النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١
الُعُ (٨) - الأَغراف :: ٣٧/٧-٣٩
عاقبة الكذب ومشهد دخول الكفار إلى النّار
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ اُفْتَرَى عَلَى الَِّ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِعَايَتِهٍ، أُوْلَكَ يَنَالَهُمْ نَصِيبُهُم
مِّنَ اُلْكِتَبِّ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ
قَالَ آدْخُلُواْ فِىّ أُمَمٍ
اللَّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوْ كَفِرِينَ
قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّنَ اُلْجِنِّ وَالْإِسِ فِ النَّارِ كُلََّا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتََّ
إِذَا أَذَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَهُمْ لِأُولَئِهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُونَا فَفَاتِهِمْ عَذَابًا
وَقَالَتْ أُولَئُهُمْ لِأُخْرَهُمْ
ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَّا نَعْلَمُونَ لَّ
٣٩
فَمَا كَانَ نَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ
القراءات:
﴿رُسُلُنَا﴾ :
وقرأ أبو عمرو (رُسْلنا).
﴿هَؤُلَاءٍ أَضَلُونَا﴾ :
بإبدال الهمزة الثانية ياء خالصة قرأ: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو.
الإعراب:
﴿حَّى إِذَا جَاءَ تْهُمْ رُسُلُنَا﴾: ﴿حَتَّىٌ﴾ ابتدائية يبتدأ بعدها الكلام، وهو ههنا
الجملة الشرطية. ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ حال من الرّسل. ﴿آدْخُلُواْ فِىّ أُمَمٍ﴾ في موضع
الحال، أي كائنين في جملة أُمم.
﴿حَقََّ إِذَا أَذَّارَكُواْ فِيهَا جَميعًا﴾: ﴿ ادَارَكُوا﴾: أصله تداركوا على وزن
تفاعلوا، ثم أُبدلت التاء دالاً، وأُدغمت الدّال في الدّال، فسكِّنت الدّال
الأولى، والابتداء بالسّاكن محال، فأُدخلت ألف الوصل، لئلا يبتدأ بالساكن.

٥٦٢
الجُرُ (٨) - الأعراف: ٣٧/٧-٣٩
﴿جَمِيعًا﴾: منصوب على الحال من الضمير في ﴿أُدَّارَكُواْ
المفردات اللغوية:
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ فمن أشنع ظلماً ممن تقوّل على الله ما لم يقله أو كذّب ما
قاله، أي لا أحد أظلم ممن افترى على الله الكذب، بنسبة الشريك والولد
إليه . ﴿أَوْ كَذَّبَ بِئَايَتِهِ،﴾ القرآن. ﴿يَنَالَهُمْ﴾ يصيبهم. ﴿نَصِيبُهُمْ﴾ حظّهم. ﴿مِّنَ
اَلْكِتَبِّ﴾ مما كتب لهم في اللوح المحفوظ من الرّزق والأجل وغير ذلك.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا﴾ أي ملائكة الموت، و﴿حَتّىَ﴾ ليست غاية، بل هي
ابتداء خبر عنهم، ابتدئ بها الكلام . ﴿قَالُواْ﴾ لهم تبكيتاً. ﴿تَدْعُونَ﴾ تعبدون.
﴿ضَلُواْ عَنَّا﴾ غابوا عنّا، فلم نرهم . ﴿ وَشَهِدُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ عند الموت.
(ادْخُلُواْ فِيَّ أُمَمٍ﴾ في جملة أُمم سابقة. ﴿فِى النَّارِ﴾ متعلِّق بادخلوا. ﴿كُلَّمَا
دَخَلَتْ أُمَّةٌ﴾ النّار. ﴿لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ التي قبلها لضلالها بها. ﴿أُذَّارَكُواْ﴾
تلاحقوا واجتمعوا في النّار. ﴿أُخْرَئُهُمْ﴾ منزلة وهم الأتباع. ﴿لِأَوْلَنْهُمْ﴾
منزلة أي لزعمائهم وقادتهم وهم المتبوعون، ومعنى ﴿لِأَوْلَنَهُمْ﴾: لأجل
أولاهم؛ لأن خطابهم مع الله، لا معهم . ﴿عَذَابًا ضِعْفًا﴾ مضاعفاً على مثله
مرّة أو مرّات. ﴿لِكُلِّ ضِعْفٌ﴾ لكل منكم ومنهم عذاب مضاعف؛ لأن كلاًّ
من القادة والأتباع كانوا ضالّين مضلّين. ﴿ وَلَكِن لَّا نَعْلَمُونَ﴾ ما لكل فريق.
﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾ عطفوا هذا الكلام على قول الله تعالى
للسِّفْلةِ: ﴿لِكُلِّ ضِعْفٌ﴾ أي فقد ثبت أن لا فضل لكم علينا؛ لأنكم تكفرون
بسببنا، فنحن وأنتم متساوون في استحقاق الضّعف.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى عاقبة المكذّبين بآيات الله، المستكبرين عن قبولها،
ذكر هنا أن من أشنعهم ظلماً وأعظمهم بغياً من يتقوّل على الله ما لم يقله، أو

٥٦٣
لُ (٨) - الأَغراف: ٣٧/٧-٣٩
يكذّب ما قاله، والأوّل: مثل من يثبت الشّريك لله من أصنام أو كواكب أو
بنات وبنين، أو ينسب الأحكام الباطلة إلى الله تعالى، والثاني كمن ينكر أن
القرآن نزل من عند الله تعالى على رسوله، أو أنكر نبوة محمد وَله.
التفسير والبيان:
لا أحد أظلم ممن افترى على الله الكذب، بأن أوجب ما لم يوجبه، أو
حرّم ما لم يحرّمه، أو نسب إلى دينه حكماً لم ينزله، أو نسب إلى الله ولداً أو
شريكاً.
أو كذّب بآيات الله المنزلة بأن أنكر القرآن مثل كفار العرب، أو لم يؤمن
بالنَّبي محمد وَلَّ، أو استهزأ بالآيات أو تركها مفضلاً عليها غيرها.
أولئك جميعاً ينالهم ما كتب عليهم في كتاب المقادير الذي سجل فيه نظام
العالم كله، وقُدِّر لهم من الأرزاق والأعمار، وكتب لمن كذب على الله أن
وجهه مسود، أي لهم ما وعدوا به من خير أو شرّ، بالرّغم من ظلمهم
وافترائهم على الله.
حتى إذا جاءتهم الرّسل وهم ملائكة الموت يتوفّونهم ويقبضون أرواحهم،
قالوا لهم أي سألهم الرّسل تأنيباً وتوبيخاً: أين الشّركاء الذين كنتم تدعونهم
وتعبدونهم في الدّنيا من دون الله؟! ادعوهم يخلصونكم مما أنتم فيه!
أجابوهم: غابوا عنّا وذهبوا، فلا ندري مكانهم، ولا نرجو منهم النّفع
والخير، ولا دفع الضّرّ.
وأقرّوا واعترفوا على أنفسهم بأنهم كانوا بدعائهم وعبادتهم إيّاهم كافرين.
ومفاد هذا زجر الكفار عما هم عليه من الكفر، ودفعهم إلى النّظر والتّأمل
في عواقب أمورهم القائمة على الكفر والضّلال.

٥٦٤
لُرعُ (٨) - الأعراف: ٣٧/٧-٣٩
ونظير المعنى في هذه الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ
اُلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ، مَنَعٌ فِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ
V.
اُلْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ
﴾ [يونس: ٦٩/١٠ -٧٠]، وقوله:
﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُئِكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ
٢٤
﴿ تُمِنِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِظٍ
بِذَاتِ الصُّدُورِ
[لقمان: ٢٣/٣١ -٢٤].
ثم أخبر الله تعالى عما تقوله الملائكة لهؤلاء المشركين به، المفترين عليه،
المكذّبين بآياته: ادخلوا النّار مع أُمم أمثالكم وعلى صفاتكم، قد سبقتكم في
الكفر، سواء من الجنّ والإنس، فالقائل: إما مالك خازن النّار، أو هو الله
عزّ وجلّ، أي قال الله: ادخلوا.
كلما دخلت جماعة منهم النّار، ورأت العذاب والخزي والنّكال، لعنت
أختها في الملّة والدِّين التي ضلّت بالاقتداء بها، إذ هي قد ضلّت باتِّباعها
وتقليدها في الكفر، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ
◌ِبَعْضِ وَيَلْعَثُّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥/٢٩]، وهكذا يلعن
أصناف الكفار بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعض، كما قال تعالى:
﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوْ اْلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ
وَقَالَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّهُواْ
الأَسْبَابُ
مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَتٍ عَلَيْهِمٌّ وَمَا هُم بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ
[البقرة: ١٦٦/٢-١٦٧].
(١٦٧)
حتى إذا تداركوا وتلاحقوا في النّار، واجتمعوا فيها كلهم، قالت أخراهم
دخولاً أو منزلةً، وهم الأتباع والسِّفْلة، لأولاهم منزلةً أو دخولاً، وهم
المتبوعون والقادة والرؤساء؛ لأنهم أشدّ جرماً من أتباعهم، فدخلوا قبلهم،
قالت قولاً يتضمن شكوى الأتباع إلى الله يوم القيامة؛ لأنهم هم الذين

٥٦٥
الزرعُ (٨) - الآغرافي: ٣٧/٧-٣٩
أضلّوهم عن سواء السَّبيل. قال الزّمخشري: معنى ﴿لِأُولَئُهُمْ﴾: لأجل
أولاهم؛ لأن خطابهم مع الله، لا معهم. أي قالوا في شأنهم وحقّهم ولأجل
إضلالهم.
وتلك الشكوى أنهم يقولون مخاطبين الله: ربَّنا هؤلاء السّادة أضلّونا عن
الحقّ، فأعطهم عذاباً مضاعفاً من النّار، أي ضاعف عليهم العقوبة، كما قال
تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ يَقُولُونَ يَلَيْتَنَآ أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَاْ
وَقَالُواْ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَاْ ﴿ رَبََّآ ءَاتِهِمْ
ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنَا كَبِيرًا ﴿َ﴾ [الأحزاب: ٦٦/٣٣-٦٨].
فأجابهم الله: لكل منكم ومنهم عذاب مضاعف، وقد فعلنا ذلك،
وجازينا كلاَّ بحسبه إما بالإضلال أو بالتقليد والضلال؛ لأن كلاًّ من القادة
والأتباع كانوا ضالِّين مضلِّين، ولكنكم لا تعلمون عذابهم. والضّعف: المثل
الزّائد على مثله مرّة أو مرّات. وهو مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُواْ
(٨٨) [النحل:
عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ
٨٨/١٦]، وقوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَ أَثْقَالَهُمْ وَأَنْقَالًاً مَّعَ أَثْقَاِيمٌ﴾ [العنكبوت: ١٣/٢٩]،
وقوله: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُونَهُم
بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥/١٦].
وَقَالَتْ أُوْلَنْهُمْ لِأُخْرَهُمْ﴾ أي قال المتبوعون للأتباع: إذا كنا قد
أضللناكم، فليس لكم فضل علينا، فقد ضللتم كما ضللنا، فنحن وأنتم سواء
في استحقاق الضعف، أي قد كفرتم وفعلتم كما فعلنا، فليس تستحقون تخفيفاً
من العذاب.
فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون، أي تلقوا عذاب الله بما تسببتم به من
الكفر والضلال. وهذا من قول القادة، أو من قول الله لهم جميعاً. وهو مثل
قَالُواْ إِنَّكُمْ كُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ
٢٧
قوله تعالى: ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَى بَعْضٍ يَتَسَآءَ لُونَ

٥٦٦
لُ (٨) - الأَّيْرَافِن: ٤٠/٧-٤١
الْيَمِینِ
وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍّ بَلْ كُمْ
٢٩
قَالُواْ بَل لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ
٢٨
٠٢
فَأَغْوَيْنَكُمْ إِنَّا كُنَا غَوِينَ
فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِنٌَّ إِنَّا لَذَابِقُونَ
قَوْمًا طَِخِينَ
[الصافات: ٢٧/٣٧-٣٣]. والمقصود من
(٣٣
فَإِنَّهُمْ يَوْمَيِدٍ فِ الْعَذَابِ مُشْتَرِكُنَ
قوله: ﴿فَذُوقُواْ اُلْعَذَابَ﴾ التّخويف والزّجر، لأنه تعالى لما أخبر عن الرؤساء
والأتباع أن بعضهم يتبرأ من بعض، ويلعن بعضهم بعضاً، كان ذلك سبباً
لوقوع الخوف الشديد في القلب.
فقه الحياة أو الأحكام:
أيُّ ظلم أشنع من الافتراء على الله تعالى بالتّحليل والتّحريم من غير حكم
الله، والتكذيب بآيات الله قولاً أو استهزاءً أو استكباراً عن اتِّباعها؟!
وبالرغم من هذا فإنّ هؤلاء المكذِّبين ينالهم ما كتب لهم من رزق وعمر
وعمل، وما وعدوا به من خير وشرّ.
ومعنى: ما كتب لهم في اختيار الطَّبري، وهو المروي عن ابن زيد وابن
عباس وابن جبير: ما قدر لهم من خير وشرّ ورزق وعمل وأجل.
والمقرر أن السّادة والأتباع في الكفر سواء، يدخلون النّار، ويضاعف لهم
العذاب، إما بالإضلال وهو فعل السّادة، أو بالتّقليد وإهمال العقل، وهو
فعل الأتباع. والتعذيب ليس تشفّياً وانتقاماً، وإنما هو بسبب اقتراف السَّيئات
واعتقاد الكفر.
جزاء الكافرين
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَئِنَا وَأُسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لَا نُفَنَّعُ لَهُمْ أَبْوَبُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ
لَهُ مِّن
٤٠
الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِ سَمِّ الْخِيَاطِ، وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُجْرِمِينَ
جَهَنََّ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشِّ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الََّالِمِينَ
٤١

٥٦٧
الُ (٨) - الأَغرافِ: ٧/ ٤٠-٤١
القراءات:
﴿لَا نُفَنَّحُ﴾ : قرئ:
١- (لا تُفْتَح) وهي قراءة أبي عمرو.
٢- ( لا يُفْتَح) وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف.
٣- (لا تُفَتَّحَ) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍِ﴾: ﴿غَوَاشٍِ﴾: مبتدأ مرفوع، وخبره: ﴿وَمِنْ
فَوْقِهِمُ﴾. وأصل ﴿غَوَاشِّ﴾: ألا ينصرف؛ لأنه جمعٌ بعد ألفه حرفان على
وزن فواعل، وهو جمع غاشية، إلا أن التّنوين دخلها عوضاً عن حذف الياء.
البلاغة:
﴿لَا نُفَنَّحُ لَهُمْ أَبَوَبُ السَّمَاءِ﴾ كناية عن عدم قبول العمل يوم القيامة. ﴿حَتَّى
يَلِجَ اُلْجَمَلُ فِ سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ فيه تشبيه ضمني، أي لا يدخلون الجنة إلا إذا دخل
الجمل في ثقب الإبرة، وهو تمثيل للاستحالة.
﴿لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍِ﴾ استعارة لما يحيط بهم مِن
كل جانب مثل قوله: ﴿لَهُم مِّنِ فَوْقِهِمْ تُظْلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَخْنِهِمْ ظَلَلٌ﴾
[الزمر: ١٦/٣٩].
المفردات اللغوية:
بِشَايَئِنَا﴾ أدلّتنا على أُصول الدِّين وأحكام الشّرع، كأدلّة إثبات وجود الله
ووحدانيته، وإثبات النّبوة، والبعث والحساب والجزاء في الآخرة.
﴿ وَأَسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا﴾ تكبَّروا عنها فلم يؤمنوا بها. ﴿لَا نُفَنَّحُ لَهُمْ أَبْوَبُ السَّمَاءِ﴾

٥٦٨
لِجُزْءُ (٨) - الْأَيْرَافِ: ٤٠/٧-٤١
لا يصعد لهم عمل صالح ولا دعاء، أو لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء إذا
عرج بأرواحهم إليها بعد الموت، فيهبط بها إلى سجِّين (جهنم) بخلاف المؤمن،
فتفتح له، ويصعد بروحه إلى السماء السابعة، كما ورد في الحديث.
﴿بَلِجَ﴾ يدخل. ﴿اٌلْجَمَلُ﴾ البعير الذي نبت نابه. ﴿سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ ثقب
الإبرة، وهو غير ممكن، فكذا دخولهم الجنة مستحيل . ﴿ وَكَذَلِكَ﴾ الجزاء.
(نَجْزِى الْمُجْرِمِينَ﴾ بالكفر، والمراد بالإجرام: كل إفساد، كإفساد الفطرة
بالكفر . ﴿مِهَادٌ﴾ فراش. ﴿غَوَاشِّ﴾ أغطية من النّار، جمع أغشية، وتنوينه
عوض من الياء المحذوفة.
المناسبة:
المقصود من هذه الآيات إتمام وعيد الكفار؛ لأنه تعالى أخبر في الآية
المتقدمة عن خلود المكذِّبين بالقرآن في النّار، المستكبرين عن الإيمان بالله والنّبي
والمعاد، ثم أخبر عن استحالة دخولهم الجنة، وعدم قبول أعمالهم الصالحة.
التفسير والبيان:
إن الذين كذبوا بآياتنا الدّالة على وحدانيتنا وصدق نبيِّنا وصحّة النّبوات
وإثبات المعاد، لا يصعد لهم عمل صالح؛ لخبث أعمالهم، وإنما يتقبّل الله من
المتّقين، ويقبل العمل الصالح، ويرفع إليه الكلم الطّب: لقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ
يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠/٣٥]، وقوله: ﴿كَّ
[المطففين: ١٨/٨٣]، فلا تفتح لأعمالهم
إِنَّ كِتَبَ الْأَبْزَارِ لَفِى عِلْتِينَ
وأرواحهم أبواب السّماء، وهذا فيه جمع بين القولين في تفسير هذه الآية.
ولا يدخلون الجنّة أبداً بحال، فهم مطرودون من رحمة الله، فدخولهم الجنة
مستحيل؛ لقوله: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِ سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ وهذا أسلوب شائع بين
العرب للدّلالة على الاستحالة، فهم يقولون: لا أفعل كذا حتى يشيب

٥٦٩
لُ (٨) - الَّغَرَافِ: ٧/ ٤٠-٤١
الغراب، وحتى يبيضّ القار (الزّفت) وحتى يدخل الجمل في سمّ الخياط.
وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير أنّ المراد: حتى يدخل الجُمَّل أي الحبل
الغليظ في خرق الإبرة، قال ابن عباس رضي الله عنه: إن الله أحسن تشبيهاً
من أن يشبه بالجمل، يعني أن الحبل مناسب للخيط الذي يسلك في سمّ
الإبرة، والبعير لا يناسبه. قال الزّمخشري: إلا أن قراءة العامة ﴿اَلْجَمَلُ﴾
أوقع؛ لأنّ سمّ الإبرة مثل في ضيق المسلك، يقال: أضيق من خرت الإبرة،
والجمل مثل في عظم الجرم.
﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُجْرِمِينَ﴾ أي ومثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي كل من
أجرم في حقّ الله، وفي حقّ نفسه، وفي حقّ إخوانه المسلمين، ليدلّ على أنّ
الإجرام هو السَّبب المؤدِّي إلى العقاب، وأن كل من أجرم عوقب. ثم كرر
ذلك في آخر الآية التالية فقال: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِى الظَّالِمِينَ﴾ لأن كل مجرم ظالم
لنفسه.
ولهؤلاء المجرمين من نار جهنّم فراش يفترشونه من تحتهم، وأغطية من
فوقهم، والمراد أن النّار محيطة بهم، مطبقة عليهم من كل جانب، كما قال
(د) [الهمزة: ٨/١٠٤]، وقال: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ
تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ
لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِرِينَ﴾ [التوبة: ٤٩/٩]، وقال: ﴿لَهُم مِّن فَوْفِهِمْ ظَلَلٌ مِّنَ النَّارِ
وَمِن تَحْنِهِمْ﴾ [الزمر: ١٦/٣٩].
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِى اُلَِّلِمِينَ﴾ ومثل هذا الجزاء نجزي الظالمين لأنفسهم
ولغيرهم من الناس. وهذا دليل على أن المجرمين والظالمين هم الكافرون: لقوله
تعالى: ﴿وَاُلْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤/٢]، وبدليل أن الذين تقدّم
ذكرهم هم المكذبون بآيات الله.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيتان على ما يلي:

٥٧٠
لِلُ (٨) - الأَغْرَافِ: ٤٢/٧-٤٣
اً - أعمال الكافرين المكذبين بآيات الله، المستكبرين عنها غير مقبولة،
فلا تفتح لأعمالهم ولا لأرواحهم أبواب السماء.
أَ - إنّ الجنّة في السّماء؛ لأنّ المعنى: لا يؤذن لهم في الصُّعود إلى السّماء،
ولا تطرق لهم ليدخلوا الجنّة.
ءَّ - يستحيل على الكفار دخول الجنة، فلا يدخلونها ألبتة، ويحرمون منها
أبداً وفي كل الأحوال.
٤ - عذاب النّار يحيط بالكافرين من كل جانب، فلا يجدون فيها منفذاً
للخروج منها، أو التّخفيف من العذاب، فلهم منها غطاء ووطاء، وفراش
ولحاف.
٥ - المجرمون: هم الكافرون؛ لأن الذين تقدّمت صفتهم هم المكذبون
بآيات الله، المستكبرون عنها. والظالمون أيضاً: هم الكافرون؛ لأنهم الذين
أشركوا بالله واتخذوا من دونه إلهاً.
جزاء المؤمنين المتقين
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصََّلِحَتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ
وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ عِلٍ تَّجْرِى مِن تَحْنِهِمُ
٤٢
أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِهَا خَالِدُونَ
اُلْأَنْهَرِّ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَِّ الَّذِى هَدَنَنَا لِهَذَا وَمَا كُنَا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَآ أَنْ هَدَنَا اللَّهُ لَقَدْ
بَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالَّ وَنُودُوْاْ أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُوْرِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
٤٣
القراءات:
﴿ تَحْنِمُ الْأَنْهَرُ﴾: قرئ:
١- (تحتهم الأنهار) وهي قراءة أبي عمرو.

٥٧١
لِلُ (٨) - الأعراف: ٤٢/٧-٤٣
٢- (تحتهُمُ الأنهار) وهي قراءة حمزة، والكسائي.
٣- (تحتهِمُ الأنهار) وهي قراءة الباقين.
﴿هَدَنَنَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَْتَدِىَ﴾:
وقرأ ابن عامر (هدانا لهذا ما كنا لنهتدي).
الإعراب:
﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصََّلِحَتِ﴾ ﴿ وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ مبتدأ، وخبره:
﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ﴾. و﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ اعتراض وقع بين
المبتدأ وخبره. ويجوز أن يكون التقدير فيه: لا نكلف نفساً منهم، فحذف
((منهم)) كقوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
[الشورى: ٤٣/٤٢] أي إن ذلك الصبر منه، أي من الصابر. وقال الرازي: إنما
حسن وقوع هذا الكلام المعترض بين المبتدأ والخبر؛ لأنه من جنس الكلام؛
لأنه لما ذكر عملهم الصالح، ذكر أن ذلك العمل في وسعهم.
﴿تَّجْرِى مِن تَحْنِمُ﴾ ﴿تَجْرِى﴾ جملة فعلية حال من الضمير (هم) في
مُدُورِهِم﴾.
ھے
﴿لَوْلاً أَنْ هَدَنَنَا اُللَّهُ﴾: أن وصلتها: في موضع رفع بالابتداء، والخبر
محذوف، أي: لولا هداية الله موجودة، لهلكنا أو شقينا. ولا يجوز إظهار خبر
المبتدأ بعد: ﴿لَوْلَا﴾ لطول الكلام بها، كما لا يجوز إظهاره بعد القسم في قوله
[الحجر: ٧٢/١٥] أي لعمرك
V
تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَئِمْ يَعْمَهُونَ
قسمي، فلا يجوز إظهار الخبر لطول الكلام بجواب القسم.
﴿أَنْ تِلْكُمُ﴾ أن مخففة من الثقيلة تقديره: ونودوا بأنه تلكم الجنة،
والضمير ضمير الشأن، أو مفسرة، أي معنى تفسير النداء، والمعنى: ونودوا،
أي تلكم الجنة، وهو الأجود عند الرازي.

٥٧٢
لِمُعُ (٨) - الْأَّغَافِ: ٤٢/٧-٤٣
المفردات اللغوية:
﴿وُسْعَهَا﴾ طاقتها من العمل في الأحوال العادية، لا في وقت الشدة
والضيق. ﴿وَنَزَعْنَا﴾ قلعنا. ﴿غِلّ﴾ حقد أو حسد وعداوة كان بينهم في الدنيا.
﴿تَجْرِى مِن تَحْنِمُ الْأَنْهَرُ﴾ تحت قصورهم. ﴿وَقَالُواْ﴾ عند الاستقرار في منازلهم.
﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَنْنَا لِهَذَا﴾ أي وفقنا لموجب هذا الفوز العظيم، وهو
الإيمان والعمل الصالح. ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ﴾ اللام لتوكيد النفي، يعنون: وما
كان يستقيم أن نكون مهتدين، لولا هداية الله وتوفيقه.
﴿لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ فكان لنا لطفاً وتنبيهاً على الاهتداء،
فاهتدينا، يقولون ذلك سروراً واغتباطاً بما نالوا، وتلذذاً بالتكلم به، لا تقرباً
وتعبداً.
﴿ أُوْرِثْتُمُوهَا﴾ صارت إليكم كما يصير الميراث إلى أهله.
المناسبة:
جرت سنة القرآن الجمع بين الوعيد والوعد، فبعد أن ذكر سبحانه وعيد
الكافرين والعصاة، أتبعه بوعد المؤمنين الطائعين.
التفسير والبيان:
لما ذكر الله تعالى حال الأشقياء وجزاءهم، عطف عليه بيان حال السعداء
وجزائهم، ليتميز المؤمن عن الكافر، والمحق عن المبطل، فقال: ﴿ وَاُلَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾ أي والذين صدقوا بالله ورسله، وعملوا الصالحات، بامتثال الأوامر
واجتناب النواهي، هم أهل الجنة دون سواهم، وهم المخلدون فيها أبداً.
وجاء قوله تعالى: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ جملة اعتراضية، للتنبيه
على أن الجنة مع عظم محلها يوصل إليها بالعمل السهل من غير تحمل
الصعب، وأن العمل الصالح الموصل إلى الجنة سهل غير صعب، فهو ليس

٥٧٣
الُ (٨) - الْأَيْرَافِ: ٤٢/٧-٤٣
شاقاً ولا خارجاً عن طاقة البشر، بل يسهل على كل إنسان فعله، متى توافر
الإيمان، وتأيد بهدي القرآن.
ومعنى الوسع: ما يقدر الإنسان عليه في حال السعة والسهولة، لا في حال
الضيق والشدة.
ومن نعم الله تعالى على أهل الجنة صفاء نفوسهم وسلامة صدورهم، لا
يكدرهم كدر، ولا يؤلمهم ألم، ولا يحزنهم فزع، ولا يحدث بينهم شر؛ لأن
الله نزع ما في صدورهم من حسد وحقد وعداوة وغل ونحوها من أمراض
النفوس في الدنيا.
جاء في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَله:
((إذا خلص المؤمنون من النار، حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فاقتص لهم
مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا، أُذن لهم في دخول الجنة،
فوالذي نفسي بيده، إن أحدهم بمنزله في الجنة أدل منه بمسكنه الذي كان في
الدنیا)).
وروى ابن أبي حاتم عن الحسن البصري قال: بلغني أن النبي وَلّ قال:
((يُخْبَس أهل الجنة بعد ما يجوزون الصراط، حتى يؤخذ لبعض من بعض
ظلاماتهم في الدنيا، فيدخلون الجنة، وليس في قلوب بعضهم على بعض غلٍّ).
وروى ابن جرير الطبري عن قتادة قال: قال علي رضي الله عنه: إني
لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم:
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ عِلِ إِخْوَانًا﴾ [الحجر: ٤٧/١٥].
وروى عبد الرزاق عن الحسن قال: قال علي: فينا والله أهل بدر نزلت:
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ عِلٍ﴾.
وقال المؤمنون شاكرين نعمة الله وفضله: الحمد لله الذي هدانا في الدنيا

٥٧٤
الُ (٨) - الْأَّغَافِ :: ٤٢/٧-٤٣
للإيمان الصحيح والعمل الصالح، الذي كان جزاؤه هذا النعيم، وما كان من
شأننا ومستوى تفكيرنا أن نهتدي إليه بأنفسنا، لولا هداية الله وتوفيقه إیانا
لاتباع رسله.
وقالوا أيضاً حين رأوا مطابقة كل شيء لما أخبر به الرسل: لقد جاءت
رسل الله بالحق، وهذا مصداق وعد الله على لسان رسله.
ونادتهم الملائكة: سلام عليكم طبتم، فادخلوها خالدين، هذه الجنة التي
أورثكم الله إياها جزاء أعمالكم الصالحة.
أخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله :
((وما منكم من أحد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا
مات فدخل النار، ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَرِثُونَ
١٠
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيتان على ما يأتي:
اً - الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها
خالدون.
أَ - التكليف على قدر الطاقة والوسع، سواء في التكاليف الشرعية من
عبادات وفرائض، أو في التكاليف المالية كنفقات الزوجات ونحوها.
ءَّ - من نعم الله عز وجل على أهل الجنة: نزع الغِلّ الذي كان في الدنيا من
صدورهم. والنزع: الاستخراج، والغِلّ: الحقد الكامن في الصدر.
٤ - استحقاق إرث الجنة من جهة العدل بالعمل الصالح، ففي قوله
تعالى: ﴿أُوْرِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ دليل على أن الإنسان يدخل الجنة

٥٧٥
لُ (٨) - الأَغْرَافِ: ٤٢/٧-٤٣
بعمله. لكن دخولها يكون برحمة الله وفضله، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ
اُلْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٠/٤] وقال: ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مِنْهُ
وَفَضَّلٍ﴾ [النساء: ١٧٥/٤].
وجاء في صحيح مسلم: ((لن يُدخل أحداً منكم عملُه الجنة، قالوا: ولا
أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل)).
يتبين من هذا أن إرث منازل الجنة بالعمل، ودخولها بالرحمة والفضل
الإلهي وهذا رأي القرطبي الذي قال: وبالجملة فالجنة ومنازلها لا تُنال إلا
برحمته، فإذا دخلوها بأعمالهم، فقد ورثوها برحمته، ودخلوها برحمته، إذ
أعمالهم رحمة منه لهم وتفضل عليهم(١). وهذا قريب من رأي ابن كثير، فإنه
قال: بسبب أعمالكم نالتكم الرحمة فدخلتم الجنة، وتبوأتم منازلكم بحسب
أعمالكم(٢).
ويمكن التوفيق بنحو آخر أولى وهو أن عمل الإنسان مهما كثر لا يستحق به
الجنة لذاته، لولا رحمة الله وفضله، فإنه جعل الجزاء العظيم على العمل
القليل، فصار دخول الجنة برحمة الله وفضله.
والخلاصة: العمل الصالح في رأي أهل السنة لا بد منه لدخول الجنة في
ميزان العدل وإيجاد تكافؤ الفرص بين جميع الناس، لكن لا بد أن ينضم إليه
رحمة الله وفضله، فإنه جعل الجنة جزاء العمل فضلاً منه ورحمة، وكافأ على
القليل بالكثير فضلاً منه ورحمة، لا أن ذلك مستحق عليه وواجب للعبادة
وجوب الديون التي لا اختيار في أدائها، كما فهم المعتزلة؛ لأنه يستحيل عقلاً
إيجاب شيء على الله تعالى.
(١) تفسير القرطبي: ٢٠٨/٧ - ٢٠٩
(٢) تفسير ابن كثير: ٢١٥/٢

٥٧٦
الُ (٨) - الَّغَرَافِ: ٤٤/٧-٤٧
محاورة بين أهل الجنة وبين أهل النار والأعراف
﴿ وَنَادَّ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبَُّا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُم ◌َّا
الَّذِينَ
وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمَّ فَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَّعْنَةُ الَّهِ عَلَى اُلَِّينَ
وَبَيْنَهُمَا حَجَابٌ وَعَلَى
يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِاْآَخِرَةِ كَفِرُونَ
اُلْأَغْرَفِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلَّ بِسِيمَهُمْ وَنَادَوْ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَمْ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ
وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَدُهُمْ نِلْقَاءَ أَصْحَبِ النَّارِ قَالُواْ رَيَّا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ
٤٦٦
يَطْمَعُونَ
٤٧
الظَّالِمِينَ
القراءات:
٢٠
﴿نَعَمْ﴾:
ج
وقرأ الكسائي (نَعِم).
﴿ مُؤَذِّنٌ﴾ :
وقرأ ورش، وحمزة وقفاً: (موذِّن).
﴿أَن ◌َّغْنَةُ﴾: قرئ:
١- (أنْ لعنةُ) وهي قراءة نافع، وقنبل، وأبي عمرو، وعاصم.
٢- (أنَّ لعنةَ) وهي قراءة الباقين.
ثِلْقَءَ أَصْخَبٍ﴾ :
بإسقاط الهمزة الأولى مع المد والقصر، قرأ: قالون، والبزي، وأبو عمرو.
وقرأ بتسهيل الهمزة الثانية: ورش، وقنبل.

٥٧٧
لُ (٨) - الْأَغْرَافِ: ٤٤/٧-٤٧
وقرأ الباقون بتحقيقهما.
الإعراب:
﴿ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ﴾ ﴿أَن﴾ بالتخفيف، مخففة من الثقيلة،
وتقديره: أنْه لعنة الله، فخفف وحذف اسمها وإحدى النونين وهي الأخيرة
لأنها الطرف. ويجوز أن تكون ﴿أَن﴾ المخففة بمعنى ((أي)) مفسرة، ولا موضع
لها من الإعراب.
وتقرأ أنّ بالتشديد أيضاً مع الفتح، وتنصب اللعنة بها. ومن قرأ: إنّ بكسر
الهمزة مع التشديد، فإنه قدر القول كأنه قال: إن لعنة الله. و﴿بَيْنَهُمْ﴾
منصوب على الظرف، والعامل ﴿مُؤَذِّنٌ﴾ عند البصريين لأنه أقرب إليه من
﴿فَذَّنَ﴾، وهو ﴿فَأَذَّنَ﴾ عند الكوفيين؛ لأنه الأول والعناية به أكثر.
﴿يَعْرِفُونَ كُلَا﴾ جملة فعلية في موضع رفع؛ لأنها صفة لرجال.
﴿وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ (هم) مبتدأ، و﴿ يَطْمَعُونَ﴾ جملة فعلية في موضع خبر
المبتدأ، والمبتدأ وخبره في موضع نصب على الحال من الضمير المرفوع في
﴿ يَدْخُلُوهَا﴾. ومعناه: أنهم يئسوا من الدخول، فلم يكن لهم طمع فيه، ولكنهم
دخلوا وهم على يأس من ذلك.
المفردات اللغوية:
﴿وَنَادَى﴾ للتقرير والتبكيت. ﴿مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا﴾ من الثواب، والوعد يشمل
الخير والشر. ﴿مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ﴾ من العذاب وتسميته هنا وعداً تهكم أو من قبيل
المشاكلة. ﴿فَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ نادى منادٍ، والأذان: رفع الصوت بالإعلام بالشيء.
﴿لَّعْنَةُ اللَّهِ﴾ اللعنة: الطرد من رحمة الله مع الإهانة والخزي. ﴿وَيَبْغُونَهَا﴾ يطلبون
السبيل. ﴿عِوَجًا﴾ معوجاً أو ذا عوج أي غير مستقيم، والعَوَج: للمرئيات،
والعِوج: لغير المرئي كالقول والرأي. ﴿ِجَابٌ﴾ حاجز أو سور بين الجنة

٥٧٨
الزُُّ (٨) - الأَغَراف: ٤٤/٧-٤٧
والنار. ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ﴾ جمع عُرْف وهو أعلى الشيء وكل مرتفع من الأرض
وغيرها، والمراد هنا: سور الجنة. ﴿رِجَالٌ﴾ استوت حسناتهم وسيئاتهم.
﴿بِسِيمَهُمْ﴾ بعلامتهم، وهي بياض وجوه المؤمنين، وسواد وجوه الكافرين،
لرؤيتهم لهم، إذ موضعهم عالٍ. ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا﴾ أي أن أصحاب الأعراف لم
يدخلوا الجنة. ﴿وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ في دخولها. ﴿صُرِفَتْ أَبْصَرُهُمْ﴾ حُوِّلت أبصار
أهل الأعراف . ﴿ثِلْقَاءَ﴾ جهة.
المناسبة:
لما بَيَّن الله تعالى وعيد الكفار وثواب أهل الطاعة والإيمان، أتبعه بذكر
المناظرات التي تدور بين الفريقين، بعد استقرار كل فريق في موضعه من النار
أو الجنة.
وهذه المناظرة تشعر بأن أهل الجنة يشرفون من علو على أهل النار، وأن
بعضهم يخاطب بعضاً ليزداد أهل الجنة معرفة بمقدار النعمة، ويزداد أهل
النار حسرة على ما فرطوا في الدنيا.
ومع أن الجنة في أعلى السماوات والنار في أسفل الأرضين، فيمكن
حصول هذا النداء مع هذا البعد الشديد؛ لأن لعالم الآخرة أحوالاً تختلف عن
عالم الدنيا، فيستطيع الإنسان أن يسمع ويرى من بعيد، ولأن البعد والقرب
ليس من موانع الإدراك، كما قال الرازي.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى بما يخاطب به أهل النار تقريعاً وتوبيخاً، وأن هذا النداء:
﴿وَنَادَّ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبَ النَّارِ ﴾ إنما يحصل بعد استقرار الفريقين في الجنة
والنار، بدليل ما ذكر في الآية المتقدمة من قوله تعالى: ﴿وَنُودُوّأْ أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ
أُوْرِثْتُمُوهَا﴾.

٥٧٩
لُ (٨) - الأَغراف: ٤٤/٧-٤٧
وقوله تعالى: ﴿وَنَادَىَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبَ النَّارِ﴾ يفيد العموم، فهل النداء
يقع من كل أهل الجنة لكل أهل النار، أو من البعض للبعض؟ الجواب أن
الجمع إذا قوبل بالجمع يوزع الفرد على الفرد، وكل فريق من أهل الجنة ينادي
من كان يعرفه من الكفار في الدنيا.
والمعنى: إن أصحاب الجنة بعد استقرارهم فيها ينادون أهل النار بعد
استقرارهم فيها أيضاً، قائلين: قد وجدنا ما وعدنا ربنا على ألسنة الرسل من
النعيم والتكريم حقاً، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم من الخزي والنكال حقاً؟
والسؤال يتضمن تقرير أهل الجنة بصدق ما بلَّغهم الرسل من وعد ربهم،
وتقريع وتوبيخ أهل النار على ما حدث منهم من جناية على أنفسهم بتكذيب
ج
الرسل.﴿قَالُوْ نَعَمْ﴾ قال سيبويه: ((نعم: عدة أو تصديق)) والمعنى أنهم أجابوا
بالإيجاب، فإنا وجدنا ما وعدنا به ربنا على الكفر، وها نحن نتلظى في عذاب
النار. وهذا يدل على أن الكفار يعترفون يوم القيامة، بأن وعد الله ووعيده حق
وصدق.
وهذا التقريع من الله يعقبه تقريع من الملائكة يقولون لهم: ﴿هَذِهِ
النَّارُ الَّتِ كُم بِهَا تُكَذِّبُونَ
﴿ أَفَسِحْرُ هَذَآ أَمْ أَنتُمْ لَا نُبْصِرُونَ
١٥
أَصْلَوْهَا فَأَصْبِرُواْ أَوْ لَا تَصْبِرُواْ سَوَآءُ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
[الطور: ١٤/٥٢-١٦].
١٦
وقد قرَّع رسول الله وَّ ر في الدنيا قتلى القليب (البئر) من الكفار يوم بدر
فنادى: ((يا أبا جهل بن هشام، ويا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة - وسمى
رؤوسهم - هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً، فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً»
وقال عمر: يا رسول الله، تخاطب قوماً قد جيفوا، فقال: ((والذي نفسي بيده
ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا)).
وكانت نتيجة الحوار أو المناظرة أن أذن مؤذن، أي أعلم معلم ونادى

٥٨٠
لُ (٨) - الأَغْرَافِ :: ٤٤/٧-٤٧
منادٍ: أن لعنة الله على الظالمين، أي لعنة الله (الطرد من رحمته) مستقرة عليهم؛
لأنهم ظلموا أنفسهم بعدم الإيمان. والمؤذن: إما مالك خازن النار، وإما ملَك
غيره.
ثم وصف الظالمين بقوله: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ﴾ أي الذين يمنعون الناس عن
اتباع سبيل الله وشرعه وما جاءت به الأنبياء، ويطلبون أن تكون السبيل
معوجة غير مستقيمة، حتى لا يتبعها أحد.
﴿وَهُم بِالْآَخِرَةِ كَفِرُونَ﴾ أي وهم بلقاء الله في الدار الآخرة كافرون، أي
جاحدون مکذبون بذلك، لا يصدقونه ولا يؤمنون به، فلهذا لا يبالون بما
يأتون من منكر من القول والعمل؛ لأنهم لا يخافون حساباً عليه ولا عقاباً،
فهم شر الناس أقوالاً وأعمالاً.
وبين الفريقين: أهل الجنة وأهل النار حجاب أي حاجز مانع من وصول
أهل النار، وهو السور الذي قال الله تعالى فيه: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابُ
بَاِنُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣/٥٧].
وأعالي السور هي الأعراف التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَعَلَى الْأَغْرَفِ رِجَالٌ﴾
أي على أعالي ذلك السور رجال يرون أهل الجنة وأهل النار، ويعرفون كلاً
منهم بعلامتهم من بياض وجوه المؤمنين وسواد وجوه الكافرين، كما وصفهم
وَوُجُوهٌ يَؤَمَيِذٍ عَلَيْهَا
٣٩
الله بها في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ﴿٤َ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ
)﴾ [عبس: ٣٨/٨٠-٤٢].
تَرْهَقُّهَا قَتَةُ ﴿ أُوْلَيِّكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ
وأهل الأعراف: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، وهم موحدون
قصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، وتجاوزت بهم حسناتهم النار، وقفوا هناك
حتى يقضي الله فيهم. روى الحافظ أبو بكر بن مردويه عن جابر بن عبد الله
قال: سئل رسول الله وَلّ عمن استوت حسناته وسيئاته فقال: ((أولئك
أصحاب الأعراف، لم يدخلوها وهم يطمعون)).