النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
الُعُ (٧) - الأَنْقَا: ٥٠/٦-٥٣
أفلا تتفكرون فتميّزوا بين ضلال الشّرك وهداية الإسلام، وتعقلوا ما في
القرآن من أدلّة توحيد الله وإيجاب اتِّباع رسول الله وَّ؟. هذا مثل قوله
تعالی:
أَفَمَّنْ يَعْلَهُ أَنَمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن زَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَّ إِنَّا يَنَذَكَّرُ أُوْلُوْ
[الرعد: ١٩/١٣].
آلْأَلْبَبِ
وخلاصة ماسبق: إثبات قدرة الله المطلقة التي تنفي وجود مثلها لأحد،
مما يدلّ على وجود الله ووحدانيته، وإثبات كون القرآن والمعجزات المؤيدة
لصدق النبي ◌ُّ: هي من الله وحده؛ لأنه لا يستطيع الرّسول التّصرف في شيء
خارج الحالات المعتادة، ولا الإتيان بشيء مثل القرآن أو تنزيل الآيات
الغريبة، وإجراء المعجزات الخارقة للعادة.
هذه حقيقة الرِّسالة، ثم أمر الله نبيَّه بإنذار المؤمنين سوء الحساب والجزاء،
فقال: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ﴾ أي وأنذر يا محمد بالوحي أو بالقرآن الذين يؤمنون بالله
ويخافون من الحشر وأهواله وشدّة الحساب يوم القيامة، وما يتبع ذلك من
الجزاء على الأعمال، عند لقاء الله، ويعتقدون بأنه ليس لهم فيه وليّ ولا شفيع
ولا حميم ولا نصير: ﴿يَوَمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسُ لِنَفْسِ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَيِذٍ لِلَّهِ
(١)) [الانفطار: ١٩/٨٢]، لعلهم يتقون أي أنذر هذا اليوم الذي لا حاكم فيه
إلا الله عزّ وجلّ، قال ابن عبّاس: معناه وأنذرهم لكي يخافوا في الدُّنيا،
وينتهوا عن الكفر والمعاصي.
فهؤلاء المؤمنون بالله وبالغيب وباليوم الآخر هم الذين ينتفعون بالقرآن.
أما المادِّيون الذين لا يؤمنون بغير المادّة، فقد حجبوا عن أنفسهم نور الهداية
الإلهية، فطبع الله على قلوبهم وأصمّهم وأعمى أبصارهم. وهذا مثل قولِه
تعالى: ﴿إِنَّمَا نُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَمَن تَزََّى
فَإِنَّمَا يَتَزَّكَ لِنَفْسِهِ، وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٨/٣٥].
ثم منع الله نبيَّه من تقريب كفار قريش وأشرافهم المترفين، ومن تنحية
المؤمنين المستضعفين وطرد الضُّعفاء من الناس، فقال: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ﴾ أي

٢٢٢
الُ (٧) - الْأَنْزُ: ٦/ ٥٠-٥٣
لا تبعد عنك هؤلاء المتّصفين بهذه الصفات، بل اجعلهم جلساءك وخلصاءك،
وصفاتهم أنهم مؤمنون حقّ الإيمان، موحّدون ربّهم دون شائبة شرك، يدعون
ربّهم بالغداة والعشي أي في الصَّباح والمساء وجميع الأوقات، يخلصون في
طاعتهم وعبادتهم، فلا يقصدون إلا إرضاء الله تعالى، ولا يريدون من
عبادتهم إلا ذات الله وحقيقته؛ لأنه المستحق للعبادة. ونظير الآية قوله تعالى:
{وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشْتِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ وَلَا تَعْدُ
عَيْنَالَكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَأَنَّبَعَ
(ذَ﴾ [الكهف: ٢٨/١٨].
هَوَنُهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطَا
وموقف هؤلاء المشركين له شبيه بموقف قوم نوح حين قال أشرافهم له :
﴿وَمَا نَئِكَ أَتَبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلْنَا بَادِىَ اٌلَّأَىِ﴾ [هود: ٢٧/١١]،
وقوله لهم: ﴿وَمَآ أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَّهُمْ تُلَقُواْ رَبِهِمْ وَلَكِنِّى أَرَّكُمْ قَوْمًا
تَجْهَلُونَ﴾ [هود: ٢٩/١١].
ثم حصر الله تعالى حساب هؤلاء بربّهم، كما قال تعالى: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا
عَلَى رَبِىِ﴾ [الشعراء: ١١٣/٢٦]، وذلك أنهم طعنوا في دينهم وإخلاصهم، فقال
تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ﴾ بعد أن شهد الله لهم بالإخلاص
وبإرادة وجه الله في أعمالهم. وإن كان الأمر كما يقولون عند الله، فما يلزمك
إلا اعتبار الظاهر، وإن كان لهم باطن غير مرضٍ بأن كانوا غير مخلصين،
فحسابهم عليهم لازم لهم لا يتعدّاهم إليك، كما أن حسابك عليك، لا يتعداك
إليهم(١)، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ أَمْرِيٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١/٥٢]،
وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِيْنَةُ ﴿َ﴾ [المدثر: ٣٨/٧٤]، وقال: ﴿وَلَا نَزِرُ
وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤/٦]، [الإسراء: ١٥/١٧]، [فاطر: ١٨/٣٥]، [الزمر:
٣٩/ ٧].
(١) الكشاف: ١/ ٥٠٧

٢٢٣
الجُرُ (٧) - الْأَنْقال: ٦/ ٥٠-٥٣
والجملتان وهما ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم
مِّن شَىْءٍ﴾ بمنزلة جملة واحدة، ومؤدّاهما واحد، ولا بدّ منهما جميعاً، كأنه
قيل: لا تؤاخذ أنت، ولا هم بحساب صاحبه.
فلماذا تطردهم؟ لأن الطّرد جزاء، والجزاء بعد الحساب والمحاكمة،
والحساب على الله، وما عليك إلا البلاغ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ
٢١
أَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ
٢٢٢﴾ [الغاشية: ٢١/٨٨-٢٢].
فإن طردتهم والحالة هذه، فتكون بطردهم من زمرة الظالمين أنفسهم؛ لأن
الطّرد - كما ذكرت - لا يكون إلا بذنب، والحساب على الذّنب إلى الله،
لا إليك.
والخلاصة: ذكر الله غير المتقين من المسلمين، وأمر بإنذارهم ليتقوا، ثم
أردفهم ذكر المتقين منهم، وأمر الله نبيَّه بتقريبهم وإكرامهم، وألا يطيع فيهم
من أراد بهم خلاف ذلك.
ثم أوضح الله تعالى أن مقال المشركين في شأن الضعفاء ابتلاء من الله
واختبار فقال: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ أي ابتلينا وامتحنّا بعضهم
ببعض، لتكون العاقبة أن يقول الأقوياء من الكفار في حقّ الضعفاء من
المؤمنين: أهؤلاء الصّعاليك من العبيد والموالي والفقراء خصّهم الله بهذه
النّعمة العظمى من جملتنا؟ كقوله تعالى: ﴿أَدُلِّفِىَ الذِّكْرُ عَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [القمر:
٢٥/٥٤]، وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَاً
إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١/٤٦]. والمعنى: أنهم لما اختُبِروا بهذا، فآل عاقبته إلى أن
قالوا هذا على سبيل الإنكار، وصار مثل قوله تعالى: ﴿فَلْنَقَطَهُ, عَلُ فِرْعَوْنَ
لِيَكُنَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنَا﴾ [القصص: ٨/٢٨].
وبعبارة أخرى: إن المشركين كانوا يقولون للمسلمين: أهؤلاء الذين منَّ
الله عليهم من بيننا؟ أي أنعم عليهم بالتوفيق لإصابة الحق، ولما يسعدهم عنده

٢٢٤
الجُرع (٧) - الآنزمُ: ٦/ ٥٠-٥٣
من دوننا، ونحن المقدَّمون والرؤساء، وهم العبيد والفقراء؟! إنكاراً لأن
يكون أمثالهم على الحقّ، ممنوناً عليهم من بينهم بالخير. وافتتانهم هو سبب
هذا القول؛ لأنه لا يقول مثل هذا القول إلا مخذول مفتون.
ثم ردّ الله عليهم قولهم الناشئ عن العتو والاستكبار، فقال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ
بِأَعْلَمَ بِالشَّكِرِينَ﴾؟ أي الله أعلم بمن يقع منه الإيمان والشكر، فيوفقه للإيمان
وبمن يصمم على كفره، فيخذله ويمنعه التوفيق.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى مايأتي من الأحكام الاعتقادية المهمة جدّاً وهي:
اً - إن الرّسول ليس عنده خزائن الله، ولا يملك التّصُّف في الكون، فلا
يستطيع إنزال مااقترحوه من الآيات.
أَ- إنه لا يعلم الغيب مثل بقية البشر.
◌َّ إنه ليس بملَك يشاهد من أمور الله مالا يشهده البشر. واستدلّ بهذا
القائلون بأن الملائكة أفضل من الأنبياء، كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿بَلْ
عِبَادٌ مُكْرَمُونَ، لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ
[الأنبياء: ٢٦/٢١-٢٧]. ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:
٦/٦٦].
وأما القائلون بتفضيل بني آدم على الملائكة فاستدلّوا بقوله تعالى: ﴿إِنّ
[البينة: ٧/٩٨] على
٧
اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبِيَّةِ
قراءة (البريئة) بالهمز: من برأ الله الخلق، وبقوله عليه الصّلاة والسّلام فيما
أخرجه أبو داود: ((وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم)) وبما جاء
في أحاديث من أن الله تعالى يباهي بأهل عرفات الملائكة، ولا يباهي إلا
بالأفضل(١).
(١) تفسير القرطبي: ٢٨٩/١، ٤٣٠/٦

٢٢٥
المُرُ (٧) - الآنقم: ٦/ ٥٠-٥٣
٤- إنه لايملك حساب المؤمنين ولا جزاءهم.
٥- لا يعمل إلا بالوحي، أي لا يقطع أمراً إلا إذا كان فيه وحي. وبهذا
تمسّك القائلون بأنه لم يكن للتَّبي ◌َِّ الاجتهاد، بل جميع أحكامه صادرة عن
الوحي، ويتأكد هذا بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَّ ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ
[النجم: ٣/٥٣-٤]، وقال نفاة القياس: وإذا كان لا يعمل إلا
يُوحَى
بالوحي، فوجب ألا يجوز لأحد من أمته أن يعملوا إلا بالوحي النّازل عليه.
والصحيح لدى الأصوليين أن الأنبياء يجوز منهم الاجتهاد، والقياس على
المنصوص، والقياس أحد أدلّة الشرع. والأدلّة السابقة مخصوصة بالقرآن،
للرّ على من زعم أنّ محمداً بَله يفتري القرآن من عند نفسه، ولإثبات كون
القرآن منزَّلاً عليه بالوحي الإلهي.
٩- مهمّة الرّسول كغيره من الرُّسل الموصوفين بكونهم مبشرين ومنذرين:
هي الإنذار لقوله تعالى: ﴿ وَأَنْذِرُ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُواْ﴾.
لاً- الرّسول بحكم كونه بشراً مال فترة بحسب اجتهاده إلى إبعاد الفقراء
والعبيد من مجلسه، طمعاً في إسلام الزعماء والقادة، وإسلام قومهم، ورأى
أن ذلك لا يفوّت أصحابه شيئاً، ولا ينقص لهم قدر، فمال إليه، فأنزل الله
الآية: ﴿وَلَا تَظَرُدِ﴾ فنهاه عما همَّ به من الطَّرد، لا أنه أوقع الطَّرد. وقد
روينا في سبب النزول قصّتهم، ويحسن ذكر رواية أخرى هي مارواه مسلم في
صحيحه عن سعد بن أبي وقاص قال: اطرد هؤلاء عنك، لا يجترئون علینا؛
قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هُذَيل وبلال ورجلان لست أسميهما،
فوقع في نفس رسول الله وَ ﴿ ماشاء الله أن يقع، فحدَّث نفسه، فأنزل الله عزّ
وجلّ: ﴿وَلَا تَظِرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَاَلْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾.
وهذا دليل آخر على كون القرآن من عند الله تعالى، إذ يستحيل عقلاً أن يهمّ
النَّبِيّ بشيء، ثم ينهى نفسه عنه، لو لم يكن النّهي عن الفعل من عند ربِّه.

٢٢٦
الجُرُ (٧) - الآنقال: ٥٤/٦-٥٥
٨- في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ إشارة إلى تبدل ميزان
القوى ومراكز الناس؛ فإن حالات التَّفوّق والنّعم لن تدوم للكفار، وأحوال
الضعف التي مرَّ بها المؤمنون وصبروا عليها لا بدّ أن تتبدّل، وسيصبح الأقوياء
أذلّة، والضُّعفاء أعزّة بالإسلام، ويعلو الحقّ، وتتأيّد دولة الله في الأرض،
ويصبح أتباعها هم الأئمة الوارثين، قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَذَنَ رَبُّكُمْ لَيِن
[إبراهيم: ١٤/ ٧]،
٧
شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَيِنِ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِ لَشَدِيدٌ
وقال: ﴿وَثُرِيدُ أَنْ ثَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُوْ فِى الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَبِمَّةً
[القصص: ٥/٢٨].
وَنَجْعَلَهُمُ الْوَرِثِنَ
٩- وفي الآية: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا﴾ أيضاً إيماء إلى أنّ ترك المشركين للإيمان لم
يكن إلا عناداً وجحوداً ناشئاً عن الاستعلاء والاستكبار، لاعن حجّة
وبرهان. وفيها كذلك أن كلاً من فريقي المؤمنين والكافرين مبتلى بصاحبه،
فالكفار الرؤساء الأغنياء كانوا يحسدون فقراء الصحابة على سبقهم في
الإسلام والظفر بالخير والنّعمة، وفقراء الصحابة كانوا يرون الكفار في سعة
ورفاه، فيقولون: كيف حال هؤلاء الكفار، مع أنّا في هذه الشّدة والضيق؟!
بعض أحوال رحمة الله تعالى
﴿فَإِذَا جَ أَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِعَايَتِنَا فَقُلْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى
نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَصْنَحَ
وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ
٥٥
٥٤
فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
القراءات:
﴿أَنَّهُ﴾ ﴿فَأَنَّهُ﴾: قرئ:
١- (أنَّه .. فإنَّه) وهي قراءة نافع.
٢- (أنَّه .. فأنَّه) وهي قراءة ابن عامر، وعاصم.

٢٢٧
المُرُ (٧) - الأَنْفَظُم: ٥٤/٦-٥٥
٣- (إنّه ... فإنَّه) وهي قراءة الباقين.
﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ﴾: قرئ:
١- (ولتستبين سبيلَ) وهي قراءة نافع.
٢- (وليستبين سبيلٌ) وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف.
٣- (ولتستبين سبيلٌ) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ﴾ ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بالفتح فيهما، تكون الأولى بدلاً من
﴿ الرَّحْمَةَ﴾ وهو بدل الشيء من الشيء، وهو هو، و﴿الرَّحْمَةَ﴾: في موضع
نصب بكتب. وتكون الثانية خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: فأمره أنه غفور
رحيم. ويجوز أن يُجعل مبتدأ، ويقدَّر لها خبر، تقديره: فله أنه غفور رحيم،
أي: فله غفران ربِّه.
ومن قرأ بالكسر فيهما فمن وجهين: أحدهما - أن ﴿كَتَبَ﴾ تؤوّل إلى
قال، وتقديره: قال: إنه من عمل. والثاني - على الاستئناف. والكسر بعد
الفاء أقيس؛ لأن مابعد الفاء يجوز أن يقع فيه الاسم والفعل.
﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ الواو: عطف على فعل مقدر، وتقديره: ليفهموا ولتستبين
سبيل المجرمين وسبيل المؤمنين، إلا أن الثاني حذف؛ لأن فيما أبقى دليلاً على
ما ألغى، كقوله تعالى: ﴿سَرَبِيلَ تَفِيكُمُ الْحَزَّ﴾ أي والبرد.
﴿سَبِيلُ﴾ بالرفع فاعل. ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ ولا ضمير فيه، والتاء في الفعل
التأنيث السبيل؛ لأنها مؤنثة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِىّ﴾. ومن قرأ
بالياء جعل السبيل مذكّراً، كما قال تعالى: ﴿وَإِن يَرَوْ سَبِيلَ الْفِّ يَتَّخِذُوهُ
سَبِيلًا﴾. ومن نصب ﴿سَبِيلَ﴾ كانت التاء للخطاب، وهو مفعول به.
المفردات اللغوية:
﴿سَلَمُّ عَلَيْكُمْ﴾ أي سلامة وبراءة من العيوب والآفات. والسّلام: من

٢٢٨
الجُرُ (٧) - الْأَنْقُل: ٥٤/٦-٥٥
أسماء الله تعالى الدّالّة على تنزيهه عما لا يليق به من النّقص والعجز والفناء.
واستعمل السلام في التّحية، أي السلامة من كل مايسوء وتأمينه من كلّ
أذى، وهو شعار الإسلام، ودليل الودّ والصّفاء، وتحية الله تعالى وملائكته
لأهل الجنة، وتحيتهم فيما بينهم.
كَتَبَ﴾ فرض وأوجب وقضى. ﴿أَنَّهُ﴾ ضمير الشأن. ﴿بِجَهَلَةٍ﴾
سفه وخفة تقابل الحكمة والروية والتعقل .﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ تتضّح وتظهر.
﴿ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ طريق المجرمين الذين أجرموا في حقّ أنفسهم وارتكبوا
الجرائم التي هي المخالفات الشرعية.
سبب النّزول:
قال عكرمة: نزلت في الذين نهى الله تعالى نبيه وح لول عن طردهم، فكان إذا
رآهم النَّبِي وََّ بدأهم بالسّلام، وقال: ((الحمد لله الذي جعل في أمتي من
أمرني أن أبدأهم بالسلام)».
وقال ماهان الحنفي: أتى قوم النَّبي ◌َّه فقالوا: إنّا أصبنا ذنوباً عظاماً، فما
إخاله ردّ عليهم بشيء، فلما ذهبوا وتولوا، نزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءََ
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِثَايَتِنَا﴾(١).
المناسبة:
بعد أن نهى الله تعالى رسوله عن طرد المستضعفين، طمعاً في إسلام الكبراء
من قومه، أمره بأن يكرم جميع المسلمين بهذا النوع من الإكرام، وهو التّحية
والسّلام والقبول بأمان وإعزاز.
التفسير والبيان:
وإذا جاءك أيها الرّسول الذين يؤمنون بالله ورسله ويصدقون بكتبه،
(١) أسباب النّزول للنَّيسابوري ١٢٥، تفسير القرطبي: ٤٣٥/٦

٢٢٩
الُعُ (٧) - الْأَنْظُل: ٥٤/٦-٥٥
تصديقاً في القلب والعمل، سائلين عن ذنوبهم، هل لهم منها توبة، فقل لهم:
﴿سَلَمُّ عَلَيْكُمْ﴾ أي أمان من الله لكم من ذنوبكم أن يعاقبكم عليها بعد
التوبة، وأكرمهم بتبليغ سلام الله إليهم، أو ابدأهم بالسّلام إكراماً لهم وتطبيباً
لقلوبهم، وبشِّرهم برحمة الله الواسعة الشاملة لهم.
ولهذا ذكر الله علّة ماسبق، فقال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾
أي أوجبها على نفسه الكريمة، تفضُّلاً منه وإحساناً وامتناناً.
وقد جمعتُ في تفسير الآية: ﴿سَلَمُّ عَلَيْكُمْ﴾ بين السَّبين اللذين ذكرا في
سبب نزولها كما تقدّم، قال بعضهم: نزلت في قوم أقدموا على ذنوب، ثم
جاؤوه ولو مظهرين للندامة والأسف، فنزلت هذه الآية فيهم.
٠
وقال بعضهم: نزلت في أهل الصُّفَّة الذين سأل المشركون الرّسول وَل
طردهم وإبعادهم، فأكرمهم الله بهذا الإكرام.
قال الرّازي: والأقرب من هذه الأقاويل أن تحمل هذه الآية على عمومها،
فكلّ من آمن بالله، دخل تحت هذا التّشريف(١).
ثم أبان الله تعالى طريق قبول التوبة فقال: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا﴾
أي إنه من ارتكب منكم ذنباً أو خطيئةً بجهالةٍ كغضب شديد أو شهوة جامحة
أو سفه وخفة غير مقدر سوء العاقبة أو من غير قصد، ثم تاب مخلصاً لله في
توبته، ورجع عن ذلك الذّنب وندم، وأصرّ على عدم العودة إليه في المستقبل،
وأصلح عمله، وأتبع السَّيئة بالحسنة لمحو أثرها، فشأنه تعالى في معاملته أنه
يغفر له ذنبه؛ لأنه واسع المغفرة والرّحمة. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا
التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ [النساء:
٤/ ١٧]. قال بعض السَّلف: كلّ من عصى الله فهو جاهل. وقال الحكم بن أبان
ابن عكرمة: الدُّنيا كلّها جهالة.
(١) تفسير الرازي: ٢/١٣

٢٣٠
الجُ (٧) - الْأَنْفَظُم: ٦/ ٥٤-٥٥
وخلاصة شروط التوبة الصادقة أربعة: النّدم الحقيقي على الذّنب، والعزم
على عدم العودة إليه مستقبلاً، وردّ المظالم إلى أهلها، وإتباعها بالعمل الصالح.
ثم أبدى الله سبحانه وتعالى تفضُّلاً منه طريقه في البيان وهو تفصيل آيات
القرآن لمعرفة مناهج الطاعة والبعد عن مسلك أهل الإجرام فقال: ﴿وَكَذَلِكَ
نُفَصِّلُ﴾.
والمعنى: ومثل ذلك التّفصيل البيِّن البديع لدلائل التوحيد والنّبوة والقضاء
والقدر، نفصّل آيات القرآن وحقائق الشريعة، وتقرير كلّ حقّ ينكره أهل
الباطل، ليتّضح للمؤمنين طريق المجرمين، وإذا اتّضح سبيلهم كان كلّ ماعداه
وماخالفه هو سبيل المؤمنين، وذكر أحد القسمين يدلّ على الثاني، كقوله
تعالى: ﴿سَرَبِيلَ تَفِيكُمُ الْحَزَّ﴾ ولم يذكر البرد، ولأن بيان خاصية أحد
الضّدين يدلّ ضمناً على خاصية القسم الآخر، فمتى استبانت طريقة المجرمين
فقد استبانت طريقة أهل الحقّ والإيمان أيضاً لا محالة.
فقه الحياة أو الأحكام:
تدلّ الآيتان على مايلي:
اَ - إكرام الله للمستضعفين الذين نهى الله نبيَّه وَّر عن طردهم، فكان إذا
رآهم بدأهم بالسّلام.
ويستفاد منه احترام الصَّالحين واجتناب ما يغضبهم أو يؤذيهم، فإن في ذلك
غضب الله، أي حلول عقابه بمن آذى أحداً من أوليائه.
أَ- إمكان قبول التوبة من الله على عباده الذين وقعوا في الذُّنوب، ثم تابوا
وأصلحوا العمل في المستقبل، كما قال تعالى: ﴿وَإِنِّى لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ
﴾ [طه: ٨٢/٢٠]، وقال ◌َله لمعاذ بن جبل فيما رواه
٨٢
وَعَمِلَ صَلِحًا ثُمَّ أَهْتَدَى
أحمد عن أبي هريرة: ((أتدري ماحقّ الله على العباد؟ أن يعبدوه ولا يشركوا به
شيئاً)) ثم قال: ((أتدري ماحقّ العباد على الله إذا هم فعلوا ذلك؟ ألا يعذبهم)).

٢٣١
الجُرُ (٧) - الآنتزيل: ٥٦/٦-٥٨
◌َّ- سعة رحمة الله بعباده، فقد أوجب الله تعالى على نفسه الرّحمة تفضُّلاً منه
وإحساناً، وأخبر بذلك بخبره الصدق، ووعده الحقّ، ليعلم العباد مدى رحمة
الله، كما قال: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُهَا لِلَّذِينَ يَنَّقُونَ وَيُؤْثُونَ
الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِثَايَلِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦/٧].
٤- القرآن الكريم فُصِّلت فيه كلّ أحكام الدِّين: فكما فضَّل الله في هذه
السّورة دلائله على وجوده ووحدانيته، فصَّل أيضاً الآيات لعباده في كلّ ماهم
بحاجة إليه من أمر الدِّين.
كهذا
حسم الجدل بين النّبي
عافيه
وسلم
وبين المشركين
﴿قُلّ إِنِِّ نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ اُلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُل لَّ أَنَّعُ أَهْوَاءَ كُمُّ قَدْ
ضَلَلْتُ إِذَا وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴿٨ قُلْ إِى عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِ وَكَأَّبْتُم بِهِ.
مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِّ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَِّ يَقُضُ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ
٥٧
قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ، لَقُضِىَ الْأَمْرُ بَيْنِ وَبَيْنَكُمُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
٥٨ )
بِالظَّالِمِينَ
القراءات:
﴿يَقُضُ الْحَقَّ﴾: قرئ:
١- (يَقُصُ الحقَّ) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وعاصم.
٢- (يَقْضِ الحقَّ) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿أَنْ أَعْبُدَ﴾ أن وصلتها في موضع نصب على تقدير حذف حرف الجرّ،
وتقديره: نهيت أن أعبد.

٢٣٢
الجزرُ (٧) - الأَتْقُل: ٥٦/٦-٥٨
المفردات اللغوية:
﴿ُهِيتُ﴾ منعت وزجرت وصرفت بما أُودع فيّ من أدلّة العقل وبما
أُوتيت من أدلّة السَّمع. والنّهي: المنع من الشيء والزّجر عنه. ﴿تَدْعُونَ مِن دُونِ
اللَّهِ﴾ تعبدون غيره، هذا هو المراد، وأصل الدُّعاء: النداء لطلب إيصال الخير
أو دفع الضّرّ . ﴿لَّ أَنَّعُ أَهْوَاءَكُمْ﴾ أي لا أسير في طريقتكم التي سلكتموها في
دینکم من اتّباع الهوى في عبادة الأصنام، دون اتباع الدَّلیل، وهو بيان سبب
الضّلال الذي وقعوا فيه، وتنبيه لكلّ من أراد إصابة الحقّ ومجانبة الباطل.
﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذَا﴾ أي إن اتبعت أهواءكم فأنا ضالّ، وما أنا من الهدى في
شيء. ﴿بَيِّنَةٍ﴾ البيّنة: كلّ مايتبيَّن به الحقّ من الحجج العقلية أو الأدلّة
الحسية، ومن ذلك سميت الشهادة بيِّنة. ﴿ يَقُصُ اُلْحَقَّ﴾ يذكره، والقصص:
ذكر الخبر أو تتبع الأثر. ﴿اَلْفَصِلِينَ﴾ الحاكمين، والفصل: القضاء والحكم.
سبب النزول:
نزول الآية (٥٧):
﴿قُلْ إِنِ عَلَى بَيِّنَةٍ﴾ قال الكلبي: نزلت في النّضر بن الحارث ورؤساء
قریش، كانوا يقولون: يا محمد، ائتنا بالعذاب الذي تعدنا به استهزاء منهم،
فنزلت هذه الآية.
المناسبة:
لما ذكر الله تعالى في الآية المتقدمة مايدلّ على أنه يفصل الآيات ليظهر الحق
ولتستبين سبيل المجرمين، ذكر في هذه الآية أنه تعالى نهى عن سلوك سبيلهم.
التفسير والبيان:
قل يا أيها الرّسول لهؤلاء المشركين: إنّ نهيت وزجرت وصرفت عن عبادة

٢٣٣
الجُمْعُ (٧) - الأنتيل: ٥٦/٦-٥٨
ما تدعونهم وتطلبون منهم الخير ودفع الضّرّ، من صنم أو وثن أو عبد صالح
مهما علا شأنه أو ملك من الملائكة، وقد صرفت عن هذا كله بأدلّة العقل
والأدلّة الحسيّة وبالآيات القرآنية المانعة من عبادة ما تعبدون من دون الله. وفي
هذا استجهال لهم ووصف بالاقتحام فيما كانوا فيه على غير بصيرة.
قل: لا أَتَّبع أهواءكم في سلوك طريقتكم القائمة على اتباع الهوى دون اتِّباع
الدَّليل، وإن اتَّبعت أهواءكم فأنا ضالّ، وما أنا من الحقّ والهدى على شيء.
وفي هذا تعريض بأنهم ليسوا من الهداية في شيء.
فإن عبادة غير الله ضلال وشرك، يترفَّع عنها العاقل الواعي، وعبادة الله
تعالى يدلّ عليها الحجّة والبرهان، والفكر والمنطق الصحيح.
ولما نفى أن يكون الهوى متبعاً نبَّه على ما يجب اتباعه بقوله: ﴿قُلْ إِنِى عَلَى
بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِ﴾ أي قل لهم أيها الرّسول: إنِّي فيما أخالفكم فيه على بصيرة من
شريعة الله التي أوحاها الله إليَّ، وعلى حجّة عقلية واضحة، وشاهد صدق،
والحال أنكم كذبتم بالحقّ الذي جاءني من الله، أي كذبتم بالقرآن وجحدتم
وجود الله حيث أشركتم به غيره، وكذبتم بالبيِّنات، واتَّبعتم الهوى
والضلال، وسرتم على منهج التقليد الأعمى الذي لادليل فيه.
ماعندي الذي تستعجلون به وهو العذاب، فليس إنزاله بمقدور لي، وما
الحكم إلا لله أي إنما يرجع أمر ذلك إلى الله، إن شاء عجّل لكم ماسألتموه من
ذلك، وإن شاء أنظركم وأجَّلكم، لما له في ذلك من الحكمة العظيمة:
﴿ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨/١٣].
والله يقصّ الحقّ، أي يقصّ على رسوله القصص الحقّ في وعده ووعيده
وجميع أخباره، وهو خير الفاصلين أي خير الحاكمين الذين يفصلون في
القضايا بين عباده، وينفذ أمره متى شاء إصدار الحكم.

٢٣٤
الجزء (٧) - الاَنْقُ: ٥٦/٦-٥٨
وكان عليه الصّلاة والسّلام يخوِّف قومه بنزول العذاب عليهم بسبب هذا
الشرك، والقوم لإصرارهم على الكفر كانوا يستعجلون نزول ذلك العذاب.
فقال تعالى: ﴿قُلّ إِنِ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبٍِ﴾ أي قل أيها الرّسول لهؤلاء الذين
يستعجلون العذاب بقولهم: ﴿اَللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندَِ
فَأَمَطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢/٨]:
قل لهم: لو كان مرجع ذلك العذاب إليّ، لأوقعت لكم ما تستحقونه من ذلك
ولتمّ فصل القضاء بيني وبينكم، ولتخلَّصت سريعاً، وانقضى الأمر إلى آخره،
والله أعلم بالظالمين الذين لاأمل في صلاحهم ورجوعهم إلى الإيمان والحقّ
والعدل، لذا فإن إنزال العذاب بيده تعالى لا بيدي، والله أعلم كيف يعاقبهم،
ومتى يعاقبهم، وعلى أي نحو يجازيهم: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَءَ أَجَلُهُمْ لَا
(9)) [الأعراف: ٣٤/٧].
يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ
وقد أثير اعتراض: وهو كيف يوفق بين هذه الآية: ﴿قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا
تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ، لَقُضِىَ اٌلْأَمْرُ بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ﴾ وبين قوله وَّهِ: ((بل أرجو أن
يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله، لا يشرك به شيئاً))؟ والجواب: أن هذه
الآية عند سؤالهم العذاب، ففيها دلالة على أنه لو كان إليه وقوع العذاب
الذي يطلبونه حال طلبهم له، لأوقعه بهم؛ وأما الحديث: فليس فيه أنهم
سألوه وقوع العذاب بهم، بل عرض عليه ملك الجبال أنه إن شاء أطبق عليهم
الأخشبين: وهما جبلا مكّة اللذان يكتنفانها جنوباً وشمالاً، فلهذا استأنى
بهم، وسأل الرّفق لهم بالرّغم من أنه عرض عليه عذابهم واستئصالهم.
وقصة الحديث: هي مارواه الشيخان في الصحيحين عن عائشة أنها قالت
لرسول الله ﴾: يارسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أُحد؟
فقال: ((لقد لقيت من قومك، وكان أشدّ مالقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت
نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ماأردت، فانطلقت وأنا
مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا

٢٣٥
المُرُ (٧) - الأَنْقَا: ٥٦/٦-٥٨
بسحابة قد ظللتني، فنظرت، فإذا فيها جبريل عليه السّلام، فناداني فقال: إن
الله قد سمع قول قومك لك، وما ردّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال
لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال، وسلّم علي، ثم قال:
يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وقد بعثني ربّك إليك لتأمرني بأمرك
فيما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين، فقال رسول الله وَله: ((بل
أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً)).
فقه الحياة أو الأحكام:
الحقّ والباطل لا يجتمعان؛ لأن الحقّ قائم على الدَّليل والعقل، والباطل
منبعث من الأهواء والشهوات، لذا يستحيل على رسول الله أن يتّبع أهواء
قومه في عبادة الأصنام والأوثان، فهم يعبدونها بمحض الهوى والتقليد،
لا على سبيل الحجّة والدّليل، وهم كانوا ينحتون الأصنام، ويقبح عقلاً أن
يعبد العامل الصانع معموله ومصنوعه.
وليس إيقاع العذاب بمقدور النبي عليه الصّلاة والسّلام كغيره من البشر،
وإنما الأمر والحكم في ذلك الله وحده.
ودلّ قوله تعالى: ﴿إِنِ اُلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ على أنه لا يقدر العبد على أمر من
الأمور إلا إذا قضى الله به، فيمتنع منه فعل الكفر إلا إذا قضى الله به وحكم
به، وكذلك في جميع الأفعال؛ لأن نصّ الآية يفيد الحصر، بمعنى أنه لاحكم
إلا لله.
وكذلك وقت عقوبة الظالمين ومقدارها لا يعلم به غير الله، فهو تعالى يعلم
ذلك، ويؤخّره إلى وقته، ويقدره حسبما يشاء، يفعل كلّ ذلك بموجب
الحكمة، وهو العالم بكلّ شيء، يعجِّل ما تعجيله أصلح، ويؤخِّر ما تأخيره
أصلح.

٢٣٦
الُ (٧) - الأَنْزَقُل: ٥٩/٦-٦٢
كمال علم الله تعالى وقهره العباد
وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِّ وَمَا
تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِى ظُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَايِسٍ
إِلَّا فِي كِتَبٍ مُّبِينٍ ﴿ وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفَّكُمْ بِلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَ
يَبْعَنُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَقَّىٌ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْ جِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُمْ
تَعْمَلُونَ (
وَهُوَ اُلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ
اُلْمَوْثُ تَوَقَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ
ثُمَّ رُؤُّوَاْ إِلَى اللَّهِ مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ
اَلْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْخَسِينَ
القراءات:
{جَآءَ أَحَدَكُمُ
بإسقاط الهمزة الأولى مع المد والقصر، قرأ: قالون، وأبو عمرو. وبتسهيل
الهمزة الثانية، قرأ: ورش، وقنبل. وقرأ الباقون بتحقيقهما.
﴿ تَوَقَّتْهُ﴾ :
وقرأ حمزة: (توفاه) مع الإمالة.
الإعراب:
﴿مِن وَرَقَةٍ﴾: من زائدة من وجه، وغير زائدة من وجه؛ لأنها قد
أفادت معنى العموم، و﴿ وَرَقَةٍ﴾: في موضع رفع فاعل ﴿تَسْقُطُ﴾.
﴿وَلَا حَبَّةٍ﴾ أي ولا تسقط من حبّة في ظلمات الأرض . ﴿فِى ظُلُمَتِ
اُلْأَرْضِ﴾ صفة لحبَّة، وتقديره: كائنة في ظلمات الأرض.

٢٣٧
الُرعُ (٧) - الأَنْقُل: ٥٩/٦-٦٢
﴿إِلَّا فِي كِتَبٍ مُِّينٍ﴾ استثناء منقطع، وتقديره: إلا هو ((كائن)) في كتاب
مبين. والجار والمجرور في موضع رفع؛ لأنه خبر المبتدأ.
(تَوَقَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ التأنيث على تقدير: جماعة رسلنا. ومن قرأ: توقَّاه رسلنا
بالتّذكير، على تقدير: جمع رسلنا. كقولك: قامت الرجال وقام الرجال.
وهكذا في كلّ جماعة يجوز تذكير الفعل وتأنيثه، فالتذكير على معنى الجمع،
والتأنيث على معنى الجماعة.
﴿مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ﴾ ﴿مَوْلَئُهُمْ﴾: في موضع جرّعلى البدل من اسم الله تعالى،
و﴿اَلْحَقِّ﴾: صفة لمولاهم. ويجوز نصب ﴿اُلْحَقِّ﴾ إما على المصدر، أو
بتقدير: أعني.
البلاغة:
﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ استعار المفاتح للأمور الغيبية كأنها مخازن خزنت
فيها المغيبات. قال الزمخشري في الكشاف: ٥٠٩/١: جعل للغيب مفاتح على
طريق الاستعارة؛ لأن المفاتح يتوصّل بها إلى ما في المخازن المتوثق منها
بالإغلاق والأقفال، والمراد أن الله تعالى وحده هو العالم بالمغيبات، كمن
عنده مفاتح أقفال المخازن ويعلم فتحها، فهو المتوصل إلى ما في المخازن.
﴿وَهُوَ اُلَّذِى يَتَوَفََّكُمْ بِلَيْلِ﴾ استعار توفي الموت للنوم لما بينهما من
التشابه في زوال الإحساس والتمييز.
﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِ﴾ و﴿يَوَفََّكُمْ بِلَيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِلنَّهَارِ﴾
(الرطب واليابس) (الليل والنهار) بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿وَعِندَهُ﴾ أي الله تعالى. ﴿مَفَاتِحُ﴾ جمع مَفْتح أي مخزن، أو مِفتاح: وهو

٢٣٨
المُ (٧) - الْأَنْقَظُ: ٥٩/٦-٦٢
المفتاح الذي تفتح به الأقفال، والمراد هنا: خزائن الغيب أو الطرق الموصلة
إليه. ﴿أَلْبَرِ﴾ الأرض اليابسة. ﴿وَاَلْبَحْرِ﴾ المكان المتّسع للماء الكثير.
﴿يَتَوَفَّدَكُمْ﴾ التّوفي: الأخذ التّام الكامل، أو استيفاء الشيء أو إحصاء
عدده، ثم أطلق التّوفي على الموت؛ لأن الأرواح تقبض وتؤخذ أخذاً تاماً،
كما أطلق على النوم، وليس ذلك موتاً حقيقةً، بل هو قبض الأرواح عن
التصُّف بالنّوم كما يقبضها بالموت. ﴿جَرَحْتُمْ﴾ عملتم وكسبتم بالجوارح،
والجرح كالكسب يطلق على الخير والشرّ، والاجتراح: فعل الشرّ خاصة،
كما في قوله تعالى: ﴿أَمّ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَحُواْ السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١/٤٥].
يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ يوقظكم من النوم في النهار. ﴿لِيُقْضَىّ أَجَلٌ مُسَمٌَّ)
ليقضى: ينفذ، والأجل: هو أجل الحياة. ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي بالبعث،
﴿ثُمَّ يُنَبِئُكُم بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فيجازيكم به. ﴿حَفَظَةَ﴾ ملائكة تحصي
أعمالكم وهم الكرام الكتبة من الملائكة: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَخَفِظِينَ
كِرَامًا
(١١)﴾ [الانفطار: ٨٢ /١٠-١١].
كَتَتِبينَ
﴿تَوَقَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ هم الملائكة الموكلون بقبض الأرواح. ﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾
يقصِّرون فيما يؤمرون به . ﴿ثُمَّ رُدُّواْ﴾ أي الخلق. ﴿مَوْلَئُهُمُ﴾ مالكهم.
﴿اَلْحَقِّ﴾ الثابت العدل ليجازيهم. ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾ القضاء النافذ فيهم. ﴿وَهُوَ
أَسْرَعُ الْحَسِينَ﴾ يحاسب الخلق كلهم في قدر نصف نهار من أيام الدُّنيا، لحديث
وارد بذلك.
المناسبة:
الآيات متّصلة بما قبلها؛ لأنه تعالى قال في الآية الأولى: ﴿وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
بِالظَّالِمِينَ﴾ ثم ذكر هنا مدى سعة علمه وقدرته، فعنده مفاتح الغيب، وهو
المتصرِّف في الخلق أجمعين، وهو القاهر فوق عباده، وهو الحافظ المتوفي، وهو
المحاسب خلقه في أسرع وقت.

٢٣٩
الجُرَءُ (٧) - الأَنْقال: ٥٩/٦-٦٢
التفسير والبيان:
خزائن الغيب ومفاتيحها التي يتوصّل بها إلى عالم الغيب عند الله، وهو
المتصرّف فيها، وهو عالم الغيب والشهادة، ولا يعلم بالغيب أحد سواه،
وينفذ منها مايراه في الوقت المناسب لحكمته.
والغيبيات التي اختصّ الله بها خمس، روى البخاري عن ابن عمر عن النَّبي
وَخير قال: ((مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ
وَيُنَزِّكُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْأَرْحَاِ وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا تَحْسِبُ غَدًّا وَمَا
تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِ أَرْضِ تَمُوتُّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
(٣٤) ﴾ [لقمان: ٣٤/٣١])).
وجاء في الخبر أن هذه الآية لما نزلت نزل معها اثنا عشر ألف مَلَك.
وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: من زعم أن رسول الله وَ له يخبر بما
يكون في غدٍ، فقد أعظم على الله الفِرْية، والله تعالى يقول: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيِّبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥/٢٧].
وفي معناها أيضاً قوله تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ، أَحَدًا
إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦/٧٢-٢٧].
ويعلم سبحانه حديث النفس، ويعلم السر وأخفى، فقال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ
فَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴿١٨) وَمَا مِنْ غَِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِ
[النمل: ٧٤/٢٧-٧٥] وقال: ﴿يَعْلَمُ خَبِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى
٧٥
کِنپٍ ◌ُبِينٍ
[غافر: ٤٠ /١٩].
الصُّدُورُ
وجملة ﴿لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ توكيد للجملة السابقة.
ثم فصَّل تعالى ما أجمل، وعدَّد بعض نواحي العلم التي يحيط بها فقال:
﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِىِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِّ﴾ أي يعلم الأشياء المشاهدة لكم، كما يعلم
المغيبات، فيعلم كل ماهو كائن في البر والبحر، فعلمه محيط بجميع الموجودات

٢٤٠
لُرُ (٧) - الْأَنْتُ: ٥٩/٦-٦٢
بريها وبجريها، لا يخفى عليه من ذلك شيء، ولا مثقال ذرة في الأرض ولا في
السماء.
ويعلم سقوط أي ورقة من أوراق الشجر في أي مكان وزمان، في البر
والبحر، ويعلم الحركات حتى من الجمادات وبالأولى الحيوانات، ولا سيما
المكلفون منهم من الجن والإنس، ويعلم الأحوال المتعلقة بالذوات؛ إذ سقوط
الورق حال من الأحوال.
ويعلم ما تسقط من حبة في ظلمات الأرض، سواء بفعل الإنسان كالزارع،
أو الحيوان كالنمل، أو بغير فعل الإنسان كالساقط من النبات في شقوق
الأرض، ويعلم ما يسقط من الثمار، رطباً ويابساً، حياً وميتاً، وهكذا علم
كل الكائنات مكنون ثابت في كتاب واضح لايمحى هو اللوح المحفوظ، الذي
سجل فيه كل شيء، وسجل عدده ووقت وجوده وفنائه. وجعل الكتاب مبيناً؛
لأنه يبين عن صحة ماهو موجود فيه، قبل أن يخلق الله الخلق، وهذا قول
الزجاج، كما قال تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن ◌ُصِيبَةٍ فِ اُلْأَرْضِ وَلَا فِىّ أَنفُسِكُمْ إِلَّا
فِي كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢/٥٧]. واختار الرازي وصوب أن
الكتاب المبين هو علم الله تعالى لاغير(١).
والخلاصة: أنه تعالى يعلم الغيب والشهادة، والظاهر والباطن، والرطب
واليابس، والسر وأخفى وكل شيء في الكائنات، يعلم بالكليات وبالجزئيات.
ثم ذكر الله تعالى بعض مظاهر قدرته وتصرفه في الكون والمراحل التي يمر بها
الإنسان في أحوال المعيشة والموت والبعث وعند الحساب في الدار الآخرة
فقال: ﴿ وَهُوَ اُلَّذِى يَتَوَفَّكُمْ﴾ أي إن الله يتوفى عباده في منامهم بالليل أي
بالنوم، وهذا هو التوفي الأصغر، كما قال تعالى: ﴿اَللَّهُ يَتَوَفَ الْأَنْفُسَ حِينَ
(١) تفسير الرازي: ١١/١٣