيانهم واجباتهم نحو ربهم في الحياة الدنيا، وعلل تعالى ذلك بتعليلات مجملها أنهم كانوا كافرين، وتفصيلها ووصف أحوالهم: أنهم اتخذوا دينهم لهواً أولاً، ثم لعباً ثانياً، ثم غرتهم الحياة الدنيا ثالثاً، ثم صار عاقبة هذه الأحوال أنهم جحدوا بآيات الله، وذلك يدل على أن حب الدنيا مبدأ كل آفة، كما قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه البيهقي عن الحسن مرسلاً، وهو ضعيف: ((حب الدنيا رأس كل خطيئة)). وأما من الناحية الفقهية بالمعنى الخاص فقد دلت الآية الأولى على أن سقي الماء من أفضل الأعمال. وقد سئل ابن عباس: أي الصدقة أفضل؟ فقال: الماء، ألم تَرَوْا إلى أهل النار حين استغائوا بأهل الجنة: ﴿أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ اَلْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾. وروى أبو داود أن سعداً أتى النبي رَّ فقال: ((أي الصدقة أعجب إليك؟ قال: الماء)) فدل على أن سَقْي الماء من أعظم القُرُبات عند الله تعالى. وقد قال بعض التابعين: من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء. وقد غفر الله ذنوب الذي سقى الكلب فيما رواه البخاري عن أبي هريرة، فكيف بمن سقى رجلاً مؤمناً موحداً وأحياه؟! وفي حديث عائشة عن النبي ◌َّ - فيما رواه ابن ماجه في السنن - عن النبي ◌ُّ: ((من سقى مسلماً شَرْبة من ماء حيث يوجد الماء، فكأنما أعتق رقبة، ومن سقى مسلماً شربة من ماء حيث لا يوجد الماء فكأنما أحياها)). واستدل بهذه الآية من قال: إن صاحب الحوض والقِرْبة أحق بمائه، وأن له منعه ممن أراده؛ لأن معنى قول أهل الجنة: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٥٩١ الُ (٨) - الأَزرافة: ٥٢/٧-٥٣ اَلْكَفِينَ﴾ لا حق لكم فيها. وروى البخاري عن أبي هريرة عن النبي وَله قال: ((والذي نفسي بيده لأذودنّ رجالاً عن حوضي كما تذاد الغريبة من الإبل عن الحوض)) قال المهلّب: لا خلاف أن صاحب الحوض أحق بمائه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لأذودنَّ رجالاً عن حوضي)). فضل القرآن على البشر وحال المكذبين يوم القيامة بإظهار الندم وطلب الشفاعة هَلْ ﴿وَلَقَدْ جِثْنَهُمْ بِكِنَبٍ فَصَّلْنَهُ عَلَى عِلٍْ هُدَى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَةُ يَوْمَ بَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَيِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُوْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَتَغَمَلَ غَيْرَ أَلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ ٥٣ قَدْ خَسِرُوّاْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ القراءات: وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (جيناهم). الإعراب: ﴿هُدَى وَرَحْمَةً﴾ منصوبان على الحال من هاء ﴿فَصَّلْنَهُ﴾ وتقديره: فصلناه هادياً ذا رحمة. ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرف، والعامل فيه ﴿يَقُولُ﴾. ﴿فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ﴾ ﴿فَيَشْفَعُواْ﴾: منصوب بتقدير أن بعد فاء الجواب؛ لأنه جواب الاستفهام. ﴿أَوَ نُرَةٌ﴾: مرفوع معطوف على الاستفهام ٥٩٢ لِلُ (٨) - الْأَغْرَافِظ: ٥٢/٧-٥٣ قبله، على تقدير: أو هل نردّ؛ لأن معنى: هل لنا من شفعاء: هل يشفع لنا أحد أو هل نردّ؟ فعطفه على المعنى. ﴿فَنَعْمَلَ﴾ منصوب على جواب التمني بالفاء، بتقدير (أن) حملاً على مصدر ما قبله، فالفاء في المعنى تعطف مصدراً على مصدر. المفردات اللغوية: ﴿ وَلَقَدْ جِئْنَهُمْ﴾ أي أهل مكة، وغيرهم مثلهم. ﴿بِكِنَبٍ﴾ هو القرآن الكريم. ﴿فَضَّلْنَهُ﴾ بيَّناه أتم بيان بالأخبار والوعد والوعيد . ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ أي عالمين بما فصل فيه. ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ ما ينتظرون. ﴿إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ ما يؤول إليه أمره، أي عاقبة ما فيه وما يؤول إليه من تبين صدقه وظهور صحة ما نطق به من الوعد والوعيد. ﴿يَوْمَ يَأْنِى تَأْوِيلُهُ﴾ هو يوم القيامة. ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ﴾ تركوا الإيمان به . ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي بالأمر الثابت. ﴿أَوْ نُرَةُ﴾ أو هل نرد إلى الدنيا. ﴿فَتَعَمَلَ غَيْرَ أَلَّذِى كُنَّا نَعْمَلٌ﴾ نوحد الله ونترك الشرك، فيقال لهم: لا. ﴿قَدْ خَسِرُوّاْ أَنْفُسَهُمْ﴾ غبنوها؛ إذ صاروا إلى الهلاك. ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي غاب عنهم وذهب. ﴿مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ من ادعاء الشرك. المناسبة: بعد أن أوضح الله تعالى أحوال أهل الجنة، وأهل النار، وأهل الأعراف، وما يدور بين هذه الفرق الثلاث من حوار يحمل المكلف على الحذر والاحتراس والتأمل في العواقب، أردف ذلك ببيان شرف هذا الكتاب الكريم وعظيم فضله ونفعه وحجيته على البشر كلهم، وأنه أبطل معاذيرهم، ثم ذكر حال المكذبين وما يحدث منهم يوم القيامة من ندم وحسرة، وتمني العودة إلى الدنيا لإصلاح أعمالهم، أو إنقاذهم بشفاعة الشفعاء. ٥٩٣ الُ (٨) - الأَغراف :: ٥٢/٧-٥٣ التفسير والبيان: يخبر الله تعالى بهذه الآية عن إبطال معاذير المشركين بإرسال الرسل إليهم بالكتاب الذي هو مفضَّل مبيَّن، كقوله تعالى: ﴿كِنَبُّ أُخْكِمَتْ ءَانُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١/١١]. لقد جئنا هؤلاء المشركين من أهل مكة وأمثالهم بكتاب كامل البيان وهو القرآن، فصلنا آياته بالحكم والمواعظ والقصص والأحكام والوعد والوعيد، على علم تام منا بما فصلناه به، كقوله: ﴿أَنَزَلَهُ بِعِلْمِةٍ﴾ [النساء: ١٦٦/٤] تصحيحاً لعقيدتهم، وتزكية لنفوسهم، وسبباً لسعادتهم، وهدى ورحمة لمن يؤمن به، ويعمل بأحكامه. أوضح أصول الدين، وندد بالشرك والوثنية، ووضع الأنظمة الصالحة للبشر، وحض على البناء والتقدم والحضارة من طريق تمجيد النظر والتأمل والتفكير، والحث عليها، وذم التقليد دون بحث ولا تمحيص في آيات كثيرة، منها ما يحث على النظر والتأمل مثل: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتِ لِقَوْمِ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤/١٣] ومثل: ﴿قُلْ هَاتُواْ بُهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١/٢] ومنها ما يذم التقليد مثل: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاءَابَاءَنَا عَلَّ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىَّ ءَاتَِهِم مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣/٤٣]. هل ينتظر أي ما ينتظر هؤلاء الكفار إلا تأويله، أي ما وُعدوا به من العذاب والنكال والجنة والنار، قال الربيع: لا يزال يجيء من تأويله أمر، حتى يتم يوم الحساب، حين يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيتم تأويله یومئذ. ويوم يأتي تأويله يوم القيامة، كما قال ابن عباس، وتظهر حقائق ما أخبر به وصدق ما جاء به، فيقول الذين تركوا العمل به وتناسوه في الدار الدنيا، أي جعلوه كالشيء المنسي وأعرضوا عنه: قد جاءت رسل ربنا بالحق، أي ٥٩٤ لُ (٨) - الأَغَافِ: ٥٢/٧-٥٣ صدقوا في كل ما قالوا، وصح أنهم جاؤوا بالحق، وظهر أنه متحقق ثابت، ولكنا نحن الذين أعرضنا عنه، فجوزينا هذا الجزاء. وأصبحوا يتمنون الخلاص بكل ما يمكن من أحد أمرين: إما شفاعة الشافعين، وإما الرجوع إلى الدنيا لإصلاح العمل وتجديد السلوك والمنهج الذي يرضي الله تعالى. والسبب في تمني الشفعاء: تذكرهم أساس الشرك وهو أن النجاة عند الله إنما تكون بوساطة الشفعاء؛ فعندما أفلسوا وعرفوا أن النجاة بالإيمان والعمل الصالح، تمنوا الرجوع إلى الدنيا، ليعملوا بما أمر به الرسل غير عملهم السابق، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَيْنَا نُرَةُ وَلَا نُكَذِّبَ بِكَايَتِ رَبِّنَا وَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِينَ ﴿ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوَ رُدُواْ لَعَادُواْ [الأنعام: ٢٧/٦-٢٨]. ٣٨ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ وهذا كقوله ههنا: ﴿قَدْ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي غينوا أنفسهم بدخولهم النار وخلودهم فيها، وذهب عنهم ما كانوا يفترون من خبر الشفعاء التي كانوا يعبدونهم من دون الله، قائلين: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨/١٠] فلا يشفعون فيهم، ولا ينصرونهم، ولا ينقذونهم مما هم فيه. فقه الحياة أو الأحكام: القرآن الكريم أعظم نعمة على الإنسان؛ لأنه بيان للإيمان الصحيح والحق الثابت، والعبادة المرضية لله تعالى، ولأنه هدى ورحمة للمؤمنين، كقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِنَبُ أَنْزَلْنَهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ١٥٥/٦]. وتظهر في كل حين في الدنيا عاقبة ما أنذر به وحذَّر، وما أعلم به وأخبر؛ لقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِىِ الْأَفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٥٩٥ الجُزُ (٨) - الأعراف: ٥٤/٧ اُلْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣/٤١] وكذا في الآخرة؛ لقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَ﴾ أي عاقبة ما فيه. وعاقبة القرآن: ما وعد الله فيه من البعث والحساب وجزاء التکذیب به. وتبدو عواقبه يوم القيامة، فيعترف منكروه بأنه الحق الثابت والصدق الأبلج، ويتمنون الخلاص بأي وسيلة ممكنة: إما بشفاعة الشفعاء، أو الرد إلى الدنيا لتصحيح الأعمال بما يتفق مع مرضاة الله، ولكن لا يجابون إلى مطلبهم، فيندمون ولات حين مندم. ولكن هؤلاء الكفار المنكرين قد خسروا أنفسهم بتعريضها للعقاب والعذاب في النار، وبطل ما كانوا يقولون من أن مع الله إلهاً آخر، ولم ينتفعوا بالأصنام التي عبدوها في الدنيا، ولم ينتفعوا أيضاً بنصرة الأديان الباطلة التي بالغوا في نصرتها. إثبات الربوبية والألوهية لله بالخلق والأمر ﴿إِنَ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُ حَثِيئًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَرَتِ بِأَمَرِّةَ أَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ ٥٤ القراءات: ﴿ يُغْشِى﴾: قرئ: ١- (يُغَشِّي) وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف. ٢- (يُغْشِي) وهي قراءة الباقين. ﴿ وَالشَمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَةٍ﴾: ٥٩٦ اِلُعُ (٨) - الأَغرافِن: ٥٤/٧ وقرأ ابن عامر (والشمسُ والقمرُ والنجومُ مسخراتٌ). الإعراب: ﴿حَثِيثًا﴾ منصوب إما لأنه حال أي حاثاً، وإما لأنه صفة لمصدر محذوف، تقديره: يطلبه طلباً حثيثاً. ﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ يقرأ بالنصب والرفع، فالنصب بالعطف على ﴿السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي وخلق الشمس والقمر .. والرفع على الابتداء، وخبره: ﴿مُسَخَّرَتٍ﴾. البلاغة: قلے ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ فيه ما يسمى ((إيجاز قِصَر)) وهو جمع المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة. المفردات اللغوية: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ الرب: هو السيد المالك المدبر والمربي، و﴿اللَّهُ﴾: اسم الذات الأقدس خالق الخلق أجمعين، والإله: هو المعبود المرتجى لجلب النفع وكشف الضر، ويتقرب إليه بما يرضيه من العبادة والدعاء. وليس للمؤمنين الموحدين سوى إله واحد ورب واحد هو الله عز وجل. وأكثر المشركين يقولون: إنه أعظم الآلهة، وكان مشركو العرب لا يعترفون برب سواه، وإنما يعبدون آلهة تقربهم إليه ﴿السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ﴾ المراد بهما العالم العلوي والعالم السفلي، ولم يرد خبر ببيان حقيقتهما. ﴿فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ﴾ جمع يوم، وهو الوقت المحدود بطلوع الشمس إلى غروبها، والمراد بالأيام الستة: أنها من أيام الدنيا، أي في قدرها؛ لأنه لم يكن ثُمَّ شمس، ولو شاء لخلقهن في لمحة، والعدول عنه لتعليم خلقه التثبت. ٥٩٧ الجُ (٨) - الأَغْرَافِ: ٥٤/٧ ﴿أَسْتَوَى﴾ في اللغة: استقر، أو قصد أو استولى وملك، والمراد أنه يتصرف فيه بما يريد وقد استوى استواء يليق به ﴿اُلْعَرْشِ﴾ لغة: سرير الملك، أو كل شيء له سقف، أو هودج المرأة، أو الملك والسلطان، يقال: ثُلَّ عرشه، أي ذهب ملكه وزال أو هلك . ﴿يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ﴾ أي يغطي كلاً منهما بالآخر، ويجعل الليل كالغشاء، أي يذهب نور النهار ﴿يَطْلُ﴾ يطلب كل منهما الآخر ﴿حَثِيثًا﴾ أي طلباً سريعاً من غير فتور ﴿مُسَخَّرَتٍ﴾ مذَّلات خاضعات لتصرفه ﴿بِأَمْرِهِةٍ﴾ بقدرته وتدبيره وتصرفه ﴿الْخَلْقُ﴾ إيجاد الأشياء من العدم بقدر، فله الخلق جميعاً ﴿وَالْأَمْنُ﴾ كله، أي التدبير والتصرف كما يشاء ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ تعاظم وتنزه، أو كثر خيره وإحسانه ﴿رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ مالك العوالم من الجن والإنس. المناسبة: إن مدار القرآن على إثبات أسس أربعة: وهي التوحيد، والنبوة، والمعاد، والقضاء والقدر. وإثبات المعاد متوقف على إثبات التوحيد والقدرة والعلم. فلما قرر الله تعالى أمر المعاد، وذكر ما يدور من حوار بين أصحاب النار وأصحاب الجنة وأصحاب الأعراف، عاد إلى ذكر أدلة التوحيد، وكمال القدرة، والعلم، لتكون دليلاً على الربوبية والألوهية وإثبات المعاد. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى أنه خالق الكون أو العالم كله سماواته وأراضيه السبع، ومابين ذلك في ستة أيام، وهي ماعدا السبت، وقد اجتمع الخلق كله في الجمعة، الذي فيه خلق آدم عليه السلام. وأما يوم السبت فلم يقع فيه خلق؛ لأنه اليوم السابع، ومنه سمي السبت وهو القطع، وهذا من الأخبار الإسرائيلية. ٥٩٨ الُرُ (٨) - الأَغَافِنْ: ٥٤/٧ والمتبادر إلى الأذهان أن هذه الأيام مقدرة بأيام الدنيا؛ لأنه لم يكن ثَمّ شمس، ووجدت هذه الأشياء المخلوقة بعد خلق هذه الأرض. ورأى مجاهد وأحمد بن حنبل: أن كل يوم كألف سنة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُونَ﴾ [الحج: ٤٧/٢٢] وأما يوم القيامة فقال الله في وصفه: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤/٧٠]. ومعنى الآية: إن ربكم ومالك أمركم أيها الناس هو الله وحده لا شريك له، وهو الذي أوجد السماوات والأرض، وقدرهما، ودبر أمورهما وأحكم نظامهما في ستة أيام، إما مقدرة بأيام الدنيا، وإما أن الله أعلم بمقدارها وحدودها، ولو شاء خلقها في لحظة لخلَقها، وإنما أراد تعليم خلقه التثبت في الأمور: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ، إِذَا أَرَدَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) ﴾ [يس: ٨٢/٣٦] وذلك الخلق والتكوين ليس بالهيِّن وهو دليل على القدرة التامة: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧/٤٠]. وكان خلق الأرض في يومين، وخلق الجبال الرواسي وأنواع النبات ﴿﴿ قُلّ أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِى والحيوان في یومین آخرین، كما قال تعالى: خَلَقَ الْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَّجْعَلُونَ لَهُ: أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَلَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا فِىّ أَرْبَعَةِ أَيَّمِ سَوَآءَ لِلسَّآِلِينَ ١٠ [فصلت: ٩/٤١ - ١٠]. وخلق السماوات وما فيها من أجرام وكواكب في يومين، كما قال تعالى: ﴿ فَقَضَنُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ وَحِفَظًا ذَلِكَ تَقْدِيُرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (﴿3﴾ [فصلت: ١٢/٤١]. ثم إنه تعالى بعد هذا الخلق استوى على عرشه، يدبر أمره، ويصرف نظامه، على نحو يليق به، غير مشابه لشيء من المخلوقات والحوادث. فاستواؤه على العرش: هو انفراده بتدبير السماوات والأرض، واستيلاؤه على زمام الأمور ٥٩٩ الُ (٨) - الْأََّافِ: ٧/ ٥٤ والسلطة فيهما. ونحن نؤمن كإيمان الصحابة باستواء الله على العرش بكيفية تليق به، من غير تشبيه ولا تكيف، أي من غير تحديد بجهة، ولا تقدير بكيف أو وصف، وتترك معرفة الحقيقة إلى الله، وهذا ما قرره الإمام مالك ومن قبله شيخه ربيعة، فقال: الاستواء معلوم (أي في اللغة) والكيف (أي كيفية الاستواء) مجهول، والسؤال عن هذا بدعة. وهذا القدر كاف في الموضوع. وقال الحافظ ابن كثير: مذهب السلف الصالح: مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديماً وحديثاً، هو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل. والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبّهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه، و﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١/٤٢]. بل الأمر كما قال الأئمة، منهم نعيم بن حماد شيخ البخاري قال: من شبَّه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه، فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة، على الوجه الذي يليق بجلال الله، ونفى عن الله تعالى النقائص، فقد سلك سبيل الهدى(١). وأما الخلَف فيتأولون ويقولون: استوى على عرشه بعد تكوين خلقه، بمعنی أنه يدبر أمره، ویصرِّف نظامه، على حسب تقديره وحكمته، كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ [يونس: ٣/١٠]. ثم بيَّن الله تعالى بعض مظاهر تدبيره الكون فقال: ﴿يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ﴾ (١) تفسير ابن كثير: ٢٢٠/٢ ٦٠٠ لُ (٨) - الأعراف: ٥٤/٧ أي أنه تعالى يلحق الليل بالنهار، أو النهار بالليل، يحتملهما جميعاً على التعاقب، ويذهب ظلام الليل بضياء النهار، وضياء النهار بظلام الليل، وكل منهما يطلب الآخر طلباً حثيثاً، أي سريعاً لا يتأخر عنه، بل إذا ذهب هذا جاء هذا وعكسه، والمراد أنه يعقبه سريعاً دون وجود فاصل أو تأخر، مثل قوله تعالى: ﴿وَءَايَةٌ لَّهُمُ الَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُظْلِمُونَ وَاُلْقَمَرَ قَذَّرْنَهُ وَالشَّمْسُ تَّجْرِى لِمُسْتَقَرٍ لَّهَأَ ذَلِكَ تَقْدِيُ اُلْعَزِيزِ الْعَلِ ـ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُونِ أَلْقَدِ ﴿ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِى لَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اَلَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلَّ فِى فَكِ يَسْبَحُونَ ﴾ [يس: ٣٧/٣٦-٤٠]. وفي تعاقب الليل والنهار منافع كثيرة، إذ بتعاقبهما يتم أمر الحياة، وتتحقق مصالح الناس. وقد تأيد هذا الطلب السريع بما أثبته العلم الحديث من كروية الأرض ودورانها على محورها حول الشمس، فيكون نصف كرتها مضيئاً بالشمس، والنصف الآخر مظلماً، فإذا كان الوقت نهاراً في الشرق الأوسط مثلاً، كان الوقت ليلاً في أمريكا الجنوبية وطوكيو - اليابان. وقد سبق إلى ما قرره العلماء المعاصرون كثير من علماء الإسلام كالغزالي والرازي وابن تيمية وابن قيِّم الجوزية. ومن مظاهر التدبير الإلهي للكون: خلقه الشمس والقمر وسائر النجوم والكواكب، وكونها جميعاً تحت قهره وتسخيره ومشيئته، أي أنها خاضعة لأمره وتصرفه. لذا قال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ أي أنه هو الخالق المبدع المالك، المتصرف المدبر، فمعنى ﴿لَهُ الْخَلْقُ﴾ أي له ملك المخلوقات كلها كبيرها وصغيرها، ومعنى له ﴿وَالْأَمْرُ﴾ أي التصرف والتدبير، ليس لأحد شيء. ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ أي تعاظم وتنزه، وانفرد بالربوبية، وكل مافي