النص المفهرس
صفحات 461-480
:
٤٦١
الُ (٨) - الْأَنْتُ: ١٥٤/٦-١٥٧
وقرأ الباقون بالصاد الخالصة.
الإعراب:
﴿تَمَامَا عَلَى الَّذِىّ أَحْسَنَ﴾ ﴿تَمَامًا﴾ منصوب على المصدر أو على أنه
مفعول لأجله. و﴿أَحْسَنَ﴾ فعل ماض صلة ﴿الَّذِى﴾، وفيه ضمير مقدر
يعود على ﴿الَّذِىّ﴾ وتقديره: تماماً على المحسن هو. ومن قرأ (أحسنُ) بالرفع
كان خبر مبتدأ محذوف وتقديره: على الذي هو أحسن. والجملة من المبتدأ
والخبر صلة ﴿الَّذِىّ﴾.
﴿ وَهَذَا كِنَبُ أَنْزَلْنَهُ مُبَارَكٌ﴾ ﴿أَنْزَلْنَهُ﴾ جملة فعلية في موضع رفع صفة
كِتَبُ﴾، و﴿مُبَارَكٌ﴾ وصف ثانٍ.
﴿أَنْ تَقُولُواْ﴾ متعلق بأنزلناه، وتقديره: كراهة أن تقولوا، أو لئلا تقولوا.
﴿وَإِن كُنَّا﴾: إن مخففة من الثقيلة عند البصريين واسمها محذوف، وتقديره:
وإنا كنا، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية. وذهب الكوفيون إلى أنها بمعنى
((ما)) واللام بمعنى: إلا، وتقديره: وما كنا عن دراستهم إلا غافلين.
البلاغة:
يَصْدِفُونَ عَنْ ءَايَئِنَا﴾ وضع الظاهر موضع الضمير: عنها لتبيان قباحة
طغيانهم.
المفردات اللغوية:
﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى اُلْكِنَبَ﴾ التوراة، و﴿ثُمَّ﴾ لترتيب الأخبار. ﴿تَمَامًا﴾
للنعمة. ﴿عَلَى الَّذِىّ أَحْسَنَ﴾ بالقيام به. ﴿وَتَفْضِيلًا﴾ بياناً. ﴿لِكُلِّ شَىْءٍ﴾
يحتاج إليه في الدين . ﴿لَعَلَّهُم﴾ أي بني إسرائيل. ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ بالبعث.
﴿ وَهَذَا﴾ القرآن. ﴿فَأَتَّبِعُوهُ﴾ يا أهل مكة بالعمل بما فيه. ﴿وَأَتَّقُواْ﴾ الكفر.
٤٦٢
الجُرُءُ (٨) - الَنْقَا: ١٥٤/٦-١٥٧
﴿ أَنْ تَقُولُواْ﴾ لئلا تقولوا. ﴿طَيِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا﴾ هم اليهود والنصارى. ﴿وَإِن
كُنَّا﴾ إن: مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي إنا كنا، والأصل: وإنه كنا
عن دراستهم غافلين، على أن الهاء ضمير الشأن. ﴿عَن دِرَاسَتِهِمْ﴾ قراءتهم
وعلمهم أي لم نعرف مثل دراستهم . ﴿لَغَفِلِينَ﴾ لعدم معرفتنا لها؛ إذ ليست
بلغتنا.
﴿لَكُنََّ أَهْدَى مِنْهُمُّ﴾ لحدة أذهاننا، وثقابة أفهامنا، وغزارة حفظنا لأيام
العرب، ووقائعها. وخطبها، وأشعارها، وأسجاعها، على أنا أميون.
{بَيِّنَةٌ﴾ البيان والبينة: ما به يظهر الحق. ﴿وَهُدِّى وَرَحْمَةٌ﴾ لمن اتبعه.
﴿فَمَنْ﴾ أي لا أحد. ﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ أعرض ومنع الناس عنها. ﴿سُوّءَ
اٌلْعَذَابِ﴾ أي أشده.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله الوصايا العشر، أخبر عن الغاية من إنزال التوراة على
موسى عليه السلام؛ لاشتهارها عند مشركي العرب وسماعهم أخبارها، ثم
ذكر مكانة القرآن وكونه كتاب هداية، وأعلم بوجوب اتباعه، ورد على عذر
المشركين بعدم الانقياد له، مما لا يصلح عذراً بعد جعل القرآن مباركاً كثير
الخير والفضل.
التفسير والبيان:
في الكلام شيء محذوف تقديره: لفظ ((قل)) أي قل يا محمد الرسول لهؤلاء
الناس: إنا آتينا موسى الكتاب، وهو معطوف على بداية الكلام عن الوصايا
العشر، بكلمة ﴿ثُمَّ﴾ أي ثم أعظم من ذلك أن آتينا موسى الكتاب، ويصبح
مجموع الكلام المقول للمشركين: تعالوا أقل ما حرم ربكم عليكم ووصاكم به
وهو كذا وكذا، ثم قل لهم وأعلمهم: أننا آتينا موسى الكتاب .. الخ أي
أخبرهم بما أوحي إليك، وبما آتينا موسى.
٤٦٣
الُ (٨) - الْأَنْشظا: ١٥٤/٦-١٥٧
وقد تكرر ذكر التوراة. في القرآن؛ لأنها أشبه بالقرآن من الإنجيل والزبور،
لاشتمالها على جميع الأحكام التشريعية، فكل منهما شريعة كاملة، بعكس
الإنجيل والزبور، فإن الإنجيل كتاب عظات وأمثال وتاريخ، والزبور كتاب
ثناء ومناجاة وتراتيل. وكان كثير من عقلاء العرب يتمنى أن يكون لهم كتاب
كالتوراة، وأنه لو جاءهم لكانوا أهدى من اليهود وأعظم انتفاعاً به،
لامتيازهم بحدة الذكاء وحضافة العقل والفهم.
ولما أخبر الله عن القرآن بقوله: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُونَ﴾
عطف عليه الكلام بمدح التوراة ورسولها، فقال: ﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى
اُلْكِتَبَ﴾. وكثيراً ما يقرن سبحانه بين ذكر التوراة والقرآن كما بينت، كقوله
تعالى: ﴿وَمِن قَبْلِهِ، كِنَبُ مُوسَىّ إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَبُ مُصَدِّقٌ لِسَانًا
عَرَبِيًّا﴾ [الأحقاف: ١٢/٤٦] وقوله أول هذه السورة: ﴿قُلّ مَنْ أَنَزَلَ اَلْكِتَبَ
الَّذِى جَآءَ بِهِ، مُوسَى نُرًا وَهُدًى لِلِنَّاسِِّ تَجْعَلُونَهُ فَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾.
والوصايا العشر التي ذكرت في الآيات الثلاث، والتي لها نظير في سورة
الإسراء، كانت أول ما نزل بمكة قبل تشريع أحكام العبادات والمعاملات،
وكانت أول ما نزل على موسى من أصول دينه، وهي أيضاً أصول الأديان على
ألسنة الرسل؛ لقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ
أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُوْ الدِّينَ وَلَا نَنَفَرَّقُواْ
فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣/٤٢] والقدر المشترك من الدين الذي أوصى به جميع الرسل:
هو التوحيد، ومكارم الأخلاق، والبعد عن الفواحش والمنكرات.
﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِىّ أَحْسَنَ﴾ أي آتينا موسى الكتاب تماماً للكرامة والنعمة
على الذي أحسن في اتباعه والاهتداء به، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةً
يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣/٢١].
ويجوز أن يكون المعنى: وآتينا موسى الكتاب تماماً أي تاماً كاملاً جامعاً
٤٦٤
الجُرُ (٨) - الأَنْقَا: ١٥٤/٦-١٥٧
لكل ما يحتاجه الناس من التشريع، وعلى أحسن ما تكون عليه الكتب، أي
على الوجه والطريق الذي هو أحسن. لكن يضعف هذا المعنى ما يأتي بعده
وهو: ﴿وَتَفْضِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ أي وآتيناه الكتاب الذي أنزلناه إليه تماماً
كاملاً جامعاً لما يحتاج إليه في شريعته، كقوله تعالى عن موسى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ
فِى الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥/٧].
﴿ وَهُدَى وَرَحْمَةً﴾ أي وهو كتاب هداية إلى الحق، وسبب رحمة لمن اهتدى
به واتبعه، وقال الرازي: معنى (رحمة): أنه نعمة في الدين.
﴿لَّعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ أي آتيناه الكتاب بمشتملاته المذكورة، لكي
يؤمن قومه بلقاء ربهم، أي لقاء ما وعدهم الله به من ثواب وعقاب، وإذا
آمنوا بذلك آمنوا بالله وحده لا شريك له.
ثم انتقل إلى وصف القرآن الكريم فقال: ﴿وَهَذَا كِنَبُ﴾ أي وهذا القرآن
كتاب عظيم الشأن، كثير الخير والنفع في الدين والدنيا، ثابت لا ينسخ،
جامع لأسباب الهداية الدائمة والنجاة والفلاح، فاتبعوا ما هداكم إليه، واتقوا
النار والكفر بما نهاكم عنه ومنعكموه، لتظفروا برحمة الله الواسعة في الدنيا
والآخرة.
وفي هذا دعوة صريحة إلى اتباع القرآن، من طريق التدبر بآياته، والعمل به.
هذا كتاب أنزلناه لئلا تقولوا - وهو خطاب لأهل مكة -: إنما اقتصر
إنزال الكتاب على من قبلنا من اليهود والنصارى، أي لينقطع عذركم، ولئلا
تقولوا: إنا كنا عن معرفة الكتب السابقة غافلين، لا ندري ما هي؛ لأنها
ليست بلغتنا، ولأننا قوم أميون لا نعرف ما يعرفه ويدرسه غيرنا.
ولئلا تقولوا أيضاً لو أنزل علينا ما أنزل عليهم، لكنا أهدى منهم فيما
أوتوه؛ لأننا أكثر ذكاء وفهماً، وأعمق بصيرة، وأمضى عزيمة، كقوله تعالى:
٤٦٥
الُرُ (٨) - الْأَنْقَهَا: ١٥٤/٦-١٥٧
﴿ وَقْسَمُوْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْفَتِهِمْ لَبِنِ جَهُمْ نَذِيْرٌ لَيَّكُنُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَجِّ
[فاطر: ٤٢/٣٥] أي أهدى من إحدى الأمم المجاورة من أهل الكتاب.
فرد الله عليهم بما يقطع كل تعلل واعتذار بقوله: ﴿فَقَدْ جَاءَكُم بِيِّنَةٌ﴾
أي فقد جاءكم على لسان رسولنا النبي العربي محمد رَّ قرآن عظيم، فيه بيان
الحلال والحرام، وهدى لما في القلوب، ورحمة من الله لعباده الذين يتبعونه،
ويقتفون ما فيه، وهو يشتمل على الحق المؤيد بالحجج والبراهين في العقيدة
والآداب والأحكام.
ثم أبان الله سوء عاقبة من كذب بالقرآن، فقال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ كَذَّبَ
بِئَايَتِ اللَّهِ﴾ أي لا أحد أظلم ممن كذب بآيات الله، بعد ما عرف صحتها
وصدقها، أو تمكن من معرفة ذلك، وأعرض عنها، ومنع الناس عن التفكير
فيها، كما كان يفعل زعماء مكة، كقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنَْوْنَ عَنْهُ
وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ
[الأنعام: ٢٦/٦].
ثم أتبع الله ذلك بالتهديد والوعيد والعقاب لكل معرض عن القرآن، كما
هو الشأن الغالب بعد بيان أسباب الهداية، فقال: ﴿ سَنَجْزِى الَّذِينَ يَصْدِفُونَ﴾
أي سنجازي المعرضين عن آياتنا أشد العذاب بسبب حجب عقولهم ونفوسهم
وغيرهم عن هداية الله، والإعراض عنها؛ لأنهم يتحملون وزرهم ووزر من
منعوهم عن الحق، وحالوا بينهم وبين هداية الله، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ
كَفَرُواْ وَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ
(٨٨)
﴾ [النحل: ٨٨/١٦] أي زدناهم عذاباً غير عذابهم بسبب إفسادهم وصدهم
عن سبيل الحق.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على أن القرآن مثل التوراة في أصولها الصحيحة الأولى التي
فقدت وضاعت، ثم كتب عنها بديل محرَّف مشوَّه، مما لم يُبْقِ منهجاً للبشرية
٤٦٦
الُ (٨) - الأَنْفَظُ: ١٥٨/٦
وكتاباً للإنسانية غير القرآن الكريم، ففيه الهداية الكاملة، والبيان الواضح
المؤيد بالبراهين والأدلة العقلية، والنقلية (السمعية)، ولم يَبْق لأحد عذر بعد
مجيء محمد زهير، وتأييده بالمعجزة الخالدة الباقية من غير تبديل ولا تحريف،
فإن كذب به أحد، فلا أظلم منه، وسيلقى جزاء إعراضه وتكذيبه. ودل قوله
تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن كَذَّبَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهًا﴾ على تعظيم كفر من
كذب بآيات الله، ومنع عنها نفسه وغيره من الإيمان بها؛ لأن الأول ضلال،
والثاني منع عن الحق وإضلال.
إنذار أخير للكفار بسوء العذاب
:
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَئِكَةُ أَوْ بَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْ يَأْنِّىَ بَعْضُ ءَايَتِ رَيِّكُ
يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيَنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِىّ
١٥٨)
إِيمَنِهَا خَيْراً قُلِ أَنْنَظِرُواْ إِنَّا مُنْتَظِرُونَ
القراءات:
﴿إِلَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ﴾: قرئ:
١- (إلا أن يأتيهم) وهي قراءة حمزة، والكسائي.
٢- (إلا أن تاتيهم) وهي قراءة ورش، والسوسي.
٣- (إلا أن تأتيهم) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ جملة: ﴿لَمْ تَكُنْ﴾ صفة
النفس.
٤٦٧
الجُرُ (٨) - الأَنْغام: ١٥٨/٦
البلاغة:
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ معنى الاستفهام: النفي.
﴿قُلِ أَنَظِرُواْ﴾ أمر تهديد ووعيد.
﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَا﴾ قال أحمد الإسكندري في حاشية الكشاف: ١/
٥٣٧ : اشتمل هذا الكلام على النوع المعروف من علم البيان والبلاغة باللف،
وأصل الكلام: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً لم تكن مؤمنة قبلُ:
إيمانُها بعدُ، ولا نفساً لم تكسب في إيمانها خيراً قبلُ: ما تكسبه من الخير بعدُ،
إلا أنه لفَّ الكلامين، فجعلهما كلاماً واحداً بلاغة واختصاراً وإعجازاً.
ومبدأ أهل السنة: لا ينفع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير، وإن نفع الإيمان
المتقدم في السلامة من الخلود في النار.
المفردات اللغوية:
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ ينتظرون أي ما ينتظر المكذبون. ﴿إِلَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَبِكَةُ﴾
لقبض أرواحهم .﴿أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ﴾ أي أمره، بمعنى عذابه. ﴿أَوْ يَأْنِىَ بَعْضُ
ءَايَتِ رَبِّكٌ﴾ أي علاماته الدالة على الساعة. ﴿يَوْمَ يَأْتِ بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ﴾ وهي
طلوع الشمس من مغربها، كما في حديث الصحيحين . ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِىّ
إِيَمَنِهَا﴾ أي: أو نفساً لم تكن كسبت في إيمانها طاعة، أي لا تنفعها توبتها،
كما في الحديث.
المناسبة:
هذه الآية إنذار للكفار بعد إنذار بسوء العذاب، فلما بيَّن الله تعالى أنه إنما
أنزل الكتاب إزالة للعذر، وإزاحة للعلة، بيَّن أنهم لا يؤمنون ألبتة، أي لا
أمل في إيمانهم.
٤٦٨
المُ (٨) - الأَنْفُ: ١٥٨/٦
التفسير والبيان:
يتوعد الله تعالى الكافرين والمخالفين لرسله والمكذبين بآياته والصادين عن
سبيله، فهم ما ينتظرون ولا يؤمنون إلا إذا جاءهم أحد أمور ثلاثة: وهي
مجيء الملائكة، أو مجيء الرب، أو مجيء الآيات القاهرة من الله تعالى.
ومعنى مجيء الملائكة هو مجيئهم لقبض أرواحهم. ومعنى إتيان الله: إتيان ما
وعد به من نصر أنصاره وأوعد به من تعذيب أعدائه في الدنيا، والمراد من
مجيء بعض آيات الله: حدوث بعض الحوادث القاهرة الموجبة للإيمان
الاضطراري.
وكان مشركو مكة قد طلبوا نزول الملائكة وإتيان الله أو رؤيته، كما حكى
القرآن: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا اُلْمَلَتِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَّا
[الفرقان: ٢١/٢٥]. ﴿أَوْ تَأْتِىَ بِاللَّهِ وَالْمَتَبِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢/١٧] وطلبوا
أيضاً إنزال بعض آيات الله مثل ﴿أَوْ تُشْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾
[الإسراء: ١٧ / ٩٢].
وقوله ﴿أَوْ يَأْنِىَ رَبَّكَ﴾ هل يدل على جواز المجيء والغيبة على الله؟ أجيب
بأن هذا حكاية عن الكفار، واعتقاد الكافر ليس بحجة، أو أن هذا مجاز، مثل
قوله تعالى: ﴿فَأَنَى اللَّهُ بُنْيَنَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦/١٦] وذلك لقيام
الدلائل القاطعة على أن المجيء والغيبة على الله تعالى محال.
وفي هذه الآية إيماء إلى تماديهم في تكذيب آيات الله، وعدم الاعتداد بها.
ثم وجَّه الحق تعالى إنذاراً أخيراً لهم بقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ﴾ أي يوم تأتي
الآيات الملجئة للإيمان الاضطراري لا ينفع حينئذ الإيمان مثل إيمان فرعون
حينما أحدق به الغرق، كما لا ينفعها توبة لم تكن حدثت في وقت السعة قبل
الغرغرة.
٤٦٩
الجُرُ (٨) - الْأَنْراء: ١٥٨/٦
وبعض هذه الآيات قد يحدث قبل خروج الروح، أو قبيل يوم القيامة حين
ظهور أمارات الساعة وأشراطها، كما قال البخاري في تفسير هذه الآية،
فيما أخرجه هو والجماعة إلا الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله وَل: ((لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها
الناس آمن من عليها، فذلك حين ﴿لَا يَنَفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن
قَبْلُ﴾)). وفي لفظ: ((فإذا طلعت ورآها الناس، آمنوا أجمعون، وذلك حين لا
ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل)) ثم قرأ هذه الآية.
وأخرج أحمد والترمذي عن أبي هريرة مرفوعاً: ((ثلاث إذا خرجن لا ينفع
نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة
الأرض)».
﴿قُلِ أَنَظِرُواْ إِنَا مُنْنَظِرُونَ﴾ أي قل لهم يا محمد: انتظروا ما تتوقعون حدوثه
من دحر الإسلام، وقتل النبي، وزوال الدين، إنا منتظرون وعد ربنا الصادق
لنا بالنصر ووعيده المتحقق لأعدائنا، مثل قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا
مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمَّ قُلْ فَانْتَظِرُواْ إِنِى مَعَكُمْ مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ
﴾ [يونس: ١٠٢/١٠].
١٠٣
وهذا تهديد شديد للكافرين ووعيد أكيد لمن أرجأ إيمانه وتوبته إلى وقت لا
ينفعه ذلك، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا قَالُواْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا
بِمَا كُنَّا بِهِ، مُشْرِكِينَ ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَهُهُمْ لَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٤٠/
٨٤-٨٥].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على أمور ثلاثة :
الأول - إنه لا أمل في إيمان الكفار المعاندين، لتماديهم في تكذيب آيات
الله.
٤٧٠
الجُ (٨) - الْأَنْفَظُ: ١٥٩/٦
الثاني - لا ينفع الإيمان الاضطراري عند رؤية العذاب في الدنيا، أو عند
مجيء بعض علامات القيامة.
الثالث - وعيد الكفار وتهديدهم وإنذارهم بإنزال العذاب عليهم إذا لم
يؤمنوا.
عاقبة الاختلاف في الدين
﴿إِنَّ اُلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِ شَىْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ
يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ
١٥٩
القراءات:
﴿فَرَّقُواْ﴾ :
وقرأ حمزة، والكسائي (فارقوا).
المفردات اللغوية:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِيْنَهُمْ﴾ باختلافهم فيه، فأخذوا بعضه وتركوا بعضه. وفي
قراءة: فارقوا: أي تركوا دينهم الذي أمروا به، وهم اليهود والنصارى.
﴿وَكَانُوْ شِيَعًا﴾ فِرَقاً في ذلك. ﴿لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَىْءٍ﴾ أي فلا تتعرض لهم.
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ يتولاه. ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوْ يَفْعَلُونَ﴾ يخبرهم في الآخرة
عن أفعالهم، فيجازيهم عليها.
المناسبة:
بعد أن أوعد الله الكفار وأنذرهم بسوء العذاب، وبما ينتظر من الحوادث
الرهيبة في آخر الزمان، حذَّر الله المؤمنين من التفرق في الدين، كما يفعل أهل
البدع والشبهات، وحث على توحيد كلمة المسلمين.
٤٧١
لُ (٨) - الأَنْفَيُ: ١٥٩/٦
التفسير والبيان:
روى أبو هريرة عن النبي ◌َّرَ في هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ﴾: هم
أهل البدع والشبهات، وأهل الضلالة من هذه الأمة. وهذا ما قاله مجاهد.
وقال أبو أمامة في قوله: ﴿وَكَانُواْ شِيَعًا﴾ هم الخوارج.
وقيل عن جماعة (قتادة والضحاك والسدي): نزلت هذه الآية في اليهود
والنصارى؛ إذْ فرقوا دين إبراهيم وموسى وعيسى، فجعلوه أدياناً مختلفة
ومذاهب شتى.
وقيل: الآية عامَّة في جميع الكفار، قال ابن كثير: والظاهر أن الآية عامة
في كل من فارق دين الله، وكان مخالفاً له(١). وهذا ما صوبه بعض المحدثين،
مثل صاحب تفسير المنار(٢)، فقال: والصواب هو الجمع بين الرأيين، فإن
الله تعالى، بعد أن أقام حجج الإسلام في هذه السورة، وأبطل شبهات
الشرك، ذكر أهل الكتاب وشرعهم؛ وأمر المستجيبين لدعوة الإسلام
بالوحدة وعدم التفرق، كما تفرق من قبلهم، كما جاء في سورة آل عمران:
﴿ وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَأَخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَا جَّةَ هُمُ الْبَيِّنَتُ وَأُوْلَكَ لَهُمْ عَذَابُ
عَظِيمٌ (شَا﴾ [١٠٥].
والمعنى: إن الذين فرقوا دينهم، فآمنوا ببعض وأخذوا به، وتركوا بعضه
الآخر، وتأولوا نصوصه على وفق أهوائهم، وصاروا فِرَقاً، كل فرقة تأخذ
برأي وتتعصب لمذهب، لا تتعرض لهم یا محمد ودعهم وشأنهم ولا تقاتلهم،
وإنما عليك تبليغ الرسالة، ومناصرة شعائر الدين الحق، أنت بريء منهم ومن
أفعالهم، وبعيد من أقوالهم ومذاهبهم، والله يتولى أمرهم وحسابهم، ثم ينبئهم
في الآخرة ويجازيهم على تجزئة الدين. قال الرازي: المراد من الآية الحث على
(١) تفسير ابن كثير: ١٩٦/٢
(٢) راجع ٢١٤/٨
٤٧٢
الجُ (٨) - الأَنْقَهَا: ١٥٩/٦
أن تكون كلمة المسلمين واحدة، وألا يتفرقوا في الدين، ولا يبتدعوا
البدع(١).
وقد استنكر الله تعالى في موضع آخر هذه التجزئة، فقال عن أهل الكتاب:
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِنَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضَِّ﴾ [البقرة: ٨٥/٢].
وحذر النبي ◌َّ من تفرق المسلمين، روى أبو داود عن معاوية بن أبي
سفيان رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله ◌َّله فقال: ((ألا إن من قبلكم من
أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين مِلَّة (أي فرقة) وإن هذه الأمة ستفترق
على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي
الجماعة))(٢) وروى أبو داود، والترمذي - واللفظ له - عن أبي هريرة رضي
الله عنه أن رسول الله وَ لهو قال: ((تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، أو
اثنتين وسبعين، والنصارى مثل ذلك. وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين
فرقة))(٣) فيكون المراد من قوله: ﴿فَرَّقُواْ دِينَهُمْ﴾ اختلفوا فيه كما اختلفت
اليهود والنصارى. وقيل: فرقوا دينهم، فآمنوا ببعض، وكفروا ببعض.
وأسباب الاختلاف والتفرق كثيرة، من أهمها: حب السيطرة والسلطة،
والتعصب للجنس والقوم، أو للرأي والهوى، والإصغاء لدسائس أعداء
الدين ومكائدهم، والجهل والتخلف، واتباع الآخرين في العادات والتقاليد،
وتخلي بعض الدول أو أكثرها عن الدين في الفكر والاعتقاد، والسياسة
والمنهج، والنظام والقانون.
فقه الحياة أو الأحكام:
إن شرع الله واحد وكل لا يتجزأ، فلا يصح أخذ بعضه، وترك بعضه،
وتعطيل حكم أو ادعاء عدم صلاحيته للعصر، فمن اعتقد ذلك فهو كافر.
(١) تفسير الرازي: ٨/١٤
(٢) جامع الأصول لابن الأثير: ١٠/ ٤٠٧
(٣) المرجع السابق: ٤٠٨/١٠
٤٧٣
الْجُزْءُ (٨) - الْأَنْزَا: ١٦٠/٦
والتفرق في الدين، والابتداع واتباع الشبهات والشهوات خطر عظيم
وجرم كبير وضلال مبين.
وما على الأمة إلا جمع كلمتها، وتوحيد رأيها، والحذر من الانزلاق في
مهاوي الابتداع مما لم يأذن به الله ورسوله في العبادة والأخلاق والتشريع.
وإن هجْر تشريع الله بدأ بالتخلي عن بعض أحكامه تدريجياً، حتى أصبح
منعزلاً عن الحياة.
بل إنه مع الأسف امتد التجزؤ والتجميد إلى بعض نصوص القرآن، فلا
يقرأ بعضها في الإذاعات.
والآية عامة في كل من فارق الدين وكان مخالفاً له، سواء أكان من أهل
الكتاب (اليهود والنصارى) أم من المسلمين (أهل البدع والشبهات). روى
بقِيَّة بن الوليد بسنده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله وَ ال# قال
لعائشة: ((إن الذين فرقوا دينهم، وكانوا شيعاً: إنما هم أصحاب البدع،
وأصحاب الأهواء، وأصحاب الضلالة من هذه الأمة، يا عائشة، إن لكل
صاحب ذنب توبة غير أصحاب البدع وأصحاب الأهواء، ليس لهم توبة،
وأنا بريء منهم، وهم منا برآء)).
جزاء الحسنة والسيئة
﴿مَنْ جََّ بِالْحَسَنَةٍ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٌ إِلَّا مِثْلَهَا
وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
١٦٠
الإعراب:
﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾: من قرأ بالتنوين ﴿عَشْرٌ﴾ كان ﴿عَشْرٌ﴾ مبتدأ،
٤٧٤
الْجُرُ (٨) - الْأَنْصُ: ١٦٠/٦
و﴿ أَمْثَالِهَا﴾ صفة له، و(له) خبر مبتدأ مقدم عليه. ومن قرأ بالإضافة كان
في حذف الهاء من ﴿عَشِّرُ﴾ وهو مذكر ثلاثة أوجه ذكرها ابن الأنباري
٣٥٠/١ :
الأول - أن يكون التقدير فيه: عشر حسنات أمثالها، فحذف الموصوف
وأقام الصفة مقامه. وهذا مذهب سيبويه. وهذا أوجه الوجوه.
والثاني - أنه حمل ﴿أَمْثَالِهَا﴾ على المعنى؛ لأن الأمثال في معنى حسنات،
فكأنه قال: عشر حسنات.
والثالث - أن يكون اكتسى المضاف التأنيث من المضاف إليه، كقوله
تعالى: ﴿يَلْنَفِظْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ [يوسف: ١٠/١٢] في قراءة التاء، وكقولهم:
ذهبتْ بعض أصابعه.
البلاغة:
﴿بِالْحَسَنَةِ﴾ و﴿بِالسَّيْئَةِ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ أي جزاء عشر حسنات. ﴿إِلَّا مِثْلَهَا﴾ أي جزاءً
واحداً مماثلاً لها . ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ لا ينقصون من جزائهم شيئاً.
قال بعضهم: الحسنة: قول: لا إله إلا الله، والسيئة: هي الشرك. قال
الرازي: وهذا بعيد، بل يجب أن يكون محمولاً على العموم (١).
المناسبة:
بعد أن بين الله تعالى في السورة أصول الإيمان، وألزم باتباع الوصايا العشر
(١) تفسير الرازي: ٨/١٤
٤٧٥
الُعُ (٨) - الأَنْظُل: ١٦٠/٦
في الفضائل والآداب. وندد بالكفار وأهل البدع، أوضح هنا الجزاء على
العمل، سواء أكان من الحسنات: وهي الإيمان والأعمال الصالحة، أم من
السيئات: وهي الكفر والمعاصي أو الفواحش.
التفسير والبيان:
من جاء يوم القيامة بالخصلة الحسنة والفعلة الطيبة من الطاعات، فله
جزاؤها عشر حسنات أمثالها، وهذا من قبيل العدل والفضل المحدود، ولكن
قد تضاعف الحسنة بعد ذلك إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، قال
، تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ
سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنْبَةٍ مِّأْئَةُ حَّةُ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيهُ
[البقرة: ٢٦١/٢]. وقال عز وجل: ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا
فَيُضَمِعِفَهُ لَهُ: أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٤٥/٢] ﴿إِن تُفْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا
يُضَعِقْهُ لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٧/٦٤].
وهذا التفاوت مرده إلى الله تعالى، وإلى اقتران العمل بما يرفعه عند الله،
كالإخلاص في النية، واحتساب الأجر عند الله، وإخفاء الفعل الطيب،
وإبداؤه أحياناً للاقتداء به، وتحري منفعة الأمة.
ومن ارتكب سيئة أو اقترف ذنباً، فله عقوبة سيئة مماثلة لها.
﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ أي كل من المحسن والمسيء لا ينقص من عمله شيء،
فلا ينقص من ثواب المحسنين، ولا يزاد على عقاب المسيئين.
وجاء الحديث النبوي موضحاً معيار التفاضل في الحسنات، وطريق الجزاء
على السيئات، روى أحمد والبخاري ومسلم والنسائي عن ابن عباس رضي الله
عنهما أن رسول الله وَ لقر قال فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى: ((إن ربكم عز
وجل رحيم، من همَّ بحسنة فلم يعملها، كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له
٤٧٦
لُ (٨) - الْأَنْعَل: ١٦٠/٦
عشراً إلى سبع مئة إلى أضعاف كثيرة. ومن هَمَّ بسيئة فلم يعملها كتبت له
حسنة، فإن عملها، كتبت له واحدة، أو يمحوها الله عز وجل، ولا يهلك على
الله إلا هالك)) والكتابة تكون بواسطة الملائكة، بأمر الله لهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذا التفاوت بين جزاء الحسنة وجزاء السيئة بفضل من الله ورحمة منه؛ لأن
الثواب - في رأي أهل السنة - تفضل من الله تعالى في الحقيقة، فمن فعل
حسنة طيبة، كان له من الجزاء عشرة أضعاف مما يجب له. وتجوز المضاعفة إلى
سبع مئة ضعف وإلى أضعاف كثيرة، حسبما تقتضي الإرادة والمشيئة والحكمة
الإلهية، وبقدر ما يقترن به العمل الصالح من قصد حسن وإخلاص لله تعالى.
:
ومن اقترف فعلة سيئة، لم يكن له من الجزاء إلا ما يساويها ويوازيها. روى
أبو ذر أن النبي وَلّ قال: ((إن الله تعالى قال: الحسنة عشر أوأزيد، والسيئة
واحدة أو عَفْوٌ، فالويل لمن غلب آحاده أعشاره)) وقال ◌َّ في الحديث المتقدم:
(يقول الله: إذا هَمّ عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة، وإن لم يعملها، فإن عملها
فعشر أمثالها، وإن هَمَّ بسيئة فلا تكتبوها، وإن عملها فسيئة واحدة)).
وفصل العلماء في شأن تارك السيئة فقالوا :
تارك السيئة الذي لا يعملها على ثلاثة أقسام:
١ - تارة يتركها لله: فهذا تكتب له حسنة، لكفّه عنها لله تعالى، وهذا
عمل ونية، ولهذا جاء: أنه يكتب له حسنة، كما جاء في بعض ألفاظ
الصحيح: ((فإنما تركها من جرائي)) أي من أجلي.
٢ - وتارة يتركها نسياناً وذهولاً عنها: فهذا لا له ولا عليه؛ لأنه لم ينو
خيراً ولا فعل شراً.
;
٤٧٧
الُرُ (٨) - الأَنْظُل: ١٦١/٦-١٦٤
٣ - وتارة يتركها عجزاً وكسلاً عنها بعد السعي في أسبابها والتلبس بما
يقرب منها، فهذا بمنزلة فاعلها، كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي وَلـ
أنه قال: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا
رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل
صاحبه))(١).
اتباع ملة إبراهيم
في التوحيد والعبادة والتبعة الشخصية
﴿قُلْ إِنَّنِ هَدَيْنِ رَبِّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا فِيَمًا مِلَّةَ إِنَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ
لا
مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِ وَنُسُكِى وَنَحْيَاىَ وَمَمَانِى لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
﴿ قُلْ أَغَيِّرَ اللَّهِ أَبْغِى رَبَّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ
شَرِيكَ لَّ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُّلِينَ
شَّءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسِ إِلَّا عَلَيَهَا وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَىَّ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم
مَّرْجِئُكُمْ فَيْنَبِشَّكُمُ بِمَا كُتُمْ فِيهِ تَخْذَلِفُونَ
القراءات:
﴿رَِّ إِلَى﴾ :
وقرأ نافع، وأبو عمرو (ربيَ إلى).
(صِرَاطٍ﴾:
وقرأ قنبل (سراط).
{قِیَمًا) : قرئ:
(١) تفسير ابن كثير: ١٩٦/٢ وما بعدها.
٤٧٨
الجُرُ (٨) - الْأَنْقال: ١٦١/٦-١٦٤
١- (قَيِّماً) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو.
٢- (قِيَماً) وهي قراءة الباقين.
﴿ وَمَحْيَاىَ﴾ :
وقرأ قالون (ومحيآَيْ).
﴿ وَمَمَاتِ ﴾:
وقرأ نافع (ومماتيَ).
﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ﴾ : قرئ:
١- (وأنا أوَّل) وهي قراءة نافع، بإثبات ألف (أنا).
٢- (وأنا أوَّل) وهي قراءة الباقين بحذف ألف (أنا) وصلاً.
الإعراب:
﴿دِينًا﴾ منصوب بفعل مقدر دل عليه: ﴿هَدَنِ﴾، وتقديره: هداني ديناً.
وقال الزمخشري: نصب على البدل من محل ﴿إِلَى صِرَاطٍ﴾ لأن معناه: هداني
صراطاً، بدليل قوله: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَفِيمًا﴾ [الفتح: ٢٠/٤٨]،
و﴿قِيَمًا﴾ صفة ﴿دِينًا﴾ أي ديناً ذا استقامة، وقرئ: (قَيِّماً) بالتشديد من قام
كسيِّد من ساد، وهو أبلغ من القائم.
﴿مِّلَّةَ إِبْرَهِيَمَ﴾ عطف بيان و﴿حَنِيفًا﴾ حال من إبراهيم.
﴿وَحَيَاىَ﴾ بفتح الياء، عملاً بالأصل وهو أن من حق الياء أن تكون
متحركة مفتوحة، أو حركت لاجتماع ساكنين. ومن قرأ بسكون الياء فلأن
حرف العلة يستثقل عليه حركات البناء.
٤٧٩
الُ (٨) - الأَنْتُ: ١٦١/٦-١٦٤
﴿أَغَيِرَ اللَّهِ﴾ غير: منصوب لأنه مفعول ﴿أَبْغِى﴾ و﴿ رَبًّا﴾ تمييز منصوب،
والتقدير: أأبغي غير الله من ربّ، فحذف مِنْ، فانتصب على التمييز.
البلاغة:
﴿ وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: استعار أثقال الحمل على الظهور الأثقال
الذنوب والآثام.
المفردات اللغوية:
﴿دِينًا قِيَمًا﴾ مصدر بمعنى القيام، أي ذا استقامة، أي أنه قائم مستقيم لا
عوج فيه، وقرئ (قيِّماً) بالتشديد، أي مستقيماً، ودين القيّمة بالتأنيث: أي
دين الملة الحنيفية، وكل ذلك يعني أنه دين يقوم به أمر الناس ونظامهم في
الدنيا والآخرة، وهو منهاج مستقيم.
(حَنِيفًا﴾ مائلاً عن الأديان الباطلة إلى الدين الحق وهو دين الإسلام.
﴿وَنُسُكِى﴾ عبادتي من حج وغيره ﴿ وَحْيَاىَ وَمَمَانِى﴾ أي ما آتيه في حياتي،
وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح، كله لله رب العالمين.
﴿أَبْغِى رَبَّ﴾ لا أطلب غيره ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىٍَّ﴾ مالكه ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ
نَفْسِ﴾ ذنباً ﴿ وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي لا تتحمل نفس مذنبة حمل نفس
مذنبة آثمة أخرى، فقوله: ﴿فَزِرُ﴾ تحمل، والوِزْر: الحمْل الثقيل.
المناسبة:
لما بَيَّن الله تعالى في هذه السورة دلائل التوحيد، والرد على المشركين ونفاة
القضاء والقدر، ختم الكلام بأن الدين القيِّم والصراط المستقيم هو ملة
إبراهيم القائمة على التوحيد وعبادة الله، ومسؤولية كل شخص عن نفسه لا
عن غيره، وأن الهداية لا تحصل إلا بالله، وأن الجزاء عند الله على الأعمال
التي يقوم بها الإنسان، فهي دليل سعادته أو شقاوته.
٤٨٠
الُرعُ (٨) - الَنْوَمَا: ١٦١/٦-١٦٤
التفسير والبيان:
يأمر الله تعالى نبيه * سيد المرسلين أن يخبر بما أنعم الله عليه من الهداية
إلى صراطه المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف، وهو ملة أبيه إبراهيم
الخليل عليه السلام.
قل أيها الرسول للناس قاطبة ومنهم قومك: إن ربي أرشدني ووفقني إلى
طريق مستقيم لا عوج فيه، وهو الدين القيِّم المؤدي إلى سعادة الدنيا
والآخرة، القائم بالحقِ، الثابت الأصول، وهو المراد في مناجاة الله تعالى:
﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَفِيمَ
وهو ملة إبراهيم الخليل، فالتزموه، لكونه كان مائلاً عن جميع أنواع
الشرك والضلالة إلى الدين الحق: دين التوحيد. كما قال تعالى: ﴿وَمَن
يَرْغَبُ عَن مِّلَّةٍ إِبْرَهِمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠/٢] وقال: ﴿إِنَّ
إِبْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَِّ حَنِيفًا وَلَمَّ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿٣ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ
اجْتَبَنَّهُ وَهَدَنْهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيٍ ﴿ وَءَاتَيْنَهُ فِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِى الْآَخِرَةِ لَمِنَ
اُلْضَّلِحِينَ
ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ أَشَعُ مِلَّةَ إِنْزَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ
[النحل: ١٢٠/١٦- ١٢٣].
﴿وَمَا كَانَ مِنَ اُلْمُشْرِكِينَ﴾ أي وما كان إبراهيم من المشركين أبداً، وإنما كان
مؤمناً بالله، موحداً إياه، مخلصاً له عبادته.
فأما من يعتقد أن الملائكة بنات الله، أو عزير ابن الله، أو عيسى المسيح
ابن الله، فهؤلاء هم المشركون البعيدون عن ملة إبراهيم، كما قال تعالى:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَأَتَّبَعَ مِلَّةً إِبْرَهِيمَ
حَنِيفًا وَأَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا
١٢٥)﴾ [النساء: ٤ /١٢٥].
هذا هو الدين الحق دين الإخلاص والعبادة لله وحده، وهو الذي بعث به