النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١
الُرُ (٨) - الأَنْقال: ١١٤/٦-١١٥
﴿لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهِ﴾ التَّديل: التّغيير بالبدل، والمعنى: لا مبدِّل لكلمات
الله بنقص أو خلف.
المناسبة:
بعد أن ندَّد الله تعالى بالكفار الذين أقسموا بالله ليؤمنن بالآيات إذا
جاءتهم، وأبان أنه لا فائدة في إظهار تلك الآيات؛ لأنه تعالى لوأظهرها لبقوا
مصرِّين على كفرهم، أبان هنا أنّ الدَّليل الدّال على نبوّة محمد بَّه قد حصل
من وجهين :
الأول - أنه أنزل إليه الكتاب المفضَّل المبين المشتمل على العلوم الكثيرة
والفصاحة الكاملة، وقد عجز الخَلْق عن معارضته، مما يدلّ على صدق نبوّته.
والثاني - اشتمال التوراة والإنجيل على الآيات الدّالة على أنّ محمداً وليه
رسول حقّ، وعلى أنّ القرآن كتاب حقّ من عند الله، وهو المراد بقوله:
﴿ وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ اُلْكِنَبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّيِّكَ بِالْحِّ﴾.
والوجهان مذكوران في قوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِى
وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَبِ﴾ [الرعد: ٤٣/١٣].
وبعد أن بيَّن تعالى أنّ القرآن معجز، ذكر أنّه تمت كلمة ربّك، أي القرآن،
والمراد: تم القرآن في كونه معجزاً دالاً على صدق محمد عليه الصّلاة والسّلام.
التّفسير والبيان:
يأمر الله نبيَّه و هو أن يقول لهؤلاء المشركين بالله الذين يعبدون غيره: ليس لي
أن أطلب قاضياً بيني وبينكم؛ لأنه لا حكم أعدل من حكم الله، ولا قائل
أصدق من قوله، وهو الذي أنزل إليكم القرآن مبيّناً فيه حكم كل شيء، من
العقائد والشّرائع والآداب، وقد جاوزت سنّ الأربعين، ولم يصدر عِّ مثله
٣٦٢
الُ (٨) - الْأَنْظُ: ١١٤/٦-١١٥
في العلوم والمعارف، والأخبار الماضية والمستقبلة، ولا في الفصاحة والبلاغة،
كما قال تعالى: ﴿فَقَدْ لَبِئْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلَِّةِ﴾ [يونس: ١٦/١٠]،
أي: أفغير الله أطلب لكم حَكَماً، وهو الذي كفاكم مؤنة المسألة، في
الآيات، بما أنزله إليكم من الكتاب المفصّل، أي المبين.
وبعبارة أخرى: لا فائدة من طلبكم دليلاً على صدق نبوّتي، فهناك دليلان
واضحان يؤيِّدان رسالتي، وهما الآية الكبرى وهي القرآن المعجز الدّال
بإعجازه على أنّه كلام الله، واشتمال التّوراة والإنجيل على ما يدلّ على أنّي
رسول الله حقّاً وأنّ القرآن كتاب حقّ من عند الله تعالى.
وإن أنكر هؤلاء المشركون أحقيَّة القرآن وكذَّبوا به، فإن اليهود والنصارى
أهل الكتاب يعلمون أنه منزل من ربِّك بالحقّ، بما ورد عندهم من البشارات
بك، على لسان الأنبياء المتقدّمين، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِشَبَ
يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَ هُّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْثُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
[البقرة: ١٤٦/٢].
فلا تكونن يا محمد من المترددين الشّاكين، وهذا على أسلوب التَّهييج
والإلهاب، أو على طريق التّعريض، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ
اٌلْمُشْرِكِينَ﴾ [يونس: ١٠٥/١٠]، وقوله: ﴿فَإِن كُنْتَ فِى شَكٍ مِّمَّآ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ فَسْئَلِ
اٌلَِّينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ
{ِ﴾ [يونس: ٩٤/١٠].
اُلْهُمْتَرِينَ.
وليس هذا النّهي مؤذناً بوقوع الشّك من النَّبِي وَّ؛ لأنه شرط، والشّرط
لا يقتضي وقوعه، لذا قال عليه الصّلاة والسّلام: ((لا أشكّ ولا أسأل)).
وتم كلام الله وهو القرآن، فلا يحتاج إلى إضافة شيء فيه، وأصبح كافياً
وافياً بإعجازه وشموله، ودلالته على الصدق، فهو صادق فيما يقول، عدل
فيما يحكم، صدقاً في الإخبار عن الغيب، وعدلاً في الطلب، فكل ما أخبر به
٣٦٣
الجُزُ (٨) - الأَنْتَقُل: ١١٤/٦-١١٥
فهو حقّ لا مرية فيه ولا شكّ، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل
سواه، وكل ما نهى عنه فباطل، فإنه لا يأمر إلا بخير، ولا ينهى إلا عن
مفسدة وشرّ، كما قال تعالى: ﴿يَأَمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَمُهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾
[الأعراف: ٧ / ١٥٧].
وكل ما ورد في القرآن من أمر ونهي، ووعد ووعيد، وقصص وخبر لا
تغییر فیه ولا تبدیل لكلمات الله، ولیس أحد یعقب حکمه تعالى، لا في الدُّنيا
ولا في الآخرة.
وهو السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وسكناتهم، الذي يجازي كل
عامل بعمله.
فقه الحياة أو الأحكام:
الآية الأولى بتُّ قاطع في مسألة التّحكيم الذي طالب به المشركون بينهم
وبين النَّبِي ◌ِِّ، وهي ردّ مفحم عليهم بأنّه قد قام الدَّليل القاطع على إثبات
نبوّة محمد ر من ناحيتين:
الأولى - تأييده بالقرآن الكريم وهو المعجزة الدائمة الخالدة الدّالة على
النّبوة.
الثانية - معرفة أهل الكتاب وبشارات أنبيائهم به وبصدقه وبصدق القرآن.
ودلّت الآية الثانية: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَيِّكَ﴾ على وجوب اتِّباع دلالات
القرآن؛ لأنّه حقّ لا يمكن تبديله بما يناقضه؛ لأنه من عند حكيم لا يخفى عليه
شيء من الأمور كلها.
والكلمات كما قال قتادة: هي القرآن لا مبدِّل له، لا يزيد فيه المفترون
ولا ينقصون.
٣٦٤
الجُرُ (٨) - الْأَنْتُ: ١١٦/٦-١٢١
ضلالات المشركين والمنع من أكل ذبائحهم
﴿ وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الْأَرْضِ يُضِلَُّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِّ إِن يَتَبِعُونَ إِلَّا
الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُ عَن سَبِيلِةٍ، وَهُوَ
أَعْلَمُ بِلْمُهْتَدِنَ ﴿ فَكُلُواْ مِمَا ذُكِرَ أُسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِعَايَتِهِ مُؤْمِنِينَ
١١٨
وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَضَّلَ لَّكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا
مَا أَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرً لَيُضِلُونَ بِأَهْوَابِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍّ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ
وَذَرُواْ ظَهِرَ أُلْإِثْمِ وَبَاطِنَهٍُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ اُلْإِثْمَ
١٩٦
بِالْمُعْتَدِينَ
سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوْ يَفْتِفُونَ (٤٥) وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ
لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآْبِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمْرِكُونَ
١٢١
القراءات:
﴿فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ﴾: قرئ:
١- (فَضَّل لكم ما حَرَّم) وهي قراءة نافع، وحفص.
٢- (فَصَّل لكم ما حُرِّم) وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف.
٣- (فُصِّل لكم ما حُرِّم) وهي قراءة الباقين.
﴿ لَّضِلُونَ﴾: قرئ:
١- (لَيُضِلُون) وهي قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (لَيَضِلُون) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿أَعْلَمُ مَن يَضِلُ﴾ ﴿مَن﴾ في موضع نصب بفعل مقدر دلّ عليه ﴿أَعْلَمُ﴾
٣٦٥
◌ِلُرعُ (٨) - الْأَنْفُ: ١١٦/٦-١٢١
وتقديره: يعلم من يضل عن سبيله. ولا يجوز أن يكون في موضع جر؛ لأنه
يستحيل المعنى، ويصير التقدير: إن ربك هو أعلم بالضالين؛ لأن أفعل إنما
تضاف إلى ما هو بعضٍٍ له، وذلك كفر محال. مثل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ
حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤/٦] حيث: في موضع نصب بفعل
مقدر، دلّ عليه: أعلم؛ لأن حيث ههنا اسم محض، وتقديره: يعلم حيث
يجعل رسالته، ولا يجوز أن تكون حيث في موضع جر؛ لأنها بمعنى مكان،
فيكون التقدير: الله أعلم أمكنة رسالاته، وهذا أيضاً كفر.
﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُواْ﴾: أن في موضع نصب بحذف حرف الجر.
و﴿وَمَا﴾ استفهامية مبتدأ، وما بعدها خبرها، وتقديره: وأي شيء لكم في ألا
تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه.
البلاغة:
﴿وَذَرُواْ ظَهِرَ اُلْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ؟﴾ يوجد طباق بين لفظ ﴿ظَهِرَ﴾ و((باطن)).
المفردات اللغوية:
﴿أَكْثَرَ مَن فِى الْأَرْضِ﴾ أي الكفار. ﴿سَبِيلِ الَّهِ﴾ دينه. ﴿إِن﴾ ما.
﴿يَتَّبِعُونَ إِلَّا الَّنَّ﴾ في مجادلتهم لك في أمر الميتة، إذ قالوا: ما قتل الله أحق
أن تأكلوه مما قتلتم.﴿يَخْرُصُونَ﴾ يحدسون ويقدرون ويكذبون في ذلك.
والْخَرْص: الْخَدس والتخمين. ﴿أَعْلَمُ﴾ أي عالم. ﴿فَكُلُواْ مِمَا ذُكِرَ أُسْمُ اللَّهِ
عَلَيْهِ﴾ أي ذبح على اسم الله .﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ أُسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾
من الذبائح .﴿وَقَدْ فَصَّلَ﴾ بَيَّن وأزال عنكم اللبس في المحرَّمات. ﴿ هُوَ أَعْلَمُ
بِالْمُعْتَدِينَ﴾ المتجاوزين الحلال إلى الحرام.
وَذَرُواْ﴾ اتركوا. ﴿ظَهِرَ اُلْإِثْمِ وَبَاطِنَهٌُ﴾ علانيته وسره، والإثم:
القبيح، وشرعاً: ما حرمه الله من كل معصية كالزنى والسرقة ونحوهما.
﴿سَيُجْزَوْنَ﴾ في الآخرة. ﴿يَقْتَرِفُونَ﴾ يكتسبون.
٣٦٦
الجُرُ (٨) - الْأَنْظُ: ١١٦/٦-١٢١
﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ بأن مات أو ذبح على اسم
غيره، وإلا فما ذبحه المسلم ولم يسم فيه عمداً أو نسياناً فهو حلال، كما قال
قے
ابن عباس، وأخذ به الشافعي . ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي الأكل منه ﴿لَفِسُقُ﴾ معصية
وخروج عن دائرة الدين إلى ما لا يحل. ﴿لَيُوحُونَ﴾ يوسوسون. ﴿إِلَى
أَوْلِيَآَ بِهِمْ﴾ أعوانهم الكفار. ﴿لِيُجَدِلُوكُمْ﴾ في تحليل الميتة.
سبب النزول:
نزول الآية (١١٨):
﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ أُسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ : روى أبو داود والترمذي عن ابن عباس
قال: أتى ناس النبي وَلو فقالوا: يا رسول الله، أنأكل ما نقتل ولا نأكل ما
يقتل الله؟ فأنزل الله: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ أُسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ
أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُتْرِكُونَ﴾ .
وأخرج أبو داود والحاكم وغيرهما عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ
لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآَبِهِمْ﴾ قال: قالوا: ما ذبح الله لا تأكلوا، وما ذبحتم أنتم
تأكلون؟ فأنزل الله الآية.
نزول الآية (١٢١):
﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذَّكَرِ﴾: قال المشركون: يا محمد، أخبرنا عن الشاة
إذا ماتت من قتلها؟ قال: الله قتلها، قالوا: فتزعم أن ما قتلت أنت
وأصحابك حلال، وما قتل الكلب والصقر حلال، وما قتله الله حرام؟
فأنزل الله تعالى هذه الآية(١).
وأخرج الطبراني وغيره عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَا
(١) أسباب النزول للواحدي: ١٢٨
٣٦٧
الجُزُ (٨) - الاَنْقال: ١١٦/٦-١٢١
لَّ يُذَكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أرسلت فارس إلى قريش أن خاصموا محمداً، فقولوا
له: ما تذبح أنت بيدك بسكّين فهو حلال، وما ذبح الله بشمشار من ذهب،
يعني الميتة، فهو حرام، فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى
أَوْ لِيَآَبِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ﴾ قال: الشياطين من فارس وأولياؤهم قريش.
وعبارة عكرمة في ذلك هي: إن المجوس من أهل فارس، لما أنزل الله تعالى
تحريم الميتة كتبوا إلى مشركي قريش، وكانوا أولياءهم في الجاهلية، وكانت
بينهم مكاتبة: إن محمداً وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله، ثم يزعمون
أن ما ذبحوا فهو حلال، وما ذبح الله فهو حرام، فوقع في أنفس ناس من
المسلمين من ذلك شيء، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
المناسبة:
بعد أن أجاب الله تعالى عن شبهات الكفار، وأثبت صحة نبوة محمد ◌َلآ ،
ذكر هنا أنه لا ينبغي الالتفات إلى ما يقوله الجهال؛ لأنهم يسلكون سبيل
الضلال، ويتبعون الظنون الفاسدة، وهذا المنهج بالتعبير الحديث تحييد لأهل
الإسلام، وتوفير لاستقلال شخصيتهم، وإبراز ذاتيتهم، بالرغم من أن أكثر
أهل الأرض كانوا ضُلالاً بسبب غلبة الشرك على عقائدهم.
التفسير والبيان:
لا يلتفت في شرعة الحق والقرآن إلى مسالك أهل الضلال والشرك؛
لاتباعهم الظنون الفاسدة، وإن تطع يا محمد وكل من تبعك أكثر من في
الأرض من الكفار والمشركين في أمور الدين، وتخالف ما أنزل الله عليك،
يضلون عن دين الله ومنهجه وسبيله، سبيل الحق والعدل والاستقامة؛ إذ هم
لا يتبعون إلا الأهواء والظنون الباطلة أو الكاذبة، ولا يقيمون وزناً للبراهين
الإلهية، والأدلة العقلية، وإن هم إلا يحزرون ويحدسون أو يخمنون تخميناً
٣٦٨
الُ (٨) - الأَنْقُل: ١١٦/٦-١٢١
عارياً عن الصحة والحقيقة كخارص ثمر النخل والعنب وغيرهما، فاعتقادهم
قائم على الخَدْس والتخمين، لا على البرهان والدلیل.
وهذا يدل على أن أكثر أهل الأرض كانوا ضُلاَّلاً في الاعتقاد فلازموا
الشرك، وفي النبوات فأنكروها، وفي الأحكام التشريعية كإحلال الميتة والدم
والخمر وتحريم المواشي البحائر والسوائب والوصائل. وهذا كقوله تعالى:
[الصافات: ٧١/٣٧] وقوله: ﴿وَمَآَ
﴿ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ
[يوسف: ١٠٣/١٢].
٣
أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ
وإن ربك يعلم بالضالين عن سبيله القويم، ويعلم أيضاً بالمهتدين السالكين
سبيل الاستقامة، وليس كما يزعم المشركون. وهذا تحذير مؤكد لما سبق من
ضرورة رفض منهج أهل الضلال، ومسلك أهل الشرك والأهواء.
ولما كان المشركون يعتبرون الذبائح لغير الله من أصول الشرك، وكان حال
أكثر الناس الضلالة والكفر، أمر الله المؤمنين بما هو من أصول الاعتقاد
بالله، وهو الأكل مما ذكر اسم الله عليه وذبح باسم الله، فقال: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا
ذُكِرَ أُسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أي احذروا ما ذبح الأصنام والأوثان ولغير الله، وكلوا
مما ذكر اسم الله عليه من الذبائح دون غيره، إن كنتم بآيات الله الدالة على
الهدى والنور والعقيدة الصحيحة مؤمنين مصدقين بها، مكذبين بما يناقضها
من الشرك والوثنية والضلال.
فهذه إباحة واضحة من الله لعباده المؤمنين أن يأكلوا ما ذكر عليه اسمه،
ترسيخاً لأصل الاعتقاد بالله، ورداً على مشركي العرب وغيرهم الذين كانوا
يجعلون الذبائح من أمور العبادات وأصول الدين والاعتقاد، فيتقربون
بالذبائح لآلهتهم.
ومفهوم الآية أنه لا يباح ما لم يذكر اسم الله عليه، كما كان يستبيحه كفار
قريش من أكل الميتات وأكل ما ذبح على النصب وغيرها.
٣٦٩
الُ (٨) - الأَنْتَقُل: ١١٦/٦-١٢١
وجمهور المفسرين على أن في هذه الآية حصراً مستفاداً من جهتين: الأولى -
مما ذكر في الآية السالفة من عدم اتباع المضلين، والثانية - من الشرط في قوله
تعالى: ﴿إِن كُنتُم بِئَايَتِهِ، مُؤْمِنِينَ﴾ فيكون المعنى: اجعلوا أكلكم مقصوراً على
ما ذكر اسم الله عليه، ولا تتعدوه إلى الميتة.
ثم ندب تعالى إلى الأكل مما ذكر اسم الله عليه، وأنكر أن يكون هناك شيء
يدعوهم إلى ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه، من البحائر والسوائب
وغيرها، فقال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُواْ مِمَا ذُكِرَ أُسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾.
وفي ذلك إشارة إلى ضرورة رفض عوائد الجاهلية واعتراضاتهم وشبهاتهم
الواهية.
﴿ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ﴾ أي ليس هناك ما يمنعكم، أو أي شيء يمنعكم أن
تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه، والحال أنه قد بين لكم المحرم عليكم في قوله:
﴿قُل لَّ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمَا عَلَى طَاعِ يَطْعَمُهُ: إِلََّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ
دَمَّا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسُ أَوْ فِسْقَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِّ﴾
[الأنعام: ١٤٥/٦] ومعنى الأخير: ما ذكر عليه اسم غير الله كالأصنام والأنبياء
والصالحين، فبقي ما عدا ذلك على الحل.
ثم استثنى الله تعالى حال الضرورة فقال: ﴿إِلَّا مَا أَضْطُرِّرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ أي لكن
الذي اضطررتم إلى أكله مما هو محرم عليكم، فإنه يباح لكم ما وجدتم حال
الضرورة. ومن هذه الآية وأمثالها أخذت القاعدة الشرعية: ((الضرورات تبيح
المحظورات)) وقاعدة: ((الضرورة تقدر بقدرها)).
ثم بَيَّن الله تعالى جهالة المشركين في آرائهم الفاسدة من استحلالهم الميتات
وما ذكر عليه غير اسم الله تعالى، فقال: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا﴾ أي إن كثيراً من الكفار
ليضلون الناس بتحريم الحلال، وتحليل الحرام، بأهوائهم وشهواتهم الباطلة،
وبغير علم أصلاً، إنما هو محض الهوى، والله أعلم باعتدائهم وكذبهم
٣٧٠
الجُرُ (٨) - الأَنْتُ: ١١٦/٦-١٢١
وافترائهم، وسيجازيهم على هذا الاعتداء والتجاوز، ولا محالة، مثل عمرو
ابن ◌ُحَيّ وقومه الذين اتخذوا البحائر والشوائب، وأحلوا أكل الميتة، وما أهلَّ
به لغير الله بذكر اسم نبي أو وثن أو صنم.
ثم أمر تعالى بترك جميع الآثام والمعاصي، فقال: ﴿ وَذَرُواْ ظَهِرَ﴾ أي اتركوا
جميع المعاصي والمحرمات ما أعلنتم وما أسررتم، قليله وكثيره، سواء ما تعلق
بأفعال الجوارح والأعضاء كالزنى مع البغايا وأفعال القلوب كالحقد والحسد
والكبر والمكيدة، والزنى مع الخليلة والصديقة والأخدان، ومن المعاصي تجاوز
المضطر حدّ الضرورة المبين في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ أُضْطَُّّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَ عَادٍ فَإِنَّ
رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥/٦] وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ
مُتَجَانِفٍ لِِّثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣/٥].
والإثم لغة: ما قبح، وشرعاً: ما حرمه الله، ولم يحرم الله شيئاً إلا لضرره.
والصحيح - كما قال ابن كثير - أن الآية عامة في ذلك كله، وهو ما ذكر،
وهي كقوله تعالى: ﴿قُلّ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبَِّ اٌلْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾
[الأعراف: ٣٣/٧] ولهذا قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوْ
يَفْتَرِفُونَ﴾ أي سواء كان ظاهراً أو خفياً، فإن الله سيجزيهم عليه، أي أنه لا بد
من أنه سيجازي مرتكبي المعاصي على عصيانهم إذا ماتوا ولم يتوبوا. وجاء
تعريف الإثم في حديث النواس بن سمعان فيما أخرجه أحمد والدارمي بإسناد
حسن: ((الإثم: ما حاك في النفس وتردد في الصدر)) وفي رواية مسلم: ((الإثم:
ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس)).
أما من تاب توبة صحيحة صادقة، وندم على ما فرط، فإن الله يغفر له ما
بدر منه من الذنوب؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا
دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءٌ﴾ [النساء: ١١٦/٤] وكذلك فعل الحسنة عقب السيئة
يمحوها؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤/١١]. وورد
٣٧١
الُرُ (٨) - الأَنْتَرمل: ١١٦/٦-١٢١
في حديث أبي ذر جندب بن جنادة ومعاذ بن جبل فيما أخرجه الترمذي:
((وأتبع السيئة الحسنة تمحُها)).
ثم صرح الله تعالى بالنهي عن ضد ما فهم من الأمر السابق، وهو قوله:
(فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فقال: ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَا لَمَّ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ
عَلَيْهِ﴾ أي ولا تأكلوا أيها المؤمنون مما مات ولم يذبح ولم يذكر اسم الله عليه،
ولا ما ذبح لغير الله وهو ما كان يذبحه المشركون لأوثانهم، والذبح لغير الله
والأكل من المذبوح فسق ومعصية، قال عطاء في قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ
مِمَّا لَّ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾: ينهى عن ذبائح كانت تذبحها قريش للأوثان،
وينهى عن ذبائح المجوس.
والمتبادر من المقام تخصيص ما لم يذكر اسم الله عليه بالحيوان، فيكون ذلك
نهياً عن الأكل من الحيوان الذي لم يذكر اسم الله عليه، فتحرم الميتة وما ذكر
عليه اسم غير الله.
ثم ردّ الله تعالى على مجادلات المشركين في إباحة الميتات فقال: ﴿وَإِنَّ
الشَّيَطِينَ﴾ أي إن شياطين الإنس والجن ليوسوسون إلى أوليائهم وأعوانهم من
المشركين ليجادلوا محمداً وصحبه في أكل الميتة، كما تقدم، وإن أطعتموهم
فيما يزعمون من استحلال الميتة، إنكم لمشركون مثلهم؛ لأنكم عدلتم عن أمر
الله لكم وشرعه إلى قول غيره، فقدمتم عليه غيره، وهذا هو الشرك، كقوله
تعالى: ﴿اَّخَذُوَأْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١/٩]
وقد روى الترمذي في تفسيرها عن عدي بن حاتم أنه قال: يا رسول الله، ما
عبدوهم؟ فقال: ((بلى، إنهم أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال،
فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم)).
قال الزجاج: وفيه دليل على أن كل من أحلّ شيئاً مما حرم الله تعالى، أو
حرم شيئاً مما أحل الله تعالى، فهو مشرك؛ لأنه أثبت مُشَرِّعاً سوى الله،
وهذا هو الشرك بعينه.
٣٧٢
الُ (٨) - الأَنْتُ: ١١٦/٦-١٢١
وقوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ على تقدير القسم، وحذف اللام الموطئة للقسم،
أي ولئن أطعتموهم إنكم المشركون، فيكون جواب القسم أغنى عن جواب
الشرط.
فقه الحياة أو الأحكام:
دَّت الآيات على ما يلي:
١ - إباحة ما ذبحه المسلم وذكر اسم الله عليه.
٢ - الأمر بذكر اسم الله على الشراب والذبح وكل مطعوم.
٣ - إن الإيمان بأحكام الله والأخذ بها يتضمن ويقتضي الأخذ بها والانقياد
لها.
٤ - عدم إباحة ما لم يذكر اسم الله عليه كالميتات وما ذبح على النصب
(الحجارة حول الكعبة) وغيرها.
٥ - إباحة المحرَّمات حال الضرورة الشرعية بقدر ما تقتضيه الضرورة.
٦ - عدم الالتفات لآراء المشركين الزائفة من استحلالهم الميتات وما ذكر
عليه غير اسم الله تعالى.
٧ - تحريم ارتكاب جميع المعاصي، سواء في السرّ أو في العلن، وسواء
أفعال الجوارح كاليد والرجل، وأفعال القلوب كالحسد والحقد.
٨ - الجزاء أمر محتم واقع يوم القيامة على كل معصية، والعصاة معذبون
يجازيهم الله تعالى لا محالة.
٩ - كل من استحل حراماً أو حرم حلالاً، واتبع غير أحكام الله في شرعه
ودينه، فهو كافر ومشرك؛ لأنه أشرك بالله غيره، وأثبت مشرِّعاً سوى الله،
بل آثر حکمه على حكم الله.
٣٧٣
الجُ (٨) - الْأَنْقال: ١١٦/٦-١٢١
أما ما يذبح عند استقبال الحاكم أو الحاج فهو في رأي الحنفية حرام أكله؛
لأنه مما أُهلَّ به لغير الله. ورأى بعض الشافعية أن المقصود من الذبح
الاستبشار بقدومه، فهو كذبح العقيقة لولادة المولود، وهذا لا يوجب
التحريم، وهذا هو المعقول.
لكن لو كان الذبح بين رجلي القادم أو مرَّ عليه من فوقه، فلا يؤكل؛ لأنه
ذبح أهل لغير الله به، أي ذكر اسم غير الله عليه.
١٠ - استدل بعض العلماء بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ أَسْمُ
اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ على أن الذبيحة لا تحل إذا لم يذكر اسم الله عليها، وإن كان الذابح
مسلماً. وهذه مسألة متروك التسمية عمداً أو سهواً، وقد اختلف فيها
العلماء:
أ - فقال داود الظاهري: لا تؤكل ذبيحة المسلم إن تعمد ترك التسمية أو
نسي التسمية، لظاهر هذه الآية الكريمة.
ب - وقال الشافعية: متروك التسمية حلال مطلقاً؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ
عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَاَلَّمُ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْنُ﴾ [المائدة: ٣/٥] فأباح المذكى ولم
يذكر التسمية، وليست التسمية جزءاً من مفهوم الذكاة، فإن الذكاة لغة:
الشق والفتح، وقد وجدا، واستدلوا أيضاً بحديث البخاري وأبي داود
والنسائي وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها قالت: إنهم قالوا: يا رسول
الله، إن قومنا حديثو عهد بالجاهلية، يأتون بلحمان، لا ندري أذكروا اسم
الله عليها أم لم يذكروا، فنأكل منها؟ فقال رسول الله وَله: (سموا وكلوا)).
وروى أبو داود حديثاً مرسلاً عن الصلت السدوسي: ((ذبيحة المسلم حلال،
ذكر اسم الله، أو لم يذكر)). وروى الدار قطني عن البراء بن عازب: ((اسم الله
على قلب كل مؤمن، سمى أو لم يسمّ)).
لكن التسمية سنة مستحبة عند أكل كل طعام وشراب.
والمراد من الآية: ما ذبح للأصنام؛ لأن من أكل متروك التسمية ليس
٣٧٤
الزرعُ (٨) - الأَنْقال: ١٢٢/٦-١٢٣
قلے
بفاسق، وقد قال الله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ولأن الله تعالى وصف من أكل ذبيحة
قلے
الأصنام ورضي بها بالشرك، ولأن قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسُقٌ﴾ مخصوص بما أهل
به لغير الله، بدليل آية أخرى: ﴿أَوْ فِسْقَا أُهِلَ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهٍّ﴾ [الأنعام: ١٤٥/٦].
جـ - وذهب الجمهور (أبو حنيفة ومالك وأحمد) إلى أن متروك التسمية
عمداً حرام لا يؤكل وهو ميتة، ويحل أكل متروك التسمية سهواً، أو كان
الذابح المسلم أخرس أو مستكرهاً.
وأضاف الحنابلة: من ترك التسمية على الصيد ولو سهواً، لم يؤكل، أي أن
التسمية على الذبيحة تسقط بالسهو، وعلى الصيد لا تسقط.
ودليل الجمهور: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ
لَفِسُقٌ﴾ وقوله ◌َّر في الحديث الصحيح: ((ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه
فكُلْ)) وروي عنه وَّوَ أنه قال: ((تسمية الله في قلب كل مسلم)) والناسي ليس
بتارك للتسمية، بل هي في قلبه، فيكون متروك التسمية عمداً حراماً، ومتروك
التسمية سهواً ليس مما لم يذكر اسم الله عليه، ولم يلحق العامد بالناسي لأنه
بترك التسمية عمداً كأنه نفى ما في قلبه.
مثل المؤمن المهتدي والكافر الضال
﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِى النَّاسِ كَمَن
مَثَلُهُ فِى الْقُلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَفِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا
يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ
القراءات:
﴿مَيْتًا﴾: قرئ:
٣٧٥
لُعُ (٨) - الْأَنْتَهُ: ١٢٢/٦-١٢٣
١- (ميِّاً) وهي قراءة نافع.
٢- (ميْتاً) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿أَوَ مَن كَانَ مَيّنًا﴾ فيه مضاف محذوف تقديره: أو مثل من كان ميتاً،
بدليل: ﴿كَمَن مَّثَلُهُ فِىِ الظُّلُمَتِ﴾. و﴿مَن﴾ اسم موصول مبتدأ، والكاف في
﴿كَمَنْ﴾ خبره، واسم كان ضمير يعود إلى ﴿مَن﴾ و﴿مَيْتًا﴾ خبرها،
والجملة من الفعل واسمه وخبره صلة ﴿مَن﴾.
ج
﴿لَيْسَ بِخَارِجٌ مِّنْهَا﴾ في موضع نصب على الحال من الضمير المرفوع في
قوله: ﴿فِ الظُّلُمَاتِ﴾.
﴿مُجْرِمِيهَا﴾ مفعول أول لجعلنا، و﴿أَكَبِرَ﴾ مفعول ثانٍ مقدم.
{لِيَمْكُرُوا﴾ اللام: لام كي.
البلاغة:
﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْبَيْنَهُ﴾، ﴿نُورًا﴾ ﴿فِىِ الظُّلُمَتِ﴾: الموت والحياة،
والنور والظلمات: استعارة، فقد استعار الموت للكفر، والحياة للإيمان،
والنور للهدى، والظلمات للضلال.
المفردات اللغوية:
﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا﴾ بالكفر. ﴿فَأَحْيَيْنَهُ﴾ بالهدى. ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى
بِهِ، فِي النَّاسِ﴾ يتبصر به الحق من غيره وهو الإيمان. ﴿كَمَن مَّثَلُهُ﴾ مثلٍ:
زائدة أي كمن هو، والمثل: الصفة والنعت . ﴿فِ الظُّلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾
وهو الكافر. ﴿كَذَلِكَ﴾ زين للمؤمنين الإيمان كما ﴿زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ﴾ من الكفر والمعاصي.
٣٧٦
الُرُ (٨) - الأَنْفَقُل: ١٢٢/٦-١٢٣
[وَكَذَلِكَ﴾ كما جعلنا فساق مكة أكابرها. ﴿جَعَلْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَبِرَ
مُجْرِمِيهَا﴾ الأكابر: الرؤساء، جمع كبير أو أكبر، والمجرمون: مرتكبو
الإجرام، والإجرام: هو الإفساد والإضرار من الأفعال والأقوال، والقرية:
البلد الذي يجمع فيه الناس، وقد تطلق على الشعب أو الأمة. ﴿لِيَمْكُرُوا
فِيهَا﴾ بالصدّ عن الإيمان. ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ﴾ المكر: التدبير الخفي لصرف
الغير عما يريده بحيلة أو خديعة أو تدليس قولي . ﴿ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ لأن وباله
عليهم.
سبب النزول:
نزول الآية (١٢٢):
﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا﴾: أخرج أبو الشيخ ابن حيان الأنصاري عن ابن
عباس في قوله: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْئًا فَأَحْيَيْنَهُ﴾ قال: نزلت في عمر وأبي جهل.
وأخرج ابن جرير الطبري عن الضحاك مثله، وذكر أبو بكر الحارثي عن زيد
بن أسلم مثله: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا﴾ قال: عمر بن الخطاب ﴿كَمَن مَّثَلُهُ فِى
اُلُظُلُمَتِ﴾ قال: أبو جهل بن هشام.
وذكر الواحدي النيسابوري عن ابن عباس قال: قوله تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ
مَيْئًا﴾ يريد حمزة بن عبد المطلب وأبا جهل، وذلك أن أبا جهل رمى رسول
الله ◌َّ بفرث، وحمزة لم يؤمن بعد، فأُخبر حمزة بما فعل أبو جهل وهو راجع
من قنصه وبيده قوس، فأقبل غضبان حتى علا أبا جهل بالقوس وهو يتضرع
إليه ويقول: يا أبا يعلى، أما ترى ما جاء به، سفَّ عقولنا، وسبَّ آلهتنا،
وخالف آباءنا؟ قال حمزة: ومن أسفه منكم؟ تعبدون الحجارة من دون الله،
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، فأنزل
الله تعالى هذه الآية (١).
(١) أسباب النزول: ١٢٨
٣٧٧
اِلُ (٨) - الأَنْقَا: ١٢٢/٦-١٢٣
اتفقت الروايات على أن الكافر الضال هو أبو جهل، وأما المؤمن المهتدي
فقيل: حمزة، وقيل: عمر رضي الله عنهما، والصحيح كما قال ابن كثير
والقرطبي: أن الآية عامة يدخل فيها كل مؤمن وكافر(١).
المناسبة:
ذكر الله تعالى في الآية السابقة أن أكثر أهل الأرض ضالون متبعون للظنون
الزائفة والتخمينات، وأن المشركين يجادلون المؤمنين في دين الله، ثم ذكر هنا
مثلاً يوضح حال المؤمن المهتدي وحال الكافر الضال، فأبان أن المؤمن
المهتدي بمنزلة من كان ميتاً، فجعل حياً بعد ذلك، وأعطي نوراً يهتدي به في
مصالحه، وأن الكافر بمنزلة من هو في ظلمات منغمس فيها، لا خلاص له
منها، فيكون متحيراً على الدوام.
التفسير والبيان:
هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن الذي كان ميتاً، أي في الضلالة، هالكاً
حائراً، فأحياه الله، أي أحيا قلبه بالإيمان وهداه له، ومثل ضربه الله للكافر
المنغمس في الظلمات أي الجهالات والأهواء والضلالات.
هذه مقارنة أو موازنة بين أهل الإيمان وأهل الكفر، أفمن كان ميتاً بالكفر
والجهل، فأحييناه بالإيمان، وجعلنا له نوراً يضيء له طريقه بين الناس، وهو
نور القرآن المؤيد بالحجة والبرهان؟ وهو أيضاً نور الهدى والإيمان؟
كمن مثله مثل السائر في الظلمات: ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة
المطر، وهو ليس بخارج منها، أي لا يهتدي إلى منفذ ولا مخلص مما هو فيه.
وفي المقارنة بين المؤمن والكافر وردت آيات كثيرة، منها: ﴿أَفَنَ يَمْشِى مُكِبًّا
(١) تفسير ابن كثير: ١٧٢/٢، تفسير القرطبي: ٧٨/٧
٣٧٨
لُعُ (٨) - الْأَنْفَا: ١٢٢/٦-١٢٣
﴾ [الملك: ٢٢/٦٧] ومنها :
عَلَى وَجْهِهِ: أَهْدَىَ أَمَّنْ يَمْشِى سَوِيًّا عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ
مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعَّ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلاَ
تَذَكَّرُونَ (
(ثَ وَلَا
[هود: ٢٤/١١] ومنها: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ
٢٤
وَمَا يَسْتَوِىِ الْأَحْيَاءُ وَلَا
وَلَ اُلِظِلُّ وَلَ الْحُرُورُ
اُلُلُمَتُ وَلَ النُّورُ
الْأَمْوَثُّ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ وَمَآ أَنَتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِ الْقُبُورِ * إِنْ أَنْتَ إِلَّا
[فاطر: ١٩/٣٥-٢٣].
نَذِيرُ
وإذا كان الاهتداء إلى الإيمان والانغماس في ظلمات الكفر والضلال
بسبب من الإنسان واختيار منه، فإن الله تعالى يزيد المؤمنين توفيقاً إلى الخير،
ويترك الكافرين سائرين في متاهات الكفر، لذا ختم الله الآية بقوله:
كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي كما زين الإيمان للمؤمنين،
زين للكافرين الكفر والمعاصي، أي حسَّن لكل فريق عمله، فحسَّن الإيمان في
أنظار المؤمنين، وحسَّن الكفر والجهالة والضلالة في أعين الكافرين، كعداوة
النبي ◌َّه، وذبح القرابين لغير الله، وتحريم ما لم يحرمه الله، وتحليل ما حرمه.
وقال ابن كثير: حسَّن لهم ما كانوا فيه من الجهالة والضلالة، قدراً من الله
وحكمة بالغة، لا إله إلا الله وحده لاشريك له. وأورد حديثاً في المقارنة
المتقدمة بين المؤمن والكافر، رواه الإمام أحمد في مسنده عن رسول الله وَالل أنه
قال: ((إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم رشّ عليهم من نوره، فمن أصابه ذلك
النور، اهتدى، ومن أخطأه ضلَّ))(١).
ثم أورد الله تعالى ما يدلّ على سنته الثابتة في البشر، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا
فِى كُلّ قَرْيَةٍ﴾ أي وكما أن أعمال أهل مكة مزينة لهم، وجعلهم الله أكابرها
مع أنهم فسّاقها، كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها رؤساءها ودعاتها إلى
الكفر والصدّ عن سبيل الله، ليمكروا فيها بالصدّ عن سبيل الله؛ لأنهم أقدر
(١) تفسير ابن كثير: ١٧٢/٢
٣٧٩
لُ (٨) - الْأَنْقال: ١٢٢/٦-١٢٣
على المكر والخداع وترويج الباطل بين الناس بحكم نفوذهم وسيادتهم
وسيطرتهم.
وهكذا سنة الله في المجتمعات البشرية، يثور النزاع بين الحق والباطل،
ويشتد الصراع بين الإيمان والكفر، ولكل اتجاه أعوانه وأنصاره، وسادته
وكبراؤه، والأنبياء وأتباعهم من المصلحين يوجدون في هذا الوسط المتصارع،
فيتبعهم الضعفاء، ويكفر بهم الأشراف، وينصرهم الأوساط، ويقاوم
دعوتهم الأكابر المجرمون الذي يعادون حركة الإصلاح والتقدم، والبناء
والتحضر، في كل بيئة ومجتمع.
ولكن العاقبة والنصر للمتقين المصلحين، والهزيمة أو الانقراض والخذلان
للكافرين المفسدين، وما يمكر هؤلاء الأكابر المجرمون المعادون للرسل إلا
بأنفسهم؛ لأن وبال مكرهم عليهم، وعاقبة إفسادهم تلحق بهم، لكنهم
عديمو النظر للمستقبل والواقع، والاعتبار بالماضي، وعديمو الشعور
والإحساس، وما يشعرون شعوراً صادقاً صحيحاً بمدى أعمالهم.
وهذا مؤيد للقاعدة الاجتماعية الشهيرة وهي تنازع البقاء، وبقاء
الأصلح، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَدٍ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ
فِي الْأَرْضِّ﴾ [الرعد: ١٧/١٣].
وقد ساد هذا وصار سنة متبعة أيضاً في الماضين الأولين، فقال تعالى:
﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ
فَانْظُرْ كَيْفَ
٥٠
كَانَ عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَقَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ
[النمل: ٢٧ /٥٠-
٥١] أي أن الذين مكروا حفاظاً على نفوذهم ومراكزهم، لم يشعروا بأن عاقبة
مكرهم تحيق بهم، لجهلهم بسنن الله في خلقه: ﴿ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا
بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣/٣٥].
٣٨٠
لَزُرُ (٨) - الأَنْقال: ١٢٢/٦-١٢٣
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيتان على ما يأتي:
١ - المؤمن المهتدي كمن كان ميتاً فأحياه الله، فهو الذي ينعم بحق بالحياة
الصحيحة السوية المتكاملة المطمئنة؛ لأنه على بصيرة تامة بواقعه وعمله
وسيرته، وعلى معرفة دقيقة بدينه وما ينتظره من مستقبل حافل بالآمال
العذبة، والخيرات المغدقة، والنعيم الخالد.
والكافر الضال يعيش في الواقع في ظلمات بعضها فوق بعض، ظلمة
الكفر، وظلمة المنهج والطريق، وظلمة المستقبل الغامض، المحفّل بشتى ألوان
العذاب والضيق والحيرة والقلق والاضطراب.
٢ - سنة الله في الاجتماع البشري أن يكون النفوذ والسيطرة الأكابر
المجرمين، وقادة الفسق والعصيان، وأهل الانحراف الذين يعادون الرسل،
ويقاومون حركة الإصلاح في كل زمان.
ولكن العاقبة والفوز والفلاح في النهاية لأهل الحق والإيمان والاستقامة،
والخسارة والدمار ووبال المكر لأهل الكفر والضلال. وهذا من الله عز وجل
وهو الجزاء على مكر الماكرين بالعذاب الأليم، والحال أنهم لا يشعرون الآن،
لفرط جهلهم أن وبال مکرهم عائد إليهم.
كَانُواْ
لِلَّكْفِرِينَ مَا
زُیِّنَ
كَذَلِكَ
وقد أثار المفسرون بمناسبة قوله تعالى:
يَعْمَلُونَ﴾ مسألة الجبر والقدر، فقال أهل السنة: ذلك المزين هو الله تعالى؛
لأن كل فعل يتوقف على باعث له كائن بخلق الله تعالى، والباعث أو الداعي
له: عبارة عن علم أو اعتقاد أو ظن بأن الفعل مشتمل على نفع وصلاح،
وهذا الباعث هو التزيين، فإذا كان موجد هذا الباعث أو الداعي هو الله
تعالى، كان المزين لا محالة هو الله تعالى كما قال: ﴿زَيَّنَا لَهُمْ أَعْمَلَهُمْ﴾ [النمل:
٤/٢٧].