النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ الُرعُ (٧) - الْأَنْزَمَا: ٣٨/٦-٣٩ كمال علم الله وتمام قدرته وعدم التفريط بشيء في القرآن ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِ اُلْأَرْضِ وَلَا طَيْرٍ يَطِيْرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّ أُمُّ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِىِ وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا صُنٌ وَبُّكُمُ ٣٨ اَلْكِتَبِ مِن شَىْءٍ ثُمَّ إِلَى رَيْهِمْ يُحْشَرُونَ فِى الُلُمَتِّ مَن يَشَدِ اللَّهُ يُضْلِلَةٌ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ٣٩ القراءات: ﴿صِرَاطٍ﴾: وقرأ قنبل: (سراط). الإعراب: ٠٠ ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ﴾ و﴿مَا فَرَّطْنَا فِىِ اُلْكِتَبِ مِن شَىْءٍ﴾ من في المكانين: صلة زائدة تفید التأکید. البلاغة: ﴿يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ أكد الطيران بالجناحين وهو لا يكون عادة إلا بهما، لدفع توهم المجاز؛ لأن الطائر قد يستعمل مجازاً للعمل كقوله: ﴿أَلْزَمْنَهُ طَهِرَهُ فِى عُنُقِهِ﴾. ﴿صُهُ وَبُكُمٌ﴾ تشبيه بليغ، أي كالصم البكم في عدم السماع وعدم الكلام، فحذفت منه الأداة ووجه الشبه. المفردات اللغوية: ﴿دَآبَةٍ﴾ الدابة: كل ما يدب على الأرض من إنسان أو حيوان. والدبّ: المشي الخفيف ﴿طَيّرٍ﴾ الطائر: كل ذي جناح يطير في الهواء، وجمعه طير. ٢٠٢ الجُرُ (٧) - الأَنْقَا: ٣٨/٦-٣٩ ﴿أُمَّمّ﴾ جمع أمة، وهي كل جماعة يجمعهم أمر كدين أو لغة أو صفة أو عمل أو زمان أو مكان. والمقصود من قوله: ﴿أَمَّمُّ أَمْثَالُكُمْ﴾ أنها كالإنسان في تدبير خلقها ورزقها وأحوالها ﴿مَّا فَرَّطْنَا﴾ ما تركنا، التفريط في الأمر: التقصير فيه وتضييعه حتى يفوت ﴿فِى الْكِتَبِ﴾ هنا: اللوح المحفوظ ﴿يُحْشَرُونَ﴾ الحشر: الجمع والسَّوْق، وبعد الحشر يقضي الله بينهم، ويقتص للجماء من القرناء، ثم يقول لأنواع الحيوان: كونوا تراباً. ﴿بِثَايَتِنَا﴾ القرآن ﴿صٌُ﴾ عن سماعها سماع قبول ﴿وَبُّكُمٌ﴾ عن النطق بالحق ﴿فِ الظُّلُمَتِ﴾ المراد هنا الكفر ﴿صِرَاطٍ﴾ طريق، والطريق المستقيم: هو دين الإسلام. المناسبة: بعد أن أبان الله تعالى أنه قادر على إنزال الآيات وسائر المعجزات وأنه لو كان إنزالها مصلحة لهم لفعلها ولأظهرها، ذكر الدليل على ذلك: وهو رعايته وعنايته ورحمته وفضله على كل ما يدب على الأرض، فإذا كانت آثار عنايته واصلة إلى جميع الحيوانات، لم يبخل بإظهار هذه المعجزات لو كان فيها مصلحة للمكلفين. التفسير والبيان: لا يوجد نوع من أنواع الدواب والطيور إلا وهي أمم مخلوقة أمثالكم أيها الناس وهي أيضاً أصناف مصنفة مثلكم، لها أرزاقها وآجالها ونظامها وأحوالها وطبائعها، والله تعالى يدبرها ويرعى شأنها ويحسن إليها. وخص دواب الأرض بالذكر؛ لأنها المرئية للكفار، أما ملكوت السماوات ففيه مالا يعلمه إلا الله وحده، وفيه من الكائنات الحية مالا يدرك حقيقته إلا الله، كما قال تعالى: ﴿ وَمِنْ ءَئِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ وَمَا بَثَّ [الشورى: ٢٩/٤٢]. ١٣٩ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ ٢٠٣ الجُرُ (٧) - الأَنْقَا: ٣٨/٦-٣٩ ولم يترك الله شيئاً أبداً إلا ذكره في الكتاب: وهو اللوح المحفوظ: (وهو شيء مخلوق في عالم الغيب دُوِّن فيه كل ما كان وما سيكون من مقادير الخلق إلى يوم القيامة) أي أن علم جميع المخلوقات عند الله، ولا ينسى واحداً منها من ﴿﴿ وَمَا رزقه وتدبيره، سواء كان في البر أو في البحر أو في الجو، كقوله: مِن دَآبَةٍ فِ اُلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْنَفَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلِّ فِ كِتَبٍ ج) [هود: ٦/١١]. والأظهر عند الرازي وجماعة: أن المراد بالكتاب: ◌ُبِینٍ القرآن؛ لأن اللام للعهد السابق، والمعهود السابق: هو القرآن. ثم يبعث الله جميع تلك الأمم من الناس والحيوان ويجمعها إليه يوم القيامة، جَ) [التكوير: ٥/٨١]. ويجازي كلاً منها، كما قال: ﴿وَإِذَا الْوُجُوشُ حُشِرَتْ روى الإمام أحمد عن أبي ذر أن رسول الله ﴿ ﴿ رأى شاتين تنتطحان فقال: ((يا أبا ذر هل تدري فيم تنتطحان؟)) قال: لا، قال: «لكن الله يدري وسيقضي بينهما)». وذكر عبد الله بن أحمد في مسند أبيه عن عثمان رضي الله عنه أن رسول الله و لو قال: ((إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة)). وأخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة في قوله: ﴿إِلَّ أُمُمُّ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِ اَلْكِتَبِ مِن شَىْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ قال: يحشر الخلق كلهم يوم القيامة، البهائم والطير وكل شيء، فيبلغ من عدل الله يومئذ أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني تراباً، فلذلك يقول الكافر: ﴿يَلَيْتَنِ كُتُ تُرَبًا﴾ [النبأ: ٤٠/٧٨]. أما الكافرون الذين كذَّبوا بآيات الله الدالة على الوحدانية وصدق الرسول وَ الر، فمثلهم في جهلهم وقلة علمهم وعدم فهمهم كمثل أصم: وهو الذي لا يسمع، أبكم: وهو الذي لا يتكلم، لا يسمعون دعوة الحق والهدى سماع قبول: ولا ينطقون بما عرفوا من الحق، وهم يتخبطون في ظلمات: ظلمة الشرك والوثنية، وظلمة عادات الجاهلية، وظلمة الجهل والأمية، فكيف يهتدي مثل الأصم والأبكم إلى الطريق، أو يخرج مما هو فيه؟ كقوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى أَسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِثُورِهِمْ ٢٠٤ الجزءُ (٧) - الأَنْتَمَا: ٣٨/٦-٣٩ ١٨ صُمْ بُكْمُ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ وَتَرَّكَهُمْ فِ ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ [البقرة: ١٧/٢-١٨] فهم غافلون عن تأمل ذلك والتفكير فيه. والله هو المتصرف في خلقه بما يشاء، فمن شاء إضلاله أضله ولم يلطف به؛ لأنه ليس من أهل اللطف، ومن شاء هدايته لطف به، وهداه إلى الصراط المستقيم وهو الإسلام؛ لأنه من أهل اللطف. والقول باللطف مذهب المعتزلة. فالإضلال والهداية بمشيئة الله حسب علمه أزلاً بالمخلوقات، فمن أضله فلإعراضه عن دعوة الله الحق، واستكباره عن النظر في الدلائل الموصلة إلى الرشاد، ومن هداه، أي وقَّقه إلى التفكير الجادّ واستخدام السمع والبصر والفؤاد أي العقل، فلأنه نظر نظرة مستقلة، دون تأثر بعوامل التقليد الموروثة. فقه الحياة أو الأحكام: الله قادر على كل شيء، رحيم بالمخلوقات، فكل الدواب والطيور جماعات مثل الجماعات الإنسانية، في أن الله خلقهم، وتكفَّل بأرزاقهم، فلا ينبغي أن تظلموهم، أو تتجاوزوا فيهم ما أمرتم به، قال الزجاج في قوله: ﴿إِلَّ أُمَّم أَمْثَالُكُمْ﴾ أي في الخلق والرزق والموت والبعث والاقتصاص. وهذا يرشدنا إلى ضرورة البحث والدرس في طبائع الحيوان، والاستفادة منها، فإن جميع ما في الأرض مخلوق لمصلحتنا ومنفعتنا. ودل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ أي للجزاء على أن البهائم تحشر كما يحشر الناس يوم القيامة، روى مسلم في صحيحه أن رسول الله وَ القتل قال: ((لتؤدّن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء - التي لا قرن لها - من الشاة القرناء)). ودل قوله: ﴿كَذَّبُواْ بِعَايَتِنَا صُرُّ وَبُكُمٌ﴾ أن كل أمة من الدواب وغيرها تهتدي لمصالحها، والكفار لا يهتدون ولا ينتفعون بأسماعهم وأبصارهم، وهم في ظلمات الكفر یتیهون. ٢٠٥ الْجُرُ (٧) - الأَنْتطا: ٣٨/٦-٣٩ وأرشد قوله: ﴿مَن يَشَلِ اللَّهُ يُضْلِلَهُ﴾ إلى أن الضلالة والهداية إلى الإسلام ج بمشيئة الله، على وفق علمه وحكمته واطلاعه الأزلي على حال كل إنسان، والله شاء ضلال الكافر وأراده لينفذ فيه عدله، ولكن لم يأمره به، وإنما دعاه إلى الإيمان، وأراد هداية المؤمن القائم على دين الإسلام، لينفذ فيه فضله. والمشيئة في الآية راجعة إلى الذين كذبوا، فمنهم من يضله ومنهم من يهديه. قال الرازي: وقد ثبت بالدليل أنه تعالى لا يشاء هذا الإضلال إلا لمن يستحق عقوبة، كما لا يشاء الهدى إلا للمؤمنين. ومشيئة الهدى والضلال، وإن كانت مجملة في هذه الآية، إلا أنها مخصصة مفصلة في سائر الآيات، فيجب حمل هذا المجمل على تلك المفصلات(١)، أي أن المجمل الغامض يفسر في ضوء الواضح المعلل. وأما دلالة قوله: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَبِ مِن شَىْءٍ﴾ فهي تختلف باختلاف القولين في تفسير الكتاب، فعلى القول بأن المراد منه: الكتاب المحفوظ في العرش، تكون الآية دالة على إحاطة علم الله بجميع أحوال المخلوقات كلاً وتفصيلاً تاماً، كما قال ◌َ ﴿ فيما رواه الطبراني: ((جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة)). وعلى القول الثاني الذي استظهره الرازي بأن المراد منه القرآن، تكون الآية دالة على كمال الشريعة وإحاطة القرآن بجميع أصول الأحكام ومبادئ الإسلام وأخلاق الدین. (١) تفسير الرازي: ٢٢١/١٢، وانظر أيضاً: ٤٨/٢ - ٥٣ ٢٠٦ الُ (٧) - الْأَنْفَظُل: ٤٠/٦-٤٥ اللجوء إلى الله وحده في الشدائد ﴿قُلُ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَنَكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَنَّكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اْللَّهِ تَدْعُونَ إِن بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا ٤٠ كُنتُمْ صَدِقِينَ تُشْرِكُنَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى أُمَمِ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَهُم ◌ِالْبَأْسَاِ وَالضَّرّءِ لَعَلَّهُمْ ٤١ فَلَوْلَا إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٤٣ بَضَرَّعُونَ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حٍَّ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوْنُواْ أَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ ٤٤ ٤٥ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ القراءات: ﴿أَرَءَيْنَكُمْ﴾ : بتسهيل الهمزة الثانية قرأ نافع، وقرأ الكسائي بحذفها، وقرأ الباقون بتحقيقها. ﴿ِلْبَأْسَكَةِ﴾ ﴿بَأَسُنَا﴾: وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً: (بالباساء ... باسنا). ﴿فَتَحْنَا﴾ : وقرأ ابن عامر: (فَتَّحنا). الإعراب: ﴿قُلُ أَرَءَيْتَكُمْ﴾ التاء هنا: ضمير مرفوع متصل في موضع رفع فاعل، والكاف والميم لمجرد الخطاب، ولا موضع لهما من الإعراب. ٢٠٧ الُرُ (٧) - الأَنْتُ: ٤٠/٦-٤٥ ﴿مِّن قَبْلِكَ﴾ ﴿مِّنِ﴾: صلة زائدة. البلاغة: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ فيه قصر صفة على موصوف، أي لا تدعون غيره لكشف الضر. ﴿فَقُطِعَ دَائِرُ اُلْقَوْمِ﴾ كناية عن إهلاكهم بعذاب الاستئصال. المفردات اللغوية: ﴿أَرَءَيْنَكُمْ﴾ أي أخبروني، وهو أسلوب عربي يفيد التعجب والاستغراب مما يأتي بعده ﴿اُلسَّاعَةُ﴾ القيامة المشتملة على العذاب بغتة ﴿إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾ في أن الأصنام تنفعكم فادعوها. ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾ أي يزيل ماتدعونه إلى أن يكشفه عنكم من الضر ونحوه ﴿إِن شَآءَ﴾ كشفه ﴿وَتَنسَوْنَ﴾ تتركون ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ من الأصنام فلا تدعونه . ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ رسلاً فكذبوهم ﴿بِالْبَأْسَاءِ﴾ بالشدة والعذاب والقوة وشدة الفقر، وتطلق أيضاً على الحرب والمشقة، والبأس: الشدة في الحرب ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ من الضر: ضد النفع، وهو المرض ﴿بَضَرَّعُونَ﴾ يتذللون، والتضرع: إظهار الضراعة والخضوع بتكلف ﴿ُبْلِسُونَ﴾ متحسرون يائسون من النجاة ﴿دَابِرُ اٌلْقَوْمِ﴾ آخرهم الذي يكون في أدبارهم. المناسبة: بعد أن أوضح الله تعالى غاية جهل أولئك الكفار، وأن علمه تعالى محيط بما في الكون، أبان شيئاً آخر من حال الكفرة وهو أنه إذا نزلت بهم بلية أو محنة، فإنهم يفزعون إلى الله تعالى ويلجؤون إلیه، ولا يتمردون على طاعته، وذلك تأثراً منهم بالفطرة التي أودع فيها توحيد الله والحاجة إليه. ٢٠٨ الجزرُ (٧) - الْأَنْتُ: ٤٠/٦-٤٥ التفسير والبيان: يخبر الله تعالى أنه الفعال لما يريد، المتصرف في خلقه بما يشاء، وأنه لا معقب لحكمه، ولا يقدر أحد على صرف حكمه عن خلقه، بل هو وحده لا شريك له الذي إذا سئل يجيب لمن يشاء. قل أيها الرسول للمشركين: أخبروني إن أتاكم عذاب الله، مثل الذي نزل بأمثالكم من الأمم السابقة كالخسف، والريح الصرصر العاتية، والصاعقة، والطوفان، أو أتتكم القيامة بأهوالها وخزيها ونكالها، أتدعون غير الله لكشف مانزل بكم من البلاء؟ أم تدعون آلهتكم الأصنام التي تفزعون إليها، إن كنتم صادقين في اتخاذكم آلهة معه؟ ثم أجابهم عن هذا التساؤل الموجّه للتبكيت والإلزام بقوله: ﴿بَلّ للإبطال لما تقدم. والجواب أنكم في وقت الشدة والمحنة والضرورة لا تدعون أحداً سوى الله، فأنتم تدعونه لكشف وإزالة مانزل بكم من الضرر، وهو يكشف ذلك على وفق حكمته ومشيئته، وتنسون ما تشركون أي تتركون آلهتكم، ولا تذكرون في ذلك الوقت إلا الله، كقوله عز وجل: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ اَلِفُّ فِ الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧/١٧] وقوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الْفُلْكِ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الْذِينَ فَلَمَّا نَنْهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ٦٥ [العنكبوت: ٦٥/٢٩] وقوله: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمِ مَّوٌْ كَلظلَلِ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَّهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم ◌ُقْنَصِدٌ وَمَا يَحْحَدُ بِهَايَشِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَارٍ [لقمان: ٣٢/٣١]. ١٣٢ گفُودٍ وذلك أن الله تعالى أودع في فطرة الإنسان التوحيد والإذعان للخالق الحقيقي، الباهر القدرة الذي تفوق قدرته كل شيء، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. وأما الشرك فهو شيء عارض موروث في الأقوام البدائية، حتى إذا نزلت المحنة تضرعوا إلى الله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠/٣٠]. + ٢٠٩ الُ (٧) - الْأَنْتُ: ٤٠/٦-٤٥ ثم ضرب الله المثل بالأمم السابقة وعقد قياساً للعبرة، وللإعلام بأن من سنته التشديد على عباده، ليرجعوا عن غيهم، ويعودوا إلى رشدهم فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ أي لقد أرسلنا رسلاً إلى أمم قبلك، فدعوهم إلى التوحيد وعبادة الله، فلم يستجيبوا لهم، فاختبرناهم بالبأساء والضراء، أي بالفقر وضيق العيش، والمرض والسقم والألم، لعلهم يدعون الله ويتضرعون إليه ويخشعون؛ إذ الشدائد تصقل النفوس، وتنبت الرجال وتهذب الأخلاق. وهذه الآية متصلة بما قبلها اتصال الحال بحال قريبة منها؛ لأن المشركين سلكوا في مخالفة نبيهم مسلك من كان قبلهم، فكانوا متعرضين لأن ينزل بهم من البلاء مانزل بمن كان قبلهم. ثم أكد تعالى الحض على التضرع فقال: فهلا تضرعوا إلينا خاشعين تائبين حين جاءهم بأسنا وظهرت بوادر العذاب، ولكن لم يفعلوا وقست قلوبهم، أي ما رقَّت ولا خشعت، فهي كالحجارة أو أشد قسوة، فلم يعتبروا، وزيَّن لهم الشيطان أفعالهم من الشرك والفجور والمعاندة والمعاصي، ووسوس لهم بأن يبقوا على ماكان عليه آباؤهم. ثم نزل بهم العقاب مقروناً ببيان سببه وحيثياته، فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا فَسُواْ﴾(١) أي لما أعرضوا عما ذكَّرهم به رسلهم من الإنذار والبشارة، وتناسوه، وجعلوه وراء ظهورهم، وأصرّوا على كفرهم وعنادهم، فتحنا عليهم أبواب الرزق وألوان رخاء العيش والصحة والأمن وغير ذلك مما يختارون، وهذا استدراج منه تعالى وإملاء لهم، حتى إذا فرحوا بما أوتوا من الأموال والأولاد والأرزاق، أخذناهم على غفلة بعذاب الاستئصال، فإذا هم آيسون من النجاة ومن كل خير. فهلك القوم الذين ظلموا أنفسهم بتكذيب الرسل والإبقاء على الشرك (١) ليس المراد به النسيان الغالب على الإنسان، وإنما بمعنی ترکوا ماذگّروا به. ٢١٠ الجُزْعُ (٧) - الْأَنْتُ: ٤٠/٦-٤٥ واستؤصلوا، فلم يبق منهم أحد، والثناء الخالص لله رب العالمين على إنعامه على رسله وأهل طاعته، ومعاقبة أهل الكفر والفساد. وهذا يشير إلى أن إبادة المفسدين نعمة من الله، وأن في الضراء والبأساء عبرة وعظة، وأن الانغماس في الترف وسعة المعيشة قد يكون استدراجاً ومقدمة للعقاب، وأن ذكر الله واجب في خاتمة كل أمر. روى أحمد عن عقبة بن عامر عن النبي ◌ّ قال: ((إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج)). ثم تلا رسول الله وَالينا: ﴿فَلَمَّا نَسُوْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ الآية. وفي رواية الطبراني والبيهقي في شعب الإيمان: ((إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد من الدنيا ما يحب، وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك منه استدارج)). أما المؤمن فلا يغتر بالنعمة ويصبر عند النقمة، روى مسلم عن صهيب مرفوعاً: ((عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له)). فقه الحياة أو الأحكام: الآية: ﴿قُلُ أَرَءَيْتَكُمْ﴾ حجة دامغة للمشركين، وهي مثل بارع في محاجَّتهم ومجادلتهم، فهم عند الشدائد يرجعون إلى الله، وسيرجعون إليه يوم القيامة أيضاً، فلِمَ هذا الإصرار على الشرك في حال الرفاهية؟! مع أنهم في وقت الشدة يتناسون الأصنام ويدعون الله في صرف العذاب، وهذا دليل على اعترافهم به. ومن رحمة الله تعالى بعباده تذكيره بأحوال الأمم السابقة للعبرة والعظة، وأنه يؤدب عباده بالبأساء (المصائب في الأموال) والضَرَّاء (المصائب في الأبدان) وبما شاء: ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ ﴾ [الأنبياء: ٢١/ ٢٣]. من أجل أن يرجعوا عما هم عليه من كفر وعصيان، ويثوبوا إلى رشدهم. ٢١١ الُ (٧) - الَنْظُ: ٤٠/٦-٤٥ ولكن العناد يصحب الكفر غالباً، لذا عاتب الله تعالى الكفار على ترك الدعاء، وأخبر عنهم أنهم لم يتضرعوا حين نزول العذاب، وربما تضرعوا بغير إخلاص، أو حين مباشرة العذاب، وهو غير نافع لهم حينئذ. ويفهم من ذلك أن الدعاء مأمور به في حال الرخاء والشدة، قال الله تعالى: ﴿أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠/٤٠] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠/٤٠] يعني: يستكبرون عن دعائي، وهذا وعید شدید. وأما وجود العناد من الكفار فدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَكِن قست قلوبهمْ أي صلبت وغلظت، وهي عبارة عن الكفر والإصرار على المعصية. وهم في ذلك متأثرون بالشيطان: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَنُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي أغواهم بالمعاصي وحملهم عليها. والإنعام على عبد ليس دليل الرضا عليه، وإنما إذا وجدت النعمة مع البقاء على المعصية، كان ذلك استدراجاً من الله تعالى، كما قال: ﴿ وَأُمْلِى لَهُمَّ إِنَّ (٤) [القلم: ٤٥/٦٨]. قال بعض العلماء: رحم الله عبداً تدبر هذه کیدِی مَتِینُ الآية: ﴿حَّ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوْنُواْ أَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً﴾. وقال محمد بن النضر الحارثي: أمهل هؤلاء القوم عشرين سنة. وقال الحسن البصري: والله ما أحد من الناس بسط الله له في الدنيا، فلم يخف أن يكون قد مُكِر له فيها إلا كان قد نقص عمله، وعجز رأيه. وما أمسكها الله عن عبد فلم يظن أنه خير له فيها، إلا كان قد نقص عمله، وعجز رأيه)). وإن تدمير الأقوام وإهلاك الأمم مأساة في عرفنا، ولكن في تقدير الله عبرة وعظة حتى لا يستشري الفساد. وتضمنت آية ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ﴾ على وجوب ترك الظلم؛ لما يؤدي إليه من العذاب الدائم، وتضمنت أيضاً وجوب حمد الله تعالى الذي يعاقب الظلمة، حتى لا يدوم الفساد، وينضب عنصر الخير. ٢١٢ الُعُ (٧) - الْأَنْتَقُل: ٤٦/٦-٤٩ من أدلّة القدرة الإلهية والوحدانيّة ومهام الرُّسل المرسلين ﴿قُلْ أَرَةَّيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اَللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَرَّكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَّنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيَكُمْ بِهِ أَنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِفُ الْآَيَتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ﴿ قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ وَمَا نُرْسِلَ ٤٧ أَنَّكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّ اُلْقَوْمُ الظَّالِمُونَ اُلْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينٌّ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٤٩٠ وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ٤٨٦ القراءات: ﴿أَرَيْتُمْ﴾: بتسهيل الهمزة الثانية قرأ: نافع، وقرأ الكسائي بحذفها، وقرأ الباقون بتحقیقهما. ﴿ يَصْدِفُونَ﴾ : بإشمام الصاد صوت الزاي، قرأ: حمزة، والكسائي، وخلف. وبالصاد الخالصة قرأ الباقون. الإعراب: ﴿مَنْ إِلَهُ﴾ ﴿مَنْ﴾: مبتدأ، و﴿إِلَهُ﴾ خبره، و﴿غَيْرٌ﴾ صفة له. ﴿يَأْتِكُمْ بِهِ﴾ الهاء تعود على معنى الفعل أي ما أخذ منكم. ﴿فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ﴾ ﴿مَنْ﴾: مبتدأ، وخبره: ﴿فَلَاَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ﴾ ودخلت الفاء في خبر المبتدأ؛ لأن ﴿مَنْ﴾ اسم موصول بالفعل بمنزلة الذي، كما تقدّم. ٢١٣ الْجُرُ (٧) - الْأَنْقَا: ٤٦/٦-٤٩ المفردات اللغوية: ﴿أَرَّيْتُمْ﴾ أخبروني. ﴿وَخَ﴾ طبع. ﴿نُصَرِّفُ﴾ نبين ونكرر على وجوه مختلفة. ﴿اُلْآَيَتِ﴾ الدّلالات على وحدانيتنا. ﴿يَصْدِفُونَ﴾ يُعْرضون عنها فلا يؤمنون. ﴿بَغْنَةً أَوْ جَهْرَةً﴾ ليلاً أو نهاراً. ﴿الظَّالِمُونَ﴾ الكافرون، أي ما يهلك إلا هم. (مُبَشِّرِينَ﴾ من آمن بالجنة. ﴿ وَمُنذِرِينَ﴾ من كفر بالنار. ﴿يَمَسُهُمُ﴾ المسّ: اللمس باليد، ويطلق على ما يصيب الإنسان بما يسيء غالباً من ضرّ أو شرّ. ﴿ يَفْسُقُونَ﴾ يخرجون عن الطاعة. المناسبة: الآيات متصلة بما قبلها في موضوع واحد، وهو إثبات القدرة الإلهية، وإقامة الدليل على وجود الله وتوحيده، وبيان مهام الرُّسل أو وظائفهم، مما يؤدي إلى إبطال الشرك وعبادة الأصنام. التفسير والبيان: قل أيها الرّسول لهؤلاء المشركين المكذبين المعاندين: أخبروني عما أنتم فاعلون إن سلبكم الله نعمة السمع والبصر، والفؤاد، فالسمع مفتاح المعرفة والتّفاهم مع الآخرين، والبصر لرؤية الأشياء والتّحكّم فيها والسَّيطرة عليها، والقلب أو الفؤاد محلّ الحياة والعقل والعلم، فلو تعطلت هذه القوى اختلّ أمر الإنسان وضاعت مصالحه في الدُّنيا والدِّين. وإذا كان الله هو المنعم بهذه النّعم، وجب أن لا يستحق التّعظيم والثَّناء والعبوديّة إلا الله تعالى. والختم على القلب: الطّبع عليه، بحيث يصبح غير قابل لنفاذ الهداية إليه، ولا لتعقل الأمور وإدراك النّفع والضَّرر، والحقّ والباطل. وقوله: ﴿يَأْتِيكُمْ بِّهِ﴾ معناه يأتيكم بما أخذ منكم، أي لا إله غيره يأتيكم بما سَلَبَ منكم. ٢١٤ لُرُ (٧) - الْأَنْقَظَم: ٤٦/٦-٤٩ انظر كيف نبيِّن الآيات، ونوضِّحها، ونفسّرها، ونكررها بألوان مختلفة وأساليب متعدِّدة، من إعذار وإنذار، وترغيب وترهيب، ونحو ذلك، دالّة على أنه لا إله إلا الله، وأن ما يعبدون من دونه باطل وضلال، فلو كان ما تعبدونه آلهة تنفع أو تضرّ لردّت عليكم هذا، وإن كنتم تعلمون أنها لا تقدر على شيء، فلماذا تدعونها، والدُّعاء عبادة، والعبادة لا تكون إلا لله الواحد القهّار. وانظر كيف يصدفون أي يعرضون، وقل لهم أيها الرَّسول: أخبروني إن أتاكم عذاب الله بغتةً أي فجأةً وأنتم لا تشعرون به، أو جهرةً أي ظاهراً عياناً تعاينونه وتنظرون إليه، أخبروني ماذا أنتم فاعلون؟ ولا يهلك إلا الظالمون الذين ظلموا أنفسهم بالشّرك بالله، وأصرّوا على الكفر والعناد، أي إنما يحيط العذاب بالظالمين أنفسهم بالشّرك بالله، وينجو الذين كانوا يعبدون الله وحده لا شريك له. ثم بَيَّن وظائف الرُّسل فقال: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي إنّ مهمة الرُّسل محصورة ببشارة المؤمنين بالجنة والخيرات، وإنذار من كفر بالله بالنار والعقوبات، ثم بيَّن مصير الفريقين: فمن صدَّق الرُّسل وآمن بقلبه بما جاؤوا به، وأصلح عمله باتباعه إياهم فلا خوف عليهم في المستقبل من عذاب الدُّنيا وعذاب الآخرة، ولا هم يحزنون يوم لقاء الله، على ما فاتهم في الماضي، وتركوه وراء ظهورهم من أمر الدُّنيا؛ لأن الله يحفظهم من كل فزع، كما قال تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ اُلْأَكْبَرُ وَنَشَقَّئُهُمُ الْمَلَبِكَةُ هَذَا يَوْمُّكُمُ الَّذِى كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء: ١٠٣/٢١]، ولا يحزنون في الدُّنيا مثل حزن المشركين في شدّته وطول مدّته، وإنما يصبرون على ما أصابهم، ويلتمسون الأجر عند الله، ويتأملون العوض منه؛ لأن الله تعالى أرشدهم للشكر عند النعمة والصبر عند النقمة، ٢١٥ المُ (٧) - الْأَنْتَلِ: ٤٦/٦-٤٩ وتفويض الأمر للخالق، كما قال: ﴿مَّا أَصَابَ مِن ◌ُصِيبَةٍ فِى الْأَرْضِ وَلَا فِىّ أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبَْهَاْ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ٢٢ لِكَيْلَا تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآ ءَاتَئِكُمْ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلّ مُخْتَالٍ [الحديد: ٥٧/ ٢٢ - ٢٣]. (٢٣) فَخُورٍ ومن كذب بآيات الله التي أرسلنا بها الرُّسل، ينالهم العذاب بما كفروا وجحدوا بما جاءت به الرُّسل، وخرجوا عن أوامر الله وطاعته، وارتكبوا المنهيّات المحظورات، وكان جزاء كفرهم وفسادهم في الدُّنيا بأنواع النّقمة، وفي الآخرة بألوان الغضب والسّخط في جهنم. أما خير الدُّنيا الذي ينعم به الكافر فمتاع قليل، وشيء تافه حقير إذا قورن بخير الآخرة. فقه الحياة أو الأحكام: الله الذي خلق الخلق، وزوّدهم بمفاتيح المعرفة من السَّمع والبصر والعقل، قادر على أن يسلبهم إيّاها، وإذا سلبت من يستطيع تعويضهم عنها؟ لا أمل بغير الله. وإذا عذبوا فجأةً أو عياناً ظاهراً بسبب كفرهم ومعاصيهم، فإن عَدْل الله يقتضي ألايهلك إلا الظالمين أنفسهم بالشّرك بالله، وينجي المؤمنين الأتقياء من ذلك العذاب. ووظائف الرُّسل محصورة بالتبشير والإنذار، أي بالترغيب والترهيب، قال الحسن البصري: مبشرين بسعة الرّزق في الدُّنيا والثواب في الآخرة؛ يدلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْ لَفَنَحْنَا عَلَيْهِم بَرَّكَتٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ [الأعراف: ٩٦/٧]. والإنسان وحده هو الذي يسجّل لنفسه ما يستحق من نعمة أو نقمة، فإذا آمن بالله ربّاً وأصلح عمله، حظي بالأمان والسعادة والسرور، وإذا كذَّب بآيات الله المنزلة على رسله، مسَّه العذاب بكفره وفسقه. ٢١٦ الُرُ (٧) - الأَنْقَا: ٥٠/٦-٥٣ بالوحي مَى اله وَسَّلم انحصار مصدر علم النبي ومهمته في الإنذار وعدم طرد الضعفاء ﴿قُل لَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيّبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِّ مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىّ إِلَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَاُلْبَصِيرُ أَفَلَا تَنَفَكَّرُونَ ٥٠ وَأَنْذِرُ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمُ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ، وَإِىٌّ وَلَا شَفِيَعُ لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ ﴿﴿ وَلَا تَظْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَمُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ وَكَذَلِكَ فَتَنَا بَعْضَهُم بِبَعْضِ لِيَقُولُواْ فَتَظْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (يَهَا أَهَؤُلَاءٍ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّكِرِينَ القراءات: ﴿ بِالْغَدَوْةِ﴾ : وقرأ ابن عامر: (بالغُدْوَة). الإعراب: جملة ﴿لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ، وَلِىٌ﴾ حال من ضمير ﴿يُحْشَرُواْ﴾ بمعنى يخافون أن يحشروا غير منصورين ولا مشفوعاً لهم. ﴿بِالْغَدَوَةِ﴾ إنما دخلت الألف واللام على ((الغداة) لأنها نكرة عند جميع العرب. وأما غُدوة فأكثر العرب يجعلها معرفة ويمنعها من الصّرف. ومنهم من يجعلها نكرة ويصرفها. ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ﴾ من الأولى للتبعيض، ومن الثانية زائدة. و﴿شَىْءٍ﴾: في موضع رفع؛ لأنه اسم ﴿مَا﴾ ومثله: ﴿وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ﴾. ٢١٧ الجُرُ (٧) - الْأَنْقال: ٥٠/٦-٥٣ ﴿ فَتَطِّرُدَهُمْ﴾ منصوب؛ لأنه جواب النفي. ﴿فَتَكُونَ﴾ جواب النّهي، وتقديره: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، فتكون من الظالمين، وما عليك من حسابهم من شيء فتطردهم. ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنْ بَيْنِنَا﴾ ﴿أَهَتُؤُلَاءِ﴾: في موضع نصب الفعل مقدر، يفسّره: ﴿مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنْ بَيْنِنَا﴾ كما تقول: أزيداً مررتُ به، فإن الاختيار فيه النّصب؛ لأن الاستفهام يقتضي الفعل ويطلبه، وهو أولى به من الاسم. البلاغة: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ﴾ في الجملتين ما يسمّى ردّ الصدر على العجز. المفردات اللغوية: ﴿خَزَآئِنُ﴾ جمع خزانة وخزينة: وهي ما يخزن فيها الشيء الذي يراد حفظه ومنع التصرف فيه. و﴿خَزَابْنُ اٌللَّهِ﴾: التي منها يرزق، والمراد: ليست أرزاق العباد بيدي . ﴿اُلْغَيْبَ﴾ ماغاب علمه عن جميع الخلق، واستأثر الله بعلمه. اُلْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ المراد بهما هنا الكافر والمؤمن أو الضّال والمهتدي. ﴿وَأَنْذِرْ﴾ خوِّف. ﴿بِهِ﴾ أي بالقرآن. ﴿لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ﴾ غيره. ﴿وَلِىٌّ﴾ ناصر ينصرهم . ﴿ وَلَا شَفِيْعٌ﴾ وسيط يتشفع لهم. والمراد بقوله: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ المؤمنون العاصون. ﴿لَّعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ﴾ الله بإقلاعهم عماهم فيه، وعمل الطاعات. ﴿تَظْرُدِ﴾ الطرد: الإبعاد. ﴿بِالْغَدَوَةِ﴾ أو الغدوة كالبكرة: مابين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. ﴿ وَاَلْعَشِّ﴾ آخر النهار، أو من المغرب إلى العشاء. ٢١٨ الٌعُ (٧) - الأَنْتَقُل: ٥٠/٦-٥٣ والمراد جميع الأوقات . ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي يريدون بعبادتهم وجه الله تعالى أي ذاته، لاشيئاً من أعراض الدُّنيا، وهم الفقراء، وكان المشركون طعنوا فيهم، وطلبوا أن يطردهم ليجالسوه، وأراد النبي مثل ذلك، طمعاً في إسلامهم. ﴿حِسَابِهِم﴾ أي حساب إيمانهم وأعمالهم الباطلة. ﴿فَتَنَّا﴾ ابتلينا واختبرنا. ﴿بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ أي الشريف بالوضيع، والغني بالفقير، بأن قدّمناه بالسَّبق إلى الإيمان. ﴿لِيَقُولُواْ﴾ أي الشُّرفاء والأغنياء منكرين معترضين. ﴿مَنَ اَللَّهُ عَلَيْهِم﴾ أنعم الله عليهم بنعم كثيرة، أهمها الهداية، أي لو كان ماهم عليه هدى، ماسبقونا إليه. ﴿مِّنْ بَيْنِناً﴾ أي من دوننا. ﴿أَلَيْسَ اَللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ له، فیھدیهم؟ بلى. سبب النزول: نزول الآية (٥٢): ﴿ وَلَا تَظْرُرِ﴾: روى ابن حبان والحاكم عن سعد بن أبي وقاص قال: لقد نزلت هذه الآية في ستة: أنا وعبد الله بن مسعود وأربعة قالوا لرسول الله وَلّ: اطردهم، فإنا نستحي أن نكون تبعاً لك كهؤلاء، فوقع في نفس النبي ◌َل ماشاء الله، فأنزل الله: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم﴾ إلى قوله: ﴿أَلَيْسَ اَللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّكِرِينَ﴾ وسأذكر رواية أخرى لمسلم في الموضوع. وروى أحمد والطبراني وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: ((مرَّ الملأ من قريش على رسول الله وَل﴿ وعنده خبّاب بن الأرت وصُهَيب وبلال وعمار، فقالوا: يا محمد، أرضيتَ بهؤلاء؟ أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا؟ لو طردت هؤلاء لاتَّبعناك، فأنزل الله فيهم القرآن: ﴿وَأَنذِرُ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُواْ﴾ إلى قوله: ﴿سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾)). ٢١٩ الُ (٧) - الْأَنْتُم: ٥٠/٦-٥٣ وأخرج ابن جرير الطبري وابن المنذر عن عكرمة قال: جاء عُتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ومُطعِم بن عدي، والحارث بن نوفل(١) في أشراف بني عبد مناف من أهل الكفر إلى أبي طالب، فقالوا له: لو أن ابن أخيك يطرد هؤلاء الأعبد، كان أعظم في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتِّباعنا إيّاه، فكلَّم أبو طالب النَّبِي وَّ، فقال عمر بن الخطاب: لو فعلنا ذلك حتى ننظر ماالذي يريدون؟ فأنزل الله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ الآية إلى قوله: ﴿أَلَيْسَ اَللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّكِرِينَ﴾ - وكانوا بلالاً، وعمار بن ياسر، وسالماً مولى أبي حُذَيفة، وصالحاً(٢) مولى أُسَيد، وابن مسعود، والمقداد بن عمرو (٣). وواقد بن عبد الله الحنظلي وأشباههم - فأقبل عمر، فاعتذر من مقالته، فنزل: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِثَايَتِنَا﴾ الآية. ويلاحظ أن هذه الرّوايات مختلفة، فبعضها ذكر نزول الآية إلى نهاية الآية [٥٣]، وبعضها أدخل الآيتين [٥٤-٥٥]. والرواية الأولى ذكرت ابن مسعود مع أئمة قريش، والرّواية الأخيرة ذكرته مع المطلوب طردهم. المناسبة: هذه الآية تتمة لما قبلها: ﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِِّ﴾ ومبيِّنة لحدود وظائف الرُّسل بكونهم مجرّد مبشرين ومنذرين، فالله يأمر رسوله بأن يقول لهؤلاء الأقوام: إنما بعثت مبشراً ومنذراً، وليس لي أن أتحكّم على الله، ومأمور أن أنفي عن نفسي أموراً ثلاثة: ليس عندي خزائن الله، ولا أعلم الغيب، ولست ملكاً من الملائكة. والفائدة من نفي هذه الأحوال: إظهار الرّسول تواضعه لله وعبوديته له. ردّاً على اعتقاد النصارى في عيسى عليه (١) في رواية: والحارث بن عامر، وقَرَظة بن عبد عمر بن نوفل. (٢) وفي رواية: ((وصُبَيْحاً)). (٣) وفي رواية: والمقدام بن عبد الله، وعمرو بن عمرو ذو الشمالين، ومرثد بن أبي مرثد. ٢٢٠ الجُرُ (٧) - الْأَنْتَفَا: ٥٠/٦-٥٣ السّلام، وإظهار عجزه عن الإتيان بالمعجزات المادية القاهرة القوية، فهذا من قدرة الله اللائقة به، ويعني ذلك أنه لا يدعي الألوهية ولا الملكية. التفسير والبيان: كان المشركون يطلبون من النبي وَّ معجزات ماديّة قاهرة، جهلاً منهم بمهمّة الرّسول ورسالته، فأنزل الله: قل أيها الرّسول لهؤلاء: لست أملك خزائن الله ولا أقدر على قسمتها وتوزيعها والتّصرّف فيها، فهذا لله وحده يعطي منها لعباده مايشاء على وفق الحكمة وضمن قيد الأخذ بالأسباب التي تؤدي إلى النتائج والمسببات. ولا أقول لكم: إني أعلم الغيب، فذاك لله عزّ وجلّ، ولا أطّلع منه إلا ما أطلعني عليه، كما قال: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًا إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦/٧٢ -٢٧]. ولا أدّعي أني ملَك من الملائكة، إنما أنا بشر من البشر، يوحى إليّ من الله عزّ وجلّ، فلا أستطيع أن آتي بمالا يقدر عليه البشر. والمعنى في هذه الأمور الثلاثة: أني لست أدّعي الألوهية، ولا علم الغيب، ولا الملكيّة، حتى تطلبوا مني ماليس في طاقتي وقدرتي، إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ القرآن وبيانه، ولست في هذا مبتدعاً، إنما سبقني إلى الرِّسالة رسل کثیرون قبلي. ووظيفة الرّسول: اتِّباع الوحي، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىّ إِلَىّ﴾ أي لست أخرج عنه قيد شبر ولا أدنى منه. ثم وتَّجهم الله على ضلالهم مبيّناً لهم أنه لا يستوي الضَّال والمهتدي فقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى اُلْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ أي قل للمشركين المكذبين: هل يستوي من اتّبع الحق وهُدي إليه، ومن ضلَّ عنه وحاد عن الحقّ؟