النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
الُ (٧) - الأَنْقَظُ: ٩١/٦-٩٢
البلاغة:
﴿مَا أَنزَلَ اَللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَىْءٍ﴾ مبالغة في إنكار نزول شيء من الوحي على
أحدٍ من الرسل.
﴿مَنْ أَنْزَلَ اُلْكِتَبَ﴾ استفهام للتوبيخ والتقريع.
﴿أُمَّ الْقُرَى﴾ مكة المكرمة، وفيه استعارة حيث شبهت بالأم؛ لأنها أصل
المدن والقرى.
المفردات اللغوية:
﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ﴾ أي ما عرفوا الله حق المعرفة، وما عظموه حق عظمته،
والضمير عائد إلى اليهود أو إلى مشركي قريش ﴿إِذْ قَالُواْ﴾ للنبيِ وَلِّ وقد
خاصموه في القرآن ﴿فَرَاطِيسَ﴾ واحدها قرطاس: وهو ما يكتب فيه من ورق
أو غيره، والمراد: يكتبون الكتاب في دفاتر مقطعة ﴿تُبْدُونَهَا﴾ أي ما يحبون
إبداءه منها ﴿وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ مما فيها كنعت محمد بَّه ﴿وَعُلِّمْتُم﴾ أيها اليهود
في القرآن ﴿مَّا لَمْ تَعْلَمُوْ أَنْتُمْ وَلَآ ءَابَاؤُكُمْ﴾ من التوراة ببيان ما التبس عليكم
واختلفتم فيه . ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أنزله إن لم يقولوه، لا جواب غيره ﴿فِي خَوْضِهِمْ﴾
باطلهم.
مُبَارَكٌ﴾ فيه بركة، أي زيادة وسعة، بارك الله فيه بما امتاز به عما قبله
من الكتب في النظم والمعنى ﴿مُّصَدِّقُ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قبله من الكتب ﴿ وَلِنُنْذِرَ
أُمَّ اُلْقُرَى﴾ مكة، سميت بذلك؛ لأنها قبلة أهل القرى كلها، ولأنها مكان أول
بيت وضع للناس، والفعل معطوف على معنى ما قبله، أي أنزلناه للبركة
والتصديق، ولتنذر به أم القرى: مكة، ومن حولها، أي سائر الناس ﴿ وَاُلَّذِينَ
يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ﴾ يصدّقون بالعاقبة ويخافونها ﴿يُؤْمِنُونَ بِةِ،﴾ بهذا الكتاب،
وذلك أن أصل الدين: خوف العاقبة، فمن خافها، لم يزل به الخوف حتى

٣٠٢
المُرُ (٧) - الْأَنْتُ: ٩١/٦-٩٢
يؤمن ﴿وَهُمْ عَلَى صَلَاتِمْ يُحَافِظُونَ﴾ خوفاً من عقاب الآخرة. وخص الصلاة؛
لأنها عماد الدين، ومن خافظ عليها حافظ على أخواتها.
سبب النزول:
نزول الآية (٩١):
﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل
من اليهود يقال له: مالك بن الصَّيْف، فخاصم النبي ◌ُّ، فقال له النبي ◌َّ:
((أنْشُدُك بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر
السَّمِين؟)) وكان حبراً سميناً، فغضب، وقال: ما أنزل الله على بشر من شيء،
فقال له أصحابه: ويحك، ولا على موسى، فأنزل الله: ﴿وَمَا قَدَرُوْ اَللَّهَ حَقَّ
قَدْرِهِةٍ ﴾ الآية. وهو خبر مرسل، وأخرج ابن جرير الطبري نحوه عن عكرمة.
وقال ابن عباس في رواية الوالبي: قالت اليهود: يا محمد، أنزل الله عليك
كتاباً؟ قال: نعم، قالوا: والله، ما أنزل الله من السماء كتاباً، فأنزل الله
تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ اُلْكِتَبَ الَّذِى جَآءَ بِهِ، مُوسَى نُورًّا وَهُدَى لِلنَّاسِّ﴾ ويؤيده
قول الحسن وسعيد بن جبير: الذي قال: ﴿مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ﴾ هو أحد
اليهود، قال: لم يُنزل الله كتاباً من السماء، وقال السدي: اسمه فنخاص.
وعن سعيد بن جبير أيضاً قال: هو مالك بن الصيف.
وقال محمد بن كعب القُرَظي: أمر الله محمداً وَ ليل أن يسأل أهل الكتاب عن
أمره، وكيف يجدونه في كتبهم، فحملهم حسد محمد أن كفروا بكتاب الله
ورسوله، وقالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء، فأنزل الله تعالى هذه
الآية(١).
(١) أسباب النزول للواحدي: ص ١٢٥ وما بعدها.

٣٠٣
الُ (٧) - الْأَنْيَا: ٩١/٦-٩٢
وذكر عن ابن عباس في رواية أخرى: أن آية: ﴿إِذْ قَالُواْ مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ عَلَى
بَشَرٍ مِّنْ شَىْءٌ﴾ يعني مشركي قريش. وهذا هو الراجح، كما سأبین.
المناسبة:
إن مدار أمر القرآن على إثبات التوحيد والنبوة والمعاد، ولما حكى تعالى عن
إبراهيم عليه السلام أنه ذكر دليل التوحيد، وإبطال الشرك، وأبان الله تعالى
ذلك الدليل بالوجوه الواضحة، شرع بعده في تقرير أمر النبوة، فقال: ﴿وَمَا
قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهٍ﴾ حيث أنكروا النبوة والرسالة، فهذا بيان وجه نظم هذه .
الآيات (١).
التفسير والبيان:
إن منكري الوحي الذين يكفرون برسل الله: وهم إما قريش أو طائفة من
اليهود، كما ذكر في سبب النزول، ما عرفوا الله حق معرفته وما عظموه حق
تعظيمه؛ إذ كذبوا رسله إليهم، وقالوا: ما أنزل الله كتاباً من السماء.
قال ابن كثير: والأول (أي نزولها في قريش) أصح؛ لأن الآية مكية،
واليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء، وقريش والعرب قاطبة كانوا
ينكرون إرسال محمد عليه؛ لأنه من البشر(٢)، كما قال: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا
أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنَذِرِ النَّاسَ﴾ [يونس: ٢/١٠] وقال عز وجل: ﴿وَمَا
مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَهُمُ الْهُدَى إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا (١٦) قُل
لَّوْ كَانَ فِىِ الْأَرْضِ مَلَبِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَيِنِينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَآءِ
[الإسراء: ٩٤/١٧-٩٥] وقال ههنا: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ
مَلَڪَا رَسُولًا
قَدْرِهِةِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنَزَلَ اَللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنْ شَىْءٌ﴾.
(١) تفسير الرازي: ٧٢/١٣
(٢) تفسير ابن كثير: ١٥٦/٢

٣٠٤
لُ (٧) - الْأَنْتُ: ٩١/٦-٩٢
والواقع أن من عرف الله حقيقة، وأدرك أنه القادر على كل شيء، والعالم
بكل شيء، ووسعت رحمته كل شيء، أيقن أن الإنسان بأشد الحاجة إلى
الكتاب الإلهي، والاهتداء بهدي الأنبياء والمرسلين، لإحراز السعادة
الأبدية، وتحقيق الرقي الإنساني مادة ومعنى، فقد كان البشر البدائیون فوضى،
والعالم يئن من الاضطراب والقلق، فكانت رسالة الرسل أداة تنظيم المجتمع،
وواسطة الرقي، وسبيل الإصلاح الاجتماعي والأخلاقي، والحد من غطرسة
الحاكم وظلم الفرد والجماعة، فمن أنكر رسالة الرسل ماعرف الله حق
المعرفة، ولا قدره حق قدره.
ثم ذكر الله الدليل الحسي على منكري الوحي والرسالة من مشركي قريش،
وأمر الله نبيه محمداً أن يقول لهم: من أنزل كتاب التوراة على موسى بن
عمران، الذي كان نوراً بدد الظلام، وهدى للناس الذين أخرجهم من
الضلال إلى نور الحق، وصاروا خلقاً آخر بسبب الاهتداء بهدي الله، وأنتم
تعترفون بالتوراة إذا قلتم: ﴿لَوْ أَنَّآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِنَبُ لَكُنََّ أَهْدَى مِنْهُمَّ﴾
[الأنعام: ٦ / ١٥٧].
وقوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ هذا لليهود الذين أخفوا
صفة النبي ◌ّ وغيرها من الأحكام، والمعنى: تجعلون جملتها قراطيس أي
قطعاً تكتبونها من الكتاب الأصلي الذي بأيديكم، وتحرفون منها ما تحرفون،
وتبدلون منها ما تبدلون، وتقولون: هذا من عند الله، أي في كتابه المنزل،
وماهو من عند الله.
وإذا جرينا على أن الأصح في سبب نزول هذه الآية وهو كونها في مشركي
قريش، فيظهر إشكال، إذ كيف يكون الخطاب في أول الآية: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ
اُلْكِتَبَ﴾ لقريش، ونهايتها ﴿ تَجْعَلُونَهُ فَرَاطِيسَ﴾ لليهود؟
والجواب: إذا كان سبب النزول هو اليهود، فأول الآية وآخرها فيهم،

٣٠٥
الُرُ (٧) - الأَنْفَظُ: ٩١/٦-٩٢
وإذا كان سبب النزول هو مشركي قريش، فتأويل الآية: من أنزل التوراة على
موسى نوراً وهدى للناس، وقد كانت كذلك حتى غيروها وحرّفوها، ونسوا
حظاً كثيراً منها، وجعلوها قراطيس مقطعة، يبدونها عند الحاجة، فإذا استفتي
أحد أحبارهم (علمائهم) في مسألة، أظهر منها ما يتفق مع هواه، وأخفى
كثيراً من أحكام الكتاب، والسبب أن الكتاب محجور عليه بأيديهم، ولم يكن
في أيدي العامة نسخ منه، وهذا الإخفاء محصور فيما تذكروه، لا ما نسيه
متقدمو اليهود من الكتاب بضياعه عند تخريب بيت المقدس، وإجلاء اليهود
إلى العراق، وهو ما أشار إليه تعالى بقوله: ﴿وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ﴾
[المائدة: ١٣/٥] ثم كرر ذلك في الآية التالية بعدها فقال: ﴿فَنَسُواْ حَظًا﴾ وقد
كتموا صفة النبي ◌َّر، والبشارة به، وحكم الزنى وهو الرجم.
فأنتم أيها المشركون لا تثقوا بأقوال اليهود أشد أعداء النبي
وهذا المعنى منسجم مع قراءة (يجعلونه) بالياء، أما على قراءة ﴿تَجْعَلُونَهُ﴾
بالتاء، فيكون الله قد أمر نبيه ولا أن يقرأ هذه الآية على اليهود وغيرهم
بالخطاب لهم.
قال مجاهد: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ اَلْكِتَبَ الَّذِى جَآءَ بِهِ، مُوسَى﴾
خطاب للمشركين، وقوله: (يجعلونه قراطيس) لليهود، وقوله: ﴿وَعُلِّمْتُم مَّا
لَمْ تَعْلَمُواْ﴾ للمسلمين.
قال القرطبي: وهذا يصح على قراءة من قرأ (يجعلونه قراطيس) بالياء.
والوجه على قراءة التاء أن يكون كله لليهود، ويكون معنى ﴿وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ
تَعْلَمُّواْ﴾ على وجه المنّ عليهم بإنزال التوراة.
والخلاصة: أن الآية ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ﴾ إن كانت واردة في حق قریش، فیمکن
جعل أولها فيهم، وآخرها في اليهود، على قراءة الياء (يجعلونه). وأما على
قراءة التاء فلا تفهم إلا بجعلها كلها لليهود.

٣٠٦
الجُرُ (٧) - الْأَنْظُ: ٩١/٦-٩٢
وقوله: ﴿وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُّوْ أَنْتُمْ وَلَآ ءَابَاؤُكُمْ﴾ الخطاب: إما في حق
العرب، كما قال مجاهد: هذا خطاب للعرب، وفي رواية عنه: للمسلمين،
ومآلهم واحد، لأن ماعلمه العرب نقلوه إلى سائر المسلمين. وكما قال قتادة:
هؤلاء مشركو العرب، والمعنى: وعلمكم الله بالقرآن من أخبار السابقين،
وأنباء اللاحقين، مالم تكونوا تعلمون ذلك، لا أنتم ولا آباؤكم. وفي ذلك
امتنان من الله على الرسول ◌َ ﴿ والمسلمين بإنزال هذا القرآن عليهم لبيان
أصول الاعتقاد مع الدليل، وإتمام مكارم الأخلاق، وتشريع العبادات لتزكية
النفوس وتطهيرها، والمعاملات لنفع الأفراد والجماعات، وتقرير أصول
الحياة كالحرية والكرامة الإنسانية والمساواة بين الناس، فلا فضل لأحد على
آخر إلا بالتقوى أو بالعمل الصالح.
وقال الزمخشري وغيره: الخطاب في هذه الآية: ﴿وَعُلِّمْتُم﴾ لليهود، أي
علمتم على لسان محمد ◌َّ مما أوحى الله إليه مالم تعلموا أنتم مع أنكم حملة
التوراة، ولم تعلمه آباؤكم الأقدمون الذين كانوا أعلم منكم، كقوله تعالى:
﴿إِنَّ هَذَا اُلْقُرْءَانَ يَقُصُّ عَلَى بَنِيّ إِسْرَغِيلَ أَكْثَرَ الَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
[النمل: ٧٦/٢٧]. وأضاف الزمخشري بصيغة التضعيف قائلاً: وقيل: الخطاب
لمن آمن من قريش، كقوله تعالى: ﴿لِنُنذِرَ قَوْمًا مَآ أُنْذِرَ ءَابَاؤُهُمْ﴾ [يس: ٣٦/
٦](١).
وعلى رأي الزمخشري يكون المقصود المنّ على اليهود بإنزال التوراة فيهم.
ثم قال الله لنبيه: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أي قل یا محمد: الله أنزل الكتاب على موسى،
وهذا الكتاب عَلَيَّ، أو قل: الله علمكم الكتاب، قال ابن عباس: أي قل:
الله أنزله. قال ابن كثير: وهذا الذي قاله ابن عباس هو المتعين في تفسير هذه
الكلمة.
(١) الكشاف: ٥١٦/١

٠%
الجُ (٧) - الْأَنْتَهَا: ٩١/٦-٩٢
٣٠٧
﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِ خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ أي ثم دعهم واترکھم في جهلهم وضلالهم
يلعبون، حتى يأتيهم من الله اليقين (الموت) فسوف يعلمون، ألهم العاقبة، أم
لعباد الله المتقين؟!
ثم حدد تعالى مهمة القرآن فقال: ﴿وَهَذَا كِتَكُ﴾ أي وهذا القرآن كتاب
أنزلناه، يهدي إلى الحق وإلى سواء السبيل، كما أنزلنا من قبله التوراة على
موسى، وقد جعلناه كثير البركة والخير، ومؤيداً لما تقدمه من الكتب، ومهيمناً
عليها، يبشر بالجنة والثواب والمغفرة مَنْ أطاع الله، وينذر بالنار والعقاب مَنْ
عصى الله، ولينذر أهل أم القرى: مكة، ومن حولها من سائر الناس، أي من
أحياء العرب ومن سائر طوائف بني آدم من عرب وعجم، كما قال تعالى في
آية أخرى: ﴿قُلْ يَتَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:
٧/ ١٥٨] وقال: ﴿لِأَنْذِرَّكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩/٦] وقال: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ،
مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧/١١] وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِىِ نَّلَ الْفُرْقَانَ
عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا
[الفرقان: ١/٢٥] وقال: ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ
أُوتُواْ الْكِتَبَ وَالْأُمِنَ ءَ أَسْلَمْتُمَّ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَوْاْ وَإِن تَوَلَّوْ فَإِنَّمَا
عَلَيْكَ الْبَلَغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠/٣]. وثبت في الصحيحين أن
رسول الله وَ﴿ قال: ((أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي)) وذكر
منهن: ((وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة)).
ولهذا قال: ﴿ وَاَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِّ﴾ أي كل من آمن بالبعث
والمعاد وقيام الساعة أو اليوم الآخر يؤمن ويصدق بصحة هذا الكتاب المبارك
الذي أنزلناه إليك يا محمد، وهو القرآن. هؤلاء المؤمنون هم الذين يحافظون
على صلواتهم، أي يقيمون ما فرض عليهم من أداء الصلوات في أوقاتها،
ويسرعون إلى كل أمر آخر أمروا به.
٠٠

٣٠٨
الُ (٧) - الْأَنْقُل: ٩١/٦-٩٢
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على مايأتي:
١ - تعظيم الله واجب، ومن مقتضى تعظيمه الاعتراف بإنزاله الكتب
السماوية على أنبيائه، رحمة بعباده، وإصلاحاً لشأنهم.
٢ - الواجب على العالم إظهار جميع ماعلمه من أحكام الله، ويحرم عليه
إظهار بعضها، وإخفاء بعضها الآخر.
٣ - إن إيراد نبوة موسى عليه السلام لإلزام كفار قريش في قولهم: ﴿مَآ
أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنْ شَىْءٍ﴾.
٤ - اللفظ وإن كان مطلقاً بحسب أصل اللغة إلا أنه قد يتقيد بحسب
العرف أي بالواقعة التي ذكر فيها أن الله يبغض الحبر السمين، ثم يكون المراد:
العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ولما كان كفار قريش واليهود والنصارى مشتركين في إنكار نبوة محمد عليه
الصلاة والسلام، لم يبعد أن يكون الكلام الواحد وارداً على سبيل أن يكون
بعضه خطاباً مع كفار مكة، وبقيته يكون خطاباً مع اليهود والنصارى(١).
٥ - القرآن الكريم كتاب مبارك كثير الخير والعطاء، مصدق لما تقدمه من
الكتب السماوية في صورتها الأصلية الصحیحیة، ومهیمن علیها، وناسخ لما
خالفه منها، ومبشر المحسنين بالجنة والمغفرة، ومنذر الكافرين والفاسقين بالنار
والعذاب فيها.
٦ - أفادت الآية كغيرها مما ذكر عموم بعثة النبي ◌َّ للجن والإنس،
جميع أجناس البشر والطوائف والأقوام، دون تفرقة ولا تمييز بين جنس
وآخر، أو عنصر وآخر، أو زمن أو مكان دون غيره.
(١) تفسير الرازي: ٧٦/١٣

٣٠٩
الْجُرُ (٧) - الْأَنْفَظُ: ٩٣/٦-٩٤
٧ - الإيمان بالآخرة أصل الدين، ومن آمن بها آمن بالقرآن. والصلاة
عماد الدين، ومن أقامها أقام الدين كله، ومن هدمها هدم الدين كله.
افتراء الكذب على الله وعقابه
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ أَفْتَى عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْجِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ وَمَنْ
قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الظَّالِمُونَ فِ غَمَرَتِ اٌلْوَّتِ وَالْمَلَئِكَةُ
بَسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمْ أَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ أَلْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ
وَلَقَدْ حِثْتُمُونَا فُرَدَى كَمَا
٩٣
عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَتِهِ، تَسْتَكْبُونَ
خَلَقْتَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَكْتُم ◌َّا خَوَّلْتَلَكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ
الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِكُمْ شُرَّكَوْ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنَكُم ◌َّا كُنْتُمْ
٩٤٦
تَزْعُمُونَ
القراءات:
﴿جِئْتُمُونَا﴾ :
وقرأ السوسي وحمزة وقفاً: (جِيتُمُونا).
بَيْنَكُمْ﴾ : قرئ:
١- (بينكم) وهي قراءة نافع، وحفص، والكسائي.
٢- (بينكم) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
( وَالْمَلَئِكَةُ بَاسِطُوْ أَيْدِيهِمْ﴾: جملة اسمية في موضع نصب على الحال من
(الظالمين). والهاء والميم في ﴿أَيْدِيهِمْ﴾: تعود على ﴿وَالْمَلَئِكَةُ﴾.
و ﴿أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ﴾: جملة فعلية في موضع نصب بفعل مقدر،

٣١٠
الُ (٧) - الْأَنْظُ: ٩٣/٦-٩٤
تقديره: يقولون: أخرجوا أنفسكم، فحذف (يقولون) وحذف القول في
كلامهم كثير. و﴿اَلْيَوْمَ﴾ منصوب بأخرجوا، وقيل: بتُجْزَوْن.
﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَى﴾: فرادى: في موضع نصب على الحال من الضمير
المرفوع في ﴿جِئَّتُمُونَا﴾ ولا ينصرف لأن في آخره ألف التأنيث.
والكاف في ﴿كَمَا﴾ في موضع نصب؛ لأنها وصف لمصدر محذوف،
تقديره: ولقد جئتمونا منفردين مثل حالكم أول مرة.
﴿لَقَد ◌َّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ منصوب على الظرف، تقديره: لقد تقطع ما بينكم،
على أن تكون ((ما)) نكرة موصوفة، ويكون ﴿بَيْنَكُمْ﴾ صفته، فحذف
الموصوف، ولا تكون موصولة على مذهب البصريين؛ لأن الاسم الموصول لا
يجوز حذفه، وأجازه الكوفيون.
البلاغة:
﴿فِ غَمَرَتِ اٌلْوَّتِ﴾: استعارة حيث شبه ما يعتورهم من كُرب الموت
وغصصه بالذین تتقاذفهم غمرات الموت وججه.
المفردات اللغوية:
﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ لا أحد أظلم ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ اختلق الكذب وحكى
عنه مالم يقله، بادعاء النبوة مثلاً ولم ينبأ، أو اتخاذ الأنداد والشركاء . ﴿وَمَن
قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزَلَ اُللَّهُ﴾ وهم المستهزئون قالوا: لو نشاء لقلنا مثل هذا
﴿ وَلَوْ تَرَىّ﴾ يا محمد ﴿فِ غَمَرَتِ اُلْوَّتِ﴾ سكرات الموت، جمع غمرة وهي
الشدة. ﴿ وَاُلْمَلَئِكَةُ بَاسِطُوْ أَيْدِيِهِمْ﴾ إليهم بالضرب والتعذيب، يقولون لهم
تعنيفاً: ﴿أَخْرِجُوَاْ أَنفُسَكُمٌ﴾ إلينا لنقبضها ﴿اَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾ المراد به هنا:
يوم القيامة الذي يبعث فيه الناس للحساب والجزاء. وأصل اليوم: الزمن
المحدود المعروف (٢٤ ساعة) ﴿عَذَابَ اُلْهُونِ﴾ الهوان وهو الذل، ومنه قوله

٣١١
المُرُ (٧) - الْأَنْظُل: ٩٣/٦-٩٤
تعالى ﴿أَيُّمْسِكُهُ, عَلَى هُونٍ﴾ [النحل: ٥٩/١٦] والهَوْن بالفتح: اللين والرفق،
ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا﴾ [الفرقان: ٦٣/٢٥]. ﴿تَقُولُونَ
عَلَى اللَّهِ غَيْرَ اُلْحَقِّ﴾ بادعاء النبوة والإيحاء كذباً ﴿تَسْتَكْبِرُونَ﴾ تتكبرون عن
الإيمان بها. وجواب ﴿وَلَوْ تَرَىّ﴾: لرأيت أمراً فظيعاً.
﴿فُرَدَى﴾ جمع فرد، أي منفردين عن الأهل والمال والولد ﴿كَمَا خَلَقْنَكُمْ
أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي حفاة عراة غرلاً ﴿خَّلْنَكُمْ﴾ أعطيناكم ومنحناكم من
الأموال، والخول: الخدم والحشم. وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم: يراد
به عدم الانتفاع بالشيء، وتركه في الدنيا بغير اختياركم ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ
شُفَعَآءَكُمُ﴾ أي الأصنام، يقال لهم ذلك توبيخاً ﴿﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيَكُمْ﴾ أي
استحقاق عبادتكم ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ بالضم أي وصلكم، أي تشتت
جمعكم، وفي قراءة النصب: ظرف، أي وصلكم بينكم. والبين: الصلة،
والمسافة بين شيئين أو أشياء، ويضاف إلى المثنى مثل: ﴿فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ
أَخَوَيَّكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠/٤٩] وإلى الجمع مثل: ﴿أَوْ إِصْلَجِ بَيْنَ النَّاسَِّ﴾
[النساء: ١١٤/٤] ولا يضاف إلى المفرد إلا إذا كرر نحو: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِى
وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨/١٨].
﴿وَضَلَّ عَنكُمْ﴾ أي غاب عنكم ﴿مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ في الدنيا من
شفاعتها.
سبب النزول:
نزول الآية (٩٣):
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾: أخرج ابن جرير الطبري عن عكرمة في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ
مِمَّنِ أَفْتَرَ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ قال: نزلت في مسيلمة. ومن قال: ﴿سَأَنْزِلُ مِثْلَ مَآ
أَنزَلَ اللَّهُ﴾ قال: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، كان يكتب للنبي وَّل

٣١٢
الُمْعُ (٧) - الأَنْدَعَل: ٩٣/٦-٩٤
فيملي عليه: ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فيكتب: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ثم يقرأ عليه،
فيقول: نعم سواء، فرجع عن الإسلام ولحق بقريش.
وأخرج الطبري عن السدي نحوه، وزاد قال: إن کان محمد یوحى إليه،
فقد أُوحي إلي، وإن كان الله ينزله، فقد أنزلت مثل ما أنزل الله، قال محمد:
سميعاً عليماً، فقلت أنا: عليماً حكيماً.
نزول الآية (٩٤):
﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَى﴾: أخرج ابن جرير وغيره عن عكرمة قال: قال
النضر بن الحارث: سوف تشفع إلي اللات والعزى، فنزلت هذه الآية:
﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَىْ كُمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَّكْتُم ◌َّا خَوَّلْنَكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ
وَمَا نَرَىْ مَعَّكُمْ شُفَعَآءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَهُمْ فِيَكُمْ شُرَكَوْاْ﴾.
المناسبة:
الآيات استمرار في إثبات النبوة، فلما بيَّن الله تعالى أن القرآن كتاب نازل
من عند الله على محمد، وأنه مثل التوراة التي يعترفون بإنزالها على موسى، وكل
من النبيين بشر، ذكر عقيبه ما يدل على وعيد من ادعى النبوة والرسالة، على
سبيل الكذب والافتراء، فقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ اُفْتَى عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا﴾ الآية،
وهذا الوعيد يتضمن الشهادة بصدق النبي وَلير؛ لأن نفي النبوة عن مدعيها
إثبات لمن أعطيها حقاً؛ لأن محمداً عليه السلام مؤمن بالله واليوم الآخر،
والمؤمن بذلك لا يعرّض نفسه للظلم الذي يوجب أشد العذاب، ففي ذلك
شهادة ضمنية للنبي وَّر، حيث بيّن عاقبة الكذب على الله.
التفسير والبيان:
لا أحد أظلم ممن كذب على الله، فجعل له شريكاً أو ولداً، أو ادعى
النبوة والرسالة، ولم يرسله الله إلى الناس.

٣١٣
المُ (٧) - الأَنْظُ: ٩٣/٦-٩٤
أو قال: أوحي إلي ولم يوح إليه شيء، والفرق بين هذا القول وبين ما
قبله: أن في الأول كان يدعي أنه أوحي إليه، وأما في هذا القول فقد أثبت
الوحي لنفسه، ونفاه عن محمد عليه الصلاة والسلام، ففيه جمع بين كذبين:
وهو إثبات ما ليس بموجود ونفي ماهو موجود.
أو قال: ﴿سَأُِلُ مِثْلَ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾ أي أنه قادر على إنزال مثل ما أنزل الله
على رسوله، كمن قال من المشركين: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال:
لا
٣١/٨].
هذا وعيد من صدر عنه أحد الأشياء الثلاثة، أما القولان الأولان (افتراء
الكذب على الله، وادعاء الوحي) فالمراد بهما: من ادعى النبوة، مثل مُسَيْلمة
الكذاب صاحب اليمامة، والأسود العَنْسي في صنعاء باليمن، وطُلَيْحة
الأسدي في بني أسد ونحوهم، وكان مسيلمة يقول: محمد رسول قريش، وأنا
رسول بني حنيفة.
والقول الثالث أريد به ما قاله النضر بن الحارث الذي قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ
لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ وكان يقول في القرآن: إنه من أساطير الأولين، وإنه شعر،
لو نشاء لقلنا مثله.
ثم ذكر تعالى نوع وعيد الظالمين أمثال هؤلاء فقال: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ
اُلِّلِمُونَ﴾ أي ولو تبصر أيها الرسول وكل سامع وقارئ حين يكون الظالمون
في سكرات الموت وغمراته وكرباته أو شدائده وآلامه، لرأيت أمراً عجباً
عظيماً فظيعاً لا سبيل إلى وصفه، والحال أن الملائكة قد بسطت أيديها إليهم
لقبض أرواحهم بالضرب ومنتهى الشدة والعنف، كما قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ
ينَ﴾ [محمد: ٢٧/٤٧].
إِذَا تَوَقَّتْهُمُ الْمَلَتَبِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ
وتقول لهم الملائكة توبيخاً وتأنيباً وتهكماً حين قبض أرواحهم: أخرجوا
أنفسكم وأرواحكم إلينا من أجسادكم، وهذا دليل العنف والتشديد في إزهاق

٣١٤
الُرُ (٧) - الأَنْقَمَا: ٩٣/٦-٩٤
الروح من غير إمهال. وسبب ذلك أن الكافر إذا احتضر بشرته الملائكة
بالعذاب والنكال والجحيم وغضب الله، فتتفرق روحه في جسده وتأبى
الخروج، فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم قائلين لهم:
﴿اَلْيَوْمَ تُّجْزَوْنَ عَذَابَ اُلْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣/٦].
أي اليوم تهانون غاية الإهانة، کما كنتم تكذبون على الله، وتستكبرون عن
اتباع آياته، والانقياد لرسله، فلا تؤمنون بالآيات والرسل، وتفترون على الله
غير الحق. والمراد باليوم: وقت الإماتة وما يعذبون به من شدة النزع، ويجوز
أن يراد به: الوقت الممتد المتطاول الذي يلحقهم فيه العذاب في البرزخ
والقيامة. والهون: الهوان الشديد، وإضافة العذاب إليه كقولك: رجلُ سوءٍ،
يريد العراقة في الهوان والتمكن فيه.
قال الزمخشري في قوله: ﴿وَاُلْمَلَئِكَةُ بَاسِطُوْ أَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٩٣/٦]:
هذه عبارة عن العنف في السياق والإلحاح والتشديد في الإزهاق من غير
تنفيس وإمهال، وأنهم يفعلون بهم فعل الغريم (الدائن) المسلّط، يبسط يده إلى
من عليه الحق، ويعنف عليه في المطالبة ولا يمهله، ويقول له: أخرج مالي
عليك الساعة، ولا أريم (أبرح) مكاني حتى أنزِعه من أحداقك(١).
ثم يقول الله تعالى لهم: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَى﴾ أي ولقد أتيتمونا منفردين
عن الأنداد والشركاء والأولياء والشفعاء، وعن الخدم والأملاك والأموال،
كما خلقناكم أولاً من بطون أمهاتكم حفاة عُراة غُرْلاً (غير مختونين)، وتركتم
ما أعطيناكم من مال وولد وخدم وأثاث وقصور وغيرها من النعم والأموال
التي اقتنيتموها في الدنيا وراء ظهوركم، ولم تنتفعوا بها هنا، إذ أنها لم تغن
عنكم شيئاً.
(١) الكشاف: ١/ ٥١٧

٣١٥
الُ (٧) - الْأَنْقَال: ٩٣/٦-٩٤
ولا منافاة بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ
اُلْقِيَامَةِ﴾ [البقرة: ١٧٤/٢] لأن المراد: لا يكلمهم تكليم تكريم ورضا. وتتمة
الكلام تقريع لهم وتوبيخ على ما كانوا اتخذوا في الدنيا من الأنداد والأصنام
والأوثان، ظانين أنها تنفعهم في معاشهم ومعادهم، فقال: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ
شُفَعَآءَ كُمُ﴾ أي وما نبصر معكم شفعاءكم من الأصنام الذين زعمتم أنها
شفعاؤکم وشرکاء لله.
· لقد تقطع بينكم، أي لقد تقطع يوم القيامة ما كان بينكم من صلة الولاء
والتعاطف والأسباب والوسائل، والصلات والصداقات، أي وقع التقطع
بينكم، وانزاح الضلال، وغاب وذهب عنكم ما كنتم تفترونه من شفاعة
الشفعاء، ونداء الأوثان والشركاء، ورجاء الأصنام، ويناديهم الرب جل
جلاله على رؤوس الخلائق: ﴿أَيْنَ شُرَّكَآءِىَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص:
٦٢/٢٨] ويقال لهم: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُ أَوْ يَنَصِرُونَ
(٩)﴾ [الشعراء: ٩٢/٢٦-٩٣].
والمراد بقوله: ﴿أَنَّهُمْ فِيَكُمْ شُرَّكَوْاْ﴾ أي في استعبادكم، واستحقاق
عبادتكم، والعبادة لهم فيكم؛ لأنهم حين دعوهم آلهة وعبدوها، فقد جعلوها
لله شركاء فيهم وفي استعبادهم.
والمقصود من الكلام في الجملة: إن آمالكم خابت في كل ما تزعمون
وتتوهمون، فلا فداء ولا شفاعة، ولا سبيل لدفع عذاب الله عنكم: ﴿يَوْمَ لَا
[الانفطار: ١٩/٨٢].
١٩
تَمْلِكُ نَفْسُ لِنَفْسِ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَؤْمَِذٍ لِلَّهِ
فقه الحياة أو الأحكام:
إن أعظم الفرى أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك، أو تفتري على الله كذباً
فتدعي النبوة والوحي، أو تنفي النبوة عن النبي، كمحمد بَيقول، أو تزعم
القدرة على إنزال مثل ما أنزل الله.

٣١٦
الُُ (٧) - الْأَنْتَّمَا: ٩٣/٦-٩٤
قال القرطبي: ومن هذا النمط: من أعرض عن الفقه والسنن وما كان
عليه السلف من السنن، فيقول: وقع في خاطري كذا، أو أخبرني قلبي بكذا ؛
فيحكمون بما يقع في قلوبهم ويغلب عليهم من خواطرهم، ويزعمون أن ذلك
لصفائها من الأكدار، وخلوّها من الأغيار، فتتجلى لهم العلوم الإلهية
والحقائق الربانية، ويقولون: هذه الأحكام الشرعية العامة، إنما يحكم بها على
الأغبياء والعامَّة، وأما الأولياء وأهل الخصوص، فلا يحتاجون لتلك
النصوص.
وقد جاء فيما ينقلون: استفت قلبك وإن أفتاك المفتون؛ ويستدلون على
هذا بالخَضِر، وأنه استغنى بما تجلّ له من تلك العلوم، عما كان عند موسى
من تلك الفهوم. وهذا القول زندقة وكفر، يقتل قائله ولا يستتاب، ولا يحتاج
معه إلى سؤال ولا جواب؛ فإنه يلزم منه هدّ الأحكام، وإثبات أنبياء بعد نبينا
◌َ (١).
ومما نحمد الله عليه أن أسطورة المتنبئين قد انتهت في بطون التاريخ، ولم
يكتب لها البقاء؛ إذ ليس لها مقومات الحياة.
ودلت الآية على أن قبض روح الكافر في منتهى الشدة والعنف، وأما قبض
روح المؤمن فيكون في يسر وسهولة، كما دلت الأحاديث المتواترة عن أبي
هريرة وغيره؛ لأن روح المؤمن تَنْشَط للخروج للقاء الله، وروح الكافر تُنْتَزَعُ
انتزاعاً شديداً، ويقال: أيتها النفس الخبيثة اخرجي ساخطة مسخوطاً عليك
إلى عذاب الله وهوانه، كما قال رسول الله - * فيما رواه أحمد والشيخان
والبيهقي عن أبي موسى الأشعري: ((من أراد لقاء الله أراد الله لقاءه، ومن كره
لقاء الله كره الله لقاءه)).
(١) تفسير القرطبي: ٣٩/٧

٣١٧
لُزُ (٧) - الْأَنْظُ: ٩٣/٦-٩٤
ولا تنفع الأملاك والأموال ونعم الدنيا يوم الآخرة، ثبت في الصحيح أن
رسول الله ير قال: ((يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما
أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت، وما سوى ذلك
فذاهب، وتاركه للناس)). فالأموال التي اكتسبها، وأفنى عمره في تحصيلها
تبقى وراء ظهره، وما يبقى وراء الظهر لا ينتفع به: ﴿وَرَّكَّتُم مَّا خَوَّلْنَكُمْ وَرَآءَ
ظُهُورِكُمْ﴾.
كذلك لا نفع في الشركاء والأصنام المعبودين من دون الله، فكلها لا أثر
لها في القيامة بين يدي الله والحساب: ﴿وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أي
ذهب ما تكذبون به في الدنيا. روي أن الآية نزلت في النضر بن الحارث.
وروى مسلم أن عائشة رضي الله عنها قرأت قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا
فُرَدَىْ كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فقالت: يا رسول الله، وَاسَوْءتاه! إن الرجال
والنساء يحشرون جميعاً، ينظر بعضهم إلى سوءة بعض؟ فقال رسول الله واله :
[عبس: ٣٧/٨٠] لا ينظر الرجال إلى
((﴿لِكُلِّ أَمْرِيٍ مِّنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأْنٌ يُغْنِهِ
النساء، ولا النساء إلى الرجال، شُغِل بعضهم عن بعض).

٣١٨
الجُ (٧) - الأَنْشَا: ٩٥/٦-٩٩
قدرة الله الباهرة في الكون
: إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىِّ يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَنُخْرِجُ الْمَيْتِ مِنَ الْحَىّ
ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَى تُؤْفَكُونَ ﴿٥ فَالِقُ اُلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ أَلَّيْلَ سَكَنَا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴿ وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِهْتَدُواْ بِهَا فِ
فُلْتُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِّ قَدْ فَصَلْنَا الْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿ وَهُوَ الَّذِىّ أَنْشَأَكُمْ مِّن
نَّفْسِ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌ وَمُسْتَوَدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا اُلْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ﴿ وَهُوَ الَّذِىّ
أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَةَ فَأَخَْجْنَا بِهِ، نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا أُخْرِجُ مِنْهُ
حَبّا مُتَرَاحِكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ
وَالرُّمَانَ مُشِّتَبِهَا وَغَيْرَ مُتَشَهِّةٍ أَنْظُرُوْ إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ: إِنَّ فِى ذَلِّكُمْ
٩٩
لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
القراءات:
﴿اَلْمَيِّتِ﴾ : قرئ:
١- (المَيْت) وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر.
٢- (الميِّت) وهي قراءة الباقين.
{ تُؤْفَكُونَ﴾ :
وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً: (توفكون).
﴿وَجَعَلَ أَلَّيْلَ﴾: قرئ:
١- (وجعلَ الليلَ) وهي قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (وجاعلُ الليلِ) وهي قراءة الباقين.
﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ : قرئ:

٣١٩
الُ (٧) - الْأَنْفُ: ٩٥/٦-٩٩
١- (فمستقِرّ) وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو.
٢- (فمستقَرّ) وهي قراءة الباقين.
﴿مُتَشَبِّةٍ أَنْظُرُواْ﴾:
بكسر التنوين وصلاً قرأ أبو عمرو، وعاصم، وحمزة.
وقرأ الباقون بضمه وصلاً.
والجميع على ضم همز الوصل ابتداء.
﴿ إِلَى ثَمَرِيةٍ﴾ :
١- (إلى ثُمره) وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف.
٢٠- (إلى ثَمره) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿وَجَعَلَ اُلَّيْلَ سَكَنَا﴾ ﴿الَّيْلَ﴾: مفعول أول، و(سَكَنَا﴾: مفعول ثانٍ.
﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾: عطف على ﴿الَّيْلَ﴾، و﴿حُسْبَانًا﴾، أي: ذا حساب
هو مفعول ثانٍ. وقال السيوطي: هو حال من مقدر أي يجريان بحسبان، كما
في آية الرحمن.
ومن قرأ: (وجاعلُ الليلِ) أضاف اسم الفاعل إلى الليل، ويكون
(سَكَنَا﴾ منصوباً بتقدير فعل مقدر، تقديره: وجعل الليل سكناً. وكذلك
يكون: ﴿وَاُلشَّمْسَ وَاُلْقَمَرَ﴾ منصوبين بتقدير ﴿وَجَعَلَ﴾.
﴿فَيُسْتَقَرٌ وَمُسْتَوَعٌ﴾: مرفوعان بالابتداء، وخبرهما محذوف، وتقديره:
فمنكم مستقر، ومنكم مستودع، مستقر في الأرحام، ومستودع في الأصلاب.
﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلِعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾: أي فاستقر من النخل، ومِن
طَلْعِهَا﴾: بدل منه، أعني من النخل. و﴿قِنْوَانٌ﴾: مرفوع بقوله: ﴿مِن طَلِهَا﴾.
على قول من أعمل الثاني في نحو: قاما وقعد الزيدان، وهو مذهب البصريين.

٣٢٠
الُ (٧) - الْأَنْيَا: ٩٥/٦-٩٩
ومرفوع بقوله: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ﴾ على قول من أعمل الأول في نحو: قام وقعدا
الزيدان، وهو مذهب الکوفیین.
﴿وَجَنَّتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ﴾ بالنصب معطوف على قوله: ﴿تُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا
مُتَرَاكِبًا﴾ وبالرفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر، وتقديره: ولهم جنات.
﴿أَنْظُرُواْ إِلَى ثَمَرِهِةٍ﴾ اسم جنس، جمع ثمرة، كشجرة وشجر. ومن قرأه بالضم
((ثمره) جعله جمع ثمار، وثمار جمع ثمرة، فجعله جمع الجمع.
البلاغة:
﴿ يُخْرِجُ الْحَنَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ بينهما طباق ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَىّ﴾ فيه رد
العجز على الصدر.
﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ استفهام إنكاري بمعنى النفي أي لا وجه لصرفكم عن
الإيمان بعد قيام البرهان ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ فيه التفات عن الغيبة للاعتناء بشأن
المخرج والإشارة إلى عظم النعم ﴿ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَانَ﴾ عطف خاص على عام
لمزيد الشرف.
المفردات اللغوية:
﴿فَالِقٌ﴾ شاق، والفَلْق والفَرْق والفَتْق بمعنى واحد: وهو الشق في الشيء
مع الإبانة ﴿اٌلْحَبِّ﴾ الحنطة ونحوها مما يكون في السنبل والأكمام
﴿ وَالنَّوَىَّ﴾ جمع نواة، وهي بزر التمر والزبيب ونحوهما، والمعنى: إن الله
شاق الحب عن النبات والبزر عن النخل والكرمة ﴿ يُخْرِجُ الْخَنَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾
كالإنسان والطائر من النطفة والبيضة ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ﴾ النطفة والبيضة ﴿مِنَ
الْحَىّ﴾. ﴿ذَلِكُمْ﴾ الفالق المخرج هو ﴿اللَّهَ﴾ ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ فكيف تصرفون
عن الإيمان مع قيام البرهان.
﴿فَالِقُ اُلْإِصْبَاحِ﴾ أي شاق عمود ضوء الصبح (وهو أول ما يبدو من نور