النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ لُرُ (٧) - الأَنْقُم: ٦٨/٦ -٧٠ فإن تجنبوا مجالسة الخائضين، فلا يحاسبون على خوضهم، وبرئوا من عهدتهم، وتخلصوا من إثمهم. وقال آخرون (مجاهد والسدي وابن جريج): بل معناه: وإن جلسوا معهم، فليس عليهم من حسابهم من شيء، وزعموا أن هذا منسوخ بآية النساء المدنية وهي قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠/٤]. ﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ﴾ أي أمرناكم بالإعراض عنهم حينئذ تذكيراً وموعظة، لعلهم يتقون الخوض في آياتنا، ويذكرون الله. وعلى التفسير الثاني لمجاهد ومن وافقه: يكون المراد بهذه الآية: أمرناكم بالإعراض عنهم حينئذ تذكيراً لهم عما هم فيه، لعلهم يتقون ذلك، ولا يعودون إليه. وقال الزمخشري: ولكن عليهم أثناء مجالستهم أن يذكروهم ذكرى إذا سمعوهم يخوضون، بالقيام عنهم، وإظهار الكراهة لهم وموعظتهم، لعلهم يجتنبون الخوض حياء، أو كراهة لمساءتهم. وروي أن المسلمين قالوا: لئن كنا نقوم كلما استهزؤوا بالقرآن، لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام، وأن نطوف، فرخص لهم. ثم أكد الله تعالى ترك المستهزئين بقوله: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ أُمَّخَذُواْ دِينَهُمْ﴾ أي دع أيها الرسول ومن تبعك من المؤمنين وأعرض عن هؤلاء المشركين الذين يتلاعبون بدينهم بعبادة الأصنام، يصنعونها ثم يأكلونها، فقد أضاعوا عمرهم فيما لا يفيد وهذا هو اللعب، وشغلوا أنفسهم عن العمل المفيد وهذا هو اللهو، وغرتهم الدنيا الفانية، وآثروها على الحياة الباقية، واشتغلوا بلذات الدنيا الحقيرة، فخاضوا في آيات الله بدلاً عما كان يجب عليهم من فهمها وتدبرها وامتثالها. وهو كقوله تعالى: ﴿ذَرُهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ [الحجر: ٣/١٥]. ٣ اُلْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وذكّر الناس بالقرآن وعظهم به لئلا تحبس عن الخير، وتمنع في جهنم نفس بما عملت، وتسلم إلى الهلاك، وترتهن بعملها الذي صدر منها في الدنيا، ٢٦٢ الجُزُ (٧) - الأَنْقُ: ٦٨/٦ - ٧٠ إِلَّ أَصْحَبَ الْيَمِينِ كقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ٣٨/٧٤-٣٩]. @ [المدثر: ١٣٩ وقوله: ﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِىٌّ وَلَا شَفِيعُ﴾ أي والحال لا قريب ولا أحد يشفع فيها، ولا ناصر ينصرها، كقوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعِ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨/٤٠] وقوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ وَاَلْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤/٢]. وكما لا تنفع الشفاعة والوساطة، لا ينفع بذل الفداء: ﴿وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَاً﴾ أي وإن بذلت كل فداء أو مبذول، ما قُبل منها، كقوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسِ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَعَةٌ وَلَا هُمْ يُصَرُّونَ (َ﴾ [البقرة: ١٢٣/٢]. وهذا إبطال لمبدأ من مبادئ الوثنية: وهو رجاء النجاة في الآخرة كما في الدنيا بتقديم الفدية لله تعالى، أو بشفاعة الشفعاء ووساطة الوسطاء عند الله تعالی. وهذا الإبسال والإهلاك والعذاب في النار كان بسوء صنعهم، قال تعالى: ﴿أُوْلَكِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ﴾ [الأنعام: ٦/ ٧٠] أي أولئك المتخذون دينهم لعباً ولهواً هم الذين جوزوا وعذبوا بسبب عملهم في الدنيا، وجزاؤهم شراب من حميم، أي ماء شديد الحرارة يحرق البطون ويقطع الأمعاء، كقوله تعالى: ﴿ وَسُقُواْ مَآءَ حَيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَ هُمْ﴾ [محمد: ١٥/٤٧]. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات الكريمة إلى ما يلي: اً - وجوب الإعراض عن مجالس المستهزئين بالقرآن أو بالنبي أو بأحكام الإسلام، ومجالس المتأولين آيات القرآن بغير حق، وتحريفها عن مواضعها. ٢٦٣ الُ (٧) - الْأَنْقُ: ٦٨/٦ -٧٠ قال ابن خُوَيْزَ مَنْداد: من خاض في آيات الله، تركت مجالسته وهُجر، مؤمناً كان أو كافراً. ◌َ - إذا علم الرجل من الآخر منكراً، وعلم أنه لا يقبل منه وعظاً ولا نصحاً، فعليه أن يعرض عنه إعراض منكر ولا يُقبل عليه، كما قال القرطبي(١). ◌َّ - قال ابن العربي: وهذا دليل على أن مجالسة أهل الكبائر لا تحلّ(٢). ومنع المالكية الدخول إلى أرض العدو ودخول كنائسهم والبيع، ومجالسة الكفار وأهل البدع، وألا تعتقد مودّتهم، ولا يسمع كلامهم ولا مناظرتهم(٣). ٤ - لا يطرأ النسيان أصلاً على الأنبياء فيما يجب عليهم تبليغه من أحكام الشرع؛ لعصمتهم عن ذلك، وإنما يمكن طروء النسيان عليهم في الأمور العادية، كالسهو أثناء الصلاة ونحو ذلك. وليس النسيان من قبيل وجود السلطة والتصرف من الشيطان على الإنسان، فتسلطه محصور في المشركين والكافرين، لا في المؤمنين. ٥ - الأظهر أن آية ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَنَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ﴾ ليست منسوخة، ومعناها الدائم: ليس عليكم شيء من حساب المشركين، وعليكم بتذكيرهم وزجرهم، فإن أبوا فحسابهم على الله. أَ - الاستهزاء في الدين ليس مسؤَّغاً في أي شرع أو ملة، والمستهزئون ما هم إلا لاعبون لاهون غرتهم الحياة الدنيا أي لم يعلموا إلا ظاهراً من الحياة الدنيا، وإن تأصل الكفر فيهم أفسد عليهم فطرتهم، فحجب عنهم كل خير. (١) تفسير القرطبي: ١٢/٧ (٢) أحكام القرآن للقرطبي: ٧٣١/٢ (٣) تفسير القرطبي: ١٣/٧ ٢٦٤ الجُرُ (٧) - الأَنْتُ: ٧١/٦-٧٣ اً - القرآن خير مذكر للإنسان من تعريض نفسه للهلاك والعذاب في نار جهنم، والمسلم الحق: من اتخذ القرآن إماماً وسنة النبي ◌َّ منهجاً، لا من اغتر بالأماني والأوهام. ٨ - لا يقبل في الآخرة فداء ولا نصرة ناصر ولا شفاعة شفيع إلا بإذن الله وإرادته، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَيِّدٍ لَّا نَنَفَعُ الشَّفَعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ [طه: ١٠٩/٢٠] وقوله: ﴿ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ، إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ قَولا لهُ﴾ [سبأ: ٢٣/٣٤] وقوله: ﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨/٢١]. مزايا الإيمان بالله ومخازي الشرك ﴿قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىَّ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَنَا اَللَّهُ كَالَّذِى أَسْتَهْوَتُهُ الشَّيَطِينُ فِى الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ: أَصْحَبٌ يَدْعُونَهُ إِلَى اُلْهُدَى أَثْتِنَأْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ اُلْهُدَىّ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ وَهُوَ الَّذِى وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَلَوَةَ وَأَتَّقُوَةً وَهُوَ الَّذِىَّ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ اُلْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِىِ الصُّورِّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ٧٣ القراءات: ﴿ أَسْتَهْوَتْهُ﴾ : وقرأ حمزة: (استهواه) مع الإمالة. ﴿ اَلْهُدَى أَثْتِنَا »: قَرأ بإبدال همز ﴿أَثْتِنَا﴾ عند وصل ﴿اُلْهُدَى﴾ بـ ﴿أَثْتِنَا﴾ ورش والسوسي وحمزة وقفاً. ٢٦٥ الُرُ (٧) - الْأَنْيَا: ٧١/٦-٧٣ وتقرأ: (إلى الهُد اتِنا) وهذه الألف التي بعد الدال ليست ألف ﴿اُلْهُدَى﴾ وإنما هي مبدلة من الهمزة الساكنة في كلمة ﴿أَثْتِنَاً﴾. الإعراب: ﴿حَيْرَانَ﴾ حال من هاء ﴿اُسْتَهْوَتْهُ﴾ وهو ممنوع من الصرف کعطشان، وهو لا ينصرف معرفةً ولا نكرة؛ لأن فَعْلان فَعْلى أشبه ما في آخره ألف التأنيث الممدودة، وما في آخره ألف التأنيث الممدودة لا ينصرف معرفة ولا نكرة، فكذلك ما كان على: فعلان فعلى. وجملة التشبيه حال من ضمير ﴿وَثُرَدُّ﴾. ﴿وَأَنْ أَقِيمُواْ الضَّلَوةَ﴾ أن في موضع نصب بتقدیر حذف حرف جر، وتقديره: وبأن أقيموا. ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ ككُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿وَيَوْمَ﴾: منصوبٍ من أربعة أوجه: إما لأنه معطوف على السماوات، أو على الهاء في ﴿ وَأَتَّقُوهُ﴾، أو لأنه ظرف وقع خبراً عن المبتدأ وهو: ﴿قَوْلُهُ اٌلْحَقَّ﴾ وتقديره: قوله الحق يوم يقول. و﴿قَوْلُهُ﴾: مبتدأ، و﴿اَلْحَقُّ﴾: صفته، و﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ : خبره أي مستقرٍ يوم يقول، أو منصوب بتقدير فعل هو: واذكر يوم يقول. ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ ، أي: فهو يكون، ولهذا كان مرفوعاً. ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ﴾ في نصبه وجهان: إما بدل من قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾، أو متعلق بقوله: ﴿وَلَهُ اُلْمُلْكُ﴾ أي وثبت له الملك يوم ينفخ. ﴿عَلِمُ اُلْغَيْبِ﴾ مرفوع لأنه صفة ﴿الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ﴾ أو على تقدير مبتدأ محذوف تقديره: هو عالم الغيب، أو حملاً على المعنى، وتقديره: ينفخ فيه عالم الغيب، كأنه قال: يوم ينفخ. ويجوز الجرّ بدلاً من هاء ﴿لَهُ﴾﴾. ٢٦٦ لُ (٧) - الْأَنْفُلِ: ٧١/٦-٧٣ البلاغة: ﴿أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الاستفهام للإنكار. ﴿وَثُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾ عبر بالرد على الأعقاب عن الشرك لزيادة تقبيح الفعل وتشنيعه. ﴿ وَإِن تَعْدِلُ كُلَّ عَدْلٍ﴾ بينهما جناس اشتقاق. ﴿مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾ و﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿أَنَدْعُواْ﴾ أنعبد. ﴿مَا لَا يَنفَعُنَا﴾ بعبادته. ﴿وَلَا يَضُرُّنَا﴾ بتركها وهو الأصنام .﴿وَثُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾ نرجع مشركين، والمقصود بهذا التعبير كل رجوع وتحول مذموم . ﴿اَسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾ أضلته وذهبت بعقله وهواه، وكانت العرب تزعم أن الجنون من تأثير الجن، وأن الجن تظهر لهم في القفار وتتلون بألوان مختلفة وتذهب بالعقل، فيهيم على وجهه حتى يهلك، وهذه الشياطين التي تتلون تسمى الغيلان والأغوال والسعالى. ﴿حَيْرَانَ﴾ متحيراً تائهاً لا يدري أين يذهب.﴿لَهُ، أَصْحَبٌ﴾ رفقة. ﴿يَدْعُونَهُ إِلَ اُلْهُدَى﴾ أي ليهدوه الطريق، يقولون له: ﴿آُثْتِنَا﴾ فلا يجيبهم فيهلك. ﴿هُدَى اَللَّهِ﴾ هو الإسلام وما عداه ضلال .﴿لِنُسْلِمَ﴾ بأن نسلم أو أمرنا كي نسلم، والإسلام: الإخلاص. ﴿ وَأَنْ﴾ أي بأن أقيموا الصلاة. ﴿تُحْشَرُونَ﴾ تجمعون يوم القيامة للحساب .﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ﴾ هو يوم القيامة يقول للخلق: قوموا فيقوموا . ﴿قَوْلُهُ اُلْحَقُّ﴾ الصدق الواقع لا محالة. ﴿الصُّورِّ﴾ لغة: القرن وهو كالبوق ينفخ فيه فيصعق من في السماوات والأرض، ثم ينفخ فيه أخرى، فإذا هم قيام ينظرون. والمراد هنا النفخة الثانية من إسرافيل. ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ ما غاب وما شوهد ﴿اَلْحَكِيمُ﴾ في خلقه. ﴿الْخَبِيرُ﴾ بيواطن الأشياء كظواهرها. ٢٦٧ الُ (٧) - الأَنْتُ: ٧١/٦-٧٣ سبب النزول: قال السدي: قال المشركون للمسلمين: اتبعوا سبيلنا واتركوا دين محمد، فأنزل الله عز وجل: ﴿قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَّ أَعْقَائِنَا﴾ . المناسبة: المقصود من هذه الآية: ﴿قُلْ أَنَدْعُواْ﴾ الردّ على عبدة الأصنام، وهي مؤكدة لقوله تعالى قبل ذلك: ﴿قُلْ إِنِّ نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾. التفسير والبيان: قل لهم أيها الرسول: أنعبد من دون الله النافع الضارِّ ما لا يقدر على نفعنا ولا على ضرنا، ونرد على أعقابنا إلى الشرك والكفر، بعد أن أنقذنا الله منه، وهدانا للإسلام؟ فيكون مثلنا مثل الذي استهوته الشياطين في الأرض وذهبت بعقله، وأصبح حيران تائهاً لا يدري كيف يسير؟ والحال أن له أصحاباً على الجادة المستقيمة يدعونه إلى طريق الهدى، قائلين له: ﴿أَثْتِنَا﴾. ويقال لكل من أعرض عن الحق إلى الباطل: إنه رجع إلى الخلف، ونكص على عقبيه، ورجع القهقرى. والسبب: أن الأصل في الإنسان هو الجهل، ثم إذا ترقى وتكامل حصل له العلم، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَاُلْأَفْئِدَةَ﴾ فإذا رجع من العلم إلى الجهل مرة أخرى، يقال له: ردّ على عقبيه. والمقصود بالآية ضرب مثل مفاده: أن من يرتد مشركاً بعد الإيمان، كمن جعله الجنون هائماً على وجهه، ضالاً في الطرقات، حيران لا يهتدي، تاركاً رفاقه على الطريق المستقيم، وهم ينادونه: ائتنا، وعد إلينا، فإنا على الطريق ٢٦٨ الجزءُ (٧) - الأَنْفَظُ: ٧١/٦-٧٣ الصحيح، فلا يستجيب لهم. فهذا مثل من يتبع آلهة الأصنام ويعبدها من دون الله، فإنه يرى أنه في شيء، حتى يأتيه الموت، فلا يجد إلا الندامة والهلاك، علماً بأن له صاحباً مخلصاً وهو محمد رَّله يدعو إلى الطريق الحق وهو الإسلام. قال الزمخشري: وهذا مبني على ما تزعمه العرب وتعتقده أن الجن تستهوي الإنسان، والغيلان تستولي عليه، كقوله: ﴿كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسَِّّ﴾ [البقرة: ٢٧٥/٢] فشبه الضال عن طريق الإسلام بالتابع لخطوات الشيطان، والمسلمون يدعونه إلى الدين الحق، فلا يلتفت إليهم (١). وقوله: ﴿ كَلَّذِى اُسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِ اُلْأَرْضِ﴾ أي أضلته في الأرض، والشیاطین: هم الغيلان يدعونه باسمه واسم أبيه وجده، فيتبعها، وهو یری أنه في شيء، فيصبح وقد رمته في هلكة. ادعهم أيها الرسول لدين الحق، وقل لهم: إن هدى الله في قرآنه هو الهدى، وطريق الإسلام هو الحق، وهو الصراط المستقيم، لا ما تدعون إليه من أهوائكم. وقل لهم: وأمرنا بأن نسلم لله رب العالمين، أي نخلص له العبادة وحده لا شريك له، فأسلمنا. وأمرنا بأن أقيموا الصلاة، أي أمرنا بالإسلام وبإقامة الصلاة: وهي الإتيان بها على الوجه الأكمل الذي شرعت من أجله، وهو تزكية النفس بمناجاة الله، والنهي عن الفحشاء والمنكر. وأمرنا أيضاً بالتقوى: وهي اتقاء ما يترتب على مخالفة دين الله وشرعه، أي نحن مأمورون بأمور ثلاثة: هي الإخلاص لله دون إشراك، وإقامة الصلاة (١) الكشاف: ١/ ٥١٢ ٢٦٩ المُرُ (٧) - الأَنْتَطَا: ٧١/٦-٧٣ وعبادة الله وحده دون غيره، والتقوى في جميع الأحوال، سراً وعلناً، فهو الذي إليه تحشرون أي تجمعون يوم القيامة، وإليه وحده المرجع والمآب، فيحاسبكم على أعمالكم، ويجازيكم عليه، فليس من العقل ولا من الحكمة ولا من المصلحة أن يعبد غيره. والله هو خالق السماوات والأرض ومالكهما ومدبرهما ومن فيهما، وخلقه قائم على الحق والعدل والحكمة: ﴿وَمَا خَلَقْنَا اُلسَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِبِينَ ﴿ مَا خَلَقْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٨/٤٤-٣٩]، ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١/٣]. وقوله هو الحق أي قضاؤه هو الحق، حين يقول للشيء يوم القيامة: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ وأمره كلمح البصر أو هو أقرب. ويوم يقول: منصوب إما عطفاً على قوله: ﴿وَأَتَّقُوهُ﴾ وتقديره: واتقوا يوم يقول: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ وإما على قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي وخلق يوم. يقول: ﴿كُنْ فَيَكُونَ﴾. وأمره التكويني: ﴿كُنْ﴾ وأمره التكليفي سواء: ﴿أَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرٌ﴾. ومن كان أمره التكويني مطاعاً، كان أمره التكليفي كذلك واجب الطاعة، فالخلق حق، والأمر حق. ولله الملك المطلق والتصرف التام في ملكه. وقوله تعالى: ﴿قَوّلُهُ اُلْحَقُّ وَلَهُ اُلْمُلْكُ﴾ جملتان محلهما الجر، على أنهما صفتان لرب العالمين. ويوم ينفخ في الصور يصعق كل من في السماوات والأرض، ويهلك حتى الملَك الذي نفخ فيه، ثم ينفخ فيه مرة أخرى، فإذا الكل قيام ينظرون، أي ينتظرون ما سيفعل بهم، فالنفخة الأولى للإماتة، والثانية للنشر والحشر. وقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِىِ الصُّورِّ﴾ إما بدل من قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ ٢٧٠ الْجُزْءُ (٧) - الْأَنْظُل: ٧١/٦-٧٣ فَيَكُنُ﴾ وإما ظرف لقوله: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ كقوله تعالى ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمِّ لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦/٤٠] أي أن الملك يوم الحشر والنشر من القبور يوم النفخ في الصور لله تعالى وحده. أما الصور فالمراد به ما جاء في الأخبار الصحيحة، روى أحمد عن عبد الله ابن عمرو قال: قال أعرابي: يا رسول الله ما الصور؟ قال: ((قرن ينفخ فيه)). وروى مسلم عن رسول الله وَلقر أنه قال: ((إن إسرافيل قد التقم الصور، وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر، فينفخ)). وقال ابن مسعود: ((الصور كهيئة القرن ينفخ فیه)). والنفخات ثلاث كما جاء في حديث الصور عن أبي هريرة: ((ينفخ فيه ثلاث نفخات: النفخة الأولى: نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصعق، والثالثة: نفخة القيام لرب العالمين))(١). ومن صفاته تعالى: أنه عالم الغيب (أي ما غاب عنا) والشهادة (عالم الحس الذي نراه) وعن ابن عباس: الغيب والشهادة: السرّ والعلانية. وهو الحكيم في خلقه، فلا يفعل ولا يشرع لعباده إلا ما فيه الحكمة والمصلحة، وهو الخبير بأحوالهم المطلع على سرائرهم أو نياتهم أو ضمائرهم، وأقوالهم. وإذا كان الله هو المتصف بهذه الصفات: خالق السماوات والأرض، وقوله الحق تكويناً وتكليفاً، وله الملك وحده في الدنيا والآخرة يوم يحشر الخلائق، وهو عالم الغيب والشهادة، وهو الحكيم الذي يضع الأشياء مواضعها، وهو الخبير بدقائقها وخفاياها، إذا كان كذلك فهو الأجدر بالعبادة، ولا ينبغي لعاقل أن يدعو أو يعبد غيره: ﴿فَلَا تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١) تفسير ابن كثير: ١٤٦/٢ ٢٧١ الجُرُ (٧) - الأَنْتُ: ٧١/٦-٧٣ [الجن: ١٨/٧٢]، ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ﴾ [الأنعام: ٦/ ٤١]. فقه الحياة أو الأحكام: دَّت الآيات على ما يأتي: اً - الثبات على الحق والهداية بعد معرفتهما، والبعد عن الضلال والشرك بعد تفنيد ما فيهما من زيغ وانحراف. أَ - هدى الله في آيات قرآنه هو الهدى الحق، والمسلم مأمور بإخلاص العبادة لله صاحب الهدى ورب العوالم كلها من إنس وجن، وبإقامة الصلاة وإتمامها على وجهها الأكمل، وبالتقوى، أي امتثال المأمورات واجتناب المنهيات المحظورات. ◌َّ - العبادة لا تكون إلا لمن يملك النفع والضر، وهو الله وحده، والله هو الخالق بالحق، والرازق، والآمر أمراً تكوينياً وتكليفياً، فأمره مطاع، وهو المالك ملكاً مطلقاً لكل تصرف في خلقه في الدنيا والآخرة، وهو عالم الغيب (ما غاب عنا) والشهادة (عالم الحس المشاهد) وهو الحكيم في خلقه، الخبير بأحوالهم الدقيقة والعظيمة. قال أهل السنة في تفسير الحق: الله تعالى مالك لجميع المحدثات، مالك لكل الكائنات، وتصرف المالك في ملكه حسن وصواب على الإطلاق، فكان ذلك التصرف حسناً على الإطلاق وحقاً على الإطلاق. وقال المعتزلة: معنى كونه حقاً: أنه واقع على وفق مصالح المكلفين، مطابق لمنافعهم. ٤ - دلَّ قوله تعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ على سرعة الخلق والتكوين، وسرعة الحساب والبعث. ٢٧٢ الجُزُ (٧) - الأَنْقَظَا: ٧٤/٦-٧٩ ٥ - دلَّت الآيات التي ذكرت أوصاف الله تعالى المتقدمة على أنه لا معبود بحق إلا الله وحده. أَ - ثبت بالإجماع أن الذي ينفخ في الصور إسرافيل عليه السلام، فهو النافخ، والله عز وجل يحيي النفوس. قال أبو الهيثم: من أنكر أن يكون الصور قرناً فهو كمن ينكر العرش والميزان والصراط، وطلب لها تأويلات. وقال ابن فارس: الصور الذي في الحديث كالقرن يُنفخ فيه. الجدال بين إبراهيم عليه السلام وبين آزر وسبب ترك الشرك وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِيمُ لِأَبِهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةًّ إِنِّيْ أَرَئِكَ وَقَوْمَكَ فِى وَكَذَلِكَ نُرِىٌ إِبْرَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٧٤ ضَلَلٍ مُّبِينٍ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَءَا كَوَّكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآَ ٧٥ اُلْمُوقِنِينَ أُحِبُّ الْأَفِلِينَ ﴿ فَمَّا رَءَا الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّ فَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَيِن ◌َّمْ فَلَمَّا رَءَا الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا يَهْدِنِ رَبِ لَأَكُونَ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِينَ إِى وَجَّهْتُ ٧٨ رَبِ هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّ أَفَلَتْ قَالَ يَقَوْمِ إِنِّىِ بَرِىّءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ الشَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَآ أَنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ٧٩ القراءات: ﴿إِنِىّ أَرَكَ﴾: قرئ: ١- (إني أراك) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو. ٢- (إني أراك)، وهي قراءة الباقين. ﴿وَجْهِىَ لِلَّذِى﴾: قرئ: ١- (وجهيَ للذي) وهي قراءة نافع، وابن عامر، وحفص. ٢- (وجهي للذي) وهي قراءة الباقين. ٢٧٣ الُ (٧) - الأَنْقَطَا: ٧٤/٦-٧٩ الإعراب: لِأَبِهِ ءَازَرَ﴾ آزر: بدل مجرور من ﴿لِأَبِهِ﴾ كأنه اسم له، وهو ممنوع من الصرف للعجمة والتعريف، وهو أيضاً على مثال (أفعل) نحو: أحمدٍ، ومن قرأ بالضم جعله منادىً مفرداً وتقديره: يا آزرُ ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً﴾ استفهام توبيخ. ﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ اُلْمُوقِنِينَ﴾: ﴿وَلِيَكُونَ﴾: معطوف على مقدر، تقديره: ليستدل وليكون من الموقنين، واللام تتعلق بفعل مقدر تقديره: ليستدل وليكون من الموقنين أريناه الملكوت. ﴿بَازِغَةً﴾ منصوب على الحال؛ لأن ﴿رَءَا﴾ هنا بصرية من رؤية العين، لا قلبية. البلاغة: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِىّ إِبْزَهِيمَ﴾ حكاية حال ماضية، أي أريناه. ﴿لَأَكُونَ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ فيه تعريض بضلال قومه. ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِىَ﴾ بينهما جناس اشتقاق. المفردات اللغوية: ﴿إِنْرَاهِيمُ﴾ خليل الرحمن، أبو الأنبياء، العاشر من أولاد سام، جد العرب، وأبو إسماعيل، المولود في بلدة ((أور)) أي النور من بلاد الكلدان، وهي المعروفة الآن باسم ((أورفة)) جنوب الحدود التركية المجاورة للحدود السورية. ﴿ءَازَرَ﴾ أبو إبراهيم، وهو لقبه واسمه تَّارَح، أو تارخ، ومعناه متكاسل . ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ،َ الِهَةً﴾ تعبدها، والاستفهام للتوبيخ. ﴿ إِنِّ أَرَكَ وَقَوْمَكَ﴾ باتخاذها. ﴿فِ ضَلَلٍ﴾ عن الحق، والضلال: العدول عن الطريق ٢٧٤ الُ (٧) - الأَنْقُ: ٧٤/٦-٧٩ الموصل إلى الهدف. ﴿قُبِينٍ﴾ بيِّن واضح. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي كما أريناه ضلال أبيه وقومه نُري إبراهيم .﴿مَلَكُوتَ﴾ ملك وسلطان وعظمة، أراه الله عظمة السماوات والأرض ليستدل بذلك على وحدانية الله. وجملة ﴿وَكَذَلِكَ﴾ وما بعدها اعتراض وعطف على: قال. ﴿جَنَّ عَلَيْهِ اَلَّيْلُ﴾ أظلم أو ستره بظلمته. ﴿رَءَا كَؤْكَبًا﴾ نجماً مضيئاً، قيل: هو الزهرة أو المشتري. ﴿أَفَلَ﴾ غاب بعد ظهوره. ﴿لَّ أُحِبُّ الْأَّفِلِينَ﴾ أن أتخذهم أرباباً؛ لأن الرب لا يجوز عليه التغير والانتقال؛ لأنهما من شأن الحوادث، فلم ينجع فيهم ذلك. ﴿بَازِعًا﴾ طالعاً، وبزوغ القمر: ابتداء طلوعه.﴿يَهْدِنِ رَبِ﴾ يثبتني على الهدى. ﴿مِنَ اُلْقَوْمِ الضَّآلِينَ﴾ تعريض لقومه بأنهم على ضلال، فلم يؤثر فيهم ذلك. ﴿هَذَآ أَكْبَرُ﴾ من الكوكب والقمر. ﴿إِنِىِ بَرِىٌّ مِّمَا نُشْرِكُونَ﴾ بالله من الأصنام والأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث، فقالوا له: ماتعبد؟ ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِىَ﴾ قصدت بعبادتي وطلب حاجتي وجه الله وحده، مع إخلاص العبودية. ﴿فَطَرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ أخرجهما إلى الوجود أو أبدعهما أو خلقهما لا على مثال سابق. ﴿حَنِيفًا﴾ مائلاً عن الضلال والشرك إلی الدین القیم. المناسبة: ذكر الله تعالى هنا قصة إبراهيم مع أبيه آزر في إبطال الوثنية، للاحتجاج على مشركي العرب؛ لأن جميع الطوائف والملل تعترف بفضله، فالمشركون يقرُّون بأنهم من أولاده ويعترفون بفضله، ويدّعون أنهم من ملته، واليهود والنصارى كلهم معظمون له، معترفون بجلالة قدره، وإذا كان إبراهيم يجادل قومه ويناقشهم في عبادة الأوثان، مرة بعد مرة، فعلى العرب أحفاده أن يرجعوا عن غيهم، ويدركوا خطأهم في عبادة الأوثان. ٢٧٥ الُ (٧) - الأَنْتَطَا: ٧٤/٦-٧٩ التفسير والبيان: واذكر يا محمد إذ قال إبراهيم لأبيه آزر: أتتخذ أصناماً آلهة، تعبدها من دون الله؟! مع أن الله هو الذي خلقك وخلقها، فهو المستحق للعبادة دونها. قال ابن كثير: والصواب أن اسم أبيه آزر. إني أراك وقومك الذين يعبدون هذه الأصنام، أي السالكين مسلكك والسائرين على طريقتك، في ضلال واضح، أي تائهين، لا يهتدون إلى الطريق القويم الذي يسلكونه، بل هم في حيرة وجهل، وأمركم في الجهالة والضلال بيِّن واضح لكل ذي عقل سليم، وأي ضلال أوضح من عبادتكم صنماً من حجر أو شجر أو معدن، تنحتونه بأيديكم، ثم تعبدونه وتقدسونه، كقوله (49) [الصافات: تعالى: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا نَنْحِتُونَ ﴿٥ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ٩٥/٣٧-٩٦] وأنتم أسمى من الصنم شأناً، وأعلى مكانة، فأنتم تعقلون، والأصنام صماء لا تعقل ولا تدفع عن نفسها الضر، ثم تتخذونهم آلهة معبودة؟! والتعبير بالضلال المبين: معناه الانحراف عن طريق الاستقامة، كما قال (٣)﴾ [الضحى: ٧/٩٣]. تعالى لنبيه محمد: ﴿وَوَجَدََ ضَآَلَّا فَهَدَى وكما أرينا إبراهيم ضلال أبيه وقومه في عبادتهم الأصنام والأوثان، أریناه مرة بعد أخرى ملكوت السماوات والأرض، أي خلقهما بما فيهما من بديع النظام وغريب الخلق والصنع، فاطلع على أسرار الكون وخفاياه من أرض وسماء، ليستدل بذلك على وحدانيتنا وعظيم قدرتنا وسعة علمنا: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِىّ أَنْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [النمل: ٨٨/٢٧]. نعرِّف إبراهيم ذلك ونبصره ونوفقه، ونرشده بما شرحنا صدره وسددنا نظره، وهديناه لطريق الاستدلال، وليكون ممن أيقن تمام الإيقان أن شيئاً من ٢٧٦ الُ (٧) - الْأَنْيَا: ٦/ ٧٤-٧٩ الأصنام والشمس والقمر والكواكب لا يصح أن يكون إلهاً، لقيام دليل الحدوث فيها، وأن وراءها محدثاً أحدثها، وصانعاً صنعها، ومدبراً دبر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها، فتكون تلك الآيات دالة على الألوهية والربوبية، وحجة على المشركين الضالين. واليقين: علم قطعي يحصل بعد زوال الشبهة بسبب التأمل. ثم أوضح الله تعالى ما رآه إبراهيم من ملكوت السماوات والأرض، فقال: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًا﴾ أي لما أظلم عليه الليل، رأى كوكباً عظيماً متميزاً عن سائر الكواكب بإشراقه ولمعانه، وهو كوكب المشتري أو الزهرة، قال: هذا ربي، أي قال هذا في مقام المناظرة والحجاج لقومه، تمهيداً للإنكار عليهم ولإقامة الحجة عليهم، فأوهمهم أولاً أنه موافق لهم على زعمهم، ثم نقضه بالحس والعقل. فلما غرب هذا الكوكب، قال إبراهيم: ما هذا بإله، ولا أحب ما يغيب ويختفي! لأن الإله له السيطرة على الكون، وهو السميع البصير الرقيب، الذي لا يغيب ولا يغفُل؛ إذ كيف يغيب الإله ويستتر؟ قال تعالى ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢/١٩]. وهذا تعريض بجهل قومه في عبادة الكواكب، قال قتادة: علم أن ربه دائم لا يزول. ثم انتقل إبراهيم من إبطال ألوهية الكوكب إلى إبطال ألوهية القمر الأكثر إضاءة، فلما رآه بازغاً طالعاً قد عم ضوءه الكون، قال: هذا ربي، فلما غاب كذلك، كما غاب الكوكب في الليلة الماضية، قال إبراهيم مسمعاً قومه: ما هذا أيضاً بإله، ولئن لم يهدني ربي ويوفقني لإصابة الحق في توحيده، لأكوننَّ من القوم الضالين، الذين أخطؤوا الطريق، فلم يصيبوا الهدى، وعبدوا غير الله. وفي هذا تعريض قريب من التصريح بضلال قومه وتنبيه لهم على أن من ٢٧٧ لُرُ (٧) - الأَنْتُ: ٧٤/٦-٧٩ اتخذ القمر إلهاً ضال أيضاً، وإرشاد إلى توقف معرفة العقيدة على الوحي الإلهي، ثم صرح في المرة الثالثة بالبراءة من شرك قومه. فلما رأى الشمس بازغة طالعة، وهي أعظم الكواكب المرئية لنا وأعمها نفعاً وإضاءة، قال إبراهيم: هذا (١) هو الآن ربي! هذا أكبر من الكواكب والقمر قدراً، وأعظم ضوءاً ونوراً، فهو أولى بالربوبية. فلما غابت الشمس كما غاب غيرها، صرح إبراهيم بعقيدته، وتبرأ من شرك قومه، قائلاً: أنا بريء من عبادة الكواكب وموالاتهن، إني توجهت في عبادتي لخالق الأرض والسماء(٢)، وخالق هذه الكواكب، مائلاً عن الضلال إلى الحق والدين القيم، دين التوحيد، ولست من زمرة المشركين الذي يتخذون مع الله إلهاً آخر، وإنما أعبد خالق هذه الأشياء ومدبرها الذي بيده ملكوت كل شيء، وخالق كل شيء، وربه ومليكه وإلهه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّاءٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى اٌلْعَرْشِ يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَتٍ بِأَمْرِفَةِ [الأعراف: ٧/ ٥٤]. أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ والظاهر مما تقدم أن قوم إبراهيم كانوا يتخذون الأصنام آلهة لا أرباباً، ويتخذون الكواكب أرباباً آلهة، والإله: هو المعبود، والرب: هو السيد المالك المربِّ المدبر المتصرف. والعبادة: هي التوجه بالدعاء والتعظيم لخالق الخلق. وليس للخلق إله ولا رب سوى الله. وموقف إبراهيم كان موقف الممثل للمجادل البارع على سبيل الافتراض (١) إنما قال: هذا عن الشمس وهي مؤنثة؛ لأنه أراد هذا الطالع أو هذا الذي أراه. (٢) وقال: وجهت وجهي للذي فطر، ولم يقل: إلى الذي؛ لأنه تعالى متعال عن الحيِّز والجهة، والمقصود: توجيه القلب لطاعته. ٢٧٨ الجُ (٧) - الْأَنْفَظُ: ٦/ ٧٤-٧٩ أنه غير مؤمن، أما في الحقيقة والواقع فلم يكن إبراهيم ناظراً في مقام إثبات الألوهية والربوبية؛ لأن الله قال في حقه: ﴿﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَآ إِنَزَهِيَمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ، عَلِمِينَ ﴿ إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَّوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَائِلُ الَّ أَنْتُمْ لَهَا ﴾ [الأنبياء: ٥١/٢١-٥٢] وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا عَكِفُونَ شَاكِرًا لِّأَنْعُمِّهِ اجْتَبَنَهُ وَهَدَنُهُ إِلَى صِرَاطٍ لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ أَوْحَيْنَاً ، وَءَاتَيْنَهُ فِ الدُّنْيَا حَسَنَّةً وَإِنَّهُ فِى الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ ١٢١ ◌ُسْنَقِيم (ب) [النحل: ١٦/ إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْزَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ١٢٠- ١٢٣] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِى هَدَئِنِ رَبِ إِلَى صِرَطِ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ [الأنعام: ١٦١/٦]. وقد ثبت في إِتَهِيَمَ حَنِيفَأْ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الصحيحين عن أبي هريرة عن رسول الله وَ لهم أنه قال: ((كل مولود يولد على الفطرة)) وفي صحيح مسلم عن عياض بن حماد أن رسول الله وَ له قال: ((قال الله: إني خلقت عبادي حنفاء)) وقال الله في قرآنه المجيد: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيَ لِخَلْقِ الَّهِ﴾ [الروم: ٣٠/٣٠] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِيََّهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىَّ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢/٧]. فإذا كان هذا في حق سائر الخليقة، فكيف يكون إبراهيم الخليل الذي جعله الله أمة، قانتاً لله حنيفاً، ولم يك من المشركين، ناظراً في هذا المقام، بل هو أولى بالفطرة السليمة والسجية المستقيمة بعد رسول الله و لو بلا شك ولا ريب. ومما يؤيد أنه كان في هذا المقام مناظراً لقومه فيما كانوا فيه من الشرك لا ناظراً: قوله تعالى فيما يأتي: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾(١). (١) تفسير ابن كثير: ١٥١/٢ - ١٥٢ ٢٧٩ لُعُ (٧) - الْأَنْقَمَا: ٧٤/٦-٧٩ فقه الحياة أو الأحكام: من أجل إثبات ألوهية الله وربوبيته ناظر إبراهيم وجادل، وأفحم بالحجة والبرهان، وله أربع مناظرات: الأولى - مناظرته مع أبيه، حيث قال له: ﴿يَّأَبَتِ لِمَ تَعْبُّدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنَكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢/١٩] وحكى القرآن خبر هذه المناظرة هنا، فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِيمُ لِأَبِهِ ءَزَرَ﴾. الثانية - مناظرته مع قومه، وهو قوله: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ﴾. الثالثة - مناظرته مع ملك زمانه، فقال: ﴿رَبِىَ الَّذِى يُخِىء وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨/٢]. الرابعة - مناظرته مع الكفار بالفعل، وهو قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ﴿6﴾ [الأنبياء: ٥٨/٢١]. وهذا يدل على قوة إبراهيم ومقدرته في الجدل والمناظرة، وحضور البديهة لإفحام الخصم، وإثبات مراده بالبرهان القاطع. وكان إبراهيم عليه السلام بارعاً في هذا المقام، حيث أبطل عبادة الكواكب والقمر والشمس؛ لأنها تغيب وتختفي، وشأن الإله ألا يغيب ولا يستتر، ولا يتخلى عن إشرافه لملكوته، وقد تنازل مع خصمه بهذا الأسلوب على سبيل الافتراض، ثم نقض وجهة نظر الخصم وكان في كل ذلك - كما أوضحت - مناظراً لا ناظراً، فعقيدته مستقرة في قلبه بالفطرة والإلهام والإرشاد الإلهي والعقل والحس. وأما قوله: ﴿لَيِن لَّمْ يَهْدِنِ رَبِ﴾ فمعناه: لئن لم يثبتني على الهداية، وقد ﴾ [الفاتحة: ٦/١] أي كان مهتدياً. وفي التنزيل: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَفِيمَ ثبتنا على الهداية. ٢٨٠ لِجُرُ (٧) - الأَنْقَظَا: ٧٤/٦-٧٩ وتدرج إبراهيم من اختبار نماذج ثلاثة الألوهية الكواكب إلى إثبات ألوهية الله الحق وربوبيته، بقوله: ﴿إِنِّ وَجَّهْتُ وَجْهِىَ﴾ أي قصدت بعبادتي وتوحيدي لله عز وجل وحده. وذكّر الوجه؛ لأنه أظهر ما يعرف به الإنسان صاحبه. وكان تدرجه من التعريض بجهل قومه وبطلان الوثنية، إلى سلخ محبته عن الآفلين، إلى الإنذار بالضلال والحيرة، إلى التصريح بالبراءة من الشرك ومن المشركين، إلى إعلان عقيدته بعد هدم أساس الشرك. قال الرازي: وليس في العالم أحد يثبت لله تعالى شريكاً يساويه في الوجوب والقدرة والعلم والحكمة، لكن الثنوية يثبتون إلهين: أحدهما - حكيم يفعل الخير، والثاني - سفيه يفعل الشر. وأما الاشتغال بعبادة غير الله فهناك كثرة: منهم عبدة الكواكب، ومنهم قوم غلاة ينكرون الإله الصانع، وهم الدهرية الخالصة والنصارى يعبدون غير الله، إذ يعبدون المسيح، ومنهم عبدة الأصنام(١). ولا دين أقدم من دين عبادة الأصنام؛ لأن أقدم الأنبياء الذين وصل إلينا تاريخهم مفصلاً هو نوح عليه السلام، وقد جاء بالرد على عبدة الأصنام (٢)، كما قال تعالى حكاية عن قومه أنهم قالوا: ﴿ وَلَ نَذَرُنَّ وَدَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣/٧١] وسبب قولهم أن الإنسان البدائي توهم في صموت الصنم سراً يصلح أن يوصل إلى الله تعالى، أو توهم في ظهور بعض مخلوقات الله من شجر أو شمس أو قمر وسيلة إلى الإله الحق تشفع عنده وتقرب إليه من توجه إليها. وأدرك قوم إبراهيم أن الأصنام لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع، (١) تفسير الرازي: ٣٥/١٣ (٢) المرجع والمكان السابق.